اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان، في شرحه لكتاب «إمكان الإيثار» لتوماس نيغل، أن الحياة المثلى هي حياة بلا نقص، تشكّل الأخلاق جوهرها الأساسي. والسؤال المطروح هو: هل يسعى الإنسان وراء مصالحه فحسب، أم أنّه يتوخّى مصالح الآخرين؟

أتقدّم بتحية الاحترام والتقدير إلى جميع السيدات والسادة الحاضرين. لقد طُلب مني أن أوضح خلاصة ما قاله توماس نيغل، فيلسوف الأخلاق الأمريكي، في كتابه «إمكان الإيثار». إن كتاب توماس نيغل كتاب شديد الإيجاز والتركيز، وبطبيعة الحال، وبسبب هذا الإيجاز والتركيز، فهو شديد الصعوبة. كل من تحدث عن هذا الكتاب بعد صدوره أكد على غناه رغم اختصاره. وبسبب هذا الإيجاز، فإن الحديث عن مطالب هذا الكتاب يستغرق ساعات وساعات، وهو بالطبع ليس في وسعي. لكن يمكنني أن أوضح للأصدقاء ما الجديد في كلام توماس نيغل. يوجه توماس نيغل في هذا الكتاب نقداً كثيراً إلى فلاسفة الأخلاق من قبله، ومن هذه الناحية، حظي هذا الكتاب بالاهتمام لما فيه من نقد وتساؤل. يطرح نيغل أسئلة كثيرة أمام فلاسفة الأخلاق السابقين عليه، ليبين أنه ينبغي أن يُقال كلام جديد في هذا الباب، وأن الأقوال التي قيلت سابقاً ليست قابلة للدفاع العقلي. وأنا بالطبع لن أتطرق إلى فلاسفة الأخلاق الذين انتقدهم نيغل. أي أنني أريد أن أُنسي الآن الوجه السلبي لهذا الكتاب، ولا أقول ما الذي ينفيه نيغل في هذا الكتاب، ومثلاً ماذا قال في نفي هيوم أو جون ستيوارت مل أو هوبز أو كانط أو في نفي عظماء فلاسفة الأخلاق في الغرب. سأتناول الوجه الإيجابي من كلامه؛ أي ما طرحه هو نفسه في مقام حل المسألة.
1
ربما يكون من الجيد أن أبدأ من هنا، وهو أن الحياة المطلوبة أو الحياة المثالية كانت أهم مسألة من وجهة نظر الفلاسفة والعرفاء ومؤسسي الأديان والمذاهب والإلهيين وحكماء التاريخ. صحيح أن طريقة مواجهة هؤلاء المفكرين لهذه المسألة كانت تختلف كثيراً فيما بينهم، لكنهم جميعاً كانوا متوجهين إلى هذه المسألة نفسها: ما هي الحياة المطلوبة/المثالية/المُثلى؟ الحياة المثالية تعني حياة لا يبقى فيها شيء يُتمنى. هذا السؤال، في ظني، وبالنظر الدقيق، ليس سؤالاً فلسفياً. بل هو سؤال ينبغي لكل شخص أن يرجع فيه إلى حدسه الخاص ويرى لو كانت حياته كيف، لما كان لديه حقاً ما يتمناه فيها، ولما كان يرى نقصاً وعيباً في حياته، ولما كان يغبط حياة أخرى. هذه الخصائص الثلاث، أي ألا يكون لديه أمنية أخرى، وألا يرى عيباً ونقصاً في الحياة، وألا يغبط حياة غيره، هي علامات الحياة المثالية وحياة الكمال المنشود. وبالطبع، ينبغي لكل شخص أن يرجع إلى شعوره الخاص ويجيب [عن هذا السؤال]؛ لكن الفلاسفة سعوا إلى نقد الإجابات التي نقدمها نحن البشر عن هذا السؤال. إذن، في حين أن هذه المسألة هي مسألة تعود إلى الشعور النفسي لكل واحد منا، فإن المساعدة التي يقدمها لنا الفلاسفة هي أنهم يروننا أننا إذا تدخلنا وتأملنا أكثر في تصورنا للحياة المثالية، نرى أشياء من قبيل القصور، ولا يزال فيها عيب ونقص، ولا يزال فيها شيء يُتمنى، ولا يزال يمكن أن نغبط حياة أخرى.
الآن، ومع أن الإجابات التي قدّمها البشر عبر التاريخ على هذا السؤال قد أُحصيت وصُنّفت، فإن هذه الإجابات ليست موضوع نقاش اليوم؛ كما أنها ليست موضوع نقاش توماس نيغل في كتاب «إمكان الإيثار». لكن ثمّة نقطة، وهي أن معظم الذين تصوّروا حياتهم المثالية عبر التاريخ اعتبروا أن الأخلاقية هي إحدى مكوّنات الحياة المثالية على الأقل. وإن لم يعتبروها المكوّن الوحيد، وهو ما لم يفعلوه غالباً، فقد قالوا على الأقل إن الحياة المثالية في نظرنا هي حياة أخلاقية؛ أي أننا نرغب في ألا نُسبّب ألماً ومعاناة غير ضروريين لأي أحد. حسناً، إن عدم تحميل الآخر ألماً ومعاناة غير ضروريين هو لبّ الحياة الأخلاقية. جوهر الحياة الأخلاقية هو ألا أُحمّل الآخر ألماً ومعاناة غير ضروريين. حتى أكثر البشر شرّاً، لو أرادوا تصوّر حياتهم المثالية، لقالوا: ليت لي حياةً أحصل فيها على كل ما حصلت عليه بالظلم، ولكن دون ظلم. هذا يدل على تلك النقطة التي عبّر عنها كثير من المفكرين عبر التاريخ بأن الإنسان ذو طبيعة أخلاقية. كوننا لا نعيش أخلاقياً يعود إلى أنه يبدو لنا أننا إن عشنا أخلاقياً فلن نتمكن من تحقيق كثير من رغباتنا الأخرى. وإلا، لو قيل لأحدهم إن كل رغباتك ستُلبّى بالقدر نفسه في حياة ظالمة وفي حياة غير ظالمة، لقال بالطبع: إذن الأفضل ألا تكون حياتي ظالمة. ولأن الأمر كذلك، فإن كل من تحدثوا عن الحياة المثالية قالوا إن الحياة الأخلاقية هي إحدى مكوّنات الحياة المثالية على الأقل.
2
لكن السؤال هو: ما معنى الحياة الأخلاقية؟ من هنا يدخل نيغل في صلب الموضوع في هذا الكتاب. إذا أردت أن أعرض كلام نيغل بتقديم وتأخير منطقي، فينبغي أن أبدأ في الواقع على هذا النحو: ثمة نقاش قديم في علم النفس وفي علم النفس الفلسفي وفي الفلسفة أساساً، وهو: هل الإنسان مخلوق على نحو يجعله لا يسعى إلا وراء مصالحه الشخصية فحسب، أم أنه مخلوق على نحو يجعله يفكر أحياناً في مصالحه الشخصية وأحياناً في مصالح كائنات أو بشر آخرين غيره؟ هذا خلاف في الرأي عميق جداً عبر التاريخ. بعض المفكرين كانوا يعتقدون أن الإنسان مخلوق على نحو يجعله في الحياة، فقط وفقط، شاء أم أبى، عَلِم أم لم يعلم، بوعي أو بلا وعي، طواعية أو كرهاً، لا يفكر في كل شيء إلا في مصالحه الشخصية، وليس له همّ سوى السعي وراء مصالحه الشخصية، ومهما يفعل فإنه في المحصّلة وفي التحليل النهائي يمكن أن نُظهر أنه كان يتعقب أثر مصالحه الخاصة. لكن ثمّة مفكرون كانوا يقولون إن بنية الإنسان الجسدية والذهنية والنفسية تجعله قادراً في حياته على السعي وراء مصالحه الشخصية، وقادراً أيضاً على السعي وراء مصالح الآخرين. هذا النقاش نقاش سيكولوجي ولا علاقة له بالأخلاق بعد. لأن السؤال سؤال سيكولوجي؛ أي أننا نريد أن نقول ما الذي تقتضيه هذه البنية.
إذا أجبتَ عن هذا السؤال بالجواب الأوّل وقلتَ إنّ الإنسان قد صُنِع على نحوٍ لا يستطيع فيه إلّا أن يفكّر في مصالحه الشخصيّة، فحينئذٍ إمّا أن تندثر الأخلاق ويغدو لا معنى لها، وإمّا أن تنشأ أخلاقٌ تستطيع أن تبيّن أنّ العيش الأخلاقيّ يصبّ في مصلحتك في نهاية المطاف، وبما أنّه في النهاية يصبّ في مصلحتك أنت، فعِشْ إذن حياةً أخلاقيّة. أمّا إذا أجبتَ عن السؤال بالجواب الثاني، أي أن تقول إنّ الإنسان قد صُنِع على نحوٍ يستطيع فيه أن يفكّر في مصالحه الشخصيّة وفي مصالح الآخرين معًا، فحينئذٍ لن تزول الأخلاق بالطبع؛ ولكن سينشأ نوعان من الأخلاق: الفئة الأولى، هي المدارس الأخلاقيّة، والأنساق الأخلاقيّة، والنظريّات الأخلاقيّة التي تقول إنّ عيشك الأخلاقيّ يتحقّق بسعيك وراء مصالحك أنت، ولا حاجة بك لكي تعيش أخلاقيًّا أن تفكّر في مصالح الآخرين، وإن أردتَ أن تعيش حياةً أخلاقيّة فعليك، من قبيل الصدفة، أن تفكّر في نفسك، فالإنسان حين يفكّر في نفسه يعيش حياةً أخلاقيّة. والفئة الثانية هي الأنساق الأخلاقيّة، والمدارس الأخلاقيّة، والنظريّات الأخلاقيّة التي تقول إن أردتَ أن تعيش حياةً أخلاقيّة فعليك أن تفكّر في مصالح الآخرين، فالأخلاق تُطبَّق، وتكون أنت ذا حياةٍ أخلاقيّة، حين تفكّر في مصالح الآخرين.
جواب توماس نيغل عن السؤال الأوّل هو أنّ الإنسان قد صُنِع على نحوٍ يستطيع فيه أن يكون أنانيًّا وأن يكون إيثاريًّا معًا، وليس مجبورًا بحكم بنيته على الأنانيّة. وأمّا جوابه عن السؤال الثاني فهو أنّ كون المرء أخلاقيًّا لا يكون إلّا بأن يسلك مسلك الإيثار، وما دام المرء أنانيًّا فليس بأخلاقيّ. لا أنّه ضدّ الأخلاق؛ بل هو ليس بأخلاقيّ؛ أي أنّه يسعى وراء السعادة، لا وراء الخير؛ والخير هو الأخلاقيّة. فإن سعيتُ وراء مصالحي الشخصيّة لم أرتكب جناية؛ لكنّني لم أخطُ بعدُ إلى مملكة الأخلاق، وأنا في الواقع أسعى وراء مكوّنٍ آخر من مكوّنات الحياة المثلى، وهو مكوّن السعادة في حياتي. فإن أردتُ أن يتحقّق مكوّن الخير في الحياة، أي أخلاقيّة الحياة، فلا مناص لي من أن أكون إيثاريًّا. إذن فالأخلاقيّة ممكنة فقط بالإيثار، وأنت بأنانيّتك لست بأخلاقيّ. وفي هذا يتّفق نيغل تمامًا مع كانط. فقد كان كانط يعتقد، وكان أوّل مفكّرٍ دافع بجدٍّ عن أنّ الإنسان ما دام في مملكة الأنانيّة فهو في مملكة السعادة، وإن أراد أن يدخل مملكة الخير فلا مناص له من أن يكون إيثاريًّا.
3
والسؤال الآن هو: إذا كان ينبغي للإنسان في الأخلاق أن يكون إيثاريًّا، فكيف يستطيع أن يصير إيثاريًّا؟ فالإنسان، في نهاية المطاف، لديه حبّ الذات دائمًا، وما دام لديه حبّ الذات وهو محبٌّ لنفسه، فنتيجة حبّه لذاته، كما قال القدماء، هي صيانة الذات؛ أي أنّه يريد أن يحفظ نفسه ويصونها، وينبثق عن صيانة الذات مولودان: جلب المنافع إلى النفس، ودفع المضارّ عنها ورفعها. حسنًا، إنسانٌ محبٌّ لنفسه كهذا، كيف يستطيع أن يكون إيثاريًّا؟ هنا تكمن عبقرية نيغل، وهي عبقرية لم يستطع أحدٌ قبل نيغل في التاريخ أن يحقّقها، وهي كيف يمكننا، في الوقت الذي نحن فيه محبّون لأنفسنا، أن نكون إيثاريّين في الأخلاق، بل وينبغي لنا أن نكون إيثاريّين.
الآن إذا أردنا الرد على نيغل، ينبغي أولاً الانتباه إلى كيفية صدور الفعل الإرادي منا في الحياة، لنرى بعد ذلك كيف يصدر عنا الفعل الإرادي الأخلاقي. نحن نعلم في علم النفس، منذ قرابة مئة عام حتى الآن، أن نظام التحفيز لدى الإنسان هو نظام الاعتقاد-الرغبة. أي أنه لأي فعل إرادي يقوم به الإنسان، من رفّ الجفن إلى أعظم الأنشطة الاجتماعية والسياسية والأنشطة الروحية والمعنوية، إذا كان ذلك الفعل إرادياً، فلا بد أن تجتمع لديه رغبة واحدة مع عدة اعتقادات. فإذا لم تنشأ لديك رغبة واحدة على الأقل وعدة اعتقادات، فمن المستحيل أن تقدم على فعل إرادي، حتى لو كان ذلك الفعل الإرادي مجرد رفع كأس. هذا ما يسمى بنظام التحفيز القائم على الرغبة-الاعتقاد أو الاعتقاد-الرغبة (طبعاً هناك فرق دقيق بين الاعتقاد-الرغبة والرغبة-الاعتقاد، لكننا الآن نتحدث عن القاسم المشترك بينهما). افترضوا أنني أشعر الآن بالحر هنا. فبما أنني أعتبر جو هذا المكان أدفأ من الحد المرضي والمطلوب لدي، وبما أن بنيتي الجسمية والذهنية والنفسية تجعلني أعاني من الحرارة الأعلى من الحد، فإن الرغبة في انخفاض درجة حرارة هذا المكان تنشأ لدي. لكن هذه الرغبة وحدها لا تدفعني بعد إلى الفعل الإرادي، بل لا بد أن تتضافر إلى جانبها عدة اعتقادات، وغالباً ما تكون كثيرة. مثلاً، يجب أن أعتقد أن درجة حرارة هذه الغرفة يمكن خفضها، ويجب أن أعتقد أن درجة حرارة هذا الجو يمكن خفضها بفتح النوافذ، ويجب أن أعتقد أنني أملك القدرة على الذهاب إلى جانب النوافذ، وهكذا... حين تجتمع كل هذه الاعتقادات مع تلك الرغبة، حينها أعزم على فتح النافذة، ثم يتم بيدي الفعل الإرادي المتمثل في فتح النافذة. لا يوجد أي فعل إرادي إلا وقد اجتمعت فيه رغبة واحدة مع عدد n من الاعتقادات.
والآن يدور الحديث حول أنه إذا كان نظام التحفيز لدينا بهذا الشكل، حيث يجب أن تتضافر الرغبة والاعتقاد عندما نريد الإقدام على فعل إرادي، فأيهما أثقل وزناً: الرغبة أم الاعتقاد؟ (هذا ما كنت أقصده بأن نظام الاعتقاد-الرغبة يختلف عن نظام الرغبة-الاعتقاد. إذا قلتم إن نظام التحفيز هو الاعتقاد-الرغبة، فهذا يعني أنه صحيح أن الاعتقاد والرغبة يجب أن يتضافرا، لكن قوة الاعتقاد أكبر من قوة الرغبة، وإذا قلتم إن نظام التحفيز هو الرغبة-الاعتقاد، فهذا يعني أن قوة الرغبة أكبر من الاعتقاد.) كان أشخاص مثل هوبز وهيوم في فلسفة الأخلاق وعلم النفس الأخلاقي يعتقدون أن قوة الرغبة أكبر من قوة الاعتقاد. لكن كانط كان يقول إن قوة الاعتقاد أكبر من الرغبة. يقول نيغل إن الحق في هذا مع كانط. أي أنه في الوقت الذي يجب أن تتضافر فيه الرغبة والاعتقاد، إلا أن أهمية الاعتقاد أكبر من الرغبة. أتعرفون ما معنى هذا؟ معناه أنه إذا أردنا نحن البشر أن نقوم بفعل إرادي أخلاقي، فبدلاً من أن تتعزز فينا رغبة الإيثار، يجب أن تتعزز فينا اعتقادات معينة. لأنه تقرر أن الفعل الإرادي الأخلاقي هو الفعل الإرادي الإيثاري. حسناً، الآن بما أن الرغبة والإرادة مؤثرتان في الفعل الإرادي، فهل نذهب إلى رغبتنا ونغيرها لكي نقدم على الفعل الإرادي الأخلاقي، أم نغير اعتقادنا؟ كان هيوم يقول: يجب أن تغيروا رغبتكم. وكان هوبز يقول أيضاً: يجب أن تغيروا رغبتكم. لكن نيغل يبين أن تغيير الرغبة ليس قابلاً للتفسير والتبرير الأخلاقي لنقول إنه يجب تغيير الرغبة، ويريد أن يستنتج أنه يجب علينا تغيير الاعتقاد. حسناً، لماذا؟
يقدّم نيغل عدة حجج على أن الميل في الأخلاق لا يستحق ما يُعتقد أنه يستحقه. أولى هذه الحجج هي أنك حين تريد تعليم وتأديب متعلّمك ومتربّيك أخلاقياً، تقول له مثلاً: «اصدق!»، فيسألك: «لماذا أصدق؟»، فتقول: «لأنك حين تصدق تخلق في قلوب الآخرين أمناً وثقةً وطمأنينة، وإذا كذبت يشعر الآخرون بعدم الأمان وانعدام الثقة والقلق». فيقول لك: «حسناً، ولماذا عليّ أن أخلق الأمن والطمأنينة والثقة في قلوب الآخرين؟»، فإن قلت: «لأن لديك ميلاً إلى ألا تؤذي الآخرين»، فإذا ما أجابك: «ليس لديّ مثل هذا الميل»، فماذا عساك أن تقول؟! ولنفترض أنه بصدق لا يجد هذا الميل في نفسه؛ فهو مثلاً إنسان قاسي القلب، ولا يوجد فيه أصلاً ميل إلى عدم إيذاء الآخرين. حينئذٍ، يتوقف كلامك هنا ولا يمكنك أن تمضي في طريقتك الاستدلالية قدماً؛ لأنه يقول إن هذا الميل ليس موجوداً لديّ. ولنيغل حجة ثانية، وهي أن [ربما] يأتي شخص ويقول: «أنت محق! لديّ ميل إلى عدم إيذاء الآخرين، لكن لماذا ينبغي للمرء أن يتبع ميوله؟ لديّ ميل إلى السرقة أيضاً، وإذا كان على المرء أن يتبع ميوله، فلماذا أُشبع فقط ميل عدم إيذاء الآخرين؟!» وإذا قلت: «لا! لا ينبغي أن نتبع كل الميول»، فسيقول: «ما هو المعيار الذي يحدد أيّ ميل ينبغي اتباعه وأيّ ميل لا ينبغي؟!» الميل إلى «المواساة مع الآخرين»، كما قال البعض، أو الميل إلى «التعاطف مع الآخرين»، كما قال آخرون، أو الميل إلى «الحس الأخلاقي»، كما قال هيوم، أو ما عبّر عنه جوزف بتلر، فيلسوف وعالم لاهوت القرن السابع عشر، بـ «الحس الإنساني»، أيّاً كانت التسمية التي نطلقها عليها، هي سلسلة من الميول، وإذا لم يكن لدى شخص ما هذا الميل، أو إذا كان لديه هذا الميل لكنه قال إنه لم يصدر أي حكم يلزمني بأن أولي ميولي اهتماماً والتزاماً وعناية عملية، فكأنه لم يعد مكلّفاً بالعيش أخلاقياً. ولنيغل حجتان أخريان؛ لكن هاتين الحجتين هما الأقوى في نظري. ويبدو أنه يمكن الرد على الحجتين الأخريين. لكنه على أي حال، وبناءً على هذا، يخلص إلى أنه إذا أردت أن أصبح أكثر أخلاقية، أي أن أقوم بأفعال إرادية إيثارية، أو إذا أردت أن يصبح متعلّمي ومتربّي أكثر أخلاقية، فلا يمكنني على ما يبدو أن أركز باستمرار على ميولي أو على ميول ذلك المتعلّم والمتربّي. لذلك، لا بد من التدخل والتصرّف في المعتقدات.
4
لكي نتمكن من التدخل في المعتقدات وتعديلها، ينبغي أن ننتبه إلى فكرة مبتكرة، هي أعمق أفكار نيغل الإبداعية في عالم الفلسفة وفي جميع أعماله طوال حياته، ألا وهي أن كل إنسان في حياته، منذ ولادته وحتى وفاته، يؤدي دورين: نكون أحيانًا فاعلين، وأحيانًا مراقبين. بتعبير آخر، نكون أحيانًا عاملين، وأحيانًا ناظرين؛ نكون أحيانًا ذاتًا فاعلة، وأحيانًا شاهدًا. وبتعبير رياضي بسيط جدًا، يُستخدم بالمناسبة في كتب فلسفة العلم وكتب فلسفة الأخلاق على حد سواء، يكون الإنسان أحيانًا لاعبًا في ميدان الحياة، وأحيانًا يجلس على مقعد المتفرجين ويكون مراقبًا ينظر إلى حياته وحياة الآخرين. كلنا في الحياة هكذا في كل لحظة. مثال: لنفترض، كما في الأزمنة القديمة، أن قومًا يسيرون في قافلة عبر منعطفات طريق. تارة أكون أنا نفسي أحد أفراد القافلة، أسير مع البقية راكبًا دابة في هذه القافلة. وتارة أخرى لا، بل أذهب لأجلس على قمة جبل، ومن ذلك العلو أنظر إلى مسار هؤلاء القافلين ومنعطفاتهم، وإلى أين ذهبوا وإلى أين يصلون، وإلى وضع هؤلاء القافلين وحالهم. حينها لم أعد أنا نفسي واحدًا من أهل السير والسفر؛ بل تنحيت جانبًا وأخذت أراقب عملية سير وسفر هؤلاء القافلين. لدينا هاتان الحالتان في الحياة. إذا كانت لديكم الحالة الأولى وكنتم في حال الفاعلية، فحينها تكون لديكم وجهة نظر ذاتية (subjective)، وقد ترجمها مترجم الكتاب، الدكتور حيدري، بـ «وجهة نظر ذهنية»، وهي ترجمة صحيحة أيضًا. أما إذا كنتم ناظرين، فحينها يسمي نيغل وجهة نظركم بـ «وجهة نظر موضوعية» (objective)، أي، بترجمة الدكتور حيدري، «وجهة نظر عينية». إذن، لدينا في الحياة أحيانًا وجهة نظر ذاتية وأحيانًا وجهة نظر موضوعية. عندما نلعب نحن أنفسنا في ميدان الحياة، فكل ما نجده، تكون موجوداتنا موجودات ذاتية/ذهنية، وعندما ننظر، سواء إلى حياتنا، أو إلى حياتنا وحياة الآخرين، أو إلى حياة الآخرين، فإن كل ما نجده يُسمى موجودات موضوعية/عينية.
أضرب مثلًا: الندم ينشأ عندما يتبنى الإنسان وجهة نظر الناظر. مثلًا، أنا بالأمس تكبرت في موضع ما، أو ارتكبت عدم أمانة، أو خنت أمانة، والآن أشعر بالندم. متى أشعر بالندم؟ عندما أنظر إلى ما فعلته بالأمس من أعلى. الندم هو أحد الظواهر الدالة على مشاهدة الإنسان. الحسرة أيضًا كذلك: إذا نظرت إلى حياتي الماضية معتمدًا على ذاكرتي أو على دفتر يومياتي، فقد أستسلم للحسرة بسبب الفرص التي أضعتها. الحسرة تنشأ في الإنسان من هذه الناحية، وهي أن الإنسان ينظر أحيانًا إلى حياته من أعلى. لو كنا دائمًا في حال عمل لما شعرنا أبدًا بالندم والحسرة. الندم والحسرة ظاهرتان ناشئتان عن كوننا ناظرين ومراقبين لحياتنا نحن.
لا يمكن الاستغناء عن أي من هاتين الوجهتين. فلا أنتم تستطيعون أن تكونوا طوال حياتكم مجرد مراقبين - وبتعبير الشاعر الجميل «ما نحن إلا نظرة» - ولا تستطيعون أن تكونوا دائمًا عاملين. إذن، لا الحياة القائمة على المراقبة الدائمة في وسع الإنسان، ولا الحياة القائمة على العمل والفعل الدائمين في وسع الإنسان. الإنسان في الحياة يتأرجح باستمرار بين الفاعلية والناظرية. في كل من هاتين الوجهتين يدرك أشياء لا يدركها في الوجهة الأخرى. ثمة حقائق لا يمكن إدراكها إلا بوجهة نظر الفاعلية ولا يمكن إدراكها بوجهة نظر الناظرية، وثمة حقائق أيضًا لا يمكن إدراكها إلا بوجهة نظر الناظرية ولا يمكن إدراكها بوجهة نظر الفاعلية.
لنفترض مثلاً أنك تحسب دخلك ونفقاتك الشهرية. الإنسان، على الأقل في حساب دخله ونفقاته في حياته، لا يكتب عن علمٍ وعمدٍ سبعة في سبعة على أنها خمسون. بالتأكيد سيكتب سبعة في سبعة تسعة وأربعين. إذن، عندما أحسب دخلي ونفقاتي الشهرية، فإن جميع عمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة التي أجريها، أنا متيقن من صحتها. لذلك، عندما أنتهي، أقول بضرس قاطع إن دخلي في هذا الشهر كان كذا ونفقاتي كانت كذا. لكن، للحظة، لو نظرت إلى نفسي من الأعلى وتذكرت أنني قمت في حياتي مراراً بحسابات ثم اكتشفت أنها كانت خاطئة، حينها، بصفتي فاعلاً، ليس لدي شك في أن حسابي صحيح؛ ولكن لأنني بصفتي ناظراً لا أرى هذا الحساب فحسب، [بل] أرى حساباتي السابقة أيضاً، فإن لدي الآن، من منظور الناظر، شكاً ما. من المنظور العلوي، عندما أنظر إلى نفسي، أقول إن حسابك من منظور الفاعل لا خطأ فيه، ولكن من منظور الناظر هناك مجال للشك. [طبعاً] لا تظنوا أننا عندما يكون هناك مجال للشك، فإننا نزيل ذلك اليقين الفاعلي لدينا؛ كلا! لأنني الآن أيضاً، مهما أعدت الجمع والطرح، أرى النتيجة ذاتها. لكن هذا الشك له آثار. [مثلاً] إذا قالت لي زوجتي غداً إنني أخطأت، فلن أصدم على الأقل. لأنني أتذكر أنني كنت أجري أحياناً حسابات غير صحيحة. في أحيان كثيرة، كوني ناظراً في الحياة لا يغير ما فعلته في فاعليتي في الحياة، لكنه مفيد لي. الحياة كلها هكذا. إذا فهمنا هذه النقطة من نيغل، أعتقد أن فرقاً جاداً جداً سيحصل في حياتنا، وهذا ليس بالأمر القليل الذي انتبه إليه مفكر مثل نيغل. ولهذا السبب أؤكد عليه كثيراً.
5
قلنا إن منظور الناظرية ومنظور الفاعلية يمنحاننا نوعين من المعرفة، وهذان النوعان ليسا بحيث يمكن الحصول على معارف هذا بذاك، ومعارف ذاك بهذا. أنتم تجدون سلسلة من المعارف هنا، وسلسلة من المعارف هناك. والآن، لنتناول مسألة الإيثار، لنرَ بأي اعتقاد تتحقق، في شأن ناظر الحياة وفاعل الحياة:
أولاً، افترض أنك فاعل الحياة. إذا كنت فاعل الحياة وفي صدد العيش، وسألتك: «كم من رأس مال العمر بين يديك؟»، ستقول: «هو بين يدي الآن». [لكن] عندما تنظر من الأعلى، تتذكر أنك عشت قبل عشرين سنة أيضاً، ومن الممكن أن تعيش خمسين سنة أخرى. إذا كان الإنسان فاعلاً، فإن طول عمره بالنسبة لنفسه هو دائماً تلك اللحظة. أنت، لأنك تنظر إلى الماضي من الأعلى، تقول مثلاً إن عمرك 25 سنة. افترض أنهم حقنوك بحقنة تفقد بها ناظريتك، فلا تعود قادراً على النظر إلى الماضي ولا إلى المستقبل، وسألتك: «كم عمرك؟»، لقلت: «أنا هذه اللحظة فحسب».
[الآن] إذا لم تكن تذكر الماضي والمستقبل، فماذا تفعل في كل لحظة؟ ستقول إنني لا أملك إلا هذه [اللحظة]! وستفعل ما يجلب لك نفعاً في هذه اللحظة ذاتها، أو يرفع أو يدفع عنك ضرراً في هذه اللحظة ذاتها. إذا كنت فاعلاً فقط، فعندئذٍ ينبغي لي في الحياة أن أسعى إلى أعمال تمنحني اللذة في هذه اللحظة ذاتها، وتبعد عني الألم والعناء في هذه اللحظة ذاتها. إذن، إذا كنت فاعل الحياة، ينبغي أن تصبح لذّوياً آنياً/دفعياً؛ ذلك الذي يسميه علماء النفس الأخلاقيون وفلاسفة الأخلاق بـ«اللذوية الجامحة». لماذا هي جامحة؟ لأن هذه اللذوية لا تتقيد بالمستقبل. أي أنك تقول: ينبغي أن أتلذذ الآن. ولهذا، فإن أول أثر لكونك فاعلاً هو أنك، لأنك لا تملك إلا اللحظة، تقول: إذن سأفعل ما يمنحني أقصى لذة أو أقل ألم وعناء في هذه اللحظة ذاتها.
لكننا في كثير من الأحيان لا نفعل ذلك. لأننا في لحظة ما ننظر إلى حياتنا من أعلى ونقول إن هناك عملاً يمنحني أكبر قدر من اللذة الآن، لكن عندما أحسب حساب الآلام والمعاناة التي سيمنحني إياها لاحقاً، أرى أنه إجمالاً ليس من صالحي أن أقوم بهذا العمل. إذا كنتم مراقبين لحياتكم، فستقومون في كل آنٍ بعمل يكون إجمالاً، منذ لحظة القيام به وحتى آخر العمر، لذته أكثر من ألمه ومعاناته، وستقولون دائماً لا ينبغي أن أنظر إلى الآن. إذن، النقطة الأولى التي يقولها لنا نيغل هي أن الإنسان عندما يكون فاعلاً في الحياة يكون طالب لذة، لكنه عندما يكون مراقباً للحياة يكون طالب مصلحة. طالب اللذة يعني ما يمنحك في هذه اللحظة أكبر قدر من اللذة أو أقل قدر من الألم والمعاناة. أما المصلحة فتعني ما يمنحك إجمالاً حتى النهاية أكبر قدر من اللذة أو أقل قدر من الألم والمعاناة.
أما الفارق الثاني فهو ]موجود[ أيضاً: إذا كنت فاعلاً في الحياة فإنني لا آخذ في الاعتبار سوى ربحي وخسارتي أنا. لأن المرء عندما يكون فاعلاً في الحياة يكون كل اهتمامه منصباً على ماذا يصيبني أو ماذا يُمنع عني. لكنه عندما ينظر من أعلى يرى أنه لا يختلف عن البقية بشيء. إذا كان لي أب وأتألم لمرض أبي، فالآخرون أيضاً يتألمون عندما يمرض آباؤهم. إذا كنت أتأذى عندما تتعرض زوجتي لأذى، فالآخرون أيضاً يتأذون عندما تتعرض زوجاتهم لأذى. إذا كنت أصاب بالاكتئاب عندما أفلس، فالآخرون أيضاً يصابون بالاكتئاب عندما يفلسون. أي أن المرء عندما يكتسب منظور المراقبة يرى جميع البشر متشاركين في المصير لأنهم ]جميعاً[ متشاركون في الطبيعة. نحن متشاركون في المصير لأننا متشاركون في الطبيعة. بتعبير آخر، لدينا بنية جسدية وذهنية ونفسية واحدة، وبالطبع لدينا وظيفة جسدية وذهنية ونفسية واحدة. ]أي مثلاً[ ليس الأمر أن أحدنا يغتم لفقد الولد وآخر منا يفرح لفقد الولد. سأضرب ]مثالاً آخر[: المرء عندما ينظر إلى معتقداته يرى معتقداته واضحة الصدق ويرى المعتقدات المخالفة لمعتقداته واضحة الكذب ويقول من الواضح أن هذا المعتقد خاطئ. لكن تعالوا انظروا من أعلى. ترون أنه هو أيضاً هكذا. هو أيضاً يرى معتقداته واضحة الصدق ويرى معتقداتي واضحة الكذب. إذن نرى أن طبيعتنا متشابهة ومن هذا المنطلق مصيرنا متشابه. لذلك، أنا عندما أنظر من أعلى، بدلاً من أن أرى نفسي مختلفاً عن البقية، أرى نفسي واحداً في جملة الجميع ومساوياً للبقية. إذن الفارق الثاني الموجود بين منظور المراقب ومنظور الفاعل هو أنني في منظور الفاعل مختلف عن البقية، أنا نسيج وحدي، يجب أن تؤخذ منفعة «أنا» في الاعتبار، سعادة زوجة «أنا» تؤخذ في الاعتبار، أمن حي «أنا» يؤخذ في الاعتبار، تعليم ولد أنا يؤخذ في الاعتبار، البعوض يجب ألا يدخل غرفة «أنا»، ورائحة العفن يجب ألا تكون حول بيت «أنا»، لكن عندما أنظر من أعلى، أرى أن رائحة العفن يجب ألا تكون حول بيت أي أحد. لماذا؟ لأنني عندما أنظر من أعلى لا أختلف عن الآخرين بشيء. كان هذا هو الأثر الثاني.
الآن، هذان هما «اعتقادان». الاعتقاد الأول هو أنك لست مجرد لحظة؛ أنت بدأت منذ ثلاثين سنة مضت وربما تستمر حتى أربعين سنة قادمة. هذا لم يعد ميلاً. هذا في الواقع اعتقاد تم التوصل إليه بمنظور المراقبة. إذن إذا كان الأمر هكذا، أنك إنسان لا تزال مستمراً، فليكن انتباهك موجهاً إلى استمرار وجودك ولا تقم بعمل يعود عليك بالنفع في هذه اللحظة فقط؛ بل قم بعمل يعود عليك إجمالاً بالنفع حتى النهاية. الاعتقاد الثاني هو أنك مثل البقية. إذن قم بعمل يكون نفعه لك مثل البقية.
في الحقيقة، بما أنني لا يخطر ببالي مثال آخر، فإني أكرر دائمًا في مثل هذه المواقف هذا المثال: إذا أردتم ألا تتشاجر ابنتاكم الصغيرتان على تقسيم الكعكة، فأعطوا إحداهما السكين وقولوا لها: قسّمي الكعكة إلى قطعتين، ولكن الأخرى ستختار أولاً أي قطعة تريد من هاتين القطعتين. حسنًا، إذن هذه الطفلة إذا أرادت ألا تخسر من هذا التقسيم، فعليها أن تفعل ما يضمن ألا تتضرر أيًا كانت القطعة التي ستأخذها أختها. لذلك، يجب أن تقسم الكعكة إلى قطعتين متساويتين تمامًا. لماذا توصلت ابنتكم هذه إلى الإنصاف؟ لأنها رأت نفسها في وضع واحد مع أختها. الآن، أنا وأنتم أيضًا هكذا. من منظور الفاعلية نصل إلى هذا المنظور.
الآن ضعوا هذين المنظورين جنبًا إلى جنب: أولاً، من منظور الملاحظة أنتم لا تنظرون إلى «الآن»، لأنكم لا تعتبرون عمركم [مجرد] آنٍ واحد. لذا تفعلون ما يعود عليكم بالنفع على المدى الطويل. حسنًا، إذا أردتم أن تفعلوا ما ينفعكم على المدى الطويل، فيجب ألا يكون فعلكم قائمًا على اللذة. سأضرب مثالاً من راسل: كان راسل يقول: افترضوا أن لدي في إسطبلي عشرة خيول، وأنتم في المزرعة المجاورة جاري، ولديكم أيضًا في إسطبلكم عشرة خيول. إذا سرقت خيولكم العشرة، تصبح خيولي عشرين. لكن يجب أن أفكر في أنني إذا سمحت لنفسي بسرقة خيولكم العشرة، فغدًا ستسمحون أنتم لأنفسكم بأن تأخذوا خيولكم العشرة وتأخذوا معها الخيول العشرة التي كانت لي. وإذا استمرت هذه الأخذ والرد، ستصبح كل الخيول ملكًا لأشد الناس قوة في المنطقة. إذن، في آنٍ واحد، لذتي تكمن في أن أمتلك عشرين حصانًا بدلاً من عشرة. لكن عمري ليس هذا الآن فقط، وعلي أن أنظر ماذا سيحدث على المدى الطويل. ثانيًا، عندما أنظر من منظور الملاحظة، أرى أن كل البشر مثلي. إذن، أي سلوك أمارسه يجب أن يكون سلوكًا - كما في مثال تقطيع الكعكة - [بحيث إذا أخذ الطرف المقابل] هذه القطعة لم أكن قد تضررت، وإذا أخذ تلك القطعة أيضًا لم أتضرر؛ وهذا يصبح في الواقع سلوكًا إيثاريًا. في الواقع، يريد نيغل أن يقول إن عدم قدرتنا على أن نكون إيثاريين كان سببه أننا كنا نريد دائمًا [أن ننظر] من منظور الفاعلية، ومنظور الفاعلية هو منظور يحصرك أولاً في اللحظة، وثانيًا يعتبرك استثناءً منفصلاً عن الآخرين. حسنًا، هذان المنظوران هما اعتقادان، وبدلاً من أن نذهب ونتدخل في رغبات الآخرين، يجب أن نعطيهم هذين الاعتقادين، وأن ندرب أنفسنا على الاهتمام بمنظور الملاحظة، ومن منظور الملاحظة نكتشف هاتين الحقيقتين (fact).
كان هذا بخصوص الحقائق (facts). والآن سأقول كلمة بخصوص القيم (values). عندما تنظرون من منظور الفاعلية، تتعاظم في أنظاركم [سلسلة] من القيم، وعندما تنظرون من منظور الملاحظة تتعاظم في أنظاركم [سلسلة] أخرى من القيم. من منظور الفاعلية، طاعة أبنائكم لكم هي أفضل الأعمال. لكن من منظور الملاحظة ليس هذا هو العمل الأفضل. لأنكم من منظور الفاعلية ترون أن العمل القيّم هو ما يعود عليّ بنفع أكبر، وبالطبع نفعي الأكبر يكمن في أن يكون أبنائي مطيعين لي تمامًا. لكن عندما أنظر من منظور الملاحظة، أقول: هذا الابن إذا اعتاد الآن على طاعتي، فغدًا سيعتاد على طاعة أي شخص آخر، ونفس الطاعة ستكون في نهاية المطاف وبالاً على ابني، وستكون في نهاية المطاف وبالاً عليّ.
كان هذا منظور نيغل. إذن، إمكانية الإيثار تتأتى من هنا، بأن نترك الرغبات ونتجه نحو الاعتقادات، ونستبدل اعتقادات الملاحظة باعتقادات الفاعلية. والسلام.
سؤال وجواب:
يبدو أن منظوركم يختلف عن منظور رولز ونيغل من حيث أنهم، على عكسكم، يؤمنون بأخلاق المؤسسات. يرجى التوضيح.
أعتقد أن أخلاق المؤسسات هي أخلاق الأفراد الذين يشكلونها؛ لا أنني لا أؤمن بأخلاق المؤسسات. إذن فالمؤسسات لها أخلاق أيضاً؛ مؤسسة الاقتصاد، ومؤسسة القانون، ومؤسسة السياسة، ومؤسسة الأسرة، ومؤسسة التعليم والتربية، ومؤسسة الدين والمذهب، كل هذه المؤسسات الاجتماعية يجب أن تكون أخلاقية. لكنني أُرجِع أخلاق المؤسسات إلى أخلاق كل فرد من الأفراد المكونين لها. لذلك لم أقل أبداً إن المؤسسات لا أخلاق لها، بل أقول إن أخلاق المؤسسات هي نفس أخلاق الأفراد الذين يشكلون المؤسسات، ومن هذه الناحية لدي اختلاف في وجهة النظر مع رولز وحتى مع نايغل، وخاصة مع رولز.
كيف يمكن تقوية منظور الملاحظة؟
هذا يحتاج حقاً إلى أن تقوم مؤسسة التعليم والتربية منذ البداية (مؤسسة التعليم والتربية، وليس فقط وزارة التعليم والتربية؛ أي كل أولئك الذين يقومون، بوعي أو بغير وعي، عن قصد أو عن غير قصد، بتعليمنا وتربيتنا) بتنمية منظور الملاحظة لدى الأطفال أيضاً. بمعنى أنه يمكن دوماً أن يُقال للطفل في الحضانة، ويمكن تعليمه في الروضة أيضاً، أنه ينبغي أن نمتلك كلا المنظورين في الحياة. هذه ليست أشياء أريد أن أتعلمها في سن الستين. طبعاً لو تعلمتها في سن الستين ولم أعش بعدها أكثر من يوم واحد، فسأعيش ذلك اليوم الواحد بشكل أفضل. لكن الأمر أساساً متأخر بالنسبة لشخص مثلي، وكان ينبغي أن يعلموني منذ الطفولة أن أمتلك منظور الملاحظة. في النصوص الدينية والمذهبية لجميع الأديان والمذاهب العالمية، ثمة تأكيد على منظور الملاحظة هذا. حكماء التاريخ، ومؤسسو الأديان والمذاهب، والإلهيون، والفلاسفة، والعرفاء، والمعالجون النفسيون، وعلماء الأخلاق وفلاسفتها، جميعهم يؤكدون على ضرورة أن ينشأ فينا هذا المنظور الذي يمكن تسميته بمنظور نسيان الذات، المنظور الذي لا تكون فيه أنانية ولا هوى نفس. لكنهم في الواقع لم يعلمونا أبداً طريقة هذا العمل وأسلوب تنفيذ هذه العملية. وأنا أيضاً لا أستطيع أن أقول هذا الآن. لا أملك علمه، ولا ذلك المقدار القليل الذي أعرفه يتسع له الوقت لأقوله الآن.
هل منظور نايغل مشابه للقاعدة الذهبية في الأخلاق التي تقول: ما لا ترضاه لنفسك لا ترضه لغيرك؟
إنه مشابه فقط. لماذا؟ لأن تلك تقول: ما لا ترضاه لنفسك لا ترضه لغيرك. "لا ترضه" يتعلق بميل الناظر؛ في حين أن نايغل لم يكن بصدد التدخل في ميلنا؛ بل كان بصدد إعطائنا اعتقاداً يدفعنا ذلك الاعتقاد إلى مراعاة أحوال الآخرين.
هل يشمل هذا الإيثار نوع البشر فقط، أم يشمل هذا الآخر كائنات مثل الحيوانات أيضاً؟
هنا تختلف وجهات النظر كثيراً. مثلاً، كان كانط يعتقد أن علينا واجبات أخلاقية فقط تجاه البشر. هناك فلاسفة أخلاق آخرون يعتقدون: كلا! علينا واجبات أخلاقية تجاه ما هو أكثر من البشر. أنا شخصياً أعتقد أن علينا واجباً أخلاقياً تجاه كل كائن بنيته الجسدية تجعله يتألم ويعاني، حتى لو كان دودة. لأن الكي لكي يتألم ويعاني، يجب أن يمتلك علماً وميلاً معاً. الكائن إذا لم يكن لديه علم، أو لم يكن لديه ميل، أو لم يكن لديه كليهما، فلن يتألم ولن يعاني. [بالطبع] الجمادات والنباتات لا تتألم ولا تعاني، لكن مع ذلك يجب أن أفعل شيئاً في تعاملي مع الجمادات والنباتات أيضاً؛ مثلاً، في تعاملي مع الجمادات والنباتات يجب ألا أسرف، أو أبذر، أو أدمر الموارد الطبيعية؛ لكن هذا ليس بسبب واجبي الأخلاقي تجاه هذه الأشياء نفسها. بل لأنني إذا دمرتها، أكون قد أخللت بواجبي الأخلاقي تجاه تلك الكائنات التي تتحمل الألم والمعاناة والتي تريد أن تستفيد من هذه الموارد الطبيعية.
هل توجد من الناحية السيكولوجية أنماط مختلفة من حيث شدة وقوة الفاعلية والملاحظة؟
نعم. الأنماط النفسية والشخصية والخلقية تختلف من حيث مدى قدرتها على أن تكون فاعلاً وملاحظاً. مثلاً، الانطوائيون فاعليتهم أكثر وملاحظتهم أقل مقارنة بالانبساطيين. الانبساطيون يمكنهم أن يمتلكوا ملاحظة أكثر. لكن لا يوجد نمط نفسي تصل فيه القدرة على أحد هذين المنظورين إلى الصفر، بل يمتلكهما كل نمط بدرجة أو بأخرى.
ألا تتعارض صفة الملاحظة مع الحياة الحاضرة والآنية؟
الحكماء والعرفاء وبعض المعالجين النفسيين، هذه الفئات الثلاث، تؤكد لنا دائمًا أن نحيا حياةً حاضرةً آنية. والسؤال الذي يُراد طرحه هو: ألا تتنافى الحياة الحاضرة الآنية مع صفة الناظر؟ وأنا أقول: كلا، أبدًا! معنى الحياة الحاضرة الآنية هو أنك إذا كان عليك، مثلًا، أن تؤدي عملًا للغد، فاذهب لأداء ذلك العمل، ولكن في تلك الأثناء ليكن كيانك كله منهمكًا في ذلك العمل. لنفترض أن لديّ امتحانًا غدًا، ولأنني يجب أن أُعدّ نفسي للغد، فإن قراري هو أن أدرس عشر ساعات من الآن وحتى الغد. الحياة الحاضرة الآنية تقول: عندما تبدأ بالدراسة، فليكن كيانك كله حاضرًا في هذه اللحظة، أي ليكن كيانك كله حاضر القلب في الدراسة. تذكرون عندما تعرض بوذا لانتقاد اللاهوتيين الهندوس -لأنه كان قد انشق عن الديانة الهندوسية- جاء إليه اللاهوتيون والنسّاك وجماعات المرشدين الهندوس ليُظهروا فضيلة الديانة الهندوسية -التي كانت ديانة الأسلاف-. حينها قال أحدهم: إني أرى ما وراء الجدار، وقال آخر: إني أمشي على الماء، وقال آخر: لديّ طيّ الأرض، وقال آخر: أستطيع ألا أنام ستة أشهر، وذكر كل منهم شيئًا. ثم قالوا لبوذا: وأنت أيها المعلم، ماذا تفعل؟ أرادوا أن يحطّوا من قدره بأن يروه أنك لا تفعل شيئًا من هذه الأمور. فقال: إني أفعل أمرًا أهم من كل هذه الأمور: أنا عندما آكل، آكل فقط، وعندما أنام، أنام فقط، وعندما أتكلم، أتكلم فقط. ليس معنى أن تكون حاضرًا آنيًا أنني لا أعمل للمستقبل؛ معناه أنني عندما أقوم بعملٍ ستتضح نتيجته بعد غد، أكون حاضر القلب أثناء العمل. نحن ليس لدينا حضور قلب. حضور القلب يعني أنه كما أن جسمنا ليس متأخرًا ثانية عن الزمن ولا متقدمًا ثانية، فعقلنا أيضًا يجب أن يحيا في تلك اللحظة، ونفسنا أيضًا يجب أن تحيا فيها. هذا ما يُسمى الحياة الحاضرة الآنية؛ أي ما تسمونه أنتم أيها الشباب mindfulness، وأنا أترجمه إلى «حضور القلب». حضور القلب يعني الحياة الحاضرة الآنية، يعني أنني إذا كنت أريد الآن أن أدرس درسي للغد، فأنا الآن بكامل كياني منهمك في الدراسة، لا أن يكون الكتاب مفتوحًا أمامي وعقلي إما سارح في الماضي أو في المستقبل.
هل يوجد تعادل وتوازن بين كون المرء فاعلًا وناظرًا في الحياة، على شكل قاعدة قابلة للتقييم؟
نعم. صحيح أن هذا التوازن يختلف باختلاف أوضاعنا وأحوالنا. هذا التوازن يتوقف على العمر، وعلى النمط النفسي وشخصية الإنسان وطبيعته، وعلى التعليم والتربية أيضًا. إذًا، لا شك في أن هذا التوازن أو التعادل يختلف. ولكن هل له معيار أم لا؟ نعم، له معيار. هناك على الأقل أمران تعلمناهما من الحكماء، وهما مفيدان جدًا لهذه الطريقة التي يقترحها نيغل. أحدهما الصمت. الصمت يرفع قابلية الناظرية في الإنسان. كلما كان الإنسان أكثر ثرثرة، كانت فاعليته أكثر. أي أنه كلما كان أكثر ثرثرة، قلّت قدرته على النظر إلى نفسه من أعلى. إذًا، الصمت بأنواعه الأربعة التي ذُكرت، أو على أية حال أنواع الصمت وأقسامه، ترفع قابلية الناظرية. والأمر الآخر هو ما يُسمى بأسماء مختلفة: concentration، contemplation، reflection، meditation. القاسم المشترك بين كل هذه الأمور، على الرغم من الفروق بينها، هو أنها تطلب منا نوعًا من التركيز على أحوالنا. وفي علم الأخلاق عندنا نحن المسلمين، إن كنتم تذكرون، كانوا يقولون: عليكم بمحاسبة النفس ومراقبتها ومشارطتها. كانوا يذكرون هذه الثلاثة. وهذه أيضًا هي في الواقع نوع من التأمل. نوع من concentration، contemplation، reflection، meditation، وعلى أية حال هي نوع من التركيز. الصمت والتركيز، كلاهما، طريقتان ترفعان الناظرية كثيرًا. ومن هذا المنطلق، كان الحكماء دائمًا يصمتون ويعرفون قدر الصمت. لماذا تكون صورتنا الذهنية ونموذجنا عن الحكيم، إنسانًا مطمئنًا وقورًا؟ لأن هذا الطمأنينة نفسها وهذا الصمت نفسه يرفعان الناظرية في الحياة. الحكماء لا يعيشون أكثر من مرة، ولكنهم بناظريتهم يكونون قد عاشوا مرتين. هم مثلنا يعيشون مرة واحدة، ولكنهم من شدة ما هم ناظرون يعيشون مرتين.
أرى نقداً موجهاً إلى الأساس الميتا-أخلاقي عند توماس نيغل. إن أمثال نيغل ورولز وبارفيت في الميتا-أخلاق يبدون فلاسفةً منغمسين في الأخلاق المعيارية، ويرون أن الأسئلة الميتا-أخلاقية هي مجرد نتاج للعلاقات القائمة في الأخلاق المعيارية. تبدو وجهة نظرهم فاقدة للغنى الأخلاقي، ويبدو أن اللامعرفية لأخلاق جديدة أكثر نجاحاً في هذا المجال. ما رأيكم في هذا؟
سؤال جيد جداً. في الواقع، إن نقد أمثال رولز وتلميذه نيغل وبعض الفلاسفة الآخرين لفلاسفة الأخلاق الذين سبقوهم هو أنهم يقولون إن انشغالكم الدائم بتحليل المفاهيم الأخلاقية، وسعيكم إلى الإيضاح المفهومي، وبحثكم الدائم عما إذا كان الإدراك ممكناً أساساً في الأخلاق أم لا، وانخراطكم في هذه المباحث الميتا-أخلاقية، لا طائل منه؛ فاذهبوا إلى الأخلاق المعيارية. الآن صديقنا هذا يوجه الإشكال عكس ذلك إلى نيغل وأمثاله ويقول إنكم أنتم أيضاً، إذ ذهبتم إلى الأخلاق المعيارية، تظلمون الميتا-أخلاق كثيراً. أنا متعاطف جداً مع كلام صديقنا هذا. أنا أعتقد أننا لسنا في غنى عن الميتا-أخلاق أيضاً. صحيح أنه قبل هؤلاء الفلاسفة، كان فلاسفة آخرون جميعاً يشتغلون بالميتا-أخلاق والأخلاق التحليلية والنقدية، وأقل اهتماماً بالأخلاق المعيارية. لكن الطريق الصحيح ليس أن نشتغل الآن بالأخلاق المعيارية ولا نشتغل بالأخلاق التحليلية والنقدية. أنا حقاً لا أزال أعتقد أن الأخلاق المعيارية في أمس الحاجة إلى الأخلاق التحليلية والنقدية.
ما هو رد نيغل، في ما يتعلق بتقدم الاعتقاد على الرغبة، على وجهة نظر نيتشه وكذلك فلاسفة الوجودية القائمة على أن الإنسان كائن مسوِّغ للأسباب؟
نيغل لا يتناول هذه الإشكالات بنفسه. لكنه ينقد أسس هؤلاء الفلاسفة حتى لا يصل الدور إلى هذا الإشكال أصلاً. لأن هناك فرقاً بين أن أجيب على إشكال تطرحونه، وبين أن أقول إن إشكالك هذا له افتراض مسبق، وهذا الافتراض المسبق خاطئ أصلاً، وبالتالي أترك السؤال دون أن أجيب عليه فعلياً. نيغل لا يقبل رأي نيتشه على الإطلاق؛ طبعاً بالمعنى الذي يُصوَّر به رأي نيتشه. لا شأن لي الآن بمدى كون هذا المعنى المُصوَّر هو رأي نيتشه نفسه فعلاً ومدى كونه ليس كذلك. لكن نيغل حقاً لا يقبل هذه النقطة القائلة إن إرادة القوة هي أعظم رغبة موجودة في الإنسان، وأن جميع أعمال البشر، واعية كانت أم غير واعية، إرادية أم غير إرادية، هي من أجل إشباع الرغبة في حب السيطرة. هذا الكلام غير مقبول عند نيغل أصلاً حتى يُجاب على ذلك الإشكال. طبعاً هذا الكلام موجود في الواقع في نظرية فرويد أكثر مما هو في نظرية نيتشه، وبالطبع فإن وجهة نظر فرويد أيضاً غير مقبولة لديه.
كيف يمكن إقناع شخص تكون جميع رغباته سلبية بالأخلاق الإيثارية؟
لا أعلم إن كان لكون جميع الرغبات سلبية مصداق أصلاً. أنا شخصياً لم أرَ حتى الآن شخصاً تكون جميع رغباته سلبية؛ لكن نيغل لا يريد أن يعالج جميع أمراضنا النفسية! نيغل يريد فقط أن يقول إنه من أجل العيش الأخلاقي، فإن تقوية فقرتين من الفقرات الاعتقادية مهم جداً. أريد أن أقول إن نيغل ليس معالجاً نفسياً. إذا وُجد شخص تكون جميع رغباته سلبية، فعليه حتماً أن يراجع معالجاً نفسياً، لكن العلاج النفسي غير الأخلاق. العلاج النفسي يمنحنا الصحة النفسية، والأخلاق تمنحنا الفضيلة الأخلاقية؛ هاتان مقولتان، وإن كانت بينهما تفاعلات متبادلة.
ما عرّفتموه نقلاً عن نيغل على أنه إيثار، هل له جانب وصفي أم جانب توجيهي؟
نعم، له جانب وصفي. لأن الافتراض المسبق عند نيغل هو أن الإنسان يمكنه أن تكون له صفة الملاحظة أيضاً. لو لم يكن يعتقد أن الإنسان يمكنه أن تكون له صفة الملاحظة لما قال كونوا ملاحظين. لأن كل أمر فرع عن افتراض مسبق للقدرة. إذا أمرتك بأن ترفع هذا الكأس فمعنى ذلك أن لدي هذا الافتراض المسبق بأنك تملك القدرة على رفعه. إذن، من هذه الجهة حيث يفترض القدرة مسبقاً، فهو وصفي. لكن من جهة أنه يقول إذا أردنا أن ننمو في الأخلاق فيجب علينا أن نقوي في أنفسنا هذين الاعتقادين الناشئين عن صفة الملاحظة، فله بالطبع جانب توصوي.
النهاية
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفن
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.