اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُعدّ مصطفى ملكيان، بطرحه للعلاقة بين الدين والعقل وانشغاله بالآلام الوجودية، نقطة تحول في تاريخ التنوير الديني؛ وهو موقع يمتد على خطى شريعتي وسروش لكن بفوارق بارزة. قراءة محمد منصور هاشمي لهذا الموقع.

في هذه المقالة، يتناول محمد منصور هاشمي دراسة وتقييم مكانة مصطفى ملكيان بوصفه نقطة تحول في تاريخ التنوير الديني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يمكنكم تحميل هذه المقالة من هنا أو متابعة قراءتها أدناه.
نُشرت في مهرنامه، العدد ٣، خرداد ١٣٨٩.
مقتبسة من: الموقع الشخصي لمحمد منصور هاشمي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لماذا ينبغي اعتبار مصطفى ملكيان من نقاط التحول في تاريخ التنوير الديني(١)؟ هذا هو السؤال الذي أحاول الإجابة عليه في هذه الكتابة.
لكي يُعتبر شخصٌ ما نقطة تحول في تاريخ فكرة، ليس من الضروري أن تكون جميع أفكاره صحيحة أو مقبولة (ناهيك عن أنه في الواقع لا يمكن العثور على مثل هذا الشخص في أي مكان من تاريخ الفكر البشري)، بل إن نقد مؤرخ الأفكار ومحللها ومعارضته لا دخل له في هذا الأمر(٢). لنيل هذه المكانة، ينبغي لأفكار الشخص، مع كونها امتداداً لأفكار المفكرين السابقين، أن تنطوي على جانب مبتكر وأصيل، وأن يمكن العثور فيها على شيء أو أشياء لا يمكن إيجادها بالصورة نفسها لدى الآخرين. وبالطبع، لا تكفي مجرد الأصالة. فكم من أشخاص أتوا بأفكار مبتكرة لكن بدعتهم لم تلق قبولاً أو اهتماماً من الآخرين، وبطبيعة الحال لم تكتسب تأثيراً أو أهمية. في الواقع، للولوج إلى تاريخ الفكر، يُشترط توفر الأهمية والتأثير أيضاً.
وهذه الأمور لا تتحقق بالدعاية، ولا تبقى بالمحسوبيات، حتى لو برز بمعونة هذه الأدوات أناسٌ لبعض الوقت بين الجموع. ثم إن ثمة مئة نكتة غير هذه العلاقات والإمكانات والوسائل لازمة حتى يصير المرء «مقبول الطبع لدى الناس ذوي الرأي». جذور هذه المقبولية تكمن في وقائع ملموسة وموضوعية، ومرتبطة بمنطق تاريخ الفكر، وليست منّة من أحد على أحد حتى يمكن منحها أو سلبها. أولئك الذين يتصورون أن هذه الأوصاف والمكانات قابلة للعطاء والسلب، هم في الحقيقة يتصورون، على سبيل المثال، أن إطلاق لقب الحكيم على الفردوسي، وأفصح المتكلمين على السعدي، ولسان الغيب على الحافظ، ليس سوى مجرد ألقاب واصطلاحات وأعراف وعادات، وأن العقل الجمعي لم يكن له دور في هذه التقسيمات الواعية الناظرة إلى الواقع. يمكن لأمثال هؤلاء أن يسعوا، على سبيل المثال، إلى تغيير أوصاف الأشخاص المذكورين، وأن يروا ما الذي سيجنونه من هذا الاختبار. وإذا كان أحدهم قد نسب دوراً لشخص ما في تاريخ الأفكار عن طريق الخطأ، فإن مسار تاريخ الفكر نفسه سيمحو ذلك الدور من الذاكرة، ولا حاجة إلى ضجيج أولئك المتوهمين بالمؤامرة، الذين لسان حالهم يقول: لماذا «ليس لنا اسم ضمن كادر هذه الدائرة». لقد قيل بحق: إن الذي يحمل الغربال يأتي من الخلف. المفكر والفنان وحتى العالم الذي يجد له مكاناً في تاريخ تخصص ما، يقف إزاء مشهورات العصر ومقبولاته وقفة إبداعية، وهذه الوقفة هي بالطبع تجلٍ لروح العصر وحاجة الزمان أيضاً، لأنها تلقى إقبالاً من آخرين ينظرون من بعده. هذا الوقوف ليس بالضرورة في امتلاك الجواب، بل في طرح السؤال، والإبداع يتجلى في هذه التساؤلات الناجحة. والإبداع ليس له صيغة وقاعدة ثابتة، وهو ذلك الجانب الفريد و«اللمسة» التي تميز عمل أحدهم عن الآخرين. بهذا الإبداع، يرسي شخصٌ هو امتداد للماضي، أساس سؤال في الحاضر يمتد في المستقبل. وبعد هذه المقدمة العامة، لنتناول ملكيان.
في تاريخ التفكير الديني التجديدي في إيران، طرح علي شريعتي وعبد الكريم سروش، وبدرجة أقل محمد مجتهد شبستري، مسائل دخلت في جملة مسائل أولئك الذين شغلهم همّ التوفيق بين الدين والحداثة. وقد أتاح طرح هذه المسائل لهم مكانة لا تكاد تُضاهى في تاريخ التفكير الديني التجديدي في هذه الأرض، حتى إنه من المستبعد أن يشك أحد، أيًا كان منهجه ونظره، في مكانتهم التاريخية في هذا المضمار. إن المسار الذي يصل تلك المسائل بهذه المكانات هو ما شكّل وما زال يشكّل التيار الذي نعرفه باسم «التنوير الديني». والمكانة التالية ينبغي أن تكون امتدادًا لهذه المكانات ومتميزة عنها في آنٍ معًا، أي أن تكون من جهة على علم بالمكانات، أو بعبارة أخرى، بنقاط التحول السابقة، ومن جهة أخرى ذات جوانب متميزة وبارزة؛ تمامًا كما هي مكانة سروش بالنسبة إلى شريعتي.
مصطفى ملكيان، المولود عام 1335 هـ.ش، الحائز على دراسات حوزوية وجامعية، لكنه في الواقع عصامي التكوين،(3) استطاع بأعماله التي نشرها منذ أواخر عقد السبعينيات أن يحرز هذه المكانة المتميزة والبارزة. لقد جذبت كتاباته وأقواله انتباه مؤيدي التنوير الديني ومعارضيه، ودفعت قسماً من جمهور ذلك التيار نحوه. وفيما يلي أحاول أن أبيّن أنه كان أولاً امتدادًا للتنوير الديني، وثانيًا ذا جوانب متميزة وبارزة قياسًا إلى نقاط التحول السابقة.
كانت المباحث والمسائل التي طرحها ملكيان في أوساط الفكر الديني الجديد مباحث ومسائل من قبيل نسبة الحكم إلى الدين، وبعبارة أدق البحث في الحكم الديني(4)، ونسبة العلم إلى الدين(5)، ومسألة قابلية الدين للقراءات المتعددة.(6) وفي طرحه لهذه المباحث وكيفية تناوله لها، كان متأثرًا بوضوح بعالم مقال التنوير الديني. وهو بالطبع لم يكن يرى تعبير «التنوير الديني» دقيقًا ومعبرًا(7)، لكنه بغض النظر عن النقاش اللفظي والمفهومي، كان يجلّ تراثه ويقول:
«ليس في نيتي البتة أن أنكر الوظيفة الاجتماعية والثقافية لأولئك الذين نطلق عليهم وصف المتنورين الدينيين، أو أن أستصغر قدرهم وخدماتهم وأقلل من شأنها، بل إنني على يقين راسخ بأن هذه الشريحة قد أدت دورًا بالغ الأهمية في إصلاح ثقافة الفكر الديني في المجتمع. وكل كلامي إنما ينصب على مصطلح التنوير الديني نفسه... واقتراحي هو ألا نسميه تنويرًا دينيًا، بل أن نطلق عليه التفكير الديني الجديد أو المراجَعَة الدينية.»(8)
إذن، كان ملكيان امتدادًا لتيار التنوير الديني، لا في تقابل معه ولا خارجه. لكن التأمل في تراث ذلك التيار، ومن جملته هذا النقاش حول تنافي مكونات مصطلح «التنوير الديني»، كان بداية لبسط خطاب التنوير الديني، ومن ثم الخطو إلى ما وراء حدوده؛ وهو عمل توأم للجوانب المتميزة والبارزة في فكر ملكيان.
إذا كان شريعتي يفكر في نسبة الدين إلى السياسة والاجتماعيات، وكان سروش يتأمل في نسبته إلى العلم والمعارف البشرية، فإن ملكيان طرح مسألة نسبة الدين إلى العقل، وإذا كان قد افتُرض أن الدين كله يمكن عرضه بصورة عقلانية واستدلالية، فإنه تساءل عن نسبة التعقل إلى التعبد، وإذا كان ذلك الدين العقلاني والاستدلالي قد تُصوِّر أنه مقبول لدى الجميع، فإنه أثار مسألة الأنماط النفسية، وبحث عن شأن الأدلة بين التربية والاهتمام وعوامل أخرى، وذكّر بكون «الحجية المعرفية» و«الوثاقة التاريخية» للنص مفترضتين مسبقًا. ومن جهة أخرى، تحدث عن الهموم «الوجودية» للبشر وآلامهم ومعاناتهم، وسعى لأن يجد للدين وجوهره أي الروحانية موضعًا من هذه الجهة، وأن ينبه إلى حاجات من هذا القبيل. وخلاصة القول إنه جعل الدين نفسه موضوعًا للتأمل.
إذا كانت السياسة قد اكتسبت جانبًا محوريًا في التنوير الديني منذ البداية، أي منذ أيديولوجيا علي شريعتي، فإن ملكيان فتح باب المراجعة في هذا الشأن وكتب:
«المثقف الذي يتخذ من شأنه موقفاً سياسياً يرى أن أكبر مشكلة أو علة العلل للمشكلات أو المشكلة الوحيدة في المجتمع هي النظام السياسي الحاكم على ذلك المجتمع، وبالتالي يعتبر أن أهم وأجدى أعماله هو التصدي لذلك النظام... [مثل هذا المثقف] يعتبر نفسه ناطقاً باسم الشعب وممثلاً له، وبحكم هذه النيابة والتمثيل يقدم على نقد النظام السياسي... [مثل هذا المثقف] مستعد لأن... يتساهل ويداهن الثقافة الشعبية للعامة... [مثل هذا المثقف] مبتلى بنوع من التبسيط والتسرع. إنه مبسط لأنه يتوهم أن صلاح وضع المجتمع وحاله ممكن وميسور بمجرد تغيير النظام السياسي الحاكم عليه، وهو متسرع لأنه يريد أن ينجز هذا العمل في غضون بضع سنوات.»(۹)
إنه يستبدل بهذا التصور السياسي تصوراً ثقافياً للمثقف، يقتضي أن:
«أكبر مشكلة أو علة العلل أو المشكلة الوحيدة في المجتمع هي النظام الثقافي الذي ينتمي إليه مواطنو المجتمع بوجدانهم... [في هذه النظرة] المثقف هو في الدرجة الأولى ناقد للشعب... وعمل المثقف في الأساس هو نقد المشهورات والمقبولات والمسلمات والمظنونات والموهومات والمخيلات.»(۱۰)
على الرغم من أن ملكيان ليس مفكراً سياسياً في الأساس، وهمومه أخلاقية في الغالب، فإنه حتى في مجال السياسة طرح مسائل تضمنت تأملات نقدية حول آراء المثقفين الدينيين السابقين.(۱۱)
لقد أحيا ملكيان الانشغالات الوجودية (لدى شريعتي ولاحقاً المجتهد شبستري) ومسائل فلسفة الأخلاق (لدى سروش) وأبرزها في تيار التنوير الديني، وأزال عنها الطابع الأيديولوجي. يكفي أن نستحضر مكانة تعبير «العقيدة» لدى شريعتي، ونضع مقالة ملكيان «عبادة العقيدة» نصب أعيننا، لنرى أي مسار قد طُوي:
«برأي صاحب هذا القلم، إن أبرز مصاديق عبادة الأصنام... هي عبادة العقيدة. في عبادة العقيدة يرتقي المرء أولاً بشخصه إلى مقام الإطلاق والكمال، أي إلى مقام الألوهية... ثم... يصاب بنرجسية خبيثة... وأخيراً يعتبر عقائده جزءاً من مقتنياته وممتلكاته. ونتيجة هذه العملية ذات المراحل الثلاث هي أنه يعبد عقائده... عبادة العقيدة هي أكبر منافس لعبادة الله... وما يبعث على الأسف ويدعو إلى الإحساس بالخطر هو أن... تُحسب عبادة العقيدة عين عبادة الله.»(۱۲)
لعل السؤال المقدر الذي ينبغي أن أجيب عنه هنا هو: هل يمكن لشخص يطرح الآن نظرية «العقلانية والمعنوية» ولم يعد يندرج في قالب «التنوير الديني»، أن يكون له مكان في تاريخ التنوير الديني؟ الجواب هو نعم. لتوضيح هذا الأمر، قد يكون من المفيد ذكر مثال عن تيار لا تربطنا به، من حيث المبدأ، رابطة عاطفية أو وجدانية. تأملوا تاريخ المثالية في إنجلترا. هل يستطيع أحد أن يكتب تاريخ المثالية في إنجلترا دون أن يشير إلى جورج إدوارد مور وبرتراند راسل؟ هل تكتمل الحكاية التي يرويها دون اسمي هذين الشخصين؟ إذا كانت المثالية قد هيمنت على الفضاء الفلسفي في إنجلترا مع مكتاغارت وبرادلي وبوزانكيه، فإنها مع مور وراسل – اللذين خرجا من صلب ذلك التيار وكانا يومًا مثاليين وهيغليين ثم تحولا إلى أشد نقاده – قد اتخذت، وكذلك تيار الفكر في إنجلترا برمته، مساراً آخر. معنى هذا الكلام ليس أنه لم يعد هناك مثالي في إنجلترا، أو أن أحداً لم يعد متعلقاً بإرث الأشخاص الثلاثة المذكورين. ربما لا يزال هناك مثاليون في إنجلترا حتى الآن. النقطة هي أن المثالية في ذلك الزمان والمكان واجهت، مع أمثال مور وراسل، أسئلةً كانت تخرج عن حدودها المرسومة، وبهذا الشكل اتخذت مساراً آخر. واليوم أيضاً، إذا كان أحدهم مثالياً، فعليه أن يكون على دراية بأولئك النقاد وأن يكون قد أعد لهم إجابة مسبقاً. وعلى هذا المنوال، يمكن للتنوير الديني، وبالأولى التفكير الديني التجديدي، أن يستمر، ولكن هذا الاستمرار ينبغي بالضرورة أن يكون مع العلم بنقطة التحول السابقة، وبالتالي في مرحلة ومستوى مختلفين.
إذا كان شريعتي هو إيديولوجي تكوين الثورة، وشبستري وسروش هما مفكرا فترة تأسيس حكومتها، فإن ملكيان هو مفكر فترة الاستقرار. النزعات البراغماتية المتسرعة أقل حضوراً لديه، والتأملات النظرية غير المتعجلة أكثر. لقد وسّع العقلانية المؤمنة لمفكري ما بعد الثورة إلى أقصى حدودها، وأضفى صبغة فلسفية أعمق بكثير على التأملات حول الدين. وبدلاً من الإيديولوجيا، توجّه إلى مباحث من سنخ «أخلاق الاعتقاد»(۱۳)، وبدلاً من التسييس، أرسى علم الثقافة. كما تجاوز نطاق تبادله الفكري حدود المثقفين الدينيين ليشمل مفكرين إيرانيين معاصرين آخرين.(۱۴)
تمثل الرحلة الفكرية لملكيان نقطة تحول في سردية ما ومصيراً لنمط من الرؤية. بل إن تعلمه الذاتي يمكن ربما اعتباره ليس مجرد صدفة، بل علامة على مرحلة، مرحلة عدم تناسب شغف البحث عن المثل العليا مع القوالب الواقعية غير المكتملة النضج والنظام. ذلك المصير، بمعنى ما، لم يكن محتوماً، لكنه أمر حدث على أية حال، وهو ذو معنى وجدير بالاهتمام من حيث منطق تاريخ الفكر وكتابته.
.
.
.
.
الفلسفة
الفن
الدين
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.