اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
مصطفى ملكيان فيلسوفٌ لا يريد أن يخزى بالإنسان؛ مفكّرٌ لا تشغله الثقافة والحضارة بقدر ما يشغله تخفيف معاناة البشر من لحم ودم وعظم. بالنسبة له الإنسان هو الغاية، وكلّ ما هو مجرّد خادمٌ له.

في الحقيقة، بدا لي أن الإجابة عن هذا السؤال صعبة. فأنا لم أعرف مصطفى ملكيان إلا من خلال آثاره المكتوبة والمنقولة. لم أخالطه قط، ولم أتتلمذ عليه مباشرة. إن مصطفى ملكيان بالنسبة لي هو بحق أستاذ لم أره. إنه أستاذ لم أعاشره إلا عبر وجوده المعنوي. لقد كنت أكثر امتزاجاً بملكيان المعنوي، لا ملكيان الفيزيقي.
لم أكتب كثيراً عن مصطفى ملكيان. لعل هذه هي كتابتي المستقلة الأولى عنه. لكن الدافع الأساسي لكتابة هذه المذكرة هو سؤال صديق مجهول. صديق قرأ المقابلة الشيّقة «فنجان إسبرسو مع مصطفى ملكيان»[1] وأثنى عليها خيراً. سألني هذا الصديق:
لو أردت أن تصف مصطفى ملكيان في جملة واحدة، فماذا تقول؟!
في الحقيقة، بدا لي أن الإجابة عن هذا السؤال صعبة. فأنا لم أعرف مصطفى ملكيان إلا من خلال آثاره المكتوبة والمنقولة. لم أخالطه قط، ولم أتتلمذ عليه مباشرة. إن مصطفى ملكيان بالنسبة لي هو بحق أستاذ لم أره. إنه أستاذ لم أعاشره إلا عبر وجوده المعنوي. لقد كنت أكثر امتزاجاً بملكيان المعنوي، لا ملكيان الفيزيقي.
دعوني أتحدث بوضوح أكثر. ما أعنيه بملكيان الفيزيقي هو إقامة علاقة فيزيقية ووجهاً لوجه معه. فلو حضرت درسه، أو شربت معه فنجان شاي؛ ولو تمشينا معاً أو عانقته؛ فإن كل هذا يحقق لي ملكيان من النوع الأول __أي ملكيان الفيزيقي__. هنا تكون علاقتي بملكيان تحت سيطرة حضوره الفيزيقي، وأنا أنظر إليه بعينيّ. العلاقة بملكيان الفيزيقي رهن بأداء جسده لدورٍ تجاهي أنا الحاضر في المشهد. أرى بعينيّ أنه حاضر ويدرّس. إنه حاضر ويتكلم؛ إنه حاضر ويشرب الشاي؛ وهكذا دواليك. لكن الحال ليس كذلك في العلاقة بملكيان المعنوي. في العلاقة بملكيان الفيزيقي "إذا لم تكن فيزيقا ملكيان موجودة،" فلن تكون هناك علاقة. هنا لا أدخل مع ملكيان في علاقة فيزيقية وجهاً لوجه، ولا أتعامل معه بالمقابل. أنا أتعامل مع حضوره المعنوي ولا أنخرط مع فيزيقاه. في هذه العلاقة، لا أرى حركاته بعينيّ، ولا أسلم عليه بيديّ... إلخ. والآن، ما دام الأمر كذلك، فمن أي طريق أدخل في علاقة مع ملكيان المعنوي؟! كيف أجلس إلى حديثه وأتناجى معه؟! الجواب واضح: إني أدخل في علاقة معه عبر آثاره المتنوعة وأنتفع به. هنا أرتحل إلى عالم تفلسفه وتعقّله وأتزود منه. إني أعتقد أن كل مفكر صاحب أثر حيّ في الآثار التي يبدعها، ولا يموت أبداً.
وعليه، فإن علاقتي بمصطفى ملكيان ليست فيزيقية ووجهاً لوجه فحسب. يمكنني أن أدخل في علاقة مع آثاره وأتعرف على عالمه. يمكنني أن أتعمق في أقواله وأتحاور معه. هذا النوع من العلاقة قائم ومستقر من الناحية المعنوية فقط، ولا يعتمد إطلاقاً على الحضور الجسدي للطرف المقابل.
وبناءً عليه، ليست لي مع مصطفى ملكيان سوى علاقة من النوع الثاني. أي علاقة غير فيزيقية؛ ومعنوية. لم أواجهه مباشرة ولم أتصل به. لقد أدركته فقط من خلال إرثه الخالد.
والآن أعود إلى كلامي الأول. سألني صديق:
لو أردت أن تصف مصطفى ملكيان في جملة واحدة، فماذا تقول؟!
وفقاً لما أوردته، فإن إجابتي عن هذا السؤال تقوم على هذه الأسس:
أولاً، لقد نشأ جوابي من صميم علاقتي بملكيان من النوع الثاني. جوابي هو حصيلة تواصلي مع ملكيان المعنوي. لم أختلط بملكيان الفيزيقي. إن التعمق في آثاره المكتوبة والمنقولة هو الذي قادني إلى الجواب الذي سيأتي لاحقاً. ثانياً، جوابي على السؤال أعلاه هو نتاج الصلة بآثار ملكيان المتأخرة من النوع الثاني. لا شأن لي بآثاره في الفترة المبكرة. وإن كان جوابي لا يتعارض أيضاً مع آثار المراحل السابقة من حياته.
والآن من الأفضل أن أتطرق إلى جواب السؤال أعلاه. قلتُ لذلك الصديق المجهول، رداً على سؤاله، هذه الجملَ القليلة فحسب:
ملكيان فيلسوفٌ لا يريد أن يخجل من الإنسان. يخجل من أنه كان بإمكانه أن يفعل شيئاً لأجله؛ لكنه لم يفعل. ملكيان هو فيلسوف الإنسان؛ إنه فيلسوف يريد أن يخفف من آلام الإنسان ويجعل حياته طيبة وسعيدة وذات قيمة.
حقاً، برأيي، إن هذه الجملَ القليلةَ وحدها تعبّر عن الرسالة العظيمة لهذا المفكر البارز. إنه مفكرٌ لا يكون إلا بين الجمع. موضوع بحثه وتقصّيه هو الإنسان وما يعتريه من آلام وأحزان عابرة ومقيمة:
«بالنسبة لي، لا يهمّني البتةَ ما يحدث للاقتصاد العالمي، أو الثقافة، أو الحضارة، أو الحداثة، أو التقليد، أو الدين، أو الشريعة... إلخ، ما يهمّني هو البشر من لحم ودم وعظم، وما يحلّ بهم من مصائب. أنا لا أفهم مطلقاً، مثلاً، ماذا يعنون عندما يقولون لو فعلنا كذا فسيؤول إليه أمر الثقافة الإيرانية، أو تصير الحضارة العالمية كذا؟ أنا أقول: يجب ألا نهتمّ في هذا العالم إلا بالآدميين، يجب أن نفعل شيئاً كي يرحل عن الدنيا هؤلاء الآدميون من لحم ودم وعظم، الذين يأتون إلى العالم ويتألمون ثم يرحلون عنه، بألم أقل، أو يعيشوا بألم أقل»[2].
بالنسبة لملكيان، ليس الدين غاية، ولا التقليد، ولا الثقافة؛ لا الاقتصاد ولا السياسة. الغاية في نظره هي الإنسان، ثم الإنسان. الهدف هو تقليل آلام ومعاناة هذا الكائن الواعي بالألم. يعتبر ملكيان الإنسان مهماً من حيث هو إنسان. إنه يدرك قيمة البشر بصرف النظر عن انتماءاتهم الإنسانية. فمثلاً، لا يهمّه ما هو دين حسين؛ فكون حسين إنساناً هو ما يمنحه القيمة عنده:
«لستُ قلقاً على تقليدي، ولستُ قلقاً على الحداثة، ولستُ قلقاً على الحضارة، ولستُ قلقاً على الثقافة، ولستُ قلقاً على أي أمر تجريدي من هذا القبيل. أنا قلِق على البشر من لحم ودم الذين يأتون، ويتألمون، ويرحلون[3]».
وهكذا، فإن مركزية الإنسان هذه في منظومة ملكيان المعرفية تستوعب كل شيء. إذ إن جميع هذه الأمور التجريدية، في نظر ملكيان، خادمة للإنسان، وجميعها لا تجد ظهوراً لها إلا بوجود الإنسان:
«الآن، إذا كانت لديكم فكرة في ثقافتكم وحضارتكم، في دينكم، في مذهبكم، في فلسفتكم، في عرفانكم، في لاهوتكم، في علومكم التجريبية الطبيعية، في علومكم التجريبية الإنسانية، في الفن والأدب والعلوم التاريخية لديكم، في أي مكان، أي شيء من شأنه أن يخفف من ألم ومعاناة هذا الإنسان من لحم ودم وعظم، فإننا نأخذ به[4]».
نتيجةً لذلك، ينبغي أن نعرف ملكيان على هذا النحو:
"ملكيان، الفيلسوف الوحيد بين الجمع".
لم يعد الجهد الأساسي لملكيان هو الدين والتقليد والثقافة. ليس الاقتصاد والسياسة والحداثة. ليس التاريخ والشريعة والعصرنة. الجهد الأساسي لملكيان هو الإنسان، ثم الإنسان، ثم الإنسان. إن نظرته هذه هي التي تفصله عن الآخرين: أولئك الذين تعلّقوا بهذه الأمور التجريدية، وتجعله يبدو وحيداً بين الجمع. ملكيان يحمل همّ الإنسان ولا يريد أن يبقى خجلاً منه.
الرابع من دي عام ألف وثلاثمئة وخمسة وتسعين
.
.
[1] - فنجان إسبرسو مع مصطفى ملكيان في مقهى شهر كتاب فرشته
[2] - محاضرة مصطفى ملكيان بعنوان “أزمة المعنوية – الافتراضات المسبقة للحياة المعنوية” أُلقيت في قاعة الاجتماعات بمجمع الإمام الصادق الثقافي في أصفهان بتاريخ 10 شهريور 1384.
[3] - محاضرة الأستاذ ملكيان في ندوة «العقلانية والمعنوية بعد عشر سنوات»، بتاريخ 28 أرديبهشت 1389 في قاعة الشيخ الأنصاري بكلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة طهران.
[4] - المصدر نفسه
.
.
الأدب
الدين
الدين
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.