اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يصل مسار «التجديد الإسلامي» في الفكر العربي المعاصر من الإصلاحية السياسية إلى ما بعد الإسلاموية. ويكشف التحوّل من النهضة إلى نشأة الإسلام السياسي عن تقابلٍ بين رؤية علي عبد الرازق في فصل الدين عن الدولة، ونظرية الدولة الشمولية عند المودودي.

ترجمة: ياسين عبدي
نُشرت في مجلة ذوات، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، العدد 19، 2015
في التاريخ العربي المعاصر، يُقال بوجود تيار يُدعى «التجديد الفكري الإسلامي» يشتمل على قسمين:
- قسم الإصلاحية الإسلامية - السياسية
- قسم ما بعد الإسلاموية السياسية
يتضمن هذا القسم من «الإصلاحية» مرحلتين: المرحلة الأولى تُسمى «عصر النهضة»، والمرحلة الثانية تُسمى «عصر نشأة الإسلام السياسي».
في هذا العصر، الذي تزامن مع «النضال ضد الاستعمار»، جرى توظيف النصوص الدينية بهدف توحيد الصفوف والتعبئة العامة للمؤمنين وتذكيرهم بواجبهم في الدفاع عن الأمة الإسلامية؛ وذلك لكي يقترن تحرر المستعمَرين من نير المستعمِرين (الذين استطاعوا الاستيلاء على الامتداد الجغرافي العربي والإسلامي) بالاستفادة من التجربة الفكرية والعلمية والسياسية لهؤلاء المستعمِرين أنفسهم. وفي هذا العصر نفسه يمكن ملاحظة وجود تيارين:
- أحدهما تيار ذو طبيعة سلفية (سلفية منفتحة على العالم بالطبع) آمن بالعودة إلى الأسس الأولى للإسلام وتنقيته من رواسب النزاعات السياسية، ومن صدأ عصر الانحطاط. مثّل هذا التيار، في المشرق الإسلامي، طلائعيون أمثال «الشيخ محمد عبده» و«السيد جمال الدين الأفغاني»، وفي المغرب الإسلامي، أشخاص مثل علال الفاسي.
- والآخر تيار ذو طبيعة ليبرالية - آمن بالانفتاح على الحضارة الغربية؛ كمبدأ أساسي لإعادة إحياء الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي. كان طلائع هذا التيار في المشرق رفاعة الطهطاوي، وفي المغرب محمد حسن الحجوي.
في الوقت نفسه، وعلى الرغم من الفساد الفكري والسياسي السائد في العالم العربي، فإن «عصر النهضة» هذا، إجمالاً ومنذ بدايات نشأته، طرح أسئلة عظيمة وغير مسبوقة؛ أسئلة لم تكن في الغالب منسجمة مع طبيعة البنى الفكرية والسياسية والاجتماعية السائدة. أي أن الواقع كان يتمثل في أن العالم العربي كان يخرج لتوه من هلاك ودمار سباته العميق الذي دام قروناً من الانحطاط، ومن جهة أخرى، أن نخبه كانت قد شرعت فجأة في طرح أسئلة لم تكن منسجمة مع وقائع العالم العربي.
وسبب عدم الانسجام هذا هو أن منهج هؤلاء النخب، إلى جانب استفادته من اليقظة المتأخرة للفكر العربي الجديد الذي كان نتاج صدمة الاستعمار، كان يسير في اتجاه توظيف المنتجات الفكرية والعلمية الحديثة النابعة من صلب هذه الصدمة. لذا، فإن محدودية الجهود وانحصارها في نطاق المثقفين والنخب، أدى إلى أن تكتفي عملية التغيير العربية بمجرد النمذجة الفكرية وتعجز عن النفاذ إلى عمق البنى الاجتماعية والسياسية.
في المرحلة الثانية من «الإصلاحية»، أدى إخفاق المشاريع المطروحة في «عصر النهضة العربية» إلى تهيئة الأرضية لنشوء مشروع جديد، التفت أنصاره إلى تيار آخر واسع الانتشار ومتشعب الأطراف، كان الاجتهاد والجهد الفكري والتحرر السياسي من المقاييس الحاكمة عليه.
لقد كرّسوا جهودهم لتحويل «المشروع الحضاري» إلى «مشروع سياسي»؛ مشروع أُطلق عليه - خطأً وبصورة معكوسة تماماً - اسم «الدولة الإسلامية»، في حين كان هدفه الأساسي فصل الدولة عن الدين.
لقد تحوّلت هذه التجربة إلى مشروع سياسي شامل، تبلورت أدبياته السياسية، بوصفه مشروعاً سياسياً وإسلامياً، في شكل حركات سياسية وإسلامية؛ حركات كانت توظّف النصوص الدينية لخدمة أهدافها السياسية. وكانت نتيجة ذلك هي إعادة الإنتاج المتكرر والمأسسة لفكرة ما يُسمّى بـ«الإسلام السياسي»، التي عملت على تعميق القطيعة مع «المشروع الإصلاحي النهضوي».
وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا التيّار لم يتشكّل بدايةً في الأراضي العربية، بل حدث في سياق انفصال باكستان عن الهند. ففي تلك الأراضي، كان «أبو الأعلى المودودي» من أبرز وجوه هذه «النظرة السياسية الجديدة»؛ نظرة تحوّلت، بالاستناد إلى حلم الاستقلال، إلى نموذج لتجربة سياسية خاصة، ألا وهي انفصال باكستان عن الهند.
أما المشروع المسمّى بـ«الإسلام السياسي» فقد طرحه الشيخ علي عبد الرازق، بمقاربة غائية (مقاصدية) وأساسية، في كتابه المثير للجدل «الإسلام وأصول الحكم»، ساعياً إلى حلّ «الإشكال بين الدين والدولة» في الدين الإسلامي بشكل منطقي.
كان أساس احتجاج علي عبد الرازق أن الدولة في عصر النبي (ص) لم تكن أكثر من أداة للنهوض بالدين، وأن الأصل كان متعلقاً بالدين نفسه. وبرأيه: «هذا الذي ترونه أحياناً في حياة النبي (ص) وتتخيّلون أنه فعل حكم ومظهر من مظاهر المُلك والدولة، لا ينبغي أن يخدعكم. فلو تأمّلتم في سيرة النبي (ص) لما وجدتم أي فعل حكمي إلا أن
في الحقيقة، هو نفسه من أرسى مفهوم «السيادة الإلهية» في العصر الحديث، وسعى إلى تطبيق مشروع «الجماعة الإسلامية» السياسي في دولة باكستان الناشئة. ومن هنا، فإن مسعاه لا يمكن اعتباره جهداً دينياً فحسب، بل يجب التأكيد على طابعه السياسي المحض. ففي اعتقاده، يمكن للنص الديني أن يعينه على تأسيس دولة شمولية ينفذ بها الحاكم المسلم الأوامر الإلهية بين الناس.
بيد أنه ينبغي لأي مراقب أو محلل لمسار نشوء الإسلام السياسي في العالم العربي أن يضع في اعتباره أن ظهور هذه الظاهرة كان مساراً وقع خارج النطاق الجغرافي للعالم العربي، فعندما بزغت الشرارات الأولى لـ«الإسلام السياسي» عبر فكر أبي الأعلى المودودي في الهند، وفي قالب جماعة «الجماعة الإسلامية»، كأول حركة إسلامية في العصر الحديث، كان العالم العربي يعيش إخفاق تبلور فكر النهضة بوصفه مشروعاً سياسياً واجتماعياً. ولم يتردد صدى فكرة «الإسلام السياسي» في العالم العربي إلا عندما سعى «حسن البنا» إلى تحقيق هذا المشروع عبر تأسيس «جماعة الإخوان المسلمين»، وكذلك عندما سعى سيد قطب، من خلال مؤلفاته المتعددة، إلى خلق تمظهر نظري له استناداً إلى المنبع الفكري التأسيسي نفسه لأبي الأعلى المودودي.
في كلا هذين النهجين التنظيمي والنظري، كان شعار «السيادة لله» هو السائد. هذا الشعار، بوصفه نظرية متكاملة في الفعل السياسي، كان يدور حول المفهوم الجديد لـ«الدولة الدينية»، وذلك عبر تأويل النصوص الدينية وإخضاعها للبرامج السياسية القائمة على توظيف النص الديني لصالح سيادة الدولة.
يمكن أن نرى بوضوح أن إعادة إنتاج هذا التصور في العالم العربي ناجمة عن ذلك التحريف الكبير الذي لم يعره مؤسسو مشروع «الإسلام السياسي» اهتماماً، ومن ثم تعاملوا مع هذا المشروع السياسي الخاص وكأنه مشروع إسلامي شامل قابل للتطبيق في كل زمان ومكان.
ونتيجة لذلك، فإن تجربة الإسلام السياسي في العالم العربي في الوقت الراهن (على الرغم من أنها تستعير تحدياً غريباً من التراث الفكري النهضوي الأصيل) منقطعة تماماً عن تراث العقلانية الإسلامية (في سياقها الفلسفي والأصولي المنبثق من علم أصول الفقه)، وتستخدم بدلاً من ذلك اجتهادات فقهية تبسيطية للنصوص الدينية بغرض تبرير رغبات سياسية عابرة.
هذه الحقيقة بالذات هي نقطة انطلاق أزمة يمكن أن تؤدي عواقبها إلى الإعلان عن اضمحلال أصل هذا المشروع وأساسه.
قبل كل شيء، عندما نتحدث عن مرحلة «ما بعد الإسلاموية السياسية»، ينبغي أن نضع في اعتبارنا دائماً نقطتين أساسيتين:
- من ناحية، فإن تعبير «ما بعد» لا يشير إلى نهاية تجربة «الإسلام السياسي»، بل يدل على وجود تحول وتبدل في هذه التجربة؛ تحول كان سببه الحتمي العديد من المتغيرات الدولية والإقليمية والوطنية التي أثرت في الفاعلين الإسلاميين من جهة، وفي الأدوات والوظائف من جهة أخرى. ولعل هذا هو ما استرعى انتباه باحث يدعى أوليفييه روا (OLIVER ROY) لأول مرة، فقام في عام 1992 بتأليف كتاب عن إخفاق الإسلام السياسي[5]. لكنه هو أيضاً، بعد عقد من الزمن، عاد وغير مشروعه السابق؛ أي عندما أدرك أن المسألة تقتصر على تجربة الإسلام السياسي لا على غايته. وكانت النتيجة أنه تحدث في كتابه «الإسلام المعولم» عن تحول «الإسلام السياسي» إلى «إسلام اجتماعي»[6].
- ومن جهة أخرى، لا يمكن تعميم معايير أحد أنواع الإسلام السياسي على سائر أنواعه المتعددة. فعلى سبيل المثال، تختلف تجربة الإخوان في العالم العربي اختلافًا جوهريًا عن تجربة الإسلام السياسي في جنوب شرق آسيا [= إندونيسيا وماليزيا] وكذلك تركيا. إن تجربة الإسلام السياسي في العالم العربي ـ باستثناء بعض الحالات النادرة ـ لم تخرج عن المواقف النظرية لجماعة أبي الأعلى المودودي، ولا يزال الأصل الفكري الحاكم عليها هو الحاكمية الإلهية، وأدواتها هي ذات الأدوات التقليدية في مجال الأنشطة الدعوية والتعبئة الأيديولوجية. في حين أن تجربة الإسلام السياسي في جنوب شرق آسيا وتركيا قد خطت خطوات متقدمة جدًا في مجال ربط الإسلام ـ بوصفه تجربة روحية ـ بالتحولات السياسية والاجتماعية المعاصرة؛ وهذا هو ما أشار إليه الباحث الأمريكي «ألكسندر آريفانتو (Alexander R.Arifianto)» بعنوان تجربة «الإسلام التقدمي» (progressive Islam)؛ باعتبار أن هذه التجربة محاولة في سبيل خلق تقارب بين التعاليم الأساسية للإسلام (كالقرآن الكريم والحديث الشريف والفقه الإسلامي) والأفكار المستمدة من النظرية الليبرالية الغربية (كالديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية والتعددية الدينية).[7]
والآن، بأخذ النقطتين الأساسيتين أعلاه في الاعتبار، يمكن إدراك الحد الفاصل بين التحليل العلمي للواقع الموضوعي والنزعات الأيديولوجية الحاكمة على بعض الفاعلين السياسيين والثقافيين.
وهنا يمكن أيضًا أن نذكر التفسير الذي فُرض على مفهوم "ما بعد الحداثة"؛ أي ذلك التفسير الخاطئ الذي دفع البعض إلى الاعتقاد بأن "مشروع الحداثة" قد أخفق وفشل بالكامل. فعلى سبيل المثال، يشير المفكر المغربي محمد سبيلا إلى "حداثة متأخرة"، وكأن ما بعد الحداثة ليست سوى مرحلة أخرى من تحولات مشروع الحداثة.[8] ولكن هل يجوز أن نتحدث عن "ما بعد الإسلام السياسي" أيضًا على أنه مرحلة ثانية تأتي بعد المرحلة التأسيسية وبعض إخفاقاتها؟
في كتاب صدر حديثًا بقلم مجموعة من المفكرين والكتاب الأمريكيين، يقول أحد مؤلفي هذا الكتاب، ويدعى آصف بيات (وهو من أصل إيراني): «في نظر بعض المحللين الغربيين، يشير مصطلح ما بعد الإسلام السياسي إلى نهاية الإسلام المقاتل [= الجهادي] وبداية مرحلة جديدة يستبدل فيها الإسلاميون صناديق الاقتراع والتصويت بالسلاح والرصاص». ومن الواضح أن مراد هذا الكاتب من «نهاية الإسلام الجهادي» هو عزوف الإسلاميين عن استخدام أساليب العنف المادي المقدس (التفجير) والعنف الرمزي المقدس (التكفير) في مواجهة البنية السياسية الحاكمة والمجتمع، وأن «هذا التوجه الجديد» يميل، من حيث كفاية الأفعال الديمقراطية، بوصفه أسلوبًا للمشاركة في عملية الحكم.
ولعل هذا هو ما يشير إليه أيضًا الباحث التركي الأصل، إحسان داغي، في الكتاب نفسه. فهو يعتقد أن تجربة «حزب العدالة والتنمية» هي تجربة ما بعد إسلاموية، استطاع خلالها الإسلاميون الأتراك أن يستبدلوا "الخَلق/ الشعب/ الأمة" بـ"الخالق/ الحق". إنهم يمارسون السياسة لا باسم الإسلام، بل باسم الأمة، وقد أوجدوا نوعًا من الامتزاج بين خدمة الناس وخدمة الله، وفصلوا حسابهم عن الإسلاميين التقليديين وأعلنوا أن "الإسلام ليس أيديولوجيا، والقرآن ليس دستورًا".
ويفرق هذا الكاتب بين ظاهرتين:
- الأولى ظاهرة «الإسلاموية التقليدية»، التي تدخل الساحة السياسية باسم الإسلام؛ باعتبار أن الإسلام يُعد أيديولوجيا ويتم التعامل مع القرآن كدستور؛
- والأخرى ظاهرة «ما بعد الإسلاموية»، التي يتجلى أبرز تمظهراتها في التجربة التركية ـ وهو توجه يدخل الساحة السياسية باسم الأمة ولا ينظر إلى الإسلام والقرآن نظرة أيديولوجية ودستورية.[9]
هكذا نشهد الانتقال من «مرحلة الإسلام السياسي» (التي تمثلها الحركات الإسلامية في العالم العربي خير تمثيل) إلى «مرحلة ما بعد الإسلاموية السياسية» (التي تجسدها بعض الحركات الإسلامية في جنوب شرق آسيا وتركيا). وقد دُرست هذه النقلة والتحول وبُيّنت في بحثين منفصلين، وهي ترتكز على المفهوم الإجرائي لـ«الإسلام التقدمي»:
- أحدهما في دراسة تجربة الإسلام التقدمي في جنوب شرق آسيا، وقد نوقشت استناداً إلى نموذج «جمعية نهضة العلماء». جمعية نهضة العلماء حركة إسلاموية ذات نزعات ليبرالية. وتتجلى هذه النزعة الليبرالية بوضوح في بعض القضايا الفكرية والسياسية البالغة الحساسية، مثل علاقة الإسلام بالديمقراطية، والتعددية الدينية والمذهبية في المجتمع، ومسألة التشريع وإسلامية الدولة، وما شابه ذلك. في جميع القضايا المذكورة آنفاً، خلقت هذه «الحركة» إمكانات هائلة لتحقيق التقارب بين المسائل الفكرية والسياسية وماهية الدين الإسلامي؛ ولعل هذا هو ما جعلهم في إندونيسيا المعاصرة جديرين بقيادة مرحلة سياسية صعبة، وأوصل زعيم هذا التيار، عبد الرحمن واحد، إلى السلطة كأول رئيس منتخب ديمقراطياً بعد سقوط نظام سوهارتو. وما يزال إرث هذه الحركة – القائم على أساس التنظير الديني الحر والمعارف البشرية – يُتابَع، مؤسساً بذلك حقبة جديدة من التعددية السياسية والدينية والمذهبية في المجتمع الإندونيسي.[10]
- وفي البحث الثاني، خضعت تجربة الإسلام التقدمي في تركيا للتمحيص، بالاعتماد على نموذج حزب العدالة والتنمية؛ وهي تجربة لا تقل قيمتها البتة عن النماذج التي سبقتها، إذ استطاعت في عقد واحد أن تبلور نموذجاً فكرياً وسياسياً جديداً يتجاوز المقاربتين المتناقضتين القائمتين في الفضاء السياسي والفكري للعالم الإسلامي؛ وهما المقاربتان اللتان استمرتا منذ زمن التحدي الحضاري الكبير مع الغرب.
استطاعت التجربة الإسلامية التركية:
- من جهة، أن تتجاوز النموذج السلفي (المتمحور حول النص) التقليدي؛ النموذج الذي كان يُستخدم فيه ظاهر النص – سواء من خلال الدعوة إلى الدولة الإسلامية أو من خلال تطبيق الشريعة – بغرض الهيمنة على الواقع القائم؛
- ومن جهة أخرى، أن تتخطى نموذج العلمنة (laïcisme بوصفه مفهوماً محرفاً للعلمانية)؛ ذلك النموذج العلماني الذي أسسه كمال أتاتورك مستلهماً تجربة العلمانية الفرنسية، وسعى من خلاله إلى محو جميع مظاهر [الخلافة] العثمانية. لقد تجاوز حزب العدالة والتنمية، بعد انتصاره، هذا النموذج الراديكالي على الصعيدين النظري والعملي، واستطاع بنجاح أن يؤسس حقبة جديدة في تركيا والعالم الإسلامي، لا يكون فيها الأدب الديني والإسلامي عائقاً في طريق الديمقراطية، وفي الوقت نفسه، لا تقف فيها القيم الفكرية والسياسية للحداثة عائقاً أمام المفاهيم الأخلاقية للدين الإسلامي.[11]
إن التحليل الفكري والسياسي في مقاربة تجربة الإسلام السياسي – في مجال تطبيق مفهوم «ما بعد الحركات الإسلامية» أو «الإسلام التقدمي» – يدل على أن هذه التجربة قد خلفت وراءها تحولات عميقة، سواء على مستوى الأدوات السياسية أو على مستوى الرؤية النظرية. ونتيجة لذلك، لا يساوي أي باحث منصف بين تجربة الجماعة الإسلامية لأبي الأعلى المودودي في الهند وتجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا، أو جمعية نهضة العلماء في إندونيسيا؛ لأنه إذا كانت التجربة الأولى تنتمي إلى مرحلة التأسيس وما يُعرف بـ«الإسلام السياسي التقليدي»، فإن تجربتي تركيا وإندونيسيا تحكيان عن مرحلة التحول – بما فيها الانتقال والتجاوز والتقدم.
.
.
[1] علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 79
[2] نفسه، ص 103
[3] أبو الأعلى المودودي، نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور، بيروت- دار الفكر - 1964، ص 46
[4] نفسه، ص 54
[5] Olivier Roy – échec de l’islam politique – seuil – paris – 1992
[6] Olivier Roy – l’islam mondialisé – seuil – paris – 2002
[7] Arifianto – The Making of “Progressiv Islam” in Indonesia and Turke – Presented at the 2012 Western Political Science Association (WPSA) Annual Meeting Portland, OR March 22-24, 2012- p.p: 2-3
[8] ر.ک به: محمد سبیلا، الحداثه وما بعد الحداثه، دار توبقال للنشر، ط 1، سال 2000
[9] محمد مسعد العربی، ما بعد الإسلامویه الأوجه المتغیره للإسلام السیاسی – تألیف جماعی – تحریر: آصف بیات مرکز الجزیره للدراسات:
http://studies.aljazeera.net/bookrevision/2014/11/2014111865841824759.htm
[10] إدریس جنداری، الإسلام التقدمی، تجربه نهضه العلماء نموذجا، مرکز المسبار للدراسات والبحوث، الکتاب الرابع والسبعون، فبرایر/شباط 2013، (کتاب جماعی).
[11] إدریس جنداری، الإسلام التقدمی فی ترکیا: تجربه حزب العداله والتنمیه نموذجا، مؤسسه مؤمنون بلا حدود – قسم الدین وقضایا المجتمع الراهنه – 28 مای 2014
.
.
إن ما يجب أن يَعِيه أيّ متابع لنشأة الإسلام السياسي في العالم العربي، هو أن هذه النشأة تزامنت مع تحريف الفكرة الإصلاحية النهضوية، خارج المجال الجغرافي العربي في الهند، وبعد ذلك تمت استعادة الفكرة المُحرَّفة وزرعها لتعميق القطيعة مع المشروع الإصلاحي النهضوي، هذا المشروع الذي عبر عنه، فكريا، الشيخ علي الرازق في كتابه ذي النفحة الأصولية المقاصدية، وهو يحسم النقاش في العلاقة بين الدين والدولة في الإسلام.
1- من تجربة النهضة إلى تجربة الإسلام السياسي
تم تدشين المرحلة الإصلاحية الأولى، في التاريخ العربي الحديث، مع عصر النهضة، وقد تزامنت هذه المرحلة مع التحدي الاستعماري، ولذلك تم استدعاء المتن الديني لتوظيفه في حشد المؤمنين للقيام بواجب الدفاع عن الأمة. لكن هذه المرحلة تميزت، في نفس الآن، بالانفتاح على المستعمر بهدف الاستفادة من تجربته الفكرية والعلمية والسياسية التي مكنته من السيطرة على الامتداد الجغرافي العربي الإسلامي. وهكذا، فقد تبلور تياران إصلاحيان، الأول ذو نفس سلفي (منفتح) يؤمن بالعودة إلى الأصول الأولى للإسلام بعد تنقيته من مخلفات الصراع السياسي، ومن شوائب عصور الانحطاط، وكان ذلك مع محمد عبده وجمال الدين الأفغاني في المشرق، ومع علال الفاسي في المغرب. أما الآخر، فهو ذو نفس ليبرالي (محافظ) يعتبر أن الانفتاح على الحضارة الغربية دعامة أساسية، لضخ دماء جديدة في شرايين الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العالم العربي، وقد كان ذلك مع رفاعة الطهطاوي في المشرق، ومحمد بن الحسن الحجوي في المغرب.
لكن، رغم الزخم الفكري والسياسي الذي ساد، فإن المرحلة قد طرحت أسئلة كبرى سابقة لأوانها، أسئلة لا تنسجم، غالبا، مع طبيعة البنية الفكرية والسياسية والاجتماعية السائدة. فمن جهة، كان العالم العربي يخرج للتوِّ من سبات عميق امتد طوال قرون من الانحطاط، ومن جهة أخرى انبثقت، بشكل مفاجئ، نخبة فكرية سابقة لزمانها تطرح أسئلة كبرى لا تنسجم مع الواقع العربي، وهي نخبة استفادت من اليقظة المتأخرة للفكر العربي الحديث على وقع الصدمة الاستعمارية، وعملت على الاستفادة من المنجزات الفكرية والعلمية الحديثة التي ضختها الحملة الاستعمارية، كل هذا جعل المشروع النهضوي العربي يتوقف عند حدود التنظير الفكري، الأمر الذي كرّس طابعه النخبوي، ومنعه من التسرّب إلى عمق البنية الاجتماعية والسياسية.
إن هذا الفشل الذي أصاب المشروع النهضوي العربي، كان يمهد الطريق لانبثاق مشروع جديد، من منظور أن الطبيعة ترفض الفراغ، وهو مشروعُ عمل على إلغاء كل ما تراكم من اجتهاد فكري، وركّز على البعد السياسي العملي. فإذا كان النهضويون يحملون مشروعا حضاريا بعيد المدى، يتحكم فيه الاجتهاد الفكري والانفتاح الحضاري، فإن مُؤسّسي التيّار الإسلامي الحركي قد عملوا على هدم هذا الأساس الفكري، واستبدلوا المشروع الحضاري بمشروع سياسي ضمن ما سُمّي بالدولة الإسلامية. وقد كان أبو الأعلى المودودي أبرز مؤسّس لهذا الاتجاه السياسي، مدعوما في ذلك بطموح استقلالي جامح قاده إلى التنظير لتجربة سياسية خاصة، عبر فصل الباكستان عن الهند، لكن مشروعه الخاص سيتحول إلى مشروع سياسي عام، حيث تحولت هذه الأدبيات السياسية إلى مشروع سياسي إسلامي تجسد في شكل حركات سياسية إسلامية، تعمل على توظيف المتن الديني توظيفا سياسيا، من منظور أن الإسلام دين ودولة.
إن ما يجب أن يَعِيه أيّ متابع لنشأة الإسلام السياسي في العالم العربي، هو أن هذه النشأة تزامنت مع تحريف الفكرة الإصلاحية النهضوية، خارج المجال الجغرافي العربي في الهند، وبعد ذلك تمت استعادة الفكرة المُحرَّفة وزرعها، لتعميق القطيعة مع المشروع الإصلاحي النهضوي، الذي عبر عنه، فكريا، الشيخ علي الرازق في كتابه ذي النفحة الأصولية المقاصدية، وهو يحسم النقاش في العلاقة بين الدين والدولة في الإسلام، فهو يعتبر أن الدولة لا تعدو أن تكون وسيلة خلال عهد النبوة. أما المسألة الأساسية، فتتعلق بالدين، "لا يريبنك هذا الذي ترى أحيانا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فيبدو لك كأنه عمل حكومي، ومظهر للملك والدولة، فإنك إذا تأملت لم تجده كذلك، بل هو لم يكن إلا وسيلة من الوسائل التي كان صلى الله عليه وسلم يلجأ إليها تثبيتا للدين وتأييدا للدعوة".[1]
وهكذا ينتقل الشيخ علي عبد الرازق إلى مسألة الخلافة، كتجسيد لعلاقة الدين بالدولة في التاريخ الإسلامي، ويؤكد أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كل ما هيأوا حولها من رغبة ورهبة، ومن عزة وقوة، والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة.[2]
إن الشيخ علي عبد الرازق، وهو يفصل المقال فيما بين الدين والدولة من انفصال كان يسعى إلى ترجمة روح الإسلام، من منظور علمي رصين يستفيد من منجزات علم أصول الفقه، وخصوصا ما ارتبط منه بالفكر المقاصدي، ولذلك فهو يستنتج، بكل روح علمية، أن مفهوم الدولة الدينية التي تحتكر السلطتين المادية والروحية غير قائم في الأدبيات السياسية الإسلامية الأولى، بل هي نتيجة للعصور التالية التي اعتمد خلالها النص الديني كوسيلة في الصراع السياسي عبر تأويله لخدمة مصالح المتصارعين. ولعلّ هذا هو ما جعل الثقافة الإسلامية من بين الثقافات المؤهلة للفصل بين السلطتين الروحية والمادية، وبالتالي التأسيس للدولة المدنية في مقابل الدولة الدينية.
عندما طرحت البوادر الأولى للإسلام السياسي مع أبي الأعلى المودودي في الهند، مجسدة في الجماعة الإسلامية كحركة إسلامية أولى، في العصر الحديث، كان العالم العربي يعيش فراغا تنظيميا إسلاميا بعد فشل تَبلوُر الفكرة النهضوية كمشروع سياسي واجتماعي، ولذلك وجدت الفكرة صداها لمّا عمل حسن البنا على تجسيدها تنظيميا مع تأسيس جماعة الإخوان المسلمين على شاكلة الجماعة الإسلامية، وكذلك لمّا عمل سيد قطب على تجسيدها نظريا من خلال مؤلفاته العديدة التي تنهل من نفس المصدر الفكري الذي أسّسه أبو الأعلى المودودي. وفي كلا الاتجاهين، تنظيميا وتنظيريا، كان "شعار الحاكِميّة لله" هو المتحكم، وهو شعار يلخص نظرية متكاملة في الممارسة السياسية، تتمحور حول مفهوم الدولة الدينية، من خلال تأويل النصوص الدينية، ولَيِّ أعناقها لتستجيب للخطط السياسية القائمة على أساس توظيف النص الديني للتحكم في الدولة.
إن الدولة الإسلامية كما نَظَّر لها أبو الأعلى المودودي "دولة شاملة محيطة بالحياة الإنسانية بأسرها، وتطبع كل فرع من فروع الحياة الإنسانية بطابع نظريتها الخلقية الخاصة وبرنامجها الإصلاحي الخاص".[3] إنها دولة شمولية (بالمعنى الشيوعي الحديث) تتحكم في كل حركات وسكنات الأفراد والجماعات، ويُبرِّر المودودي ذلك بكون هذه الهيمنة والإحاطة التامة، "إنما ترتبط بقانون إلهي جامع وواسع أوكل إلى الحاكم المسلم تنفيذه في الناس".[4]
إن المودودي، وهو يؤسس لمفهوم الحاكمية لله، كان ينظر لمشروع سياسي تحمله الجماعة الإسلامية، وتسعى إلى تطبيقه في الدولة الإسلامية الناشئة (باكستان) بعد فصلها عن الهند، ولذلك لم يكن همّه فكريا، بل كان سياسيا صرفا، لأنه كان يتصور أن النص الديني يمكن أن يساعده على تأسيس دولة شمولية يحتكر فيها الحاكم المسلم تنفيذ الأمر الإلهي في الناس.
ولعل هذا، هو التحريف الأكبر الذي لم ينتبه إليه مؤسّسو تجربة الإسلام السياسي في العالم العربي، لذلك تعاملوا مع هذا المشروع السياسي الخاص، باعتباره مشروعا إسلاميا عاما قابلا للتطبيق في أيِّ زمان ومكان. ولذلك، فإن تجربة الإسلام السياسي في العالم العربي، وهي تستعير إشكالية غريبة عن التراث الفكري النهضوي الأصيل، كانت في نفس الآن تؤسس لقطيعة تامة مع التراث الإسلامي العقلاني في صيغته الفلسفية والأصولية(من علم أصول الفقه) مُعوِّضة ذلك باجتهادات فقهية تبسيطية تُوظِّف النص الديني لتحقيق مآرب سياسية عابرة، وهنا كانت بداية الأزمة التي ستتطوّر فصولها لاحقا معلنة عن إفلاس المشروع من الأساس.
2- تجربة ما بعد الإسلام السياسي
حينما نتحدث عن مرحلة ما بعد الإسلام السياسي، يجب أن نبدي ملاحظتين أساسيتين:
- من جهة، لا تحيل عبارة (ما بعد) على نهاية تجربة الإسلام السياسي، ولكن تحيل على تحوّل في التجربة، تحوّل فرضته الكثير من المتغيّرات الدولية والإقليمية والوطنية، وهو تحول مسّ منهجية التفكير لدى الفاعل الإسلامي، كما مسّ أدوات العمل والممارسة. ولعل هذا التوجه هو الذي تحكّم في باحث اهتم بالموضوع، مبكرا، وهو أوليفييه روا (OLIVIER ROY) الذي خصص كتابا في موضوع فشل الإسلام السياسي[5] سنة 1992، لكنه عاد بعد عشر سنوات إلى تطوير أطروحته السابقة، بعدما تبين له أن الأمر يقتصر على تحوّل في التجربة وليس نهاية لها، وهكذا أصبح يتحدث عن تحول الإسلام السياسي إلى إسلام اجتماعي، وذلك في كتابه "الإسلام المُعولَم".[6]
- من جهة أخرى، لا يمكن تعميم نفس الخصائص على التجارب المختلفة للإسلام السياسي؛ فالتجربة الإخوانية في العالم العربي تختلف جذريا عن تجربة الإسلام السياسي في جنوب شرق آسيا (إندونيسيا- ماليزيا)، وكذلك في التجربة التركية. فإذا كانت تجربة الإسلام السياسي في العالم العربي -مع بعض الاستثناءات - قد خرجت من مِعطف تجربة الجماعة الإسلامية مع أبي الأعلى المودودي، وظلت رهينة لرؤيتها الفكرية القائمة على مبدأ الحاكِميّة لله، وكذلك رهينة نفس أدواتها التقليدية في العمل الدعوي والتجنيد الأيديولوجي، فإن تجربة الإسلام السياسي في جنوب شرق آسيا وفي تركيا قد قطعت أشواطا جدّ متقدمة على طريق ربط الإسلام، كتجربة روحية، بتحولات العصر الحديث سياسيا واجتماعيا، وذلك ضمن ما يسمّيه الباحث الأمريكي (أليكساندر أريفيانتو Alexander R.Arifianto) بتجربة الإسلام التقدمي (progressive Islam)، باعتبارها محاولة للجمع بين تعاليم الإسلام الأساسية (القرآن الكريم، الحديث الشريف، والفقه الإسلامي)، وبين الأفكار المستمدة من النظرية الليبرالية الغربية، مثل (الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية والتعددية الدينية).[7]
إننا حينما نبدي هاتين الملاحظتين، فإنما لتحقيق الفرز بين التحليل العلمي للواقع الموضوعي، وبين الرغبات الأيديولوجية التي قد تتحكم في بعض الفاعلين السياسيين والثقافيين، ونحن نستحضر هنا التأويل الذي تمّ فرضه على مفهوم (ما بعد الحداثة) هذا التأويل الذي أدى ببعضهم إلى الحكم بفشل مشروع الحداثة بكامله، مما اضطر المفكر المغربي (محمد سبيلا) إلى ترجمة المفهوم بالحداثة البعدية كإحالة على أن ما بعد الحداثة ليست سوى مرحلة ثانية من تطور المشروع الحداثي.[8] فهل يصحّ أن نتحدث عن مفهوم الإسلام السياسي البعدي، باعتباره مرحلة ثانية تلي مرحلة التأسيس الأولى وتصلح بعض أعطابها؟
ضمن كتاب جماعي صادر حديثا في الولايات المتحدة الأمريكية حول موضوع ما بعد الإسلام السياسي، من تأليف جماعة من الباحثين المتخصصين في الموضوع، يذهب الباحث الأمريكي ذو الأصول الإيرانية (آصف بيات) إلى أن استخدام مصطلح ما بعد الإسلام السياسي لدى بعض المحللين الغربيين، هو للإشارة إلى نهاية مرحلة الإسلام المقاتل، وبداية مرحلة جديدة اتجه خلالها الإسلاميون إلى تبني الانتخابات بديلا للرصاص. وما يبدو، هو أن الباحث يقصد بنهاية الإسلام المقاتل، تحول الإسلاميين من ممارسة العنف المادي المقدس (التفجير) والعنف الرمزي المقدس (التكفير) في مواجهة الأنظمة السياسية الحاكمة والمجتمع، وذلك في اتجاه الاقتناع بالممارسة الديمقراطية كمنهج للمشاركة في الحكم.
ولعل هذا هو ما يؤكده الباحث التركي (إحسان داغي) ضمن نفس الكتاب، فهو يذهب إلى أن تجربة حزب العدالة والتنمية هي نموذج ما بعد إسلاموي، قام فيها الإسلاميون الأتراك باستبدال "الخالق/الحق" بـ"الخلق/الناس"؛ فقد خاضوا السياسة باسم الشعب لا باسم الإسلام، وزاوجوا بين خدمة الناس وخدمة الله، وفي انفصالٍ عن الإسلاموية التقليدية، أعلنوا أن "الإسلام ليس أيديولوجية والقرآن ليس دستورا. هكذا يميز الباحث بين مرحلة الإسلاموية التقليدية التي تخوض السياسة باسم الإسلام، باعتباره مشروعا أيديولوجيا يتعامل مع القرآن كدستور، وبين مرحلة ما بعد الإسلاموية التي تجسدها التجربة التركية التي تخوض السياسة باسم الشعب، ولا تتعامل مع الإسلام كأيديولوجية ولا مع القرآن كدستور.[9]
إن هذا الانتقال من مرحلة الإسلام السياسي التي تجسدها تجربة الحركات الإسلامية في العالم العربي، وبين مرحلة ما بعد الإسلام السياسي التي تجسدها تجربة بعض الحركات الإسلامية في جنوب شرق آسيا وتركيا، هذا الانتقال هو ما تم التوقف عنده من خلال دراستين صادرتين في الموضوع. وقد تم تناول هذا الانتقال والتحول باعتماد مفهوم "الإسلام التقدمي" كمفهوم إجرائي تم اعتماده في الأدبيات الغربية المهتمة بموضوع الانتقال والتحول من الإسلام السياسي التقليدي إلى مرحلة ما بعد الإسلام السياسي.
من خلال الدراسة الأولى، تم تناول تجربة الإسلام التقدمي في جنوب شرق آسيا من خلال نموذج جمعية نهضة العلماء، وهي حركة إسلامية ذات نزوع ليبرالي واضح المعالم، يتجلى في مقاربتها لمجموعة من القضايا الفكرية والسياسية الشديدة الحساسية، مثل: علاقة الإسلام بالديمقراطية، والتعددية الدينية والمذهبية في المجتمع، وكذلك مسألة التشريع والطابع الإسلامي للدولة، وفي جميع هذه القضايا أبدت هذه الحركة الإسلامية قدرة فائقة على تحقيق التلاؤم بين القضايا الفكرية والسياسية المعاصرة، وبين روح الدين الإسلامي، ولعل هذا هو ما أهلها لقيادة مرحلة سياسية جد حرجة من تاريخ أندونيسيا الحديث، حيث وصل زعيمها (عبد الرحمان واحد) إلى الحكم كأول رئيس ينتخب ديمقراطيا بعد سقوط نظام (سوهارتو)، وقد استثمر تراث حركته الإسلامية، القائم على الاجتهاد الديني المنفتح على معارف العصر، في تدشين عهد جديد من التعددية السياسية والدينية والمذهبية داخل المجتمع الأندونيسي.[10]
من خلال الدراسة الثانية، تم تناول تجربة الإسلام التقدمي في تركيا، باعتماد نموذج حزب العدالة والتنمية، وهي تجربة لا تقل قيمة عن سابقتها؛ لأنها تمكنت، خلال عقد من الزمن، من تأسيس نموذج فكري وسياسي جديد، يقوم على تجاوز رؤيتين متناقضتين سادتا الفضاء الإسلامي منذ الصدمة الحضارية الكبرى مع الغرب. من جهة، تمكنت التجربة الإسلامية التركية من تجاوز النموذج السلفي (النصي) التقليدي الذي يوظف ظاهر النص للتحكم في حركية الواقع، سواء من خلال دعوى الدولة الإسلامية، أو من خلال شعار تطبيق الشريعة؛ ومن جهة أخرى، تمكنت التجربة الإسلامية التركية من تجاوز النموذج العلمانوي (من العلمانوية laïcisme كتحريف للعلمانية laïcité)، هذا النموذج الذي أسسه أتاتورك عبر استلهام التجربة العلمانوية الفرنسية، وحاول من خلاله تهديم كل البناء العثماني. ومن خلال نجاح حزب العدالة والتنمية في تجاوز هذه النماذج الراديكالية في التفكير والممارسة، فإنه كان يؤسس بنجاح لعهد جديد في تركيا والعالم الإسلامي، حيث لا تصبح الأدبيات الدينية الإسلامية عائقا أمام تجسيد الديمقراطية، ولا تصبح قيم الحداثة الفكرية والسياسية عائقا أمام ترسيخ أخلاقيات الدين الإسلامي[11]، سواء عبر توظيف مصطلح "ما بعد الحركات الإسلامية"، أو عبر توظيف مصطلح "الإسلام التقدمي"، فإن التحليل الفكري والسياسي، في مقاربته لتجربة الإسلام السياسي، يذهب في اتجاه أن هذه التجربة عرفت تحولات عميقة، سواء على مستوى الرؤية الفكرية أو على مستوى الأدوات السياسية. فلا يمكن لأي باحث نزيه أن يطابق بين تجربة الجماعة الإسلامية التي أسسها أبو الأعلى المودودي في الهند، وبين تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا، أو جمعية نهضة العلماء في أندونيسيا. فإذا كانت التجربة الأولى تنتمي إلى مرحلة التأسيس ضمن ما يسمّى بالإسلام السياسي التقليدي، فإن التجربتين التركية والأندونيسية تنتميان إلى مرحلة التحول بما تعنيه من انتقال وتجاوز وتقدّم.
.
.
(*) نشر هذا المقال في مجلة ذوات الصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، العدد 19، 2015
[1] علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 79
[2] نفس المرجع، ص 103
[3] أبو الأعلى المودودي، نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور، بيروت- دار الفكر 1964، ص 46
[4] نفس المرجع، ص 54
[5] Olivier Roy - échec de l’islam politique - seuil - paris - 1992
[6] Olivier Roy - l’islam mondialisé - seuil - paris - 2002
[7] Arifianto - The Making of “Progressiv Islam” in Indonesia and Turke - Presented at the 2012 Western Political Science Association (WPSA) Annual Meeting Portland, OR March 22-24, 2012- p.p: 2-3
[8] انظر: محمد سبيلا، الحداثة وما بعد الحداثة، دار توبقال للنشر، ط 1، 2000
[9] محمد مسعد العربي، ما بعد الإسلاموية الأوجه المتغيرة للإسلام السياسي - تأليف جماعي - تحرير: آصف بيات مركز الجزيرة للدراسات:
ttp://studies.aljazeera.net/bookrevision/2014/11/2014111865841824759.htm
[10] إدريس جنداري، الإسلام التقدمي، تجربة نهضة العلماء نموذجا، مركز المسبار للدراسات والبحوث، الكتاب الرابع والسبعون، فبراير/شباط 2013، (كتاب جماعي).
[11] إدريس جنداري، الإسلام التقدمي في تركيا: تجربة حزب العدالة والتنمية نموذجا، مؤسسة مؤمنون بلا حدود - قسم الدين وقضايا المجتمع الراهنة - 28 ماي
.
.
الدين
الدين
العلوم السياسية
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
تجربە پسا اسلام گرایی سیاسی می تواند برون رفت ودرروی مسلمانان از مشکلات موجود وارتباط با جهان تازه باشد. اندیشه های سنتی اسلام سیاسی توانایی انعطاف و گستردگی فهم و تکثر گرایی در عرصه قانونگرایی را ندارد. و شکست آن از ناکامی بهار عربی آشکارتر گشت. بد نبود به نظریات سیاسی روشنفکرتونس راشد الغنوشی ی و تجربه متفاوت تونس هم اشاره ای شود. بهرنک
اشکال: اندیشه سیاسی اسلام چیست که توانی که شما گفتید را ندارد؟ مگر اندیشه سیاسی اسلام یک چیز واحد است؟ تکثر گرایی هم را ارائه نکردید و فرض کردید موضعی موجه است! چرا؟