اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ترى سعيدة ميرصدری، رداً على محاضرات محسن كديور حول «الله والشر»، أن المقاربة التقليدية لمسألة الشر تفتقر إلى الالتفات لمعاناة الإنسان، وتدعو المثقفين الدينيين إلى التعاطف مع الإنسان بدلاً من الدفاع عن الإله الفلسفي.

الصورة البارزة (صورة بداية المقال): «هبوط الملائكة المتمردين من الجنة» لبيتر بروغل، الرسام الهولندي في عصر النهضة
جمعت حفنة من القش لأحرق بها نفسي
يظن الورد أني أبني عشاً في روضته[2]

قبل فترة، قدم الدكتور محسن كديور محاضرة حول «الله والشر» في ثلاثة أجزاء وعلى مدى عدة أسابيع. ورغم أنني أعتبر محاضرته الدقيقة والمفصلة حول خطاب الشر في الغرب قيّمة للغاية – لأنها تُطلع الجمهور المهتم الناطق بالفارسية على المباحث المطروحة في هذا المجال بلغة بسيطة وحكيمة ومتخصصة في آنٍ معاً – إلا أنه بالنسبة لي، وأنا من يصارع مسألة الشرور على المستويين الفردي والأكاديمي منذ سنوات، وطالما أشاد بالتنوير الديني لتقديمه تفسيراً إنسانياً للدين – يؤخذ فيه على محمل الجد منظوري أنا كإنسان، واحتياجاتي، وهواجسي، وأسئلتي، وحقوقي وما إلى ذلك – فقد كانت نبرة الدكتور كديور اللامبالية بالإنسان في مسألة الشرور وتقديمه إجابات تقليدية تماماً لهذه المسألة، صادمة لي للغاية ومحبطة إلى حد ما. وسبب صدمتي ويأسي هذه أنني رأيت التنوير الديني، الذي طالما وقف إلى جانب البشر في تفسير الدين والفقه، ونظر إلى المسائل لا من منظور الشارع المعتزل غير المكترث بالإنسان، المنشغل بمفاهيم جافة وبلا روح ومجردة، بل من زاوية نظر أنا، الإنسان من لحم ودم وعظم، الذي يحتاج الدين ليس فقط للخلاص الأخروي هناك، بل لجعل الحياة الدنيا هنا محتملة، عندما يُطرح سؤال الهاجس الوجودي الأعمق في اللاهوت والفلسفة، أي مسألة الشر، لا يقف إلى جواري أنا الإنسان، بل يقف في موقع المحتسب المتنعم المستغني، ويشرع في تبرير الشر. ويرى العالم خيراً كله، ويدين الإنسان – بسبب خطاياه، وغطرسته، وجهله، وما إلى ذلك. لذا رأيت من واجبي أن أسطر هذه الكتابة لتكون شكوى وطلباً منه ومن سائر المتنورين الدينيين، بأن يأخذوا مسألة الشر بجدية كما يأخذون سائر المسائل المطروحة في الفكر الديني الجديد، وأن يتعاملوا، قبل وأكثر من دفاعهم عن إلههم الفلسفي – بغيرة وحدة تنتهي إلى تجاهل «المعاناة الإنسانية» – بقدر من التعاطف والرفق مع الإنسان – كما كانوا سابقاً في قراءتهم للفقه التقليدي.
هذه الانتقادات ولفتات الانتباه لا تعني إنكار «إله الأديان التوحيدية»، بل تعني رفض «إله الفلاسفة» الذي ترسخ في اللاهوت والفلسفة الإسلامية لدرجة أن منظّري الثيوديسيا لدينا اتخذوه بديلاً عن إله الأديان الإبراهيمية، وفي دفاعهم الحار والغيور عن «إله الفلاسفة» هذا، لا يسكتون صوت «المتألمين» فحسب، بل يسكتون صوت «إله الكتب المقدسة» أيضاً. لذلك، وفي هذه المقدمة وقبل الخوض في صلب الموضوع، أرى من الضروري التنبيه إلى أن قصدي ليس نقد التراث الإسلامي ولا نقد إله الأديان الإبراهيمية. نقدي هو لـ«الخطاب» الجاف والمنطقي والخالي من الروح لـ«منظّري الثيوديسيا» الذين يدّعون أنهم الناطقون باسم التراث وإله الأديان الإبراهيمية، لكنهم في الواقع ورثة الفلسفة والتراث اليوناني والمدافعون عنه. ولأنهم هم أنفسهم كانوا دوماً ينتمون إلى الشريحة المتنعمة والمستفيدة (من المزايا والامتيازات الخاصة) في المجتمع – لكونهم رجالاً، مستفيدين من مزايا البنية الأبوية، ولكونهم علماء دين يتمتعون بالمكانة والحظوة الاجتماعية وما إلى ذلك – فقد فسروا «جمع القش» الذي قام به المتألم بقصد إحراق نفسه على أنه «هجوم على كيان الدين أو الإيمان بالله» – فما أدرى المتنعم بحال المحروم المضطرب؟! ناهيك عن التعاطف والتقمص الوجداني – واعتبروا الألم الوجودي الذي كان يحرق المتألم حتى نخاع عظمه ويدفعه إلى كفاح للبحث عن معنى، «بناء عش في روضتهم».
نقدي هو نقدٌ لـ«التثيوديسيا» التي لطالما ادّعت الإحاطة بخطط الله وتدابيره، ونصّبت نفسها وكيلاً للدفاع عن الدين وحارساً لملكوت السماء. تثيوديسيا ظلّت، في الفراغ وبمعزل عن الوقائع الجارية، تمارس التنظير التجريدي المنفصل عن المسائل والأسئلة والهواجس المطروحة. وهذا في الوقت الذي تحوّلت فيه مسألة الشرّ، أكثر من أي وقت مضى – وخصوصاً في ظروف العالم الراهنة – إلى مسألة جدّية للإيمان بالله والمتدينين الذين يصارعون أسئلة وجودية. ومن هنا، فقد آن الأوان للمفكرين الإسلاميين أن يكفّوا عن ترديد الإجابات الفلسفية-المنطقية المكرّرة وغير المجدية (في مجال العيش الديني) – التي تدين مباشرة للتراث اليوناني – وأن يسعوا إلى إيجاد إجابة وجودية أو لاهوتية جديدة عبر تقديم قراءة وتفسير جديدين لنصّ القرآن والتراث الديني.
بيتي تحرقه النار، نارٌ محرقة تلتهم النار كلّ جانب الستائر والبُسُط، سداها مع لحمتها وأنا أركض باكية في كلّ صوب في لهيب النار المليء بالدخان ومن بين ضحكاتي المرّة وصراخ بكائي الحزين من أعماقي المتعبة المحترقة أصرخ، آهٍ يا صراخي! آهٍ يا صراخي...
يتناول الدكتور كديور خلال هذه الجلسات الثلاث – التي بلغت حوالي 6 ساعات مع احتساب الأسئلة والأجوبة – خطاب الشرّ في العالم الغربي في ثلاثة أقسام: المنطقي والفلسفي والوجودي. ومع أن هدفه هو فقط عرض خطاب الشرّ في الغرب، وطرح الاتهامات الموجّهة من الملحدين ضدّ جبهة الإيمان بالله، وتقديم الإجابات المنطقية والفلسفية لفلاسفة الغرب المؤمنين بالله، إلّا أنه خلال المحاضرة وخصوصاً أثناء الأسئلة والأجوبة، يضطرّ بحسب الحاجة إلى اتخاذ موقف من جانبه وبيان الإجابات الشائعة في التراث الإسلامي لمسألة الشرّ. وبما أنني أعتقد أن إجابة كديور وسائر التثيوديسيات الشائعة في التراث الإسلامي هي نتاج علماء محصورين في تراث فكري وفلسفي خاصّ، ينسبون هذا «الفهم» الخاص بهم لا إلى «فهمهم الشخصي»، بل إلى «الإسلام»، فإنني، إذ أُذكّر بالوصية الثانية من الوصايا العشر (= «لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً للعبادة»)، أطرح الصياغة الأساسية لادّعاءاته. وفي القسم التالي أُثير أسئلتي وانتقاداتي وكذلك الانتقادات الموجّهة إلى خطاب التثيوديسيا. الصورة الكلّية لاستدلالات الدكتور كديور هي كما يلي:
۱) قدرة الله لا تتعلّق بالمحالات المنطقية.
۲) كان لدى الله سبب أخلاقي لازم وكافٍ لوجود الشرور الموجودة؛ ففي برنامج الله الشامل، تمّ التنبّؤ بهذه الشرور لتحقيق خير أسمى وكانت ضرورية. وهذا الخير الأسمى هو الإرادة الحرة للبشر.
3) الشرور الأخلاقية هي نتاج الاختيار الخاطئ لكائن مختار اسمه الإنسان، وهو الذي اختار خيار الشرّ.
4) لا يتدخّل الله في الحالات القليلة للشرّ في العالم، لأن ذلك تناقض، من حيث إنه يُعتبر نقضاً لإرادة الإنسان – وتعلّق قدرة الله بالمحالات، وهو أمر غير ممكن.
النتيجة: أن يكون للإنسان إرادة مطلقة هو «خير كثير» تكون الشرور الموجودة إزاءه قليلة.
ولتقوية (!) استدلالاته، يُذكّر أيضاً بأن:
1_ الشرّ هو نتاج قلّة صبرنا وضيق طاقتنا أو سوء تفسيرنا للأمور. الشرور قليلة جداً والخيرات كثيرة جداً. لكن عندما يحدث لنا شرّ، يرتفع جزعنا وفزعنا. وإلّا فإن الدنيا مليئة بالجمال؛ «ما رأيتُ إلّا جميلاً»!
2_ الشرّ موزَّع وفقاً لحكمة الله: الابتلاء للأولياء والاستدراج للأشقياء. أي أن الله يمنح عباده المقرَّبين مزيداً من العناية، لأنه يريد أن يرتقي بهم وجودياً: كل من كان أقرَبَ في هذا المحفل، يُسقى كأس البلاء الأوفى... كل من كان أشبه بأولياء الله، يناله من البلاء أكثر. أما في حال الظالمين الذين بلغوا النعمة والسلطة فهو استدراج. فبارتكابهم الذنوب تدريجياً، يتلقَّون نِعَماً أوفر كي يقطعوا مراتب أعمق في الإجرام والجريمة والإثم. «وعليه فإن بُنية هذه الدنيا لم تُبنَ على أن تكون الشرور من نصيب الأشرار فحسب، والخيرات من نصيب الأخيار. بل الأمر على العكس...». خلاصة: الشرور موزَّعة وفقاً لحكمة الله. ولكل شرٍّ حكمته الخاصة. وبعضها خفيٌّ علينا.
3_ قوى البشر الإدراكية عاجزة عن إدراك حكمة الشرور: ردّاً على دعوى الملحدين الذين يعتقدون أنهم ما داموا لا يرون دليلاً على الشر، فلا دليل إذن، يصوغ كديور دعواهم على النحو التالي: «مقارنة علم/ معرفة الإنسان بعلم الله» أو «الاكتفاء الذاتي للعلم الإنساني، أو لا أرى إذن لا يوجد». ويردّ على دعواهم قائلاً: لدى الله دوماً سبب لازم وكافٍ للشرور المعروفة في الدنيا. غير أن علم الله – لا سيما في ما يتعلق بالخير والشر – أوسع بكثير من علم الإنسان. فإذا قال أحد بالاكتفاء الذاتي للعلم الإنساني أو بـ «لا أرى إذن لا يوجد»، فإنه يدَّعي أن الله لا سبب لديه لتجويز الشر. لأني لا أرى ولا أفهم، إذن لا يوجد. ثم يستعين باللاهوت الشكّي كي يُذكِّر، ردّاً على تُهمة الملحدين، بمحدودية العجز الإدراكي للإنسان وقصوره عن فهم أسرار العالم: «إذا احتملنا – لا جزماً – أننا لا نملك المعرفة الكافية لإدراك خيرنا وشرّنا في هذا العالم المادي، فهذا يكفي لنقول: إذن يُحتمل أن يكون الله مالكاً لهذه المعرفة، ويُحتمل أن تكون هذه الخيرات التي يدّعيها المؤمنون بالله موجودة. وهذا الاحتمال وحده كافٍ».
ولتقييم كلام كديور تقييماً أفضل، يلزم، إضافة إلى صياغة استدلالاته وأدلته، الانتباه إلى عدة نقاط تالية:
أ، تبيينه للمقاربة الوجودية للشر. في القسم الثالث من سلسلة محاضراته، بعد أن يستعرض الأجوبة المنطقية والفلسفية على الشر، والتي «استطاع» المؤمنون بالله فيها، بحسب زعمه، «أن يجيبوا بنجاح (!) على الإشكال المنطقي والإشكال الفلسفي معاً»، ينتقل إلى دراسة المقاربة الثالثة لمسألة الشر، أي المقاربة الإگزيستانسية/ الوجودية. في تبيينه للمقاربة الإگزيستانسية يرى أن ثمة سؤالين مهمين: 1) هل الإله الذي يرضى بأن أتألم جدير بالثقة؟ جواب هذه المقاربة: كلا، مثل هذا الإله ليس جديراً بالثقة – بحسب زعمهم. 2) لماذا سمح الله بأن يحل بي وبأعزائي هذا الشر وأن تمتلئ حياتي بالألم؟ جواب هذه المقاربة – بحسب زعمهم – هو أن الله لا يستطيع أن يفعل شيئاً، إنه ضعيف. ليست لديه القدرة المطلقة كي يمنع ألمي. أو إن كان قادراً، فليست لديه المعرفة المطلقة – وهنا يشير إلى تفسيره الخاص لبعض المقاربات اللاهوتية الجديدة في الرد على مسألة الشر. أو إن كان يمتلك هاتين الصفتين، فهو ليس خيِّراً على الإطلاق – إشارة إلى لاهوت الاعتراض. وبحسب زعمه، في هذه «المقاربة»، وللإجابة على مسألة الشر، تُساءَل إحدى هذه الصفات التقليدية لله.
ب، في شأن اكتساب مسألة الشر أهميةً في العقود الأخيرة في التقليد اليهودي والمسيحي، وغيابها في العالم الإسلامي. إنه بدلاً من أن ينسب هذا الغياب إلى عدم اكتراث المفكرين المسلمين، ويعتبر هذا الالتفات إلى مسألة الشر، ولا سيما الشر الوجودي، في التقليدين الإبراهيميين الآخرين حدثاً مباركاً، فإنه، على العكس، يرى نفسه في جانب الحق – لأنه على الأرجح وجد «استدلالاته وأجوبته» في أعلى درجات الكفاية والإقناع – وينسب التفات التقليد الديني والفكري الغربي إلى مسألة الشر إلى غرور الإنسان الحديث وعنجهيته، ومن هذا المنطلق يسائل النزعة الإنسانية (=الأومانية) وأصالة العقل القائم بذاته لدى البشر.
ج. تعامله مع الانتقادات الموجَّهة إلى صوغ الثيوديسيا – تحت عنوان المقاربة الإگزيستانسية. يعرض كديور الانتقادات التي، «بحسب زعمه»، يوجِّهها أصحاب المقاربة الإگزيستانسية إلى صائغي الثيوديسيا، على شكل قائمة ودون تقديم أي جواب، على النحو التالي:
كلّي وعالمي وغير تاريخي. تجريدي، متمركز حول الناظر ومن الدرجة الثانية – أي أنه ليس بلسان المتألمين أنفسهم. لغته غير تراجيدية وغير تنطوي على سرّ. لغته هي لغة المنطق الجافة الخالية من الروح. غائي – يقول في تبيينه: أنتم أيها المتعاطون للثيوديسيا متواطئون مع إله هو فاعل الشرّ وعليكم أن تجيبوا. مقاربته قدرية. جاهل بالعلم واللاهوت الجديد. نظرته إلى الإنسان أداتية – ويقول في تبيينه: لأن الله كان المحور بالنسبة لهم، لذلك لم يجعلوا الإنسان وشخصيته وفرديته المسألة الأساسية، وبالتالي أهانوا كرامة الإنسان. نحن الذين أولينا كرامة الإنسان أهمية. حين أولد مريضاً أو معاقاً أو ما إلى ذلك أفقد كرامتي، إلى غير ذلك. إنه متمركز حول الناظر. بمعنى: أنت بدل أن تقلق على آلامي أنت ناظر. في حين أن مسألتي هي ألمي أنا. وفي النهاية يستنتج أنه من وجهة نظر القائلين بالمقاربة الوجودية – بحسب زعمهم – فإن من يتعاطى الثيوديسيا فاسد أخلاقياً: «إذا لم يكن المرء فاسداً من الناحية الأخلاقية فإنه لا يتعاطى الثيوديسيا. الأخلاق تعني أن عليك أن تقبل كلامنا»!
بيتي تحترق، نارٌ لا ترحم ما زالت تحترق هذه النار النقوش التي حبكتها بدم القلب على رأس وعين الباب والجدار في ليل الفضيحة بلا ساحل ويلاه عليّ، تحترق وتحترق البراعم التي ربيتها بصعوبة في جوف المزهريات العميق أيام المرض القاسية من فوق سطوحهن، فرحين أعدائي ماكرين ضحكات نصرهم على الشفاه عليّ ناظرٌ والنار في الروح في كنف هذا الليل المشبّك أنا في كل صوب أعدو، باكياً من هذا الظلم أصرخ، يا للصراخ! يا للصراخ...
في هذا القسم، بعد طرح بضعة أسئلة، أشير إلى الإشكالات الواردة على كلامه، وفي القسم الأخير أشير إلى الانتقادات الموجّهة بحق إلى خطاب الثيوديسيا – ومن جملتها موقفه الثيوديسي هو نفسه.
1_ السؤال الأول هو أنه إذا كان هو، الذي يستحسن بحسب زعمه «اللاهوت الشكّي»[3] ويعتبره «أكثر الدفاعات تبريراً عن الإيمان بالله في مسألة الشرّ»، ويعتقد – اقتفاءً لهذه المقاربة – أننا بسبب محدودية قوانا المعرفية لا نملك القدرة على إدراك مقاصد الله، فكيف يمكنه حين يقدم جواباً إيجابياً على الشرّ، أن يدّعي أن «لدينا لكل واحدة من هذه المسائل [= الشرور] تبييناً مقبولاً عقلاً»؟! ألم تكن دعوى خطاب الثيوديسيا على مر التاريخ قائمة إلا على افتراض الاكتفاء الذاتي للفهم البشري؟ هل أنزل خطاب الثيوديسيا نفسه قط إلى مستوى «الاحتمالات»، أم أنه تحدث دوماً من موقع الحق والحقانية؟! يقول كديور في ردّه على المنتقدين وفي تبيينه للإيمان بالله الشكّي: «معرفة الإنسان محدودة بجزء صغير جداً من العالم المادي – وليس حتى بكلّه. الإنسان لا يدرك التلازم بين الشرّ والخيرات الأعظم ولا تلك الخيرات الأعظم نفسها». السؤال هو: أليس من الأفضل لمن يتعاطى الثيوديسيا وهو يتحدث هو نفسه من هذا الموقع، أن يلتزم بلوازم هذه الدعوى، ويمارس الثيوديسيا بشيء من التواضع واللايقينية – بدلاً من أن يتحدث وكأنه يملك مفاتيح السماوات بيده، أو وصل إلى منابع الحقيقة، أو انكشفت له حجب الغيب وأطلعته على مخططات الله وأسرار العالم؟!
2_ وهو في نقده لغرور الإنسان الحديث وتكبره، الذي يظن أنه قادر بعقله على فهم كل الأمور وجعل نفسه مركزًا للعالم، يعتقد: «في الماضي كان عبء مسؤولية الشر يقع على عاتق الله، وكان إنسان الأمس يسعى لإبعاد التقصير عن الله. في الماضي كنا نتحدث عن ’الثيوديسيا‘ أو ’نظرية العدل الإلهي‘. أي أننا كنا نلقي بعبء العدالة على كاهل الله. أما اليوم، ولأننا رأينا أنه لا يقدر على ذلك – لأنه ضعيف أو ليس عالمًا مطلقًا ولا قادرًا مطلقًا – فإن عبء العدالة يقع على عاتقنا – أنا وأنت. نحن مسؤولون عن هندسة وإدارة آلامنا. كانت الثيوديسيا مشبعة بالميتافيزيقا. أما اليوم فقد أصبحت علمانية وقُدمت منها نسخة إنسانية/أنثروبولوجية» (نقل بالمضمون).
والسؤال هو: ألم يستخدم هو نفسه، في تقديمه لقراءته الجديدة للفقه والتقليد الإسلامي، هذه النزعة الإنسانية والعقل البشري القائم بذاته كمعيار ومحك؟! ألم تتحقق فكرة الحكم الديمقراطي العلماني بوصفه الشكل الأمثل للحكم السياسي، ودعم حقوق الإنسان بشكلها المعاصر لا بشكلها الإسلامي التقليدي، وغير ذلك، إلا على أساس هذه القيم الإنسانية وبمحك العقل البشري القائم بذاته؟!
من بين حالات كثيرة، نكتفي هنا بذكر خطأين لا يمكن التغاضي عنهما:
1_ إنه يتهم مخالفيه – أي مخالفي «خطاب الثيوديسيا» – بما يُعرف في علم المنطق والجدل بـ«مغالطة الهجوم الشخصي» أو «مغالطة الخلط بين الدافع والمدفوع»[4] ويقول: «من وجهة نظر القائلين بالمقاربة الوجودية، فإن من يمارس الثيوديسيا فاسد من الناحية الأخلاقية». في حين أن الأمر في خطاب ضد الثيوديسيا ليس كذلك على الإطلاق، وبالتالي فإن الاتهام الذي يوجهه كديور غير مقبول. فالذين قاموا بنقد الثيوديسيات، في أغلب الحالات، نقدوا «خطاب» الثيوديسيا ووجهوا تهمة «اللاأخلاقية» إلى هذا «الخطاب»، لا إلى «شخص» ممارس الثيوديسيا. فعلى سبيل المثال، يكتب نيك تراكاكيس[5]، وهو أحد النقاد الحاسمين لممارسة الثيوديسيا، في مقالته «ضد الثيوديسيا»: «هذه المسألة [أي النقد الأخلاقي لخطاب الثيوديسيا] ليس من شأنها أن تكون ذريعة للافتراء الشخصي على ممارس الثيوديسيا نفسه. قد يكون ممارس الثيوديسيا سليم السلوك من الناحية الأخلاقية في حياته اليومية، لكنه يدعم نظرية تجعله (حتى دون أن يكون واعيًا بالكامل) يحمل معتقدات أخلاقية مشكوكًا فيها». [6]
2_ الخطأ الثاني لكديور هو أنه خلط بين المقاربة الوجودية[7]، ونقاد «خطاب الثيوديسيا» – وفي أكثر حالاتها تطرفًا مناهضو الثيوديسيا – والمقاربات اللاهوتية الجديدة – التي كانت الاستجابة المناسبة للشر أحد الأسباب إلى جانب أسباب أخرى في إعادة قراءة تقليدهم الديني. فعلى سبيل المثال، حين يقول: «هذه المقاربة [= الوجودية بزعمه] تدين الله وممارسي الثيوديسيا باللاأخلاقية. يقولون أنتم قلتم إن الشر قليل أو نسبي أو في سبيل خير كثير أو إن هذا هو أفضل العوالم الممكنة أو إنه بسبب اختيار الإنسان. هذه المقاربات لا تنفع. هذه لا تقنعني. أي أنها ليست مرهمًا لمعاناتي. منطقك وفلسفتك لا يخففان من معاناتي ومعاناة عزيزي. المتألم يريد مرهمًا لا دفاعًا منطقيًا وفلسفيًا؛ فبدوننا، كل ما يقال عنا لا يعنينا». إن اللاهوت الصيروري، والإيمان الإلهي المنفتح، وغيرهما، مما يندرج تحت المقاربات اللاهوتية الجديدة، ليست على الإطلاق مقاربات وجودية للشر. ومن ناحية أخرى، لا توجد أي ملازمة بين المقاربات الوجودية للشر ومناهضي الثيوديسيا. كل واحدة من هذه المقاربات عليها نقد أو نقدان على حدة. وعندما تُصنف معًا تحت عنوان واحد، تتوجه إليها مجموعة من الانتقادات الجادة التي تنطوي في النهاية على عدم كفاءتها. وكأن كديور، لتسهيل الرد على كل هذه الانتقادات المتنوعة ذات النزعات والمناشئ والأهداف المختلفة، قد جمعها في سلة واحدة، ومن ثم وقع في مغالطة رجل القش. [8]
الأصح والأدق أن نقول إن الإجابات المقدمة لمسألة الشر تندرج ضمن تصنيفين كليين: «نظري» و«عملي». حيث تقع المقاربات الوجودية والفعلية – كلاهوت التحرير – ضمن التصنيف العملي، فيما تقع تنظيرات اللاهوتيات الأخرى، من اللاهوت التقليدي إلى الحديث – بما في ذلك اللاهوت الصيروري والإيمان الإلهي المنفتح وغيرها – ضمن التصنيف النظري. أما خطاب مناهضة الثيوديسيا فهو مجرد خطاب ضد «خطاب» الثيوديسيا – وأكرر، ضد «خطاب» الثيوديسيا وليس ضد «شخص» صانع الثيوديسيا.
لذا، فقد حدث هنا خلط بين ثلاثة مباحث: 1. خطاب مناهضة الثيوديسيا 2. المقاربة الوجودية للشر و3. المقاربات اللاهوتية الحديثة. وهذا الخلط وعدم الفصل هو ما يؤدي إلى عدم الاستماع إلى أقوالهم بدقة، في حين أن من لا يزال يرغب في الدفاع عن الثيوديسيا، لا مناص له من دراسة كل حالة من هذه الحالات على حدة وبدقة.
بصرف النظر عن الانتقادات الموجهة لأقوال وموقف كديور نفسه، فإن خطاب الثيوديسيا – الذي يُعد هو أيضاً أحد رواده – قد وُجهت إليه انتقادات بالغة الجدية، وكما أشير، فقد اكتفى في القسم الثالث من محاضرته بذكرها على شكل قائمة وبنبرة تهكمية – توحي بأنه يعتبر هذه الإشكالات عديمة الأهمية –. وقبل التطرق إلى كل من هذه الإشكالات، ومرة أخرى – وللتأكيد مراراً – تجدر الإشارة إلى أن الذين وجهوا هذه الانتقادات لم يكونوا بالضرورة منكرين لوجود الله. فلا نقاد خطاب الثيوديسيا ولا الذين انتهجوا المقاربة الوجودية هم بالضرورة ملحدون بأي حال من الأحوال. فكثير منهم مؤمنون بالله انتقدوا خطاب الثيوديسيا العقلاني المحض، والتجريدي، والخالي من الروح والجاف، والقائم على الملاحظة. لا إله الأديان أو التقاليد الدينية. الخطأ المعرفي لدى كديور ينبع من هنا، من جعله «الثيوديسيا» مرادفة لـ«الإيمان بالله» و«مناهض الثيوديسيا» مرادفاً لـ«مناهض الله»! [9]
لذا، ونظراً لأهمية هذه الإشكالات التي تستحق التأمل، وبسبب عدم إنصاف السيد كديور لها، أجد نفسي مضطرة هنا إلى تقديم شرح وتبيين موجز لكل منها:
1_ التسامح وعدم الاكتراث بشر ومعاناة الآخرين: النقطة المحورية في العديد من النقديات الحديثة للإجابات الكلاسيكية المختلفة لمسألة الشر هي المشكلة الأخلاقية لهذه الإجابات، ذلك أن أنواع الثيوديسيا متهمة بعدم أخذ الشر على محمل الجد واختزال الإنسان إلى مستوى أداة لتحقيق الأهداف أو البرامج الإلهية. يمكن لمثل هذه النظرة أن تؤدي إلى التسامح إزاء الشر وتجلب نوعاً من عدم الاكتراث والقسوة لمجتمع المتدينين: «مع هذا الوصف، ينبغي القول إن صانعي الثيوديسيا هم «شركاء متخفون» مع الوضع القائم للشر ولا يمكنهم الفرار من تهمة أنهم، بينما كان يفترض بهم إدانة الشر، يعملون «كمحامين عن الشر». لم يكن يفترض بصانع الثيوديسيا أن يهوّن الشر ويجعله عادياً بل ويستبطن منه خيراً ولطفاً وبركة ونعمة بحجة إيجاد سبب الله لتجويز الشرور» (بورمحمدي، ص. 60).
2_ السلبية إزاء الشر والمعاناة/ القدرية: النتيجة الأخرى لمثل هذه النظرة هي الجبرية والقدرية المحضة ومن ثم الركود والسلبية في ساحة الحياة الفردية والاجتماعية. على سبيل المثال، يقول تراكاكيس، أحد مناهضي الثيوديسيا، في هذا الشأن: «مثلاً، إذا كنت أعتقد أن الطاعون عقاب من الله العادل على الذنب، فلماذا عليّ محاربة الطاعون المدمر؟ أو إذا كنت أعتقد أن الله لا يستطيع الحفاظ على الخيرات الأسمى إلا من خلال منح البشر حرية ارتكاب الشرور المروعة، فلماذا عليّ محاربة نظام يرتكب الإبادة الجماعية؟ إذا اعتقدنا أنه لا وجود لشر عبثي تماماً، فإن الأخلاقيات وبشكل خاص دافعنا لفعل الصواب يضعف» (المصدر نفسه، ص. 61). لذا، فإن نتاج هذه النظرة، دون أن يرغب صانع الثيوديسيا نفسه، هو المشاركة مع قوى الشر في العالم: «صانع الثيوديسيا الذي يطور، عن علم أو جهل، نظريات تنكر الطابع المتطرف والوحشي للشرور البشرية، يتسبب ضمنياً في نشوء فعل اجتماعي وسياسي يغض الطرف عن الفظائع الموجودة في العالم» (بورمحمدي، 1398 ص. 469).
3_ النظرة الأداتية للإنسان/ نفي الكرامة الإنسانية: خطاب الثيوديسيا غائي؛ بمعنى أن المعاناة فيه تُعتبر دائمًا وسيلة لتحقيق غاية خيّرة؛ غايات مثل تربية الروح/الشخصية، أو خلق المسؤولية أو التعاطف وما إلى ذلك. أحد الانتقادات الأخلاقية الموجّهة إلى خطاب الثيوديسيا يكمن تحديدًا في هذا؛ أي أن الأفراد البشريين لا يُنظر إليهم بوصفهم «غايات» – ذات قيمة متأصلة – بل بوصفهم «أدوات» – في سبيل «هدف» آخر. بناءً على هذه الرؤية يُتّهم خطاب الثيوديسيا بعدم الاكتراث أو عدم الاحترام لإنسانية الإنسان. «مكمن الإشكال في الثيوديسيات أنها تتعامل مع الأفراد المبتلين بالمعاناة بمنزلة عنصر استهلاكي تمامًا، أي أنها تضحي بقيمتهم وكرامتهم ورفاههم ومصالحهم في سبيل مصالح خير أسمى لا علاقة لهم به. اعتبار الشخص بما هو شخص غايةً يعني أن نحترم مصالح الشخص ورفاهه ونحافظ عليها في جميع الأزمنة وبأي ثمن، وهذا يعني أن كرامة الشخص وقيمته لا يمكن التضحية بهما ببساطة في سبيل خير أسمى أو خطة إلهية أو مقايضتهما بشيء» (المصدر نفسه، ص. 61-62).
4_ المقاربة التبسيطية: تقدم الثيوديسيات أساسًا وصفة كلية وكونية لمشكلة معقدة ومتنوعة – ذات مقدار وتنوع وتشتت كبير –. وهذا نابع من الطبيعة العقلية لهذه الأجوبة التي لا تقدر، بسبب تجريديتها، أن تكون جوابًا لمشكلة تشتبك وجوديًا وعينيًا مع كائنات من لحم ودم وإدراك، لكل منها نمطه النفسي وخبراته الحياتية ونظرته للعالم المختلفة – ومن ثم ذات التعقيد الشديد –. «من ناحية أخرى، تختلف ماهية المعاناة اختلافًا كبيرًا من معاناة إلى أخرى. بعض الآلام لا تُحتمل، ومتفاقمة ومعقدة، وتتوالد منها آلام أخرى باستمرار، وتتراكم فوق بعضها وتتفاقم» (المصدر نفسه، ص. 64). لذا فإن تبسيط المشكلة هو إحدى المشكلات الأخلاقية الأخرى لخطاب الثيوديسيا، لأن «الأدلة التي بحوزتنا عن أنواع ومقدار وتشتت معاناة الأفراد الأبرياء تشير بقوة إلى أنه لا يمكن إدراجها كلها في قالب عقلي واحد» (المصدر نفسه). على سبيل المثال، تصور الشرور المهولة بوضوح عدم كفاءة ثيوديسيا تربية الروح. هذه الشرور عميقة ومدمرة إلى حد أنها تزلزل وجود الفرد المعاني وتشلّ نفسه، فيفقد الشخص حتى القدرة على صنع المعنى بالكامل. ولا يبقى لكائن محطم كهذا أي إمكانية لنمو شخصي وروحي.
5_ عدم الاكتراث بمعاناة الحيوانات والأطفال والمعاقين: تظهر المشكلة الأخلاقية الكبرى للأجوبة المقدمة لمسألة الشر بشكل أكبر عندما نحول اهتمامنا من الذوات البشرية البالغة والعاقلة – أي التنظير المحض في الفراغ، حول «مفهوم» الشر و«نوع الإنسان» – إلى واقع حياة العالم. هنا نجد معاناة الحيوانات والأطفال و«البشر» ذوي الاضطرابات الذهنية والنفسية، الذين يشكل وجودهم معضلة كبرى للخطاب التجريدي ولخطاب الثيوديسيا المتمركز حول «العقل» و«الإنسان». الأجوبة المقدمة للشر لا وظيفة لها بالنسبة لهؤلاء الأفراد. لا دفاع – حتى لو كان قائمًا على الاختيار – ولا ثيوديسيا – سواء تربية الروح أو الابتلاء أو المكافأة وغيرها – تملك القدرة التفسيرية لهذه الشرور والمعاناة، لأنه لا توجد عقلانية أو شخصية أو اختيار يمكن بناءً عليها استخدام خطاب الثيوديسيا السائد.
6_ التمركز حول الناظر: قُدمت الثيوديسيات دائمًا من منظور الناظر الخارجي للشر – ناظر يبدو أنه نصب نفسه، بوصفه مدعيًا عامًا، مهمة حراسة ساحة الدين. وهذا أدى دائمًا إلى أن يُسمع صوتهم بوصفه الصوت المهيمن في خطاب الشر. هذه الهيمنة لخطاب الناظر هي دائمًا على حساب تهميش صوت ضحايا الشر، الذي ينبغي أن يكون في الواقع الصوت الرئيسي للمتن. لهذا السبب، فإن أحد الانتقادات الرئيسية الموجهة للثيوديسيا هو خطابها المتمركز حول الناظر بدلًا من الخطاب المتمركز حول الضحية.
7_ تقديم «السرديات الكبرى الكونية»: تقدم الثيوديسيات، بهدف إعطاء جواب كلي وكوني للشر، سردية كلية لمعاناة وآلام الأفراد البشريين المتنوعة كل على حدة. هذه السردية الكبرى الكونية تكون على حساب تهميش وتجاهل وإسكات «السرديات الصغرى للأفراد» في نهاية المطاف.
8_ تمجيد المعاناة: من الإشكاليات الأخرى الواردة على اللاهوت التقليدي وبعض الإجابات (المسيحية غالباً) المطروحة في خطاب الثيوديسيا – مثل "لاهوت الصليب" – هي تمجيد المعاناة. يتحدث الدكتور كديور أيضاً عن كون حياة المقرّبين إلى الله مليئة بالمعاناة، ويدّعي أنه كلما كان المرء أكثر قرباً، كان أكثر معاناة. تقود مثل هذه النظرة إلى تمجيد المعاناة واعتبارها قيمة، إذ إن المعاناة لا تُصبح عاملاً غير أخلاقي أو مزعجاً ينبغي السعي لإزالته فحسب، بل تتحول، بعبارة تمجيدية، إلى قيمة دينية-أخلاقية.
ويل لي، ما زالت هذه النار تضطرم ما لديّ من تذكار ودفتر وديوان وما لديه من منظر وإيوان أنا بيدين مملوءتين بالبثور أُخمد هذا الجانب ومن لهيب ذاك يغشى عليّ من الجانب الآخر يشتعل اللهيب، ويتصاعد الدخان حتى الفجر، من يدري لعل كياني يفنى قد نام جيراني الطيبون فرحين في مضاجعهم صباحاً لم يبق مني سوى حفنة رماد ويل، أتراهم يرفعون رؤوسهم من النوم جيراني الطيبون طلباً للنجدة؟ تحرقني هذه النار الجائرة الأساس أصرخ، يا للفرياد! يا للفرياد...
نعم جناب كديور! كما قلت أنت على لسان نقاد خطاب الثيوديسيا، إن لغة صانع الثيوديسيا هي لغة غير تنزيهية. دعنا نعترف بأن مشكلة الشر أكثر تنزيهاً بكثير من أن يكون بمقدور صانع الثيوديسيا تبريرها وتفسيرها. ومع أن هذا لا يعني إنكار السعي للإجابة عن مشكلة الشر، لكن دعنا في هذا الوادي الذي تقدس بآلام بشر لا يُحصون، نخلع النعلين ونتعامل مع هذا السؤال بشيء من التواضع والإنسانية.
جناب كديور، الإشكاليات الواردة على خطاب الثيوديسيا – لا على "شخص" صانع الثيوديسيا – هي إشكاليات جدية، لأن التعامل المنطقي والفلسفي المحض مع مسألة وجودية إلى هذا الحد ستكون له تبعات واسعة على أصعدة شتى – ثقافية واجتماعية وسياسية وغيرها. نتيجة هذه النظرة وهذا الخطاب هي تقوية روح اللامبالاة والتسامح لدى المراقبين الخارجيين للشرور، أو تمجيد الشر أو المعاناة واعتبارهما قيمة. سيكون نتاج هذه الروح وهذا الأسلوب في التلقي هو التهرب من المسؤولية والواقع[11] والسلبية إزاء الشرور، لا سيما الشرور المنهجية – كالعنصرية والعبودية والظلم... إلخ. في أثناء حديثك أقررت بأن اعتبار الأمور شراً هو أمر نسبي. ففي بعض الحالات، ما لم يكن شراً في الماضي يُعتبر اليوم شراً. كان مثالك "العبودية"، التي لم تكن العقلانية الماضية والأديان تعتبرها شراً. لكنها تُعتبر اليوم شراً. لأن كون الشيء شراً ومقدار شريته، لا سيما في مجال الشر الأخلاقي، هو ما تحدده العقلانية الجمعية البشرية. لكن المشكلة هي أنه لو كان منظرو ومفكرو الماضي، الذين ألهموا حركات التحرر في مكافحة الشر الاجتماعي أو الشر المنهجي، يفكرون مثلك، ويعتبرون الشر والمعاناة قدراً إلهياً – ابتلاءً أو امتحاناً للمعذَّبين واستدراجاً للظالمين وسافكي الدماء – لما كنا نشهد اليوم أفول العبودية. لو كانت النساء تمجد الشر الاجتماعي، أو تتوهم بتوهم "التقديس" أنهن أشد قرباً – بسبب كونهن أشد معاناة – ولم ينهضن للمطالبة بحقوقهن الإنسانية – لكونهن يعتبرن ذلك "شراً" – لكنّ اليوم، كما في الماضي، لا يُعتبرن مواطنات من الدرجة الثانية ومحرومات من حقوقهن الإنسانية المسلَّمة فحسب، بل كنّ يُعتبرن أدنى من البشر.
دكتور كديور، دفاعًا عن كيان «الإلهيات والفلسفة التقليدية» وحرصًا على خطاب الثيوديسيا، أنت لا تدافع عن إله إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، بل عن إله فلاسفة اليونان. وأنت غارق في هذا الدفاع الحماسي إلى حد أنك تنكر حتى وجود الشر العبثي. لأنك تخشى أن يكون قبول الشر العبثي بمعنى قبول إنكار الله. في حين أنه لا تلازم بين الأمرين. قبول الشر العبثي قد يعني إنكار الإله اليوناني أو النيوتوني الذي خلق عالمًا آليًا بنظام لا يتزعزع، أو عالمًا جوهريًا قائمًا على الثبات، لكنه لا يعني بالضرورة إنكار إله الأديان الإبراهيمية. وللدفاع عن هذا الإله ليس من الضروري أن نجعله ضعيفًا أو عديم العلم والقدرة. من الضروري فقط أن نتخلى عن تصورنا اليوناني عن العالم وعن الله – القائم على الهيئة البطلمية والعالم الساكن والجوهري الأرسطي – حتى لا نضطر، حرصًا على ذلك، إلى تجاهل وإنكار حقيقة كالشر العبثي. في دفاعكم الغيور هذا عما عرّفتموه بكيان الإيمان بالله، تتجاهلون أمورًا بالغة الأهمية. إذا تُصُوِّر أن الشر العبثي غير موجود، فلن يكون لفاعليتنا في مواجهة الشرور أي معنى. وهذا الادعاء ليس مجرد اتهام من مناهضي الثيوديسيا ضد خطاب الثيوديسيا. حتى منظّر ثيوديسيا مشهور مثل هيك يدرك هذه الأهمية ويشير في كتابه "إله المحبة ومشكلة الشر" إلى هذا الموضوع:
... حاولوا أن تتصوروا عالمًا، وإن لم يكن خاليًا تمامًا من الألم والمعاناة، إلا أنه لا توجد فيه محنة غير عادلة أو غير مستحقة، أو عشوائية وبلا غاية ظاهرة. فيه من المصاعب والمخاطر والمشقات ما يكون بمثابة ملح الحياة، لكن لا يوجد فيه شر مدمر تمامًا أو خبيث بشكل واضح. على العكس، معاناة الناس فيه تكون دائمًا إما عقابًا عادلًا يستحقونه، أو من أجل هدف بنّاء هو التربية الأخلاقية.
في عالم كهذا، لا تثير محنة البشر تعاطفًا عميقًا، ولا تستدعي مواساة منظمة أو مساعدة وخدمة إيثارية. لأن ردود الفعل الحنونة هذه تفترض أن هذه المعاناة غير مستحقة ومؤلمة للمبتلى بها. نحن لا ندعو الآخرين أخلاقيًا إلى التضحية لإنقاذ مجرم من تحمل عقابه العادل، أو لإنقاذ مريض من علاج مؤلم يشفيه. لكن في مواجهة المعاناة غير المستحقة، لا سيما الحالات التي تتخذ شكلًا مأساويًا كالزلزال أو كارثة المنجم، نتحلى نحن الرجال والنساء حقًا بالشفقة، ونهب للعمل بسخاء وتفانٍ كبيرين. بهذا الشكل، يبدو أنه لكي يكون العالم مسرحًا للحب الحنون والتضحية من أجل الآخرين، يجب أن تكون معاناة البشر عشوائية وغير متكافئة، كما نعيشها الآن في العالم. يجب أن تكون معاناة البشر غير مستحقة بوضوح، وبلا معنى، وغير مبررة أخلاقيًا (بورمحمدي، ص. 520-519).
إن كل مسعى منتقدي خطاب الثيوديسيا هو أن يسألوكم، أيها المشتغلون بالثيوديسيا الغائية: «لماذا لا تأخذون الشر على محمل الجد؟» إن مسعاهم، على عكس ما تظنون، ليس بالضرورة هجومًا على الإيمان بالله. ذلك أن صياغة الثيوديسيا لا تقتصر على التقاليد الدينية. فكل ما يبرر وجود الشرور بافتراض غاية خيرة هو صياغة للثيوديسيا. ولهذا السبب فإن نظرية هيغل الغائية حول التاريخ تندرج أيضًا تحت صياغة الثيوديسيا (العلمانية). إن أدبياتكم الثيوديسية – وليس إلهكم[12] – هي، من وجهة نظرهم، غير أخلاقية، عندما تحاولون، عبر أدبيات نسبية الشر، وكونه في سبيل خير كثير، أو كونه جزءًا من تناغم العالم، أو كون الدنيا دار مكافأة (وبالتالي كون الشر مبررًا)، وما إلى ذلك، أن تظهروا أن الشر في الواقع – لأنه يسعى وراء غاية خيرة جدًا – ليس شرًا، وأن هذا التفسير هو تفسيرنا نحن البشر «قليلي الاحتمال الذين ما إن يصيبنا شر حتى يعلو جزعنا وفزعنا» من شيء ليس سوى «معاناة في الظاهر»، لكنه، لأنه في سبيل غاية خيرة – كالابتلاء، والكمال، والنمو الروحي، ومكافأة العمل، وغيرها – ليس بالسوء الذي يبدو عليه. لكن، سيدي كديور، أولاً، الشر الذي «ليس بالسوء الكبير» ليس شرًا حقًا – ومن هنا، فإن كل الانتقادات الأخلاقية لخطاب الثيوديسيا تنطبق على أدبياتكم أيضًا. وثانيًا، إن شدة الشرور وتنوعها لكثير جدًا بحيث لا يتسع له توصيفكم الكلي المبسط. فالتواء القدم والصداع شر، والإعاقة والحرمان شر، والاعتداء على الأطفال والإبادة الجماعية – التي تفرغ الضحايا والجناة على حد سواء من إنسانيتهم – شر أيضًا. هل كل هذه في مرتبة وشدة واحدة؟ هل يمكن الإجابة عن كل هذه الحالات بوصفتكم الكلية، البسيطة، والجاهزة تلك؟ دعونا نعترف بأن الفئة الثالثة على الأقل تقع في عداد الشرور المهولة والمفرطة، حتى نتمكن، من خلال الاعتراف بها كشرور، والإقرار بهولها وإفراطها، من تعذيب ضميرنا الأخلاقي قليلاً، والخطو خطوة نحو تقليل مثل هذه الشرور، لأن «هذا النوع من الشر لن يكون شيئًا إذا ما استخففنا بشدته واتساعه وخرابه وأذيته واعتبرناها تافهة» (بورمحمدي، ص. 525).
إنكم في نقدكم لما أسميتموه (أنتم) المقاربة الوجودية، تشيرون إلى تحول بارادايمي: نحن في العصر الحديث نشهد تحولاً من الإنسان المُكلَّف في الماضي إلى الإنسان صاحب الحق اليوم. نشهد تحولاً من إنسان كان مُكلَّفًا وتابعًا أمام الله، إلى إنسان يسعى وراء حقوقه. ومن هنا، نشهد في خطاب الثيوديسيا أيضًا تحولاً من المركزية الإلهية إلى المركزية الإنسانية. في المقاربة الجديدة، حُوِّل بارادايم «الله-الشر-العدل الإلهي» (ثيوديسيا)[13] إلى «بارادايم الإنسان-معاناة (إنسان بعينه)-العدالة الإنسانية» (أنثروبوديسيا)[14]، والإنسان النزّاع إلى الإنسية، يسعى إلى تبرير العدالة البشرية، لا عدالة الله.
نعم، سيدي كديور! التحول الذي تدعونه صحيح. لقد شهدنا في العالم الحديث تغيرًا بارادايميًا؛ من المركزية الإلهية إلى المركزية الإنسانية. وفي هذا البارادايم الجديد، لم يعد البشر مُكلَّفًا بل صاحب حق. لم يعد مهتمًا بالخلاص والحياة الأخروية، بل يسعى وراء حياته الدنيوية والآنية. إنه ذاتي الاستناد/الأساس[15] لا غيري الاستناد/الأساس[16]. بمعنى أن الإنسان الحديث يبحث عن رؤية للعالم يكون محورها الفرد الإنساني نفسه، أي رؤية للعالم يكون هو نفسه – بكل قدراته – ممسكًا فيها بكل زمام الأمور. وتبعًا لذلك، يبحث الإنسان المتدين الحديث أيضًا عن لاهوت يكون هيكله الأساسي قائمًا على مدار هذه الذاتية الاستنادية للإنسان. إنسان لم يعد مقهورًا وخاضعًا للقوى القسرية الخارجية – من طبيعية إلى اجتماعية وتاريخية وغيرها. بل يحمل هو نفسه عبء مسؤولية حياته على كتفيه، ويكون هو نفسه ربان حياته وقائد دفتها.
لقد تشكلت اللاهوتات المسيحية الحديثة – سواء أكانت لاهوت الصيرورة أم الإيمان المنفتح أم غيرها – في ظل الأخذ الجاد بهذا البراديغم. حضرة الدكتور كديور، أنتم الذين أخذتم هذا التحول البراديغمي على محمل الجد في إعادة قراءتكم للفقه، لماذا إذن تنتقدون هذا التحول البراديغمي بهذه الحدة والشدة في معرض ردكم على مشكلة الشر، وتوجهون نقدكم اللاذع إلى العقل البشري القائم بذاته وإلى النزعة الإنسانية التي تشكل المبادئ الأساسية لهذا التحول البراديغمي – وهي المبدأ نفسه الذي استخدمتموه في قراءتكم الجديدة للفقه الإسلامي التقليدي؟ لماذا تخلطون في كيس واحد جميع المقاربات التي لا تتسع لها الصيغة المألوفة «الفلسفية-المنطقية» للشر، بغض النظر عن المدرسة أو الاتجاه الذي تنتمي إليه وتحت أي تصنيف تندرج – مما يذكرنا بالنزعة التبسيطية المنغلقة القائلة: «من ليس معنا فهو علينا»؟
أملي هو أن ينظر المثقفون المخلصون أمثالكم، الذين يقدمون، بمحك النزعة الإنسانية وبالاتكاء على العقل البشري القائم بذاته، على قراءة أكثر إنسانية لفقههم وتقاليدهم الدينية، إلى مشكلة الشر من هذا المنظار يوماً ما، وألا ينسبوا سعي الإنسان الحديث لإعادة قراءة الأجوبة التقليدية للشر وأخذه للشر الوجودي على محمل الجد إلى غرور الإنسان الحديث وصلفه – الذي يتوهم أنه قادر بعقله القائم بذاته وبجعله ذاته محوراً (= النزعة الإنسانية) على فهم كل شيء. بل أن يروا فيه مجرد سعي إنساني للوصول إلى فهم أكثر إنسانية للعالم – بمحورية الإنسان المستقل بذاته – وبالتالي للدين؛ فهمٌ يسعى الإنسان الحديث في ظله إلى إيجاد طاقة لمنح معنى لـ«خفة الكائن التي لا تحتمل»[17] لديه وقوة لتحمل آلامهم – وليس بالضرورة محاولة للهجوم على إله تدافعون عنه بحرارة وغيرة مهتمين.
نعم دكتور كديور، «الدنيا دار رنج وبلاء» ونعم صحيح، في خضم عاصفة هذه الشرور «لا يتدخل الله أبداً». لكن هذا شيء، وأدبياتكم المنفعلة والممجدة للألم والشر شيء آخر: «أنتم تريدون تحويل الدنيا إلى جنة – لا يكون فيها طفل مشوه الخلقة، لا حرب، لا اغتصاب، لا زلازل، هذا اسمه ليس دنيا. اسمه آخرة، اسمه جنة. وهو أصلاً ليس مكاناً جيداً للعيش. جمال الدنيا بهذه الآلام. بهذه البلايا. بهذه الشرور».
دكتور كديور، إن تحسين المجتمعات الإنسانية والسير نحو جعل هذا الجحيم جنة، يدين بالفضل لوجهات نظر ورؤى كونية آمنت، على العكس منكم، بإمكانية تحقيق الجنة على الأرض. تلك التي لم تعتقد بأن هذا العالم هو «أفضل العوالم الممكنة» ومن ثم بادرت إلى الفعل. دكتور كديور، تعالوا لنلتزم بكلامكم في الرد على الملحدين و«دعونا لا نلعب دور الإله بدلاً من الله». ذلك أن الخطاب الديني الذي تدافعون عنه في مواجهة الشر، وإن كان أخلاقي المحور، إلا أنه بسبب تعزيزه لروح التهرب من المسؤولية والواقع والانفعال إزاء الشر، وإسكات صوت أنين وصراخ المتألمين – وبالتالي تقوية جبهة الظالمين بشكل غير مقصود – وتمجيد الألم – الذي يعزز لا شعورياً قبول الظلم – هو غير أخلاقي. تعالوا لا ندع حرارة إيماننا وغيرتنا الدينية في خضم الصراع مع جبهة الإلحاد تعمي أبصارنا عن ألم البشر واستيصالهم. مما يؤدي إلى عدم الاكتراث بدمعة أم متألمة تبحث في الدين عن بلسم لألمها الروحي والمعنوي. مما يخنق صوت أنين المتألم وآهة المظلوم وصرخة احتجاج المغلوب على أمره. تعالوا لا ندع الدين يتحول إلى أفيون يخدرنا بدلاً من أن يداوينا. ففي هذه الحالة، الكفر خير من هذا التدين! لأن النمو الأخلاقي للمجتمع البشري رهين في خطوته الأولى بالاعتراف بوجود الشر الواقعي والمهيب – وهو ما يستلزم التعاطف والانحياز للمتألمين – ثم بالممارسة والفعل لمكافحته.
نعم دكتور كديور، إن المقاربات الجديدة للشر – وليس فقط المقاربة الوجودية/الإكزستنسيالية كما تزعم – تسعى إلى إدارة الشر وإصلاحه، لا إلى تفسيره وتبريره. وأعتقد أنك توافقني على أن هذا خطوة أكثر فعالية لتحسين العالم من مجرد التنظير الفلسفي والمنطقي المحض في الفراغ. أي أننا حتى لو قبلنا ذلك البعبع الذي نصبته أنت – تصنيف جميع المقاربات والخطابات الجديدة والناقدة لخطاب الثيوديسيا تحت العنوان الكلي «المقاربة الوجودية» – ووضعناه في مقابل مقاربتك التقليدية القائمة على الثيوديسيا، فإن الكفة – إذا أردنا أن ننظر بواقعية وبراغماتية – ترجح لصالح الطرف الآخر. دعنا نكن منصفين دكتور كديور! أليست النظرة التي تأخذ الشر الواقع على «الفرد البشري»، ذي اللحم والدم والعظم، على محمل الجد – المقاربة المسماة «العاطفية أو الشعورية» للشر، أو ما تسميها المقاربة الوجودية – أكثر إنسانية وأخلاقية من نظرة ترى الشر مفهوماً مجرداً وموضوعاً للفلسفة والمنطق، تتحدث عن «نوع الإنسان» – مفهوم في مفهوم؟ أليس إلهك الفلسفي والمنطقي الذي تتحدث عنه – والذي يسد، بمقاربة استبدادية قسرية، الطريق أمام أي شكوى أو تذمر أو اعتراض – هو نفسه إله القرآن المحب للحرية والمربي عليها والمتمحور حولها، الذي يأذن لإبراهيم بمحاجته، ويكون موضع شكوى يعقوب وتذمره وأنين مريم واستغاثتها؟ إلهي هو إله يعترف بمعاناتي ويأذن لي بأن أطلق أنين «إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ» (يوسف، 86). إنه إله مريم الذي يفسح، بمحبته وكرمه، المجال ليرتفع في كتابه المقدس صراخ العامل المثقل بالشكوى واللعنة: «يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا» (مريم، 23). إله يتحلى بالشفقة والصبر حتى في وجه اعتراضي وعصياني: «يَا مَنْ هُوَ بِمَنْ عَصَاهُ حَلِيمٌ» (جوشن كبير).
أنا وأمثالي نتعاطف مع المقاربات الوجودية، ومع اللاهوت الحديث، ومع الانتقادات الموجهة إلى خطاب الثيوديسيا البارد والمنطقي والجاف والخالي من الروح. نحن نؤمن بإله إبراهيم ويعقوب ومريم، لا بإلهك الأرسطي-الأفلاطوني المحدث – ذلك الذي تعتبره أنت بفخر إلهاً منطقياً وفلسفياً. لقد جاءت الأديان بهدف إقامة علاقة شخصية بين الأرض والسماء، ولا يدّعي أي منها أنه مذاهب فلسفية ومنطقية. صحيح أنها تحتاج إلى الفلسفة والمنطق للدفاع عن معقوليتها، لكن هذا لا يعني إحلال «إله الفلاسفة» محل «إله الأديان». إن «القراءة» (المنطقية-الفلسفية) التي تسعى إليها للدين في الرد على مشكلة الشر، لا تترك، على المستوى الفردي، مجالاً لعلاقة شخصية بيني وبين الله – ومع سائر البشر ومع العالم – وتختزل الدين إلى مجرد قضايا منطقية وفلسفية، وتجعل من قضية وجودية في جوهرها (= مشكلة الشر) – لأنها تشركنا بلحمنا ودمنا وعظمنا – موضوعاً لألعابك الفلسفية والمنطقية. وعلى المستوى الاجتماعي، لا تجلب معها سوى السلبية والتهرب من المسؤولية والواقع. ومن هنا، يا سيد كديور، دعنا نعترف بأن «الجواب» الذي تقدمه للشر والإله الذي تقترحه، لن يكونا لنا بعد اليوم عصاً وسنداً في عالم صار «وادي ظلال الموت». [18]
لذا، في مواجهة هذا العالم المليء بالألم والرعب والموت، إذا أتيح لنا الاختيار بين «إلهك» وبدائله، دكتور كديور، ألا توافق على أنه «ما دام نظام العالم قد وُضع في يد الموت، فلربما كان من مصلحة الله ألا يؤمن به الناس، وأن يحاربوا الموت بكل قواهم دون أن يرفعوا أبصارهم إلى سماء يجلس فيها صامتاً؟»[19]

.
.
[1] الوصية الثالثة من الوصايا العشر لموسى في الكتاب المقدس. العبارة العبرية لهذه الآية هي «לֹא תִשָּׂא אֶת-שֵׁם-ה' אֱלֹהֶיךָ, לַשָּׁוְא». كلمة «לַשָּׁ֑וְא» (لَشاوِه) تحمل معانيَ كثيرة مثل: البطلان، العبث، الغرور، الخواء، الأنانية، والحنث باليمين. لذلك يمكن ترجمتها أيضًا هكذا: «لا تحمل اسم الرب بغرور أو بأنانية»! في ترجمة New International Version ورد: «لا تسئ استخدام اسم الرب!»
[2] غني الكشميري.
[3] skeptical theism: هي في الواقع «إيمان بالله» شكاك وليست «لاهوتًا».
[4] Argumentum ad hominem.
[5] Nick Trakakis.
[6] بورمحمدي، نعيمه. 1398. حول الشر؛ ترجمة مقالات مختارة في فلسفة ولاهوت الشر. قم: طه، 1398. المجلد الأول، ص 516.
[7] يقسم المقاربة العاطفية أو الوجودية إلى فروع من لاهوتات: الوجودية، والصيرورة، والإله المنفتح، والقائمة على الإبستمولوجيا المُصلَحة، والاحتجاج، وضعف الله، وموت الله. في حين أن بعض هذه الفروع هي فروع من اللاهوت الحديث – وليست بالضرورة ردودًا على الشر، ناهيك عن كونها مقاربة وجودية للشر – وبعضها فروع من مناهضات الثيوديسيا أو لاهوت ما بعد أوشفيتز – أو ردًا عليه. ولا توجد أي ملازمة ضرورية ومباشرة بينها وبين المقاربة الوجودية.
[8] على سبيل المثال، النقد الموجه إلى المقاربات اللاهوتية الجديدة كالصيرورة والإيمان بالإله المنفتح هو أن الإله الذي تصوره ليس كلي القدرة وكلي العلم. النقد الموجه إلى لاهوت الاحتجاج – الذي يُعتبر نوعًا من مناهضة الثيوديسيا – هو أن الإله المتصور فيه ليس خيرًا محضًا. النقد الموجه إلى المقاربات الوجودية هو أنها لا تكترث بالشر الاجتماعي والمنهجي. بجمع كل هذه المقاربات تحت مقاربة واحدة، يصنع كديور خصمًا وهميًا ليس من الصعب هزيمته. ذلك أنه يمكن جمع كل من هذه الانتقادات تحت مظلة مجموعة من الانتقادات وتشكيل حجة تراكمية تكون، من حيث الفاعلية، أقوى بكثير من أي من هذه الانتقادات بمفردها. وبهذه الطريقة، لن يكون من الصعب على الإطلاق إبطال موقف الطرف المقابل وهزيمة هذا الخصم الوهمي.
[9] بالطبع، قد يوجد بين هؤلاء ملحدون وربما مناهضون للدين والتقاليد. لكن لا توجد أي ملازمة ضرورية بين خطاب مناهضة الثيوديسيا والإلحاد.
[10] تلميح إلى قصة في الكتاب المقدس (سفر الخروج، الإصحاح الثالث، الآية 5). توجد قصة مشابهة ونفس الآية في القرآن أيضًا (سورة طه، الآية 12).
[11] Escapism.
[12] لا يمكن إنكار أن بعض المفكرين اليهود المناهضين للثيوديسيا – مثل برايترمان أو بلومنتال – قد أدانوا إله الكتاب المقدس بوصفه غير أخلاقي، أو أن خيرية الله في بعض قراءات لاهوت الاحتجاج – حتى في التقليد المسيحي – هي موضع جدال، ولكن بتعميم هذا الاتجاه على مقاربة أو خطاب بأكمله نقع في مغالطة التعميم المتسرع/غير المسوغ (faulty/ hasty generalization).
[13] Theodicy.
[14] Anthropodicy.
[15] Autonomous.
[16] Heteronomous.
[17] The Unbearable Lightness of Being: رواية لميلان كونديرا، كاتب تشيكي.
[18] «الرب راعيّ فلا يعوزني شيء... وأيضًا إذا سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شرًا، لأنك أنت معي. عصاك وعكازك هما يعزيانني» (مزامير داود، الإصحاح 23).
[19] الطاعون، ألبير كامو، ترجمة رضا سيد حسيني، منشورات نيلوفر، ص 160.
.
.
.
.
الدين
العلوم السياسية
الدين
العلوم السياسية
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١١ تعليق
متن بسیار عالی ، آموزنده ، عمیق ، و در عین حال پراحساس و تاثیرگذاری بود . ممنون از نویسنده . ولی سه اشکال به ذهن من میرسد که انها را بیان میکنم . 1- به زعم من تفاوت معنی داری بین خدای ادیان و خدای فلاسفه وجود ندارد . به بیان دیگر تفاوت معنی داری بین پاسخ متکلمین و فلاسفه - در پاسخ به چرایی شرور - وجود ندارد . 2- حتا اگر خدای ادیان چیزی غیر از خدای فلاسفه باشد ، مسئله عدم امکان اثبات الهی بودن کتب مدعی ( ادیان ابراهیمی ) کماکان مطرح است . 3- و مهمتر از همه آنکه اساسا وجود خدا ، یک فرض اثبات ناشده است . لب کلام : نخست باید خدا اثبات شود . در پله بعد ضرورت نبوت عامه اثبات شود . در پله بعد الهی بودن کتب مدعی ( تورات ، انجیل ، قرآن ، و غیره ) اثبات شود . ( و البته قصه مذاهب مختلف درون یک دین و تضادهای هرمنتیکی و روشی درون مذهبی ، و .... هم قصه دیگری است ) .
باسلام به شما منوچهر به عنوان یک مسلمان نواندیش اولا :ممکن است بین پاسخ های متکلمین و فیلسوفان به مسئله شر یکی باشد اما خدای ادیان که دچار محدودیت های تاریخی و زمانی است با خدای موجود در فلسفه تفاوت دارد و در کل برای شناخت خداوند حتی اگر پیرو ادیان باشیم باید رویکرد فرادینی و فرامتنی برای شناخت خدا داشته باشیم تا دچار اشتباه و کاستی کمتری در این زمینه باشیم . یکی از تلقی های غلط بشر از خداوند که به ادیان و کتب آنها راه پیدا کرده است تلقی خدای انسانوار از خداست . در این زمینه به مقاله ً خداجویی ً در سایت فرامتنی مراجعه کنید که این تلقی غلط از خدا و چرا این که باید برای شناخت خدا از پارادیم متن فراتر رفته و رویکرد فرامتنی داشت را توضیح داده است . ثانیا : اثبات اصل وجود خدا علی رغم ایرادات و نقایصی که به برخی برهان های فلسفی وجود خدا از سوی منتقدان و خداناباوران مطرح شده است حداقل به لحاظ فلسفی ممکن است اما اثبات نبوت و مقوله وحی تقریبا غیرممکن است . این که خدای یگانه چگونه با بشر ارتباط برقرار کرده و پیامش را القا می کند که همان وحی است و یا این که چرا مقوله و داستان نبوت و وحی مقوله ای منطقه ای بوده است و مثلا برای مردم چین وهند با میلیونها جمعیت پیامبری نیامده است را نمی دانیم . عقل مدرن هم نمی تواند این پدیده را تحلیل کند و اگر بخواهد به قول معروف مته به خشخاش بگذارد نتیجه آن انکار اصل وحی و نبوت و یا در خوش بینانه ترین حالت تئوری هایی مثل رویاهای رسولانه دکتر سروش و یا گفتمان نبوی مجتهد شبستری خواهد شد . بنابراین به اصل مقوله وحی و الهی بودن آن باید رویکردی ایمانی و نه عقلی داشت . خود من هم یک چنین رویکردی دارم چرا که به لحاظ عقلی وحی را نمی توان اثبات و توجیه عقلانی کرد .
کارمند صدانت عزیزی که با اسم "مخاطب"" کامنت گذاشتی فمینیستیه مطلب، فمینیسم یعنی مبارزه با تبعیض نژادی و تبعیض نژادی هم یک شر است. کدیور هم در بازتولید این شر با ترویج باورهای غلط خود با رنگ و لعاب ""روشنفگری"" نقش بسزایی داشته است.
فمنیسم یعنی مبارزه با تبعیض جنسیتی ونه تبعیض نژادی! شر وقتی رخ می دهد که بین جنسیت زن و مرد تفاوت قائل شوی.
این مقالۀ خواندنی را باید اتمام حجتی با روشنفکران دینی پرمدعا دانست. این قلم تأثیرگذار گواه دغدغههایی وجودی و واقعی است، نه قلمفرساییِهای فضلفروشانه و تهیمایۀ آقایان موسوم به «روشنفکران دینی». امیدوارم به پاسخی حداقل درخورِ خواندن از جانب ایشان منتهی شود؛ هرچند امیدی محکوم به نومیدی است؛ مگر آنکه مانند سروش دباغ شجاعتی به خرج دهند و راهحلی عملگرایانه مانند «تسخر زدن بر» فعل خدا (در قالب نظریۀ «طنز الاهیاتی») پیش پای مؤمنان بگذارند؛ هرچند به صد دلیل مشابه دیگر مورد انتقاد نویسندۀ مقالۀ بالا قرار خواهد گرفت.
ضمن تشکر از خانم میر صدری باید عرض کنم که متن حاضر بیشتر خصوصیات یک مانیفست را داشت تا نقد علمی. به هر حال بر اساس برهان شر ، وجود خداوند عالم و قادر و خیر خواه در تضاد با وجود شرور در جهان است.نهایتا معلوم نشد که خدای ابراهیمی چه ویژگی خاصی دارد که از پس این تضاد آشکار بر می آید؟
بسیار عالی و موشکافانه بود، لذت بردم همانطور که به درستی گفتی هیچ دفاعیه ای هیچ تئودیسه ای نمی تواند تبیین گر درد و رنج باشد که در واقعیت حیات عالم رخ می دهد.
خانم سعیده میرصدری با عرض سلام ابتدا میبایست از تلاش شما برای بیان الام بشری ونقدهای بجای شما به گفته های اقای کدیور تشکر کنم سرکار خانم میر صدری انچه شما از جناب کدیور طلب میکنید به هیچعنوان شدنی نیست شرور پاسخی منطقی وعقلانی ندارد شما از فلسفه ی یونان گفتید در فلسفه ی اسلامی بدون یونان هم پاسخی نیست عرفان اسلامی در بعد نظری فلسفه است عرفان نظری هم قادر به پاسخ دادن نیست فلسفه مگر چیست ؟ فلسفه اندیشیدن عمیق است تفکر است استدلال عقلانیست هیچ استدلال عقلانی نمیتوان برای شرور اقامه کرد درخواست شما از روشنفکران وجهی ندارد وشدنی نیست شما نوشتید خدای فلاسفه زیر سوال است وخدای ابراهیمی زیر سوال نیست اصلا اینطور نیست به هیچ عنوان نمیتوان در مقابل شرور از خدای ابراهیمی دفاع کرد اینکه بگوییم که ما انسانها از خیر کثیر واقع در عالم بیخبریم ورنجهای عالم در مقابل خیر کثیر ان اندک هستند هرگز پاسخ مناسبی نیست حتما خدا مفروض میبایست به انسانها چنین علمی را میداد تا بتوانند ان خیر کثیر را درک کنند واز وجود ان اگاه باشند تا بتوانند تحمل رنجهای عالم کنند چون این انسان است که مستقیما با ان رنجها سروکار دارد وانرا با همه ی گوشت وپوست واستخوان خویش درک میکند بنا براین حق انسان است که دلیل انرا بداند وان خیر کثیر ادعایی را بشناسد خانم میرصدری شر هیچ پاسخی ندارد و نمیتواند داشته باشد و از دست روشنفکران دینی هم کاری برنمیاید روشنفکران دینی فقط پله ای هستند برای رسیدن به حکومت دموکراتیک سکولار و مطمئنا در چنین حکومتی هرگز در صدر نخواهند نشست و فرمان نخواهند راند چون هنوز هم در لابلای فکری و وجودی انها اثار تعبد وتسلیم محض بودن و معتقدات ضد تفکر وجود دارد انها به تمامی وبا همه ی وجود خویش عقل خود بنیاد بشر را برسمیت نمیشناسند و با ان برخوردی سلیقه ای میکنند
کاملا موافقم. در واقع دم خروس روشنفکران دینی در چنین بزنگاههایی است که بیرون میزند و نشان میدهد دعاوی آنها دربارۀ به رسمیت شناختن انسان بما هو انسان چقدر واقعی و جدی است. با این حال، امیدوارم این مقالۀ بسیار پرمطلب و نغز تلنگری باشد بر امثال کدیور تا تکلیف خودشان را با اساسیترین مسائل الهیاتی (و نه مسائل پیش پا افتاده و کودکانۀ فقهی) یک بار برای همیشه روشن کنند. تازه در این صورت است که میتوان پذیرفت که اصولا پدیدهای به نام «روشنفکری دینی» میتواند وجود خارجی داشته باشد یا خیر. البته همان قدر که پاراگراف آخر مقالۀ خانم میرصدری دلنشین است، پاراگراف آخر حجت جانان عجیب و نپذیرفتنی است که «روشنفکران دینی فقط پله ای هستند...». نه حجت جان! اینان تنها نقش پوشش محافظ سنت را ایفا میکنند؛ هرچند بر روی این پوشش عکس پله نقش زده باشند!
چقدر یادداشت خانم میرصدری به ادبیات فمنیسم نزدیک است. محاکمه آقای کدیور به جرم مرد بودن و نگاه مردسالاری داشتن به مسئله شر؟
و ادبیات شما را چه بنامیم که یک مقالۀ چندهزار کلمهای را تنها بر اساس یک کلمۀ آن قضاوت کردهاید؟!