اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يحلل الهاشمي أفكار آرامش دوستدار حول علاقة الإيرانيين بالعالم الحديث؛ التمييز بين الرؤية الدينية والنظرة العلمية والتفكير الفلسفي الذي يُبقي فلسفة السؤال حية. كما يُستعرض نقد أعمال دوستدار حول الثقافة الدينية والتنوير.

آرامش دوستدار هو أحد مفكري إيران في عصرنا، بمعنى أنه حاول التفكير في العلاقة التاريخية للإيرانيين بالعالم الحديث، وسعى إلى تبيين وضعنا إزاء الغرب. وثمرة هذا المسعى هي نقوده وآراؤه حول الثقافة الإيرانية والنظرية التي انعكست في أعماله. سأقوم في هذه المقالة أولاً بتقديم تعريف موجز بدوستدار وأعماله وأفكاره، ثم أطرح ملاحظات نقدية حول أعماله ونظريته.
آرامش دوستدار، الذي أكمل دراساته الفلسفية في ألمانيا، كان قبل الثورة عضواً في مجموعة الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة طهران. أعماله المنشورة آنذاك - حسب علمي - هي ترجمتان ومقالة تأليفية. إحدى الترجمتين حول الأنثروبولوجيا الفلسفية[1] والأخرى هي المقابلة المهمة والشهيرة لمارتن هايدغر مع مجلة دير شبيغل[2]. هذه الترجمة مألوفة أيضاً للجيل التالي لأنها نُقلت بعد الثورة في كتاب عن هايدغر[3]. أما تأليفه فيحمل عنوان "من هو مجنون نيتشه؟" ونُشر لأول مرة في مجلة فلسفه[4]؛ وهو مقال جدير بالقراءة في تفسير أشهر أجزاء كتاب العلم المرح/ الحكمة المرحة/ العلم الطروب (Die fröhliche Wissenschaft) وهو العمل المهم لنيتشه. ورغم أن تفسير دوستدار هو أحد التفاسير الممكنة لهذا النص (وقد أُنجزت تفاسير أخرى لهذا النص ويمكن أن تُنجز أيضاً) إلا أنه في موضعه تفسير جاد وذي أهمية.
بعد الثورة، صدر لدوستدار كتاب "ملاحظات فلسفية في الدين والعلم والتفكر: الرؤية الدينية والنظرة العلمية"[5] والذي كُتب أساساً قبل الثورة، لكنه لم يجد فرصة للنشر عند مشارف الثورة وصدر في عام 1359. وبهذا، ينبغي اعتبار هذا العمل في الواقع من أعمال مؤلفه قبل الثورة.
غادر دوستدار إيران بعد الثورة، ونشر مقالات أولاً باسم مستعار هو بابك بامدادان ثم باسمه الصريح في الصحف الناطقة بالفارسية خارج إيران[6]، وكانت حصيلة تدوينها وتبويبها كتابي "الومضات المظلمة"[7] و"امتناع التفكر في الثقافة الدينية"[8]. ورغم أن هذين الكتابين لم يُنشرا في إيران، إلا أنهما قُرئا مع مرور الزمن في إيران[9] ويمكن القول إن آرامش دوستدار اليوم شخصية معروفة لدى أهل النظر في إيران؛ شخصية برزت خصوصاً بفضل أفكاره الراديكالية حول الدين والتدين - والتي تختلف كلياً عن (بل وتتعارض مع) أفكار جميع مفكري إيران الآخرين[10].
ماذا يقول دوستدار؟ يمكن أن تكون مراجعة الكتب الثلاثة المذكورة إجابة على هذا السؤال، وأن تقدم تصوراً لهواجسه وأفكاره.
"ملاحظات فلسفية في الدين والعلم والتفكر" هو مسعى لإظهار وإبراز الفروقات بين العلم والدين والفلسفة. وإن كان التطرق لهذا القسم الأخير قد أُرجئ إلى مجلد آخر لم يُنشر للأسف أبداً. في الكتاب، تم التطرق للفلسفة التي يقوم عليها منهج الكتاب والتي حددت "نمط ملاحظاته" "منذ البدء ضرورةً"[11] بشكل مقتضب، بينما تم بحث الفروقات الماهوية لما يسميه دوستدار "الرؤية" الدينية و"النظرة" العلمية[12] بتفصيل.
وبتعبيره
«تقول الرؤية الدينية إن الدين رؤية، وهي تتصور هذه الرؤية انطلاقاً من فكرة الخلق من العدم. وتقول النظرة العلمية إن العلم نظرة، وهذه النظرة تؤسس على الوجود المستقل للطبيعة. أما التفكير الفلسفي… فلا يقول إن الفلسفة وحدها هي التفكير، ولا إن التفكير هو الفلسفة فحسب، بل إن الفلسفة ضرب من التفكير.»[13]
بتعبير دوستدار، القاسم المشترك بين الدين والعلم والفلسفة هو مواجهة الثلاثة جميعاً لهذا السؤال: ما هو العالم وكيف هو؟[14] ووجه الافتراق بينها يكمن في طريقة الإجابة عن هذا السؤال. فالدين يعرف العالم دائماً معرفة سابقة، ولديه في الواقع جواب حاضر وجاهز عن هذا السؤال، لأنه مرتبط بالأمر القدسي وكلامه[15]. فماهية العالم وكيفيته في الرؤية الدينية هي ما يحدده الأمر القدسي. وبهذا، حسب تعبيره، لا يجد السؤال بوصفه سؤالاً مجالاً لطرح نفسه في الرؤية الدينية أبداً، ويبقى السؤال فيها في حدود الاستخبار[16]. أما النظرة العلمية القائمة على المنهج التجريبي والاختباري فتعرف العالم دائماً معرفة لاحقة[17]. أي أنها تواجه العالم بوصفه مسألة وتسعى إلى حله. وفي النظرة العلمية أيضاً، لن يبقى السؤال سؤالاً بعد معرفة العالم[18]. إذن، بناءً على هذا يمكن الاستنتاج أن الدين والعلم، بهذا الأسلوب في معالجة السؤال، يعدمانه بطريقتين مختلفتين. وفي رأي دوستدار، لا يبقى السؤال سؤالاً إلا في التفكير الفلسفي فحسب:
«يكون التفكير فلسفياً حين ينبثق من السؤال ويبقى راسخاً فيه. فالتفكير الذي لا يظل في أسر حيوية السؤال ليس فلسفياً أبداً. وعلى العكس من الجواب في الرؤية الدينية والنظرة العلمية، فإن الجواب الفلسفي لا ينفي ماهية السؤال ولا يزعزعها ولا يبسط المسألة، بل يزيدها عمقاً وتعقيداً وصعوبة.»[19]
بالنسبة لأولئك الملمّين بالفلسفة، لا يخفى عليهم الصدى الهيدغري للعبارات أعلاه. فالفلسفة عند دوستدار ذات صبغة نيتشوية ـ هيدغرية، وهي أكثر من مجرد نقد منطقي، إذ يقول عن المنطق:
«المنطق بوصفه تفكيراً استنتاجياً لا سبيل له أبداً إلى وجود الأمور. إنه عاجز أساساً عن التفكير في هذه الأسئلة، ناهيك عن تأسيسها في نمط وجودها.» [20]
يسعى دوستدار في هذا الكتاب، على نحو خاص، إلى أن يبيّن أن الرؤية الدينية (وكذلك النظرة العلمية) لا يمكن أن تتوافق مع الفلسفة، وأن هذين الاثنين في تقابل مع بعضهما:
«إذا قلنا إن التفكير الفلسفي يحيا بقوة السؤال، فيمكننا القول إن الرؤية الدينية ستموت موتاً محتوماً حالما تتحرر قوة السؤال الحقيقي في داخلها.»[21]
في رأيه، الفلسفة هي أساساً وليدة النظرة اليونانية التي لم تكن دينية، وربما يمكن القول بهذا المعنى إن الفلسفة غربية في أساسها[22]. يتناول الكتاب قيد البحث بالتفصيل خصائص الرؤية الدينية والنظرة العلمية ومحدودياتهما، ولا يتجاوز ذلك. أما استخلاص النتائج منه والتنظير بناءً عليه فهو أمر يتم في كتابي دوستدار التاليين.
«الومضات القاتمة» هو من منظور ما استمرار للكتاب السابق. إذا كان الاختلاف بين الدين والفلسفة قد تبلور في ذاك الكتاب، فإن تقابلهما يصبح جلياً في هذا الكتاب، ويسعى المؤلف فيه إلى الانتقال من النقاش التجريدي حول ماهية الدين إلى نقاش حول تاريخنا وثقافتنا. وبالطبع، لا يمكن اعتبار الكتاب من حيث اللهجة والتعبير استمراراً للعمل السابق. فعلى خلاف الكتاب السابق الذي اتسم بلهجة رصينة، يتسم هذا الكتاب بلهجة عدائية، وتعبيره غامض أيضاً.
«الومضات القاتمة» هو في الواقع نقد لوضع الفكر في إيران. وهذا النقد يشمل معاصرين مثل أحمد فرديد وداريوش شايغان ورضا داوري وحسين نصر وحميد عنايت وجلال آل أحمد، ويمتد ليشمل رواداً أقدم مثل فتحعلي آخوندزاده، وصولاً إلى القرون الماضية ونظرات مثل الرؤية الباطنية وشخصيات مثل ناصر خسرو.
برأي دوستدار، لم يستطع المفكرون الإيرانيون قط أن يؤدوا دور المفكر وأن ينهضوا بواجبهم التنويري. وبتعبيره، يقف التنوير في مواجهة أمرين: اليومية المعاشة والتدين الاعتيادي[23]، وليس له من مهمة سوى التصدي لهذين الأمرين. في حين أن مفكرينا كانوا على مر التاريخ واقعين في التدين الاعتيادي، وكان منورونا أسارى لليومية المعاشة.
وبتعريفه،
«الإنسان اليومي هو ذلك الذي لا يعرف ولا يفكر خارج نطاق التأثيرات الحاضرة وحاجات بيئته المعيشية. لا يعرف بمعنى أن معارفه لا تتجاوز عمومًا هذا الحد، ولا يفكر بمعنى أنه يفكر حصرًا داخل هذا الحد وبقدر حاجاته المتجذرة فيه، لا أكثر من ذلك ولا خارجه.»[24]
والتدين الاعتيادي بتعريفه هو
«ذلك السلوك والفعل الباطني الذي يحتفظ بسمة أساسية من الأصل الديني دون أن يكون واعيًا بمصدر هذه السمة. وتتمثل هذه السمة في تلقي غريب للأمور يقوم على غير سؤال ومعرفة. وبعبارة أبسط، التدين الاعتيادي هو ذلك السلوك الذي يفهم الأمور دون سؤال ومعرفة. لذلك، فإن التدين الاعتيادي، بقدر ما يدعي الفهم بمعناه الجاد، ليس من خصال العوام بل هو مقصور على الخواص.»[25]
وبالطبع، لا يساوي التدين الاعتيادي التدين، وينبغي أن تكون العلاقة بينهما، وفقًا لآراء دوستدار، علاقة العموم والخصوص المطلق. أي أنه بحسب تعريفه، ينبغي أن يكون كل متدين واقعًا في التدين الاعتيادي، ولكن ليس كل واقع في التدين الاعتيادي متدينًا بالضرورة، تمامًا كما يعتبر الماركسي - الذي يعارض الدين والتدين - ولكنه لا يسأل ويذعن لأيديولوجيته، واقعًا في التدين الاعتيادي بلا دين.[26]
بناءً على ما تقدم، يسعى دوستدار إلى النهوض بواجبه التنويري، أي أنه يحاول طرح سؤال يتجاوز اليومية المعاشة ويتقابل مع التدين الاعتيادي. ويمكن التعبير عن سؤاله على النحو التالي: ما هي نسبة ثقافتنا إلى الرؤية الدينية، والنظرة العلمية، والتفكير الفلسفي؟ وجوابه - الذي هو خلاصة الكتاب أيضًا - هو: ثقافتنا كلها دينية. ونتيجة هذا الأمر واضحة، تاريخنا وثقافتنا غريبان عن التفكير.
برأي آرامش دوستدار،
«ثقافتنا الإيرانية الإسلامية كانت دينية في أساس تحولاتها وظلت كذلك اضطرارًا.»[27]
وهذا الأمر لا يختص بالعصر الإسلامي، بل يشمل إيران القديمة أيضًا:
«العلاقة الحقيقية الوحيدة لنا بإيران القديمة هي ذلك العرق الديني الذي يجري فيه الدم الإسلامي منذ قرون حتى اليوم.»[28]
لهذه الصبغة الدينية خصائص لا ينبغي إغفالها عند دراسة ثقافتنا. فعندما يسود نظام ديني مجتمعًا وثقافةً:
«تنسج شبكة من القيم التي لا تنازع فيها والمتطابقة، من الداخل والخارج، في نسيج المجتمع وبنيته وتقبض عليه بقهرها، أو في الواقع تصب نسيج المجتمع وبنيته في قالب من التماثل والتطابق بين أفراده. في مثل هذه الشبكة، لا وجود للأنا والأنت والهو. تُمحى الفروق. ويصبح الجميع في مقام واحد هو ’النحن‘، قلبًا واحدًا وجسدًا واحدًا، لكي تتحقق مشيئات الساحة المتعالية.»[29]
ولا يمكن أن تكون نتيجة هذا النقاش سوى أن
«ثقافتنا الدينية، إذ ولدت ميتة، فستبقى ميتة.» [30]
وكتاب «امتناع التفكير في الثقافة الدينية» ليس سوى تفصيل للقول في المسائل والنتيجة المذكورة. في هذا الكتاب - الذي له نبرة وبيان مماثلان لكتاب «اللمعان المظلمة» - يقدم المؤلف دراسة تاريخية للثقافة الإيرانية، ومن خلال طرح نقاط فلسفية وشواهد تاريخية، يرسم صورة لوضع الفكر في إيران عبر الزمن. كما يُولى في هذا الكتاب اهتمام خاص بمحمد بن زكريا الرازي وباب برزويه الطبيب في كتاب كليلة ودمنة، وذلك لأنهما يمثلان حالات من معارضة التدين في الثقافة الإيرانية. وخلاصة هذا الكتاب أيضًا هي نفي الدين الذي ضيق الخناق على التفكير في ثقافتنا:
«الدين هو ذلك التصور الذي يُعرف به الإنسان بأنه متجه نحو قوة عليا ومطلقة ومنعطف عليها، ويعتبر تلك القوة بشكل ما منشأ لفكر الإنسان وسلوكه وأفعاله وسبباً للأحداث. ومع أن هذا التعريف لا ينطبق على البوذية ولا على الشنتوية ولا على الدين الإغريقي، إلا أنه يشمل الدين الزرادشتي والأديان السامية الثلاثة على أي نحو.»[31]
«ظلمة كل اعتقاد… هي حقيقة ذلك الاعتقاد. الحقيقة بهذا المعنى هي ذلك المسكوت عنه والمجهول الذي يتحول فينا ثقافةً بإحاطته الباطنة، أي يستولي على الشعور الجمعي ويضع أساس الاعتقاد. الثقافة القائمة على مثل هذا الاعتقاد أسميها اصطلاحاً دينية، وأعتبر ثقافة إيران في تاريخها برمته متكئة على هذا الأساس الاعتقادي.»[32]
«المسألة هي أنه إذا كانت دوافعنا وشخصياتنا الثقافية دينية بالمعنى الذي أوضحناه حتى الآن، وكانت الثقافة الدينية تجعل ماهيةً أي نمو حر ضروري للتفكير مستحيلاً، ونتيجة لذلك لا يكون ما نسميه تفكيراً في تاريخنا سوى تخيل ووهم، فماذا سيكون مصيرنا نحن الذين أُهدرنا في ثقافة كهذه ومعها؟» [33]
بهذا السؤال يمكن إنهاء تقرير آثار وآراء دوستدار والانتقال إلى فحصها ونقدها.
أحد الجوانب الإيجابية في آثار دوستدار هو تجنبه الخلط بين مباحث ومسائل الثقافات والعصور المختلفة. هذا الانتباه إلى أن العلم والدين والفلسفة مختلفة من حيث المبدأ ولكل منها قواعده الخاصة، هو أمر صائب أكد عليه منذ خطواته الأولى في ميدان البحث والتأليف. كما أن تدقيقه وتحذيراته لتجنب الخلط بين المفاهيم التقليدية والحديثة في محلها. والنقود التي يطرحها بناءً على هذا النمط من التدقيقات حول آثار المتنورين والمفكرين الإيرانيين جديرة بالاهتمام والقراءة. وكذلك الاستبصارات التي يقدمها أحياناً حول الخيام وحافظ وهدايت ونيما هي مغتنمة، والانتقادات التي يوجهها إلى «اللادينيين» منا مثيرة للاهتمام[34]. وليس في تأكيده على ضرورة التفكير الحر مجال للمناقشة. والأهم من ذلك كله، أصل مطلبه أي طرح السؤال عن الماضي هو مطلب مبرر ومفيد تماماً. إنه يقول بحق إننا إذا لم نواجه ماضينا نقدياً:
«سنبقى من الناحية الثقافية بلا تاريخ، ولن نتجاوز مرتبة الحمّال المحض لقيم الماضي. وفي هذه الحال لن تتجاوز مهمتنا أبداً حد حفظ التاريخ بمعنيي الكلمة، أي الصون المجرد لما كان دائماً، واستظهار الروايات المتعلقة به. لكن إذا أُريد لثقافتنا أن تصير تاريخية وأن ننقذها من تحجر الماضوية، فيجب أن نواجهها ونصطرع معها. الجيل الذي يبارز الماضي ويجعل نفسه تاريخياً بهذه الطريقة، لا يصبح حافظاً للثقافة بل عاملاً على جعلها تاريخية.» [35]
إلى جانب هذه الجوانب الإيجابية، فإن آثار وآراء دوستدار، في تصوري، تعاني من مشكلتين كبيرتين[36]، والالتفات إلى هاتين المشكلتين يجعل مشروعه الفكري برمته يواجه أسئلة أساسية ويظهره معيباً ومختلاً. المشكلة الأولى تكمن في فصله القاطع بين العلم والدين والفلسفة، بحيث يبدو كأن لا منفذ من أحدها إلى الآخر، والمشكلة الثانية في نظرية التدين بالفطرة. سأشير إلى كل منهما بإيجاز.
فيما يتعلق بالمشكلة الأولى: يرسم دوستدار حدًا فاصلًا حادًا بين ما يسميه الرؤية الدينية والنظرة العلمية والتفكير الفلسفي، لكن لا يتضح ما إذا كان ما يقوله عن كل واحد من هذه الثلاثة وصفًا أم وصفةً. فإن كان كلامه وصفيًا ـ وهو ما يبدو أنه يتصوره كذلك ـ فينبغي الانتباه إلى الأمثلة الناقضة والسعي إلى تفسيرها. وبهذا ينبغي أن يُبين أن الشخص المتدين لا يمكن أن يكون عالمًا، والعالم لا يمكن أن يكون فيلسوفًا، وهكذا. إن وجود نموذج واحد يجمع هذه الأمور في شخص واحد يعني نفي امتناع الجمع بين الدين والفلسفة والعلم، في حين لا أتصور أن ثمة حاجة حتى لذكر مثال، ويمكن بسهولة تذكر أشخاص كثيرين كانوا في نظر أنفسهم متدينين وفلاسفة أو علماء في آنٍ معًا. في الواقع، إذا كان أساس الفصل بين العلم والدين والفلسفة هو الالتفات إلى التاريخ ووصف الواقع، فينبغي أن نتمكن من تحديد موقع أمثال ابن سينا وديكارت ونيوتن بشكل يطابق الواقع، غير أنه لا يبدو أن هذا الأمر يسير بناءً على آراء دوستدار. فهؤلاء الثلاثة وكثيرون غيرهم يقعون خارج هذا الفصل الصارم، ويجعلون وصفية تحليل دوستدار موضع تساؤل. ففي الواقع المعيش وفي أذهان هؤلاء الأشخاص، كان الدين والعلم والفلسفة متداخلة، ولم تكن بينها حدود قاطعة كهذه. أما إذا كان تحليل دوستدار وصفيًا وتجويزيًا، ففي هذه الحالة تكون كثير من الأحكام التي يبنيها على هذا التحليل غير مبررة (كالقول مثلًا إن الشخص المتدين لا يمكن أن يكون من أهل الفكر أو العلم)، لأنه بناءً على تحليله التجريدي يمكن فقط القول إنه من الأفضل ألا نخلط بين ساحات الدين والعلم والفلسفة وأن نفصل بينها، وبهذا لا يبقى مانع من أن يكون شخص ما متدينًا من جهة وعالمًا أو فيلسوفًا من جهة أخرى. ومع ذلك، فإن هذا الأمر نفسه تكتنفه مشكلاته الخاصة. فمثلًا، ينبغي أن نرى هل هذه الساحات المنفصلة هي مثل ألعاب فيتغنشتاين اللغوية ومنفصلة تمامًا عن بعضها، أم أنها، بتعبير كواين، شبكة متشابكة ومتصلة يؤثر بعضها في بعض ويتأثر به. أيًا كان هذان الاحتمالان صحيحًا، فإن نظرية دوستدار تواجه مشكلة جديدة. فإذا كانت ساحات العلم والدين والفلسفة الثلاث ألعابًا لغوية منفصلة، ولكل منها قواعد لعب مختلفة، فإنها ستكون غير قابلة للقياس، وبالتالي فإن تفضيل إحداها ـ الفلسفة مثلًا ـ على الأخرى ـ الدين مثلًا ـ سيكون أمرًا اعتباطيًا لا أساس عقلانيًا له. وإذا كانت هذه الساحات الثلاث ذات تأثير وتأثر متبادلين، فإن الفصل القاطع بينها يكون ذهنيًا وتجريديًا، لأن الدين والعلم والفلسفة تتفاعل بشكل ملموس وعيني (على الأقل كأمر سيكولوجي)، ويمكن للعلم أن يثير أسئلة للفلسفة، والفلسفة للدين، وهكذا.
لقد أجرى دوستدار، بناءً على استقراء ناقص، تبيينًا كليًا للعلاقة بين الدين والعلم والفلسفة، أمثلته الناقضة كثيرة، مما يختزل فصله بين هذه الثلاثة إلى فصل وصفي. وبهذا، فإن ما يطرحه في مواضع كثيرة كمؤيد لدعواه ليس في الواقع أكثر من لوازم تعريفية قام بها هو نفسه، وينبغي أن يكون كذلك وفقًا للتعريف الذي قدمه للعلم والدين والفلسفة.
ناهيك عن أن كلامه عن التفكير الفلسفي أكثر غموضًا من أن نستطيع بمساعدته أن ندرك ما هو التفكير الفلسفي. وأقوال من قبيل أن العلم والدين يُعدمان السؤال بينما الفلسفة لا تفعل ذلك، هي أكثر تحكمًا من أن تكون مبررة؛ لأنه، من قبيل الصدفة، وبناءً على نفس ذلك الفصل بين الساحات، يمكن التنبيه إلى أن أسئلة العلم والدين والفلسفة ليست واحدة حتى يمكن مقارنة إجاباتها. إضافة إلى ذلك، ينبغي القول إنه لا أثر في بيان دوستدار عن العلم والدين للالتفات إلى فلسفات العلم الجديدة ولا إلى الهرمنيوطيقا؛ ولهذا السبب، عندما يتحدث عن المعرفة العلمية «من الخلف» وعن انعدام المعرفة في الدين، فإنه لم ينتبه إلى دور الافتراضات المسبقة في إبستمولوجيا العلم، ولا إلى تعدد التأويلات في إبستمولوجيا الدين، ولا بطبيعة الحال إلى إمكانية التأثير والتأثر المتبادلين بينهما.
حول المشكلة الثانية: لقد نشأت المشكلة الثانية من رحم المشكلة الأولى. فبحسب تعريف دوستدار الذي ينبغي أن يكون وصفاً للواقع، فإن العلم والدين والفلسفة منفصلة عن بعضها انفصالاً تاماً، ولأن الأمر كذلك، فكل من كان متديناً أو متديناً بالطبع لا يمكنه في الواقع أن يكون من أهل العلم أو الفلسفة، والنتيجة الأخص هي أن الفرد المتدين أو المتدين بالطبع لا يمكنه أن يفكر. ولنبدأ نقد هذا القول من تعبير المتدين أو المتدين بالطبع ذاته. فمن جهة ـ وكما ذُكر ـ يبدو أن النسبة بين المتدين والمتدين بالطبع هي العموم والخصوص المطلق، أي أن كل متدين هو بالضرورة متدين بالطبع ومحروم حتماً من الفكر. وعلى هذا الأساس، لا يبقى أمامنا سوى سؤال بلا جواب عن مكانة فلاسفة كبار مثل ديكارت وجون لوك الذين كانوا متدينين وأهل فكر في آنٍ معاً. لكن لو افترضنا أن العلاقة بين التدين والتدين بالطبع هي العموم والخصوص من وجه، وأنه يمكن للمرء أن يكون متديناً دون أن يكون متديناً بالطبع، فلن يعود بمقدورنا إخراج شخص من زمرة أهل الفكر لمجرد تدينه، ولن نستطيع ببساطة تجاهل أمثال الفارابي وابن سينا والحديث عن «امتناع التفكير في الثقافة الدينية». وبناءً على هذا الأساس، فإن التدين بالطبع ليس في جوهره أكثر مما يُسمى بالتعصب، والتعصب بالطبع أمر سيء وآفة للتفكير، لكن يبدو أنه لنفي ذلك لا حاجة إلى كتابين مطولين هما «الومضات المظلمة» و«امتناع التفكير في الثقافة الدينية».
في الحقيقة، لقد طالت المشكلة الأولى واللبنة الملتوية الأولى نظريةَ التدين بالطبع وامتناع التفكير في الثقافة الدينية وتسببت في اعوجاج البناء كله. فلو كان كلام دوستدار معيارياً ووصفوياً، لما كان ينبغي أن يُقاس عليه التاريخ بأكمله. أما لو كان وصفياً، فينبغي له أن ينهض بتفسير التاريخ كله، ولأن دوستدار يتصور أن نظريته وصفية، فإنه يسعى لأن يُظهر أنه في إيران، حيث هيمنت الثقافة الدينية، كان التفكير ممتنعاً، وبعبارة أخرى، لم يفكر أحد من أهل هذه الثقافة. وهو يسوق أمثلة لتأييد رأيه، فيذكر على سبيل المثال بعض آراء ناصر خسرو ويستنتج أنه بما أنه كان متديناً بالطبع، فإنه لم يهتدِ بالضرورة إلى تفكير سليم ولم يستطع أن يثبت على فكر راسخ. كما أنه، لعلمه بأن الأمثلة الناقضة تُبطل نظريته، يحاول أن يشرح ما قد يُتصور أنه أمثلة ناقضة لنظريته، لكن ما يعتبره هو مثالاً ناقضاً ويقوم بشرحه، هو أمثلة ناقضة لـ«امتناع التفكير في الثقافة الدينية» على امتداد التاريخ، ومن هذا المنطلق يلتفت مثلاً إلى محمد بن زكريا الرازي والخيام ليوضح وضعهما في تاريخنا ويُبين مكانتهما، في حين أن المتدينين الذين فكروا يُشكلون أمثلة ناقضة أكثر جدية لنظريته، تُظهر أنه ليس فقط يمكن التفكير في الثقافة الدينية، بل يمكن للمرء أن يكون متديناً ويفكر أيضاً. ومثال واحد من هذا القبيل يكفي لدحض نظرية دوستدار، لكنه لا يعير اهتماماً لمثل هذه الحالات التي ليست قليلة العدد. إنه يعتبر المضامين الدينية في آراء وأعمال أشخاص مثل ابن سينا دليلاً على خلوها وبراءتها من الفكر. لكن هذا الاستنتاج ليس سوى مصادرة على المطلوب. هل ينبغي للتفكير بالضرورة أن يفضي إلى نتيجة محددة (وفي موضوع نقاشنا، النتيجة التي يرغبها آرامش دوستدار) حتى يُعتبر تفكيراً؟ وبهذا، ماذا يحدث لسؤال الثبات وسلوك الطريق؟ وإذا لم يكن ينبغي أن يكون الأمر كذلك بالضرورة، فلماذا ينبغي اعتبار كل من آمن بالله ولم يهتدِ إلى «الإلحاد» الذي يرغبه مؤلف «الومضات المظلمة» و«امتناع التفكير في الثقافة الدينية» متديناً بالطبع؟ لماذا يُقال إن من يؤمن بالله، بناءً على أدلة عقلية وإن كانت خاطئة، ويعتقد أن الله الذي يؤمن به قد أرسل ديناً للبشر، لم يفكر؟ هل التفكير مرتبط بالابتعاد عن التعصب والانصياع للدليل، أم بالوصول إلى نتيجة معينة؟ إذا كان الإيمان بالله يجعل الفارابي وابن سينا ليسا فيلسوفين، فلماذا يمكن اعتبار كانط فيلسوفاً؟ أليس أن نقد العقل العملي عند كانط قائم على افتراض وجود الله (وإذا لم يكن كانط فيلسوفاً، فمن هو الفيلسوف إذن؟). لماذا يُعتبر محمد بن زكريا الرازي (الذي لا يمكن لأحد بالطبع أن ينكر أهمية فكره) قد فكر، بينما لم يفعل ابن سينا ذلك؟ فقط لأن الأول لا يقول بالنبوة والثاني يقول بها؟ ماذا لو كانت أدلة الثاني في زمانه، أو على الأقل في نظره، أكثر تبريراً ومعقولية من أدلة الأول؟ إذا لم يكن مجرد قبول رأي أو رفضه هو المعيار لاعتباره تفكيراً أو لا، فعلى أي أساس يمكن القول إن القول بالقدماء الخمسة أكثر تفكيراً من القول بإله له رسول ونبي؟
إن تجريدية تحليلات دوستدار تجعله يتجاهل النزعات العقلانية الموجودة في الثقافة الماضية. نزعات عقلانية لو دققنا فيها والتزمنا بتعريفات دوستدار ذاتها، لربما اضطررنا إلى أن نستنتج منها أن أمثال ابن سينا والسيد المرتضى وفخر الدين الرازي لم يكونوا متدينين أساسًا[37]!
كتب دوستدار عن نيوتن:
«عندما يقول نيوتن إن الزمان والمكان مطلقان، فهذا القول علم. لكن عندما يقول إن الزمان والمكان كذلك لأن الله موجود في كل مكان وزمان، فهذا القول لم يعد قول الإنسان العلمي، بل قول الإنسان الديني.»[38]
بصرف النظر عن صحة أصل الدعوى أو سقمها، إذا كان بوسع نيوتن أن يكون متدينًا من جهة ورجل علم من جهة أخرى، فلماذا لا يمكن للأشخاص في الثقافة الدينية أن تكون لهم جهات مختلفة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا ينبغي الحديث عن امتناع التفكير أو العلم؟
للأسف، إن دعاوى دوستدار واستنتاجاته تكون متسرعة أحيانًا وبعيدة عن التأملات الفيلسوفية. فعندما يكتب ببساطة أن «مخلوقية الوجود تؤدي إلى محدودية الفكر»[39]، أي أن تصور الله والخالق يجعل الفكر ممتنعًا، فهو لا ينظر إلى المسألة بعمق ولا يلتفت إلى أن عدم وجود الخالق أيضًا يمكن أن يؤدي من جهة ما إلى محدودية الفكر؛ لأن الإنسان، وهو رهين المادة والشروط المادية وأسير الجبرية العلية والحتمية، لا يتوهم إلا أنه مختار ويفكر بحرية، وبهذا يصبح التفكير منفيًا وممتنعًا أساسًا.
يمكن العثور على سبب هذه التنظيرات المتسرعة في بعض أجزاء أعمال دوستدار، مثلًا بالتدقيق في هذه العبارة من أول أعماله:
«النظرة العلمية هي معرفة إنسانية، على خلاف الرؤية الدينية التي هي معرفة إلهية.»[40]
لقد نسي كاتب العبارة أعلاه أنه وفقًا لرأيه لا يوجد في العالم أصلًا ما يسمى بالمعرفة الإلهية، وأن الدين بشري ومُصطنع من قبل الإنسان تمامًا كالعلم والفكر. لذا ينبغي النظر إليه بوصفه أمرًا إنسانيًا، وليس محاربته باعتباره «معرفة إلهية». لكن دوستدار يسعى إلى مثل هذه الحرب، لأنه ليس محايدًا تجاه الدين بل هو عدو له، وقد اشتدت هذه العداوة مع وقوع الثورة الدينية في إيران حتى حولته من فيلسوف متأمل في الدين إلى إيديولوجي ومناضل سياسي لا رسالة له سوى معاداة الدين. لكن معاداة الدين هي الوجه الآخر للتدين، وبعبارة أدق هي عينه. إنه تعصب للموقف الذاتي بمعزل عن التعمق الحر. وكلما تقدمت أعمال دوستدار، زاد هذا التعصب فيها. كتابه الأول كتاب جدير بالاهتمام والتأمل والنقاش، لكن كتابه الأخير يتضمن أحيانًا مطالب بعيدة عن شأن المفكر. تأملوا مثلًا أنه أورد تحت عنوان «تسمين البلاهة» المهين ما يلي (الجزء الأول اقتباس من كيمياء السعادة للغزالي، والجزء الثاني شرح دوستدار عنه):
«رسول را … یک روز اندر راه چشم بر زنی افتاد نیکو، بازگشت و باز خانه شد و با اهل صحبت کرد، هم در حال غسل کرد و بیرون آمد و گفت هر که را زنی پیش آید چون شیطان حرکت شهوت کند، با خانه شود و با اهل خویش صحبت کند که آنچه با اهل شماست همچنان است که با آن زن بیگانه … معنای این گفته طبیعتاً آشکار است: خوابیدن با زن خود به یاد زنی که شهوت شخص را برانگیخته حکم خوابیدن با زن بیگانه شهوتانگیز را دارد … چرا … این روایت آخری غزالی را برای اثبات بلاهت تعلیم دیده او کافی خواندیم؟ چون در چنین شرایطی که به روایت غزالی برای رسول پیش آمده، و در تأسی به او هر مرد مسلمانی که زنی بیگانه شهوتش را برانگیخته مجاز است به یاد فكر زن بیگانه با زن خود بخوابد و تو گویی كه با زن بیگانه خوابیده است. چنین زنی که خوابیدن ذهنی با او رواست سه حال دارد. یا باکره است، یا به گونهای بیشوهر شده، یا شوهر دارد. وقتی به قیاس با «زنای فرج» چنانکه دیدیم نگریستن در حکم زنای چشم باشد، چرا زنای ذهنی نداشته باشیم که قطعاً تصور پذیرتر و دراز مدتتر است؟ در این صورت بر حسب سهگانگی ممکن در مورد زن بیگانه سه زنای ذهنی مجاز و حتی توصیه شده پیش میآید: زنا با باکره، زنا با زن بیشوهر شده و زنای محصنه. جز اینکه عکس این مورد محتملاً بیشتر روی میداده است چون مردان پوشیده روی نبودهاند و در نتیجه شهوت زنان را سادهتر برمیانگیختهاند. بلاهت تعلیم دیده غزالی در این است که با سخن نقل شدهاش جواز دینی برای چیزی صادر میکند که در زمان او نیز کمتر از امروز صورت نمیگرفته است … با وجود این یک شق دیگرش این نیز میتوانسته بوده باشد: مردان مسلمان زمان غزالی تا آن اندازه ابله بودهاند که حتی در این مورد باز به راهنمایی بلاهت تعلیم دیدهای چون او نیاز داشته باشند.»[41]
تحلیل درازنفسانه دوستدار در این مورد به کلی بیربط است و اگر او به دیده انصاف و با آرامش متفکرانه به متن مینگریست به رغم هر نظری درباره دین و دینداری چنین تحلیلی از مطلب به دست نمیداد. او «به یاد» را به متن افزوده است تا بتواند بلاهتی را که به دنبال آن است در متن آشکار کند. هر کس با اخلاق دینی آشنا باشد میداند توصیهای که در اینجا هست این است که فرد باید به همسر خود قانع و دلخوش باشد و همین امر او را از نیاز به دیگری رها میکند. چه چیز سبب شده است دوستدار چنین از اصل ماجرا پرت بیفتد؟ به تعبیر من «تعصب» و به بیان خودش «دینخویی»؛ تعصبی که تحت تأثیر منازعهای سیاسی روز به روز بیشتر شده است.
مشکلاتی که آراء دوستدار با آنها روبروست سبب میشود نظریه او در تبیین وضع تاریخی ما در قبال غرب متجدد ـ یعنی این تبیین که فرهنگ ما دچار دینخویی است و لذا از علم و فلسفه بیبهره میماند در حالی که غرب چنین نیست ـ تبیینی موفق نباشد و گرهای هم از کار فروبسته نگشاید. هر چند اگر تبیین دوستدار درست هم بود گرهای را نمیگشود بلکه صرفاً کور بودن و ناگشودنی بودن آن را مینمایاند (چون با تصویری که او از دینخویی و تفکر و فرهنگ ما و غرب ارائه میکند راه برون شدی از دینخویی باقی نمیماند؛ آدمیان یا در فرهنگ دینخو به دنیا میآیند و دینخو میمانند یا در فرهنگ غیر دینخو زاده میشوند و فکر میکنند. ممکن هم نیست فکر کنند و به این نتیجه ولو غلط برسند که دینداری مطلوب یا موجه است.)
دوستدار اگر کارش را به سبک کتاب نخستش ـ که به رغم همه انتقادهایی که به آن میشود کرد بهترین کار او و در فضای فکری ما اثری مفید و مؤثر است ـ ادامه میداد به تعمیق شناخت و تفکر فلسفی در ایران امروز کمک میکرد اما با التزام به ستیز از مشی فلسفی دور افتاده و این امکان را از خود و جامعه دریغ کرده است.
لا بأس أن أختم هذه الكتابة حول آراء وآثار دوستدار، التي طُرحت فيها نقاشات حول علاقة العلم والدين والفلسفة، بذكر فيلم قديم لكنه لا يُنسى: فيلم «الكلمة» (Ordet) للمخرج كارل تيودور دراير[42]. في هذا الفيلم نرى بوضوح التنافس بين العلم والدين في تفسير العالم، لكن الأهم من ذلك في اعتقادي، أننا ندرك معنى النظرة الفلسفية المتسائلة، لا من خلال أحداث الفيلم، بل من خلال النظر إلى تلك الأحداث والمجال الذي يمنحنا إياه المخرج. يمكن تفسير الفيلم مرةً تفسيراً متديناً ونرى فيه معجزة، ومرةً أخرى تفسيراً غير متدين ونشهد فيه مجرد مصادفة مواتية تُوقع الجميع في الخطأ. يمكن اعتبار الإيمان الخالص للطفلة في الفيلم مرةً نتاج براءة وفطرة الطفل المتدينة، ومرةً أخرى نتاج عدم نضج وسذاجة طفولية. ولا يهم إن كان المخرج متديناً أم لا دينياً، محباً للعلم أم معادياً له، باحثاً عن الفلسفة أم ضدها. المهم أن هناك مجالاً للتعمق في النظر والتعمق في التفكير. أتصور أن الفلسفة ليست سوى تمرين على امتلاك سعة الصدر في مواجهة المسائل والوصول إلى التعمق في النظر والتعمق في التفكير. النتيجة ليست مهمة كثيراً. المهم هو إدراك السؤال والسلوك الصادق.
.
.
[1] ميشائيل لاندمایر، «الأنثروبولوجيا الفلسفية»، ترجمة آرامش دوستدار، فرهنگ و زندگی، ع11، ص 77 ـ80 . ميشائيل لندمن، «الأنثروبولوجيا الفلسفية ـ الأنثروبولوجيا ما قبل الفلسفية»، ترجمة آرامش دوستدار، فرهنگ و زندگی، ع 12، ص 122ـ127 .
[2] حوار مجلة اشپیگل مع هايدغر، «فقط إله يمكنه أن ينقذنا»، ترجمة آرامش دوستدار، فرهنگ و زندگی، ع 21 ـ 22 . ربيع وصيف 1355، ص 207 ـ 236 .
[3] انظر محمد مددپور، تفكری دیگر، طهران، مركز مطالعات شرقية للفن 1374، ص 59 ـ 107. المطلب الوحيد المفيد في هذا الكتاب هو ترجمة دوستدار لمقابلة هايدغر هذه.
[4] آرامش دوستدار، «من هو مجنون نيتشه؟»، فلسفه، مجموعة الفلسفة بجامعة طهران، ع 4، طهران 1356. أُعيد طبع هذه المقالة في الطبعة الأولى من كتاب درخششهای تیره. جدير بالذكر أن أطروحة دوستدار للدكتوراه ـ وهي عمل جدير بالاهتمام ـ كانت حول مسألة الأخلاق في فلسفة نيتشه (إرادة القوة):
Aramech Dustdar: “METAPHYZIK DER MORAL, Eine ontologische Auslegung der Moralproblematik in Nietzsches Philosophie des Willens zur Macht”, Bonn 1971.
[5] آرامش دوستدار، ملاحظات فلسفية في الدين والعلم والتفكير: الرؤية الدينية والنظرة العلمية، طهران، مؤسسة انتشارات آگاه، 1359
[6] بابك بامدادان، «امتناع التفكير في الثقافة الدينية»، ألفبا، ع 1ـ5 ، باريس 1361ـ1363؛ «نظرة إلى سلوكنا الثقافي»، زماننو، ع 10ـ11، باريس 1364؛ «التنوير الإيراني أو فن اللاتفكير»، دبيره، ع1ـ5، باريس 1366 ـ 1368 .
[7] آرامش دوستدار، درخششهای تیره، كولونيا، انديشه آزاد 1370؛ درخششهای تیره، الطبعة الثانية: منقحة ومزيدة، باريس، منشورات خاوران 1999م/1377ش.
[8] آرامش دوستدار، امتناع التفكير في الثقافة الدينية، باريس، منشورات خاوران 1383 .
[9] على سبيل المثال، انظر إلى إحالات غلام حسين إبراهيمي ديناني في "درخشش ابن رشد در حكمت مشاء"، طهران، طرح نو 1384، ص 21، 31، 34؛ والإشارات النقدية لسيد جواد طباطبائي في "ابن خلدون و انديشه علوم اجتماعي"، طهران، طرح نو 1374، ص 376؛ وله أيضاً، "جدال قديم و جديد"، طهران، نگاه معاصر 1382، ص 17 ـ 24.
[10] في تقسيم عام، كنت قد قسمت سابقاً مفكري إيران المعاصرين إلى مجموعتين: هويةاندیش (الهوياتيون) وديناندیش (الدينيون) (انظر محمد منصور هاشمي، هويتانديشان و ميراث فكري أحمد فريد، طهران، كوير 1383؛ دينانديشان متجدد: روشنفكري ديني از شريعتي تا ملكيان، طهران، كوير 1385). بناءً على ذلك التقسيم، يندرج دوستدار ضمن الهوياتيين، وإن كان، خلافاً لهم، لم يتأثر بفريد (لكنه تأثر بهايدغر، ومن هذه الناحية له صلة بالهوياتيين ويمكن مقارنته بأحمد فريد ورضا داوري وداريوش شايغان). لكن الهوياتيين لم يفكروا في الدين مباشرة، بينما الموضوع الرئيسي لفكر دوستدار هو التدين. من هذه الناحية، يتطابق موضوع فكر دوستدار مع موضوع الدينيين، ولكن من زاوية معاكسة ومخالفة لنظرتهم تماماً.
[11] ملاحظات فلسفية في الدين والعلم والتفكير، ص 5.
[12] انظر المرجع نفسه، ص 53ـ54
[13] المرجع نفسه، ص 5.
[14] المرجع نفسه، ص 13.
15] المرجع نفسه، ص 16.
[16] المرجع نفسه، ص 19.
[17] المرجع نفسه، ص 15.
[18] المرجع نفسه، ص 18.
[19] المرجع نفسه، ص 19.
[20] المرجع نفسه، ص 5.
[21] المرجع نفسه، ص 19.
[22] المرجع نفسه، ص 14.
[23] درخششهای تيره، الطبعة الثانية، ص 43.
[24] المرجع نفسه، ص 50.
[25] المرجع نفسه، ص 44.
[26] المرجع نفسه.
[27] المرجع نفسه، ص 231.
[28] المرجع نفسه، ص 291.
[29] المرجع نفسه، ص 21.
[30] المصدر نفسه، ص 15.
[31] امتناع التفكير في الثقافة الدينية، ص 129.
[32] المصدر نفسه، ص 70-71.
[33] المصدر نفسه، ص 103.
[34] انظر امتناع التفكير في الثقافة الدينية، ص 28-48، ص 412-413.
[35] المصدر نفسه، ص 104.
[36] بعض الإشكالات الجزئية في أعماله هي على سبيل الإجمال: الغموض في التعبير، والنثر غير المستساغ في الأعمال الأخيرة، والنبرة المهينة والمتعجرفة في الأعمال الأخيرة، وعدم تحديد المخاطب في هذه الأعمال (فعلى سبيل المثال في كتاب امتناع التفكير في الثقافة الدينية تُطرح من جهة بعض المسائل الفلسفية الفنية التي يتطلب فهمها من المخاطب أن يكون ملماً بمقدمات الفلسفة، ومن جهة أخرى تُشرح للقارئ معاني مصطلحات مثل الامتناع والمحمول). إضافة إلى ذلك، ينبغي الإشارة إلى عدم التمكن من الفلسفة وعلم الكلام الإسلاميين (بل ربما يمكن القول بعدم الإلمام بهما) مما يسمح بالمناقشة في أمثلة دوستدار وشروحه في هذه المباحث (وهو ما لن أتطرق إليه في هذه الكتابة). وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن دوستدار، الذي يبدو أنه يعتبر عدم الإلمام باللغة الألمانية دليلاً كافياً على ألا يتحدث المرء عن أدورنو مثلاً (انظر الجزء الثاني من مقابلة دوستدار مع موقع نيلغون)، يكتفي في بحثه عن تاريخ الإسلام والعلوم الإسلامية بالرجوع إلى المصادر الفارسية فقط، وتخلو أعماله تماماً من المصادر العربية.
[37] أقدم مثالاً من أعمال كل واحد من هؤلاء الثلاثة، أولهم فيلسوف مسلم، وثانيهم متكلم شيعي، وثالثهم متكلم أشعري، يظهر أن باب الفكر لم يكن موصداً في وجوههم، وأنهم حين كان لديهم حكم عقلي لم يتجاهلوه بدافع التدين: ابن سينا، مع علمه بأن المعاد الجسماني من المعتقدات الراسخة لدى المسلمين، يخلص في بحثه عن المعاد إلى أنه لا يستطيع إثباته عقلاً، ويتقبله نقلاً فحسب (انظر إلهيات من كتاب الشفاء، طبعة حسن حسن زاده آملي، قم، مكتب الإعلام الإسلامي 1376، ص 460-461؛ النجاة، طبعة محمد تقي دانش پژوه، جامعة طهران 1379، ص 682). ويذهب في الأضحوية إلى أبعد من ذلك فيعتبر المعاد روحانياً محضاً، ويؤول الآيات بناءً على إدراكه العقلي (الأضحوية في المعاد، طبعة حسن عاصي، بيروت 1404، ص 67-126).
السيد المرتضى، في بحثه عن أن "ناظرة" في آية "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" لا يمكن أن تعني رؤية الله لأدلة عقلية، يلجأ صراحة إلى التأويل ويسعى إلى تفسيرها بما لا يتعارض مع حكم عقله. (انظر أمالي المرتضى: غرر الفوائد ودرر القلائد، طبعة أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء المكتب العربية 1954/1333، المجلد الأول، ص 36-37؛ ولمثال آخر على التأويل بناءً على الإدراك العقلي وشروح حول ذلك، راجع أيضاً المصدر نفسه، ص 477).
الفخر الرازي أيضاً، في بحثه عن تكليف ما لا يطاق الذي يعتبره ممكناً وجائزاً عقلاً، يلجأ عند مواجهته لقوله تعالى "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" في القرآن إلى تأويل الآية حتى لا يكون مضمونها مخالفاً لحكم عقله (انظر التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، بيروت 2000/1421، ذيل الآية 286 من سورة البقرة).
[38] ملاحظات فلسفية في الدين والعلم والتفكير، ص 21.
[39] امتناع التفكير في الثقافة الدينية، ص 144-145.
[40] ملاحظات فلسفی در دین، علم و تفکر،ص 105 .
[41] امتناع تفکر در فرهنگ دینی، ص 50 ـ 51 .
[42] أذكر عن وعي مثالاً لعملٍ من إخراج سينمائي متديّن، حاوَلَ فيه أن يُعرَض مُعجزة، لكنّه، كأيّ عملٍ فنّيٍ عظيم، يتجاوز نيّة صانعه ويتحوّل إلى فضاءٍ للتفكّر، لأنّ المُخرج كان من الإنصاف بحيث لم يُصوّر البشرَ أبيضَ وأسود، وأتاح لنا أن نسمع ونتخيّل أصواتاً وإمكاناتٍ مختلفة. ليس الإيمان، بل التّعصّب على الإيمان هو ما لا يؤدّي فقط إلى امتناع التّفكير، بل إلى امتناع الفنّ والعلم وكلّ إبداعٍ وإنجازٍ بشريّ آخر، ويُفرغ الحياة من جوهرها ويجعلها عقيمة.
.
.
الفن
الفلسفة
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
نقد مزبور جلوه های مثبت و منفی زنده یاد آرام دوستدار را به خوبی نمایانده و به انها پرداخته است. لکن آرامش دوستدار در مصاحبات خود بیان داشته که دینداری و باور شخصی به دین، که منجر به تعمیم عقاید شخصی به ابعاد زیست اجتماعی و به تکدیر بینش شخص از واقعیات بیرونی در جهان نشود، با جزمیت دینخویی، تکیه نسنجیده به منبعی نقدناپذیر و ازپیش انگاشته، و تخطئه ی نظرات مغایر میشود یکسان نیست. بنابر این تنافی بینش دینی با نگرش علمی و پنداشت فلسفی با مثالهای نقض دانشمندان متدین یا فیلسوفان خداباور نقض شدنی نیست. نگرش عنادآلود دوستدار به تاریخ اندیشه و ادبیات در ایران اسلامی و پیشا اسلامی و تخطئه ی دستاورده های دوران به اصطلاح طلایی اسلام مسلما با نگرش تاریخی که تمدن غرب امروزین و یونان کهن را مدیون «شرق» میداند در منافات است. با این حال، این نگرش به تاریخ ایران باستان و پساسلامی در اصل ترجمه ی آثار آن دسته از تاریخدانان و شرق شناسان سده های پس از رنسانس بود که بدلیل شوک روانی خروج از تاریکی فکری انکیزاسیون کوچکترین جلوه های رواداری و عقل سلیم در کشورهای شرقی را به مثابه ی خردمندی و تفکر نقادانه میشمردند. مسلما با پیشرفت تاریخشناسی و کشفهای باستانشناسانه جدیدتر، نگرش خطی به تاریخ و تکیه ی مطلق به برداشتهای نظری تاریخشناسان میانمایه و جانبدار متزلزل شده اند، و اظهارات اغراق آمیز درباره ی مدنیت و تفکر مترقی جهان شرق هم غیر تاریخی می نمایند. این نگرش به نقش شرق در تکوین تمدن غرب باستان و نوین در غرب تنها برای اقناع مردم غرب در پذیرش هرچه بیشتر مهاجران کارایی دارد، و در کشورهای شرقی مانند ایران تنها به هدف التیام زخمهای روانی حقارت و بحران هویتی برگرفته شده است. با بایکوت شدن تاریخی تاثیرات هلنیستی در شرق، سیطره ی یونان و روم در غرب آسیا و شمال افریقا، با نادیده گرفتن حجم عظیم اثار علمی یونانی در نهضت ترجمه، با برجسته سازی اغراق شده ی دستاوردهای شرق باستان ( که تنها به لطف باستان شناسان غربی یافته شده اند) و کتمان دستاوردهای باستانی غرب در این خوانش شرقشناسانه و ضداستعماری تاریخ امر بر ما مشتبه شده که پیشرفتهای غرب و رفاه شهروندان آن همه از سرقت ادبی و مادی انان از مردم متمدن شرق حادث شده. تنها جرم آرامش دوستدار نیز این بود که بزکچسبانی های شرقشناسانه و تعصبات ناشی از خودبزرگبینی تاریخی حاکم بر گفتمان مارا پیرو نبود و بدین شکل انتقادات امثال وی از سترونی اندیشه در تاریخ کهن و ارتباط دادنش به فلاکت امروزین ما در غرب مترقی با برچسب «نژادپرستی» و «جریحه دار کردن احساسات رنگین پوستان» و در میان ما «غربپرستانه»، «متعصبانه»، «بیسوادی تاریخی»، «خودستیزی» و «سیاه نمایی» سرکوب میشوند. به امید خرد.
ْسلام. دستتان درد نکند. درست این بود که لینکهای نوشتههای خود آرامش دوستدار را در اینجا میگذاشتید تا خواننده بتواند اول از همه متن را بخواند و بعد خوانش و نقد جنابعالی را. این جفایی است به کسی که کتابهایش در ایران شناخته شده نیست و به محض مرگ او، اهل نظر به شکلی بیخیال، افتاده اند به دنبال نقد آرای آن کس. این کار منصفانه نیست.