اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
افترض الأصوليون أن قضية العلم الإجمالي حملية، غير أن هذا المقال ينقد خمس نظريات ليرى أن بنيتها المنطقية قضية فصلية، ويقدم بذلك تفسيراً أتمّ لمسائل أصولية كالواجب التخييري.

من جملة المباحث المهمة والجديرة بالاهتمام في علم أصول الفقه، مبحث العلم الإجمالي والمسائل المرتبطة به. لهذا البحث نطاق واسع وفروع متعددة. يعدد علماء الأصول مبادئَ مختلفةً لهذا البحث؛ ومن أهم هذه المبادئ مسألةُ ماهية العلم الإجمالي واختلافه عن العلم التفصيلي. في اصطلاح علم الأصول، العلم الإجمالي هو العلم بقضيةٍ1 يكون موضوعها مفهوم (أحدهما)، بحيث يعود الضمير في (هما) إلى أشياء معينة في الخارج.2 يكاد علماء الأصول يتفقون على أن سنخ العلم في العلم الإجمالي والتفصيلي واحد، وأن الاختلاف بينهما يرجع إلى المعلوم. كذلك من وجهة نظر علماء الأصول، فإن المعلوم بالذات في العلم الإجمالي هو قضية حملية موضوعها مفهوم (أحدهما). المسألة الرئيسية ومحل الخلاف هي أن مفهوم (أحدهما) أو القضية التي يكون هذا المفهوم موضوعًا لها، عن أي أمرٍ يحكي، وبعبارة أخرى، ما هو المعلوم بالعرض في العلم الإجمالي. في أكثر المصادر الأصولية، كلما استُعملت عبارة (متعلق العلم الإجمالي) كان المقصود بها نحو العلم الإجمالي (أي المعلوم بالعرض نفسه)، لا المعلوم بالذات. علاوة على ذلك، فإن علماء الأصول في الغالب يركزون البحث على مفهوم (أحدهما)، لا على القضية التي يكون (أحدهما) موضوعًا لها، وكأنه من وجهة نظرهم، بتعيين المحكي عنه لهذا المفهوم، يتعين المحكي عنه لتلك القضية تلقائيًا؛ فمثلًا حينما يقال: (متعلق العلم الإجمالي هو الفرد أو الواقع)، فالمقصود هو أن مفهوم (أحدهما) يحكي عن الفرد أو الواقع. على أي حال، هذه المسألة هي في الأساس مسألة فلسفية، وكون أطراف العلم الإجمالي (أي مشار إليه ضمير (هما)) تكاليفَ شرعية أم لا، لا يؤثر في أصل المسألة. ويمكن باعتبارٍ عدُّ هذا المبحث منتميًا إلى مجال فلسفة اللغة، لأن الكلام فيه يدور حول أن الجمل التي استُعملت فيها كلمة (أحدهما)، ما هو تركيبها المنطقي وعن أي واقعٍ تحكي. تحليل مفهوم (أحدهما) مؤثر أيضًا، إلى جانب مبحث العلم الإجمالي، في بعض مباحث علم الأصول الأخرى، من جملتها مبحث تحليل الواجب التخييري، وتحليل الواجب الكفائي، واستصحاب الفرد المردد، وما شابه ذلك. ومما يلفت النظر أنه على الرغم من الطابع الفلسفي لهذه المسألة، فإن الفلاسفة والمناطقة المسلمين لم يتناولوها، وفي المقابل، طرح علماء الأصول المتأخرون، بتقديمهم نظريات متعددة، مباحثَ مفصلة حولها. في المجموع، يمكن تصنيف آراء علماء الأصول في هذه المسألة ضمن خمس نظريات: أ) العلم الإجمالي يتعلق بالفرد المردد. وقد تبنى الآخوند الخراساني هذا الرأي. ب) متعلق العلم الإجمالي هو الواقع أو الفرد نفسه. وقد اختار المحقق العراقي هذه النظرية. ج) متعلق العلم الإجمالي هو الجامع بين الأطراف. وقد قدم المحقق الأصفهاني وآية الله السيستاني كلٌّ منهما تقريرًا لهذه النظرية. د) نظرية الشهيد الصدر: يرى أن كل واحدة من النظريات الثلاث المذكورة تعبر عن جانب من ماهية العلم الإجمالي، ويمكن تلفيق النظريات الثلاث في تبيين واحد. هـ) هناك تفاوت بين موارد العلم الإجمالي. ففي أكثر الموارد، يتعلق العلم الإجمالي بالواقع، وفي بعض الموارد بالجامع. وقد قبل آية الله الروحاني هذا التفصيل. نسعى في هذه المقالة إلى أن نبين أن أيا من النظريات المذكورة ليست تامة ولا يمكنها تقديم تبيينٍ وافٍ للعلم الإجمالي. يبدو أن المشكلة الأساسية لهذه النظريات هي الافتراض المسبق الذي اتخذته جميعها كأصل مسلم ـ وفي الغالب بصورة غير مصرح بها ـ وهو أن القضية التي يتعلق بها العلم الإجمالي هي قضية حملية شخصية غير مسورة. جملة مثل (أحدهما قائم) تتكون، من حيث القواعد الظاهرية للنحو، من موضوع (أحدهما) ومحمول (قائم)، ومن ثم فهي جملة موضوعية ـ محمولية وبدون سور، وليست على سبيل المثال جملة فصلية أو حملية مسورة. ولعل هذا التركيب الظاهري هو ما دفع علماء الأصول إلى الظن بأن القضية التي تعبر عنها هذه الجملة هي حملية شخصية وغير مسورة. طبقًا للرؤية السائدة في التراث الفلسفي ـ الأصولي، فإن القضايا الحملية الشخصية (مثل (حسن قائم)) تحكي عن الاتحاد المصداقي للموضوع والمحمول. بناءً على ذلك، لتعيين المحكي عنه لكل قضية حملية شخصية، يكفي أن يتعين المحكي عنه لموضوعها ومحمولها. والآن، إذا كانت قضية (أحدهما قائم)3 أيضًا قضية حملية شخصية متكونة من موضوع (أحدهما) ومحمول (قائم)، فإن تعيين المحكي عنه لهذه القضية يتوقف على تعيين المحكي عنه للموضوع والمحمول. من الواضح أن ما يسبب الإشكال ويثير المسألة في القضية المذكورة هو تعيين المحكي عنه لـ (أحدهما)، لا تعيين المحكي عنه للمحمول.
من هنا يتضح لماذا ركز علماء أصول الفقه أكثر مباحثهم وتدقيقاتهم على تعيين المحكي لـ(أحدهما)، لا تعيين محكي القضية التي موضوعها (أحدهما). ففي تصورهم، بحل المسألة الأولى تنحل المسألة الثانية كذلك. ويبدو أن علماء أصول الفقه لم يبدأوا تحليل العلم الإجمالي من النقطة المناسبة. فرغم أن الصورة الظاهرية لجملة مثل (أحدهما قائم) هي جملة حملية بلا سور، إلا أن بنيتها المنطقية ليست كذلك لأسباب سنذكرها. فالقضية التي تعبر عنها الجملة المذكورة هي إما قضية فصلية (أي: حسن واقف أو حسين واقف) أو قضية حملية ذات سور جزئي، وبالطبع - كما سيأتي - فإن محكي هاتين القضيتين متشابه جداً من الناحية المنطقية. وبإرجاع قضية (أحدهما قائم) إلى القضية الفصلية، تتحول مسألة تحليل العلم الإجمالي إلى مسألة تحليل القضية الفصلية، وفي النهاية، يمكن بتحليل القضية الفصلية تقديم تبيين كامل للعلم الإجمالي، والوجوب التخييري، والوجوب الكفائي، ومسائل من هذا القبيل. ويبدو أنه لم يقم أي عالم أصولي حتى الآن بتحليل العلم الإجمالي وتفسيره على أساس القضية الفصلية. وبالطبع، ورد في بعض عبارات علماء الأصول أحياناً الحديث عن معادلة القضية التي يتعلق بها العلم الإجمالي للقضية الفصلية، كما في بعض عبارات الميرزا النائيني وآية الله السيستاني، إلا أن هؤلاء أيضاً في النهاية قاموا بتحليل مفهوم (أحدهما) كمفهوم مفرد، وسلكوا الطريق نفسه الذي سلكه سائر علماء الأصول. وفيما يلي، نعرض أولاً ونناقش النظريات المذكورة آنفاً4 ثم نقدم النظرية المختارة باعتبارها الرأي السادس. ولتبيين النظرية المختارة، لا بد من طرح بحث مهم حول تحليل القضية الفصلية ومحكيها، وكذلك محكي القضية ذات السور الجزئي. ومكان هاتين المسألتين - على الرغم من أنهما تعدان من المباحث المهمة في فلسفة المنطق، وفضلاً عن ذلك يمكن تحليل وتبيين عدة مسائل أصولية على أساس القضية الفصلية - خالٍ في الكتب والرسائل المنطقية والفلسفية والأصولية.أ) نظرية تعلّق العلم الإجمالي بالفرد المردّد
المقصود من تعلّق العلم الإجمالي بالفرد المردّد، قد يكون أحد الاحتمالات الثلاثة التالية: 1. المعلوم بالذات في العلم الإجمالي، هو الفرد المردّد بالحمل الشائع (أي مصداق الفرد المردّد). 2. المعلوم بالذات، هو مفهوم الفرد المردّد. 3. المعلوم بالعرض في العلم الإجمالي، هو الفرد المردّد. لا يمكن قبول أيٍّ من هذه الاحتمالات الثلاثة. عدم صحة الاحتمال الأول يرجع إلى أن المعلوم بالذات حقيقة تقع في أفق النفس متعلّقةً بالعلم، وتوجد وجوداً علمياً. وكل ما هو موجود فهو متشخّص بالضرورة ولا يمكن أن يكون مردّداً، لأن الوجود والتشخّص متساوقان؛ وعليه، لا يمكن أن يكون المعلوم بالذات فرداً مردّداً (مصداق الفرد المردّد). والاحتمال الثاني غير تام أيضاً؛ فالمعلوم بالذات في العلم الإجمالي ليس مفهوم الفرد المردّد. وبالطبع فإن هذا المفهوم نفسه أمر متشخّص ويمكن أن يتعلّق به العلم ويصير موضوعاً للقضية (مثل قضية «الفرد المردّد محال»)، ولكن في العلم الإجمالي ليس هذا المفهوم هو المعلوم بالذات ولا يقع موضوعاً للقضية؛ فعلى سبيل المثال، العلم الإجمالي بأن حسناً أو حسيناً واقف، ليس علماً بقضية «الفرد المردّد بين حسن وحسين واقف»، لأنه في هذه الصورة ستكون القضية كاذبة بالضرورة. ذلك أن الفرد المردّد بين حسن وحسين ممتنع أساساً، ومن ثم لا يمكن أن يكون واقفاً. ومن هنا يتّضح أن الاحتمال الثالث غير مقبول أيضاً، لأنه إذا افترضنا أن العلم الإجمالي بقضية «أحدُهما واقف» صادق، فبما أن المحمول أمر وجودي، يلزم أن يكون لموضوع القضية، أي مفهوم «أحدهما»، مصداق في العالم الخارجي، ولكن ذلك المصداق ليس فرداً مردّداً قطعاً، لأن تحقّق الفرد المردّد محال.5 وقد أنكر أكثر علماء الأصول، استناداً إلى قاعدة «الفرد المردّد لا هوية ولا ماهية له»، تعلّق العلم الإجمالي بالفرد المردّد، غير أن آية الله الروحاني يرى في «منتقى الأصول» أن متعلّق أكثر العلوم الإجمالية هو الفرد المردّد. وبالطبع فإن مراده من الفرد المردّد غير ما يعتبره سائر علماء الأصول محالاً. فمقصود آية الله الروحاني من الفرد المردّد، هو فرد له تعيّن في الواقع، لكنه مردّد لدى الشخص. وهو يفسّر ويوجّه نظرية المحقّق الخراساني على هذا النحو أيضاً.6
ب. نظرية تعلّق العلم الإجمالي بالواقع أو الفرد7
يمكن تلخيص وتقرير مجموع عبارات المحقّق العراقي في بيان هذه النظرية على النحو التالي: الفرق بين العلم الإجمالي والتفصيلي ليس في العلم ولا في المعلوم بالعرض. فالمعلوم بالعرض في كليهما هو نفس الطرف المتحقّق في الواقع؛ فمثلاً إذا كان لدينا علم إجمالي بأن أحد حسن وحسين واقف، وكان حسن هو الواقف في الواقع، فالمعلوم بالعرض هو نفس حقيقة وقوف حسن. والفرق بين العلم الإجمالي والتفصيلي إنما هو في المعلوم بالذات: فالمعلوم بالذات في العلم التفصيلي هو عنوان الشيء أو صورته التفصيلية التي تحكي عنه بشكل واضح وجليّ، بينما المعلوم بالذات في العلم الإجمالي هو عنوان الشيء الخارجي أو صورته الإجمالية المبهمة. وهذه الصورة الإجمالية هي نفس مفهوم «أحدهما». وهي في الحقيقة جامع يُنتزع من الطرفين. وكلا الصورتين التفصيلية والإجمالية تحكيان عن شيء واحد، ولهذا السبب يكون المعلوم بالعرض فيهما واحداً.8 ونظرية تعلّق العلم الإجمالي بالواقع غير تامة أيضاً، ويمكن إجمالاً إيراد إشكالين عليها:
الإشكال الأول
إذا كان المعلوم بالعرض في العلم الإجمالي هو نفسه المعلوم بالعرض في العلم التفصيلي تماماً، فلا بدّ من القول إن ما ينكشف للإنسان – على سبيل المثال – بالعلم بقضية (أحد حسن أو حسين واقف) هو نفسه ما ينكشف بالعلم بقضية (حسن واقف)، في حين أننا بداهةً نطّلع على وقائع أكثر بالعلم بالقضية الثانية. وبعبارة أخرى، فالقضية الثانية ذات محتوى حكائي أوفر من القضية الأولى.
لعلّ المحقّق العراقي يجيب بأن واقعاً واحداً ينكشف للإنسان في حالتي العلم الإجمالي والعلم التفصيلي، وأن الفارق الارتكازي بين العلم الإجمالي والعلم التفصيلي يعود إلى أننا في العلم التفصيلي نكشف الواقع المذكور بواسطة الصورة التفصيلية، بينما نكشفه في العلم الإجمالي بواسطة الصورة الإجمالية، لكن ذا الصورة واحد في كليهما.
هذا الجواب غير تام. لا يمكن القول إن المعلوم بالذات في العلم الإجمالي والمبهم هو صورة الفرد، إذ لا سبيل للإجمال والإبهام إلى الصور العلمية؛ فالعلم – وفقاً لمباني الفلسفة الإسلامية – حقيقة عين الظهور، وما هو عين الظهور لا يمكن أن يكون مبهماً ومجملاً في آنٍ واحد. نعم، قد يقترن العلم بأمر مع الجهل بأمر آخر، لكن هذا مجرد انضمام علم وجهل (كما يقال في نظرية تعلّق العلم الإجمالي بالجامع: إن العلم بالجامع مقترن بالجهل بالخصوصية)، ومن الواضح أن اقتران العلم بالجهل يختلف عن كون الصور العلمية مجملة.
الإشكال الثاني
أصل هذا الإشكال طرحه – على الأرجح – آية الله الخوئي لأول مرة9، ويمكن تقريره على النحو التالي: إذا تحقق طرفا العلم الإجمالي في الواقع؛ أي لو كان حسن واقفاً وحسين واقفاً معاً، فمن الواضح أن قضية (أحدهما واقف) قضية صادقة. فبحسب نظرية تعلّق العلم الإجمالي بالواقع، أيّ الطرفين هو المحكي والمعلوم بالعرض؟ من الواضح أن الفرد المردّد بين حسن وحسين ليس هو المعلوم بالعرض. كما لا يمكن القول إن أحد الطرفين بخصوصه هو المعلوم بالعرض، لأنه يستلزم الترجيح بلا مرجّح. وتبقى في المسألة ثلاثة احتمالات أخرى:
1. أن يكون كلا الطرفين محكياً للعلم الإجمالي. لا يمكن قبول هذا الاحتمال، لأنه في هذه الصورة ستحكي القضيتان (أحدهما واقف) و(كلاهما واقف) عن واقع واحد، وهذا باطل بالضرورة، لأن القضية الأولى ذات محتوى حكائي أوفر من القضية الثانية. علاوة على ذلك، فإن مفهوم (أحدهما) واحد في الحالات التي يتحقق فيها طرف واحد فقط وفي الحالات التي يتحقق فيها كلا الطرفين. وعليه، ينبغي أن يكون المحكي عنه واحداً في كلتا الحالتين.
2. أن يكون المعلوم بالعرض هو الجامع بين الطرفين لا فرداً بخصوصه. من الواضح أن هذا الاحتمال ينقض إطلاق نظرية تعلّق العلم الإجمالي بالواقع. ثم إنه لا يمكن القول: إذا تحقق طرف واحد فقط فالمحكي هو ذلك الطرف الخاص، ولكن متى تحقق الطرفان فإن العلم الإجمالي يحكي عن الجامع، لأن مفهوم (أحدهما) مفهوم واحد في كلتا الصورتين، وإذا كان الحاكي واحداً وجب أن يكون المحكي واحداً. فضلاً عن أن نظرية تعلّق العلم الإجمالي بالجامع تعاني من مشكلات سيأتي بيانها.
3. أن يكون المعلوم بالعرض طرفاً واحداً بخصوصه؛ أي الطرف الذي تسبب في تحقق العلم الإجمالي أو الذي يرتبط به ارتباطاً وجودياً ما؛ فمثلاً إذا كان حسن واقفاً ورأيناه من بعيد دون أن نميّز وجهه، بحيث لا ندري أهو حسن أم حسين، حصل لنا علم إجمالي بأن حسناً أو حسيناً واقف، فإذا كان حسين واقفاً أيضاً في مكان آخر في الواقع، فإن طرفي العلم الإجمالي متحققان، لكن منشأ العلم الإجمالي (بواسطة حاسة البصر) هو وقوف حسن لا وقوف حسين، ولا توجد أية رابطة علّية بين العلم الإجمالي ووقوف حسين. ومن ثم، ففي هذا الفرض يحكي العلم الإجمالي عن وقوف حسن.
هذا التحليل قبله آية الله الروحاني في أكثر الموارد وأجاب به عن الإشكال الثاني.10 كما طرح الأستاذ صادق لاريجاني نظير هذا المطلب بوصفه جواباً محتملاً للإشكال المذكور.11 يبدو أن الاحتمال الثالث غير صحيح أيضاً، ويمكن إيراد ثلاثة إشكالات عليه إجمالاً:
الإشكال الأول على الاحتمال الثالث
في الحالات التي يتحقق فيها طرفا العلم الإجمالي، ليس الأمر على نحو تكون فيه ثمة علاقة سببية دائمًا بين العلم الإجمالي وطرف بعينه. يمكن تقديم أمثلة مختلفة على هذا المطلب نكتفي هنا بذكر مثالين. في المثال الأول، لا توجد أي رابطة سببية من الأساس بين العلم الإجمالي والواقع الذي يحكي عنه، وفي المثال الثاني، نلاحظ نوعًا من العلاقة السببية، لكن لا يمكن القول إن هذه العلاقة قائمة بين العلم الإجمالي وطرف بعينه. المثال الأول هو حيث يستند العلم الإجمالي إلى استحالة اجتماع النقيضين أو الضدين؛ فمثلًا إذا كان بين مضموني خبرين تضاد، كأن يدل خبر على وجوب فعل معين ويدل خبر آخر على إباحته، يحصل لنا علم إجمالي بأن أحد الخبرين كاذب. الآن لو كان الفعل المذكور حرامًا في الواقع، فسيكون كلا الخبرين كاذبين وسيتحقق طرفا العلم الإجمالي. من الواضح أنه في هذه الصورة لا توجد علاقة سببية بين العلم الإجمالي وأي من الطرفين. ومثال آخر من المثال الأول، هو العلم الإجمالي بقضية أن (أ ليس أبيض أو ليس أحمر). مستند العلم الإجمالي هنا هو استحالة اجتماع الضدين: لا يمكن لشيء أن يكون أبيض وأحمر معًا. الآن لو كان أ في الواقع أسود، فسيتحقق طرفا العلم الإجمالي، دون أن تقوم بينهما وبين العلم الإجمالي أية رابطة سببية. المثال الثاني: إذا كان لدينا ثلاث كرات، اثنتان منها بيضاوان والأخرى سوداء، ثم اخترنا كرتين بالصدفة ونحن مغمضو العينين، يحصل لنا علم إجمالي بأن إحدى هاتين الكرتين بيضاء. الآن لو كانت الكرتان كلتاهما بيضاء في الواقع، فلن يكون لعلمنا الإجمالي رابطة سببية مع بياض واحدة منهما بعينها، بل إن نسبة العلم الإجمالي إلى كلا الطرفين متساوية، وبمعنى ما يمكن القول إن منشأ العلم الإجمالي هو بياض الكرتين معًا.
الإشكال الثاني على الاحتمال الثالث
إذا صرفنا النظر عن الإشكال الأول؛ أي افترضنا أن بين العلم الإجمالي وطرف بعينه رابطة سببية، فإن إشكالًا أكثر جوهرية يرد على الاحتمال الثالث، وهو أنه إذا كانت قضية ما صادقة، فلها محكي متعين في عالم الواقع، سواء أكان لدينا علم بتلك القضية أم لم يكن، ومن ثم لا يمكن تعيين ذلك المحكي بالرابطة السببية بين العلم والعالم الخارجي. بعبارة أخرى، إن محكي القضية لا يختلف بتبدل حالات الشك والعلم بالنسبة إليها، بل إذا تحول الشك في القضية إلى علم، فإن ذلك المحكي نفسه هو الذي ينكشف للإنسان، وعليه، ففي المرتبة السابقة على تعلق العلم وبصرف النظر عنه، يكون لكل قضية صادقة محكيّ ثابت، وبطبيعة الحال لا يمكن تعيين ذلك المحكي بملاحظة الرابطة السببية مع العلم؛ فمثلًا إذا كان كل من حسن وحسين واقفًا، فإن قضية (أحدهما واقف) صادقة. الآن لو افترضنا أننا لا نعلم بهذه القضية، فما هو محكيها من الطرفين؟
الإشكال الثالث على الاحتمال الثالث
يواجه الاحتمال الثالث مشكلة في نقطة أخرى، وهي حيث يكون العلم الإجمالي نفسه مطابقًا للواقع، لكن منشأه اعتقاد كاذب؛ فمثلًا نرى الكرة رقم 1 في الظلام ونظن خطأ أنها سوداء، ثم نضع هذه الكرة مع الكرة رقم 2 في كيس ونخلطهما. في هذا الفرض، يحصل لنا علم إجمالي بأن إحدى هاتين الكرتين سوداء. الآن لو كانت الكرة رقم 1 بيضاء في الواقع وكنا قد توهمنا خطأ أنها سوداء، واتفق أن الكرة رقم 2 سوداء، فإن العلم الإجمالي صادق، لأنه على كل حال إحدى الكرتين سوداء. السؤال هنا هو: ما هو محكي هذا العلم الإجمالي وفق الاحتمال الثالث؟ من الواضح أنه لا يمكن القول إنه لا محكي له، لأن القضية المذكورة صادقة. كما لا يمكن اعتبار سواد الكرة رقم 1 محكيًا للقضية، لأن هذه الكرة ليست سوداء أصلًا. وسواد الكرة رقم 2 أيضًا لا رابطة سببية له بالعلم الإجمالي. بملاحظة الإشكالات الثلاثة التي ذكرت على الاحتمال الثالث، يتضح أنه لا يمكن تعيين محكي العلم الإجمالي باستخدام رابطته السببية مع الخارج. وعليه، فإن الإشكال الثاني على نظرية تعلق العلم الإجمالي بالواقع وارد.
نظرية تعلق العلم الإجمالي بالجامع
لاحظ عدد من علماء الأصول، بعد أن تبينوا أن متعلق العلم الإجمالي لا يمكن أن يكون فرداً مردداً ولا طرفاً بعينه، أن المحكي بالعلم الإجمالي هو جامع انتزاعي بين الطرفين. وفيما يلي نعرض ونناقش تقرير المحقق السيستاني لهذه النظرية.12 وهو يفكك، لبيان هذه النظرية، بين المطابق والمنطبق عليه لمفهوم (أحدهما)؛ ففي قضية (أحدهما قائم) مثلاً، إذا كان حسن وحده واقفاً، كان المنطبق عليه لمفهوم (أحدهما) هو حسن، ولكن المطابق لهذا المفهوم ليس طرفاً بعينه، بل هو جامع انتزاعي بدلي بين الطرفين. وكل مفهوم، في نظره، يحكي عن مطابقه لا عن منطبقه عليه. وعليه، فمحكي مفهوم (أحدهما) هو جامع انتزاعي بين الطرفين. وهذا الجامع الانتزاعي له واقعية، ولكن واقعيته، شأنه شأن سائر الأمور الانتزاعية، إنما هي بواقعية منشأ انتزاعه. عند مناقشة نظرية المحقق السيستاني، يلزم الانتباه إلى نقطتين: 1. المحكي لمفهوم (أحدهما) عنده جامع انتزاعي، في حين أن عدداً من علماء الأصول يرون هذا المفهوم نفسه جامعاً انتزاعياً، لا محكيه. 2. بتصريح من آية الله السيستاني، فإن مفهوم (أحدهما) جامع كلي.13 ومن الواضح أن كليته إنما هي لكونه ذا مصداقين. وبلحاظ هذه النقطة، تواجه تحليل المحقق السيستاني مشكلة مهمة. فكما هو مقرر في المباحث الفلسفية، فإن نسبة كل طبيعة إلى أفرادها هي نسبة الآباء إلى الأبناء، لا نسبة أب واحد إلى أبناء عدة. وبعبارة أخرى، بتحقق كل فرد من الطبيعة، تتحقق تلك الطبيعة في ضمن الفرد مرة واحدة. وعليه، فبعدد الأفراد الموجودة من طبيعة ما، توجد الطبيعة نفسها بهذا العدد. وهنا يبرز السؤال: هل نسبة مفهوم (أحدهما) إلى أفراده هي على هذا النحو أم لا؟ فإن كان جواب المحقق السيستاني بالإيجاب، فالنتيجة هي أن مفهوم (أحدهما) يتحقق مرتين، مرة في ضمن حسن وأخرى في ضمن حسين. وفي هذه الحال تبقى المسألة الأصلية دون حل، وهي: عن اتحاد أي واحد من هذين التحققين للمفهوم مع وصف القيام تحكي قضية (أحدهما قائم)؟ وإن كان كلاهما واقفين، فما هو محكي القضية؟ ويلاحظ أن جميع الإشكالات التي وردت على نظرية المحقق العراقي تبرز هنا من جديد. ففي الحقيقة، إذا كان مفهوم (أحدهما) عند المحقق السيستاني كسائر المفاهيم، فإن نظريته لا تحل مشكلة في مسألة تحليل العلم الإجمالي. ويبدو أن جواب المحقق السيستاني على السؤال المذكور هو بالنفي. فمفهوم (أحدهما) عنده يختلف عن سائر المفاهيم، ولهذا يسميه (الجامع التبادلي). والأقوى ظناً أن التفسير الصحيح لنظرية المحقق السيستاني هو أن مفهوم (أحدهما) ليس له في الخارج إلا تحقق واحد، ويحكي عن واقعية واحدة (أي ذلك الجامع الانتزاعي بين الطرفين)، وإن تحقق كلا طرفي العلم الإجمالي. وسواء أكان حسن هو الواقف أم حسين أم كلاهما، فإن تلك الواقعية نفسها هي التي تتصف بوصف القيام. وعلى هذا الأساس، فالواقعية التي يحكي عنها مفهوم (أحدهما) ليست حسناً ولا حسيناً، بل هي واقعية انتزاعية ثالثة. ومن الواضح أنه وفقاً لهذا التحليل، لم يعد مفهوم (أحدهما) مفهوماً كلياً، لأنه ليس له إلا مصداق (أو مطابق) واحد. ومن هنا، فإن عد المحقق السيستاني لمفهوم (أحدهما) كلياً هو من باب المسامحة بوضوح. وبالطبع، يمكن، وفقاً لاصطلاحات المحقق السيستاني، توجيه إسناد الكلية إلى (أحدهما) على النحو التالي: كلية (أحدهما) هي بلحاظ منطبقه عليه لا مطابقه، فالمنطبق عليه لمفهوم (أحدهما) يمكن أن يكون، على نحو التبادل، حسناً أو حسيناً، ولكن مطابقه هو واقعية ثالثة واحدة. وخلاصة القول إنه يمكن التعبير عن نتيجة تحليل المحقق السيستاني على النحو التالي (وإن لم يصرح هو بهذه النتيجة): قضية (أحدهما قائم) هي قضية حملية تحكي عن اتحاد محكي الموضوع والمحمول. ومحكي الموضوع واقعية واحدة انتزاعية منتزعة من حسن وحسين، وهذه الواقعية نفسها هي التي تتصف بالقيام.
مناقشة نظرية المحقق السيستاني
هذه النظرية يكتنفها الغموض أو الإشكال من ثلاثة وجوه:
الأول: في هذا التحليل تم التفريق بين (المطابِق) و(المُنطَبَق عليه) للمفهوم الكلي. في الأدبيات المنطقية والفلسفية المتداولة، يُستعمل هذان اللفظان بمعنى واحد، وعليه، فالظاهر أنه قد ابتكر اصطلاحاً جديداً في هذا الباب، بينما حدود هذا الاصطلاح الجديد وثغوره لا تزال غارقة في الغموض.
الثاني: من لوازم نظرية المحقق السيستاني أنه بالإضافة إلى حسن وحسين، تكون لدينا حقيقة أخرى؛ أي المحكي عنه (أحدهما)، مع فارق أن الحقيقتين الأوليين عينيتان والثالثة انتزاعية. حتى هنا، فالمدعى المذكور ليس بعيداً عن الذهن كثيراً، إذ نضطر أحياناً في تحليلات فلسفية أخرى إلى قبول تقرر حقائق غير عينية.14 يبدأ الإشكال من حيث إنه وفقاً لتحليل المحقق السيستاني، لا بد أن نلتزم بأن الحقيقة الانتزاعية المفترضة تتصف بالأوصاف والأعراض العينية؛ فمثلاً إذا كان حسن واقفاً، فإن الحقيقة المنتزعة من حسن وحسين واقفة أيضاً. اتصاف الحقيقة الانتزاعية المذكورة بوصف عيني (الوقوف) أي معنى معقول يمكن أن يكون له؟
الثالث: بفرض أننا صرفنا النظر عن الإشكالين السابقين، فإن أهم إيراد على نظرية المحقق السيستاني هو أنها تؤدي إلى اجتماع النقيضين. لنفترض أن حسناً موجود وحسيناً معدوم، في هذه الحال، تكون هاتان القضيتان صادقتين: (1) (أحدهما موجود)، (2) (أحدهما معدوم). موضوع القضيتين واحد ويحكي عن حقيقة واحدة (الجامع الانتزاعي بين حسن وحسين). لكن الحقيقة الواحدة لا يمكن أن تكون موجودة ومعدومة معاً؛ فأصل امتناع التناقض حاكم على الحقائق العينية كما هو حاكم على الحقائق الانتزاعية وغير العينية. لعلّ في الجواب عن الإشكال يُقال إن صدق القضيتين المذكورتين لا يستلزم اجتماع النقيضين، لأن القضية الأولى تحكي عن وجود حسن، ولكن الثانية تحكي عن عدم حسين. لكن من الواضح أن هذا الجواب بمعنى العدول عن نظرية تعلق العلم الإجمالي بالجامع والرجوع إلى نظرية تعلق العلم الإجمالي بالواقع.
هـ) نظرية الشهيد الصدر
من وجهة نظر الشهيد الصدر يمكن التلفيق بين النظريات الثلاث لتعلق العلم الإجمالي بالفرد المردد، وبالواقع، وبالجامع، وتقديم نظرية واحدة لتفسير العلم الإجمالي. وقبل بيان نظريته المختارة، يذكر مقدمة حول كيفية تشخص المفهوم: لا يتشخص المفهوم أبداً بإضافة مفاهيم وقيود أخرى، لأن هذه القيود هي أيضاً، بذاتها، كلية (قابلة للانطباق على كثيرين) ونتيجة لذلك، فإن ما يتم الحصول عليه في النهاية يبقى كلياً، وإن كان له مصداق واحد في الخارج. وعليه، فإن الجزئية الحاصلة من هذا الطريق هي جزئية إضافية لا حقيقية. الجزئية الحقيقية للمفهوم تظهر عندما يُشار بذلك المفهوم إلى الوجود الخارجي، ذلك أن التشخص الحقيقي لا يحصل إلا بواسطة الوجود. الإشارة هي نحو من أنحاء استخدام المفهوم يختلف عن الاستخدام الإفنائي للمفهوم في المصداق. في الاستخدام الإفنائي لا تُستحصَل الجزئية الحقيقية، بخلاف الاستخدام الإشاري.
الشهيد الصدر بعد بيان المقدمة أعلاه، يشرع في تبيين أصل النظرية. متعلق العلم الإجمالي مفهوم كلي، ولكن هذا المفهوم لوحظ بنحو الإشارة إلى الخارج. وعليه، فإن نظرية تعلق العلم بالجامع صحيحة من جهة، إذ إن كل مفهوم، بصرف النظر عن كيفية استخدامه، هو كلي دائماً. ومن جهة أخرى، فإن نظرية تعلق العلم الإجمالي بالواقع صحيحة أيضاً، لأن المفهوم المذكور يشير إلى الفرد الخارجي، غير أن هذه الإشارة ليست إلى فرد معين، ومن هذه الحيثية تكون نظرية تعلق العلم الإجمالي بالفرد المردد مقبولة أيضاً. التردد في الإشارة يعني فقط أن كل واحد من ذينك الفردين له صلاحية أن يكون مشاراً إليه، لا أن الإشارة قد تمت إلى فرد مردد حتى تكون محالاً.15
دراسة نظرية الشهيد الصدر
يبدو أن مراد الشهيد الصدر من «الجامع» هنا، كما هو الحال لدى سائر علماء الأصول، هو مفهوم (أحدهما). وهذا المفهوم إذا لوحظ على نحو غير تبادلي فهو كلي بالطبع، لأنه يصدق على مصداقين.16 ولتفحص المسألة بدقة أكثر، يلزم ذكر نكتة، وهي أن مصاديق المفهوم غير التبادلي (أحدهما) تنحصر ذاتاً في مصداقين اثنين، وهذا المفهوم غير قابل للانطباق على مصداق آخر من حيث الأصل. فالمفاهيم المتداولة، كمفهوم (الإنسان)، قابلة للانطباق على مصاديق لا متناهية، حتى لو كانت مصاديقها الفعلية متناهية، أو لم تكن لها مصاديق من الأساس. بيد أن مفهوم (أحدهما) ليس كذلك، وإن لم يلحظ على نحو الإشارة. وعلة هذه الخصوصية هي أن المضاف إليه في مفهوم (أحدهما)، أي الضمير (هما)، قد لوحظ مشيراً إلى وجودين خارجيين. وبهذا الاعتبار نفسه، لا يمكن أن يكون للمفهوم غير التبادلي (أحدهما) مصداق غير ذينك الوجودين.
على كل حال، فالنكتة الأساسية في تحليل الشهيد الصدر هي أن مفهوم (أحدهما) ملحوظ على نحو الإشارة إلى الوجود الواقعي. وهذه الإشارة المدعاة غير الإشارة الموجودة في المضاف إليه (أحدهما). فإشارة (هما) إلى فردين خارجيين أمر مسلّم ومقبول، لكن يبدو أن الإشارة التي يدعيها الشهيد الصدر، أي إشارة نفس مفهوم (أحدهما)، لا يمكنها أن تقدم تبييناً صحيحاً ووافياً للعلم الإجمالي. وبالطبع فإن الفحص الكامل للمسألة يتطلب تحليل الأنماط المختلفة لاستعمال المفاهيم وبيان خصائص كل منها. وبافتراض المقدمة التي بيّنها الشهيد الصدر، يمكن تحرير الإشكال على النظرية على النحو التالي: إذا استُعمل مفهوم على نحو الإشارة إلى الخارج، فلا بد أن يكون المشار إليه متعيناً في الواقع، وإن كان مردداً عندنا، لأن الخارجية والواقعية مساوقة للتعين. وكذلك الحال في نفس الإشارة فلا تردد فيها، لأن الإشارة أيضاً من موجودات العالم. وهذا القول للشهيد الصدر بأن «التردد في الإشارة بمعنى أن كل واحد من الفردين صالح لأن يكون مشاراً إليه واقعاً» يمكن تفسيره على نحوين. الأول: أن «الصلاحية» بمعنى الاحتمال؛ أي أن المشار إليه في الواقع طرف خاص، لكننا بسبب جهلنا نحتمل أن يكون هذا الطرف أو ذاك. والتفسير الآخر: أن المشار إليه ذو تردد واقعي، ومن الواضح أن هذا التفسير يعود إلى الفرد المردد وهو محال.
فإذا كان مراد الشهيد الصدر هو التفسير الأول، فإن إشكالين يبرزان:
الإشكال الأول
هذا الإشكال نظير الإشكال الثاني على نظرية تعلق العلم الإجمالي بالواقع. فإذا كان كلا طرفي العلم الإجمالي متحققاً، فإلى أي طرف يشير مفهوم (أحدهما)؟ فإن التزم الشهيد الصدر في النهاية بأن (أحدهما) مشير إلى واقعية ثالثة غير الفردين العينيين (مثل الجامع الانتزاعي بين الطرفين الذي طرحه المحقق السيستاني)، فسيواجه الإشكالات نفسها التي واجهت نظرية المحقق السيستاني، ولا سيما الإشكالين الثاني والثالث. علاوة على أنه لو قبل الشهيد الصدر بالواقعية الثالثة، لكان بإمكانه منذ البداية أن يقول إن ما يحكى عنه (أحدهما) هو الواقعية الثالثة، دون أن يذكر شيئاً عن الاستعمال الإشاري. وفي هذه الحال، فإن طرح بحث الاستعمال الإشاري لم يحل أي عقدة في تفسير العلم الإجمالي.
الإشكال الثاني
يقوم الإشكال الثاني على مقدمة، وهي أنه إذا أردنا لحاظ مفهوم ما على نحو الإشارة، فكما قيل، يلزم أن يكون المشار إليه متعيّناً تعيّناً واقعياً. فإذا كان لهذا المفهوم مصداق واحد في الخارج، فلا تظهر مشكلة، أما إذا كانت له عدة مصاديق (كمفهوم «رجل»)، فكيف يتعيّن المشار إليه؟ يبدو أنه لا يوجد سوى طريقين لتعيّن المشار إليه. أحدهما أن نستخدم الإشارة الحسية فنقول مثلاً: «هذا الرجل». والآخر أن نضمّ إلى ذلك المفهوم مفاهيم أخرى حتى يبقى في النهاية مصداق واحد للمفهوم المقيّد. والآن، إذا صرفنا النظر عن الإشكال الأول وافترضنا أساساً أن طرفاً واحداً فقط من العلم الإجمالي متحقق، لينتفي موضوع الإشكال الأول، فهل يمكن بعنوان «أحدهما» الإشارة إلى طرف معين فنقول مثلاً: «أحدهما قائم»؟ إن مفهوم «أحدهما» ـ إذا لوحظ على نحو غير تبادلي ـ له مصداقان. ومن ثم، فالإشارة إلى مصداق معين تستلزم سلوك أحد الطريقين المذكورين. الإشارة الحسية إلى الشخص الواقف غير ممكنة، لأننا حسب الفرض لا نملك علماً تفصيلياً. إذن، لا بد من ضمّ مفهوم إلى «أحدهما» حتى يكتسب المشار إليه تعيّناً واقعياً. وهنا يوجد احتمالان: الاحتمال الأول هو أن يكون المفهوم المنضمّ هو محمول القضية نفسه؛ فنقول مثلاً: «أحد ذينك اللذين واقف هو واقف». لكن من الواضح أن هذه القضية ليست سوى تحصيل حاصل، ولا تعطي وعياً جديداً عن العالم الخارجي، في حين أن العلم الإجمالي في الحالات المتعارفة يفيد وعياً جديداً. وعلى هذا الأساس، لا يمكن قبول الاحتمال الأول. الاحتمال الثاني هو أن يُضمّ إلى «أحدهما» مفهوم غير المحمول يعيّن المشار إليه؛ فمثلاً إذا علمنا أن من يرتدي الثوب الأخضر واقف، ولكن بسبب ظلمة الجوّ لم يكن لون الثوب مشخصاً ولا الشخص الواقف، يمكننا التعبير عن القضية على هذا النحو: «أحد ذينك اللذين يرتديان الثوب الأخضر واقف». في هذا المثال، أضيف مفهوم «من يرتدي الثوب الأخضر» إلى مفهوم «أحدهما» فتعيّن المشار إليه. والاحتمال الثاني يواجه هو الآخر مشكلتين: الأولى: إذا أضفنا مثلاً مفهوم «من يرتدي الثوب الأخضر» إلى مفهوم «أحدهما»، فإن ما نحصل عليه هو قضية جديدة تختلف عن القضية الأولية. فقضية «أحدهما واقف» لها محتوى حكائي أقل من قضية «أحد ذينك اللذين يرتديان الثوب الأخضر واقف». والشاهد الآخر على اختلاف القضيتين هو أن قيمة صدقهما ليست واحدة بالضرورة. إذن، بتحليل القضية الثانية لا نصل إلى جواب عن السؤال الأصلي، أي تحليل القضية الأولى. يمكن جعل موضوع القضية الثانية مشيراً إلى مصداق معين، لكن هذا لا يستلزم إمكان جعل موضوع القضية الأولى مشيراً إلى مصداق معين أيضاً. وبتعبير أوجز، بضمّ أي مفهوم إلى موضوع القضية نخرج عن محل البحث، أي تحليل مفهوم «أحدهما». الثانية: في بعض الحالات، لا يمكن العثور على مفهوم غير المحمول يعيّن المشار إليه. كما في الحالة التي يستند فيها العلم الإجمالي إلى امتناع ارتفاع النقيضين، ولا نملك أي إحاطة أخرى بالمسألة.
و) النظرية المختارة: تحليل العلم الإجمالي على وفق القضية الفصلية
يُقدَّم هذا النظر في ثلاثة أقسام. في القسم الأول نُثبت أن القضية التي تعبّر عنها جملة (أحدهما قائم) ليست قضية حملية بلا سور، بحيث يكون مفهوم (أحدهما) موضوعاً ومفهوم (قائم) محمولاً، بل إن هذه القضية إما أن تكون قضية فصلية، وإما حملية ذات سور جزئي. في القسم الثاني نتناول تحليل بنية القضية الفصلية ومحكيّها، وفي القسم الثالث، سنطرح بحثاً موجزاً حول السور الجزئي. القسم الأول: (أحدهما) التبادلي وغير التبادلي يمكن التمييز بين مفهومين لـ(أحدهما): أحدهما غير التبادلي وأحدهما التبادلي. الذهن قادر على ملاحظة شيئين، مثل حسن وحسين، وأن يبني مفهوماً تنحصر مصاديقه ذاتاً في ذينك الشيئين ولا يكون قابلاً للصدق على شيء ثالث. هذا المفهوم هو أحدهما غير التبادلي حيث يشير ضمير (هما) إلى حسن وحسين. وكما قيل سابقاً، فإن الجزئية الحقيقية (عدم قابلية الصدق على كثيرين) لا تتحقق إلا في موارد الاتصال أو الإشارة الحسية إلى الخارج. هنا أيضاً، بسبب إشارة (هما) إلى حسن وحسين، لا يكون مفهوم أحدهما قابلاً للصدق على شيء آخر، والمفهوم المذكور قابل للحمل على حسن وعلى حسين معاً. ومن ثم، فهو مفهوم كلي، شأنه شأن مفهوم (الإنسان). إذا أردنا حمل (قائم) على (الإنسان)، فبسبب كلية المفهوم يمكن أن نُكوّن بسورين كلي وجزئي قضيتين مُسوّرتين. والأصل أن القضية بدون استخدام السور تكون ناقصة. ومفهوم (أحدهما) بما أنه كلي، يمتلك هذه الخصوصية نفسها. إذا أردنا حمل قائم عليه، يمكننا بناء القضيتين التاليتين: بالسور الكلي: (كل شيء يصدق عليه أحدهما فهو قائم) أو (كل ما هو أحدهما قائم) أو (كل واحد منهما قائم). بالسور الجزئي: (بعض الأشياء التي يصدق عليها أحدهما قائم) أو (بعض ما هو أحدهما قائم) أو (بعض واحد منهما قائم). بطبيعة الحال، دخول السور (كل) و(بعض) على لفظ (أحدهما) غير مألوف في اللغة العرفية، لكن هذا الأمر لا علاقة له بالجانب المنطقي من المسألة. نُسمي هذا (أحدهما) غير التبادلي، لأنه شأنه شأن سائر المفاهيم، ينطبق على جميع المصاديق على نحو غير تبادلي. من الواضح أن مفهوم أحدهما غير التبادلي يختلف عن مفهوم أحدهما المبحوث عنه في العلم الإجمالي. والشاهد على الاختلاف هو أن أحدهما غير التبادلي إذا وقع موضوعاً للقضية فإنه يقبل السور، والأصل أن القضية بدونه ناقصة، بينما أحدهما المبحوث عنه في العلم الإجمالي لا يقبل السور. لا يمكن إضافة سور كلي أو جزئي إلى صدر جملة (أحدهما قائم). يمكن تسمية هذا (أحدهما) بـ(أحدهما التبادلي). ووجه التسمية هو أن قضية (أحدهما قائم) تحكي عن قيام حسن أو حسين على نحو البدل. فيما يلي نُبيّن أنه لا يمكن القول إن قضية (أحدهما قائم) ذات بنية حملية بلا سور، وموضوعها مفهوم أحدهما التبادلي. والدليل على ذلك هو أن هذا المفهوم، إذا كان موضوعاً للقضية، فسيكون، شأنه شأن سائر المفاهيم التي تقع موضوعاً للقضية، إما كلياً وإما جزئياً. إذا كان كلياً فيجب أن يقبل السور، مع أن أحدهما التبادلي لا يقبل السور. وإذا كان المفهوم جزئياً، فمحكيّه إما الفرد المردَّد، أو طرف بعينه، أو واقع ثالث انتزاعي. لا يُتصور احتمال رابع في المسألة، لكن هذه الاحتمالات الثلاثة تعادل، على الترتيب، نظريات تعلّق العلم الإجمالي بالفرد المردَّد والواقع والجامع، وقد بُيّنت إشكالات كل منها بالتفصيل. حتى هنا اتضح أنه خلافاً للبنية الظاهرية لجملة (أحدهما قائم)، فإن القضية التي تعبّر عنها هذه الجملة ليست حملية بلا سور. والسؤال الآن هو: ما بنية هذه القضية؟ للوهلة الأولى، يبرز خياران: الخيار الأول: جملة (أحدهما قائم) تعبّر عن قضية حملية موضوعها مفهوم أحدهما غير التبادلي وسورها جزئي. وكما قيل، هذا المفهوم مفهوم كلي، وهو كجميع المفاهيم الكلية التي تقع موضوعاً للقضية، يقبل السور. الآن، إذا استخدمنا السور الجزئي، فإن ما نحصل عليه هو نفس القضية التي تكون متعلَّق العلم الإجمالي. بعبارة أخرى، الجملتان (أحدهما قائم) و(بعض واحد منهما قائم) تعبّران عن قضية واحدة، ومن ثم فهما مترادفتان. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن مفهوم أحدهما التبادلي هو في الحقيقة تركيب من السور الجزئي ومفهوم أحدهما غير التبادلي، ولهذا السبب لا يقبل أحدهما التبادلي السور، لأن ما سُوّر لا يقبل السور مرة أخرى. كما يُظهر هذا التحليل لماذا لا يكون أحدهما التبادلي مفهوماً تصورياً حقيقياً ولا يمكن أن يقع موضوعاً للقضية. فالسور (سواء أكان كلياً أم جزئياً) هو في الأصل من عوارض التصديق وملحقاته، ومن ثم، فإن تركيب السور مع مفهوم تصوري لا يُنتج مفهوماً تصورياً.
الخيار الثاني: جملة (أحدهما قائم) ترادف جملة (حسن وحسين قائمان) والجملة الأخيرة تعبّر عن قضية فصلية؛17 أي قضية (حسن قائم أو حسين قائم). وعليه، فإن متعلّق العلم الإجمالي في الحقيقة قضية فصلية لا حملية. السؤال الذي يرد إلى الذهن بدايةً هو: هل الخياران أعلاه خياران بالفعل، أم أنهما يعودان إلى مطلب واحد؟ بعبارة أخرى، هل جملة (بعض ما يكون أحدهما حسن وحسين قائم)18 ترادف جملة (حسن قائم أو حسين قائم)، وكلتاهما تعبّران عن قضية واحدة أم لا؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تواجهنا بمسألة شروط الهوية19 للقضايا. لقد طرح الفلاسفة التحليليون آراءً مختلفة في هذا الشأن.20 في هذه الكتابة، نفترض أن الجملتين المذكورتين تعبّران عن قضيتين منفصلتين، وإن كانت القضيتان متلازمتين في قيمة الصدق على نحو ضروري وقبلي.21 بناءً على هذا، فإن الخيارين الأول والثاني خياران منفصلان ويجب الاختيار بينهما. إن أفضل طريق لتعيين أي قضية تعبّر عنها جملة ما هو الالتفات إلى البنية النحوية للجملة. عادةً ما تتطابق بنية القضية التي تعبّر عنها الجملة مع بنيتها النحوية. لكن في المسألة الحاضرة لا يمكن استخدام هذا الأسلوب. وذلك لأن البنية النحوية لجملة (أحدهما قائم) حملية بلا سور، وقد بيّنّا أن بنية القضية لا يمكن أن تكون على هذا النحو؛ أي يجب على أي حال أن نتجاوز البنية الظاهرية الحملية ونقبل الخيار الأول أو الثاني. لكن المشكلة هنا هي أنه لا يوجد ارتكاز صريح لترجيح أحد هذين الخيارين. ولعل فقدان الارتكاز هذا يكون دليلاً على أن كلا الخيارين صحيح. وتوضيح ذلك أنه بناءً على الفرض، تختلف قضية (بعض ما يكون أحدهما قائم) عن قضية (حسن قائم أو حسين قائم)، ولكن كما أشير، فإن هاتين القضيتين متلازمتان في الصدق والكذب على نحو قبلي. وهذا التلازم واضح إلى درجة أن الذهن العرفي لا يفكّك بين القضيتين، ويستخدم جملة (أحدهما قائم) للتعبير عن كليهما. في المقابل، ربما يمكن القول إن الخيار الثاني يُرجَّح لكونه أبسط.22 هذه المسألة بحاجة إلى مزيد من الدقة والتأمل. لكن النقطة المهمة هنا هي أنه على أي حال، فإن هذا التصور البسيط القائل بأن قضية (أحدهما قائم) تحكي عن اتصاف حملي لـ (أحدهما) بوصف القيام، تصور خاطئ. وفيما يلي، نتناول هذا السؤال: عن أي أمر تحكي القضايا الفصلية، وكذلك القضايا ذات السور الجزئي؟
القسم الثاني: تحليل القضية الفصلية
نستعين في هذا القسم، لتحليل الجمل والقضايا الفصلية، بشيءٍ من المفاهيم والمصطلحات المطروحة في الفلسفة التحليلية، ومن المناسب إذن، قبل الخوض في صلب المسألة، أن نقدّم بإيجاز مقدمة حول التمييز بين القضية والواقع. يعتقد كثير من فلاسفة التحليل بمقولة ميتافيزيقية خاصة تُسمّى (القضايا)23. من وجهة نظرهم، القضايا هويات مستقلة عن الذهن واللغة، وتؤدي الأدوار التالية: 1) القضية هي محتوى الجمل الخبرية، وبتعبير آخر، كل جملة خبرية تعبّر عن قضية. 2) القضية، أولاً وبالذات، تُتّصف بالصدق والكذب، وتبعاً لذلك، تُوصف الجمل التي تعبّر عن القضية، أو الاعتقادات التي تتعلّق بالقضية، بأنها صادقة أو كاذبة. 3) القضايا هي متعلَّق الاتجاهات القضوية (مثل الاعتقاد، والأمل، ...). بعض فلاسفة التحليل، إضافة إلى القضية، يقرّون بمقولة أخرى تُسمّى (الواقع)24. القضايا صادقة لأنها مطابقة لواقع ما، وبهذا الاعتبار يمكن القول إنها تحكي عن تلك الوقائع، أو تمثّلها. لكن على كل حال، محتوى الجمل الخبرية ومتعلَّق الاعتقاد هو القضية، لا الواقع. التمييز بين القضية والواقع في الفلسفة التحليلية، نظير التمييز الذي يُجرى في المنطق والفلسفة الإسلامية بين القضية والمحكيّ عن القضية. القضية هي تقريباً ما يُسمّى في المنطق التقليدي بالقضية المعقولة.25 القضية أمر غير التصوّر والتصديق (بصفتهما أفعالاً نفسانية)، وهي متعلَّقهما. إضافة إلى ذلك، وطبقاً لمباني الفلسفة الإسلامية، كل قضية صادقة تحكي عن الواقع المناسب لها. يُقال عادةً في الفلسفة الإسلامية إنه إذا كان لدينا اعتقاد صادق بقضية، فالقضية هي المعلوم بالذات (المتعلَّق بالذات للعلم) والمحكيّ عن القضية هو المعلوم بالعرض (المتعلَّق بالعرض للعلم). يُلاحظ وجود توازٍ تقريباً بين تمييز القضية / الواقع في الفلسفة التحليلية وتمييز القضية / المحكيّ (المعلوم بالعرض) في الفلسفة الإسلامية. بالنظر إلى المطالب المذكورة، ينبغي لتحليل الجمل الفصلية بحث مسألتين: 1) ما هي بنية القضية التي تعبّر عنها الجمل الفصلية؟ 2) القضية الفصلية الصادقة، عن أي واقع تحكي، وبتعبير آخر، ما هو مطابِقها؟ يمكن التعبير عن هاتين المسألتين بطريقة أخرى: إذا اعتقدنا بقضية فصلية، فما هو المعلوم بالذات والمعلوم بالعرض؟ بطبيعة الحال، وكما أشير في بداية المقالة، الهدف الأساسي لهذه الكتابة هو تعيين المحكيّ (أي المعلوم بالعرض) في العلم الإجمالي، لكن لإتمام البحث وللارتباط الوثيق الموجود بين السؤالين، سنتناول كليهما.
بنية القضايا الفصلية
بعض فلاسفة التحليل لا يرون القضايا ذات بنية من الأساس، لكن النظرية الأكثر شيوعاً هي أن القضايا هويات مركّبة وذات بنية. توجد آراء مختلفة حول بنية القضايا بشكل عام، وبنية القضايا المركّبة (ومنها القضايا الفصلية) بشكل خاص.26 نشير هنا فقط إلى نظرية فريجه.27 من وجهة نظره، القضية التي هي مدلول الجملة المركّبة، لها بنية متناظرة مع الجملة نفسها. (الجمل المركّبة) أدوات منطقية مثل (الواو) و (أو) ناقصة28 وغير مشبَعة29، ويجب أن تُشبَع بجملتين، حتى تنشأ الجملة المركّبة. وبالتناظر مع أدوات الربط، توجد في عالم المفاهيم30 أيضاً هوية ناقصة تُشبَع بقضيتين، ونتيجة لذلك، تحصل القضية المركّبة. هذه القضية المركّبة هي مدلول الجمل المركّبة.31 الصورة التي يقدّمها فريجه لبنية القضايا الفصلية هي صورة ارتكازية وطبيعية، ويمكن بناءً على مبنى علماء الأصول في بحث المعنى الحرفي التوصّل إلى نظرية مشابهة. من وجهة نظر كثير من علماء الأصول، الحروف موضوعة للنسب والمعاني الربطية.32 من هنا، يمكن القول إن الموضوع له لحرف (أو) هو النسبة الفصلية التي تقع بين قضيتين، ومن تركيبهما والنسبة الفصلية، تنشأ قضية هي معنى الجملة الفصلية. النقطة المهمة هي أن طرفي النسبة الفصلية هما قضايا لا وقائع (محكيّ القضايا).
محكيّ القضايا الفصلية
بخصوص نسبة القضايا والجمل الفصلية الصادقة إلى الوقائع، يمكن طرح ثلاثة احتمالات: الاحتمال الأول: الصدق مفهوم أولي غير قابل للتعريف، ولا يعني المطابقة مع الواقع. ومن ثم، فلكي تكون قضية ما صادقة، لا يلزم أن نفترض وجود واقعة مستقلة عنها تجعلها صادقة.33 وطبقاً لهذا الاحتمال، فإن السؤال عن الواقعة التي تحكي عنها القضية الفصلية الصادقة لا معنى له. وكذلك إذا اعتقدنا بقضية صادقة، فإن تلك القضية تكون معلومة بالذات، ولا يكون لدينا بعد ذلك واقعة بوصفها معلومة بالعرض. هذا الاحتمال ينافي ارتكازاتنا بخصوص الصدق. فبحسب الارتكاز، كل قضية صادقة تكون صادقة بسبب مطابقتها للواقع. الاحتمال الثاني: الصدق في الجمل أو القضايا البسيطة يعني المطابقة مع واقعة، لكنه في الجمل أو القضايا المركبة لا يعني المطابقة، بل يُعرَّف بحسب صدق المكونات. فمثلاً، نعرّف الصدق والكذب لـ pLq على النحو التالي: إذا كان كلا المكونين صادقين، فإن pLq صادقة، وفي غير هذه الحالة تكون كاذبة. وعلى هذا المنوال، وبحسب الاصطلاح، إذا كان أحد مكوني pVq على الأقل صادقاً، فإننا ننسب وصف الصدق إلى pVq، وفي غير هذه الحالة ننسب وصف الكذب. وطبقاً للاحتمال الثاني أيضاً، فإن السؤال عن المحكي للقضية الفصلية الصادقة غير صحيح، لأن لفظة (صادق) لا تعني المطابق للواقع حتى يُسأل: الآن وقد صارت pVq صادقة، فأية واقعة تطابقها.34 يبدو أن الاحتمال الثاني غير صحيح، ويمكن إقامة دليلين عليه: الأول: إن معنى الصدق، ارتكازاً، المنسوب إلى القضايا الفصلية، هو نفس معنى الصدق المنسوب إلى القضايا البسيطة، وهو المطابقة مع الواقع. الثاني: افترضوا أننا قبلنا بأن الصدق في القضايا المركبة أمر اصطلاحي. هذا الاصطلاح يقع في لغة الميتا35، ولكن للتعبير عن الاصطلاح المذكور، نضطر مرة أخرى إلى استخدام الثوابت المنطقية في لغة الميتا؛ فمثلاً، لتعيين قيمة pVq، نقول في لغة الميتا هكذا: (إذا (وفقط إذا) كانت p صادقة، أو كانت q صادقة، فإن pVq صادقة). يُلاحظ أن هذا الاصطلاح قد عُبِّر عنه في قالب جملة شرطية، مقدمها هو نفسه جملة فصلية. أي أننا، لتعيين صدق الجملة الفصلية (pVq) في لغة الموضوع36، استخدمنا مرة أخرى جملة فصلية (p صادقة أو q صادقة) في لغة الميتا. والآن، ما معنى صدق هذه الجملة الفصلية في لغة الميتا؟ إذا قلنا إن هذا الصدق اصطلاحي أيضاً، فمن الواضح أنه لا يمكن أن يندرج تحت الاصطلاح المذكور، وعليه، يلزم أن نفترض اصطلاحاً آخر في لغة الميتا، حتى يكتسب صدق الجملة الفصلية في لغة الميتا معنىً بموجبه. من الجلي أن هذه العملية تؤدي إلى التسلسل. ومن ثم، فلا بد في نقطة ما من قطع التسلسل والقبول بأن صدق الجملة الفصلية ليس اصطلاحياً ولا قائماً على التعريف. لكن في هذه الحالة، لماذا لا نقول منذ البداية إن صدق pVq في لغة الموضوع ليس اصطلاحياً؟37 الاحتمال الثالث: نتيجة المطالب المذكورة هي أن صدق الجمل والقضايا الفصلية يعني المطابقة مع الواقع. والآن، ينبغي أن نفحص أية واقعة توجد بإزاء القضايا الفصلية. يمكن طرح ثلاثة خيارات في هذا الشأن: الخيار الأول: إذا كانت p وحدها صادقة، فمحكي pVq هو *p (المقصود بـ *p الواقعة التي تحكي عنها القضية p)، وإذا كانت q وحدها صادقة، فمحكي pVq هو *q. هذا الخيار يعادل نظرية تعلق العلم الإجمالي بالفرد أو الواقع، ويواجه الإشكالات نفسها التي وُجهت إلى تلك النظرية. الإشكالات المذكورة هي باختصار: (1) بحسب الارتكاز، لا يمكن القول إن محكي pVq هو *p (أي محكي p)، لأن القضية p لها محتوى حكائي أكثر من pVq. (2) إذا كانت p صادقة وq صادقة أيضاً، فما هو محكي pVq؟ لا يمكن تقديم أي جواب مقبول لهذا السؤال. الخيار الثاني: محكي pVq هو الفرد المردد بين *p و*q. هذا الاحتمال أيضاً غير قابل للقبول بسبب استحالة الفرد المردد. الخيار الثالث: الخيار الوحيد المتبقي هو أن نقول إن محكي pVq واقعة واحدة، لا تحكي عنها سوى القضية pVq. ولإيضاح المطلب، يلزم أن نلتفت إلى شروط صدق هذه القضية. القضية الفصلية تكون صادقة إذا كان أحد مكونيها أو كلا مكونيها صادقين. وعلى هذا الأساس، فإن محكي pVq هو أيضاً واقعة توجد سواء وُجدت *p، أم وُجدت *q، أم وُجدت كلتاهما. يمكن القول إن الواقعة المذكورة تابعة بمعنىً ما لـ *p (في صورة وجود *p) و*q (في فرض وجود *q)، لأن صدق pVq هو أيضاً تابع لصدق p وq. ويمكن تسمية واقعة كهذه بـ (الواقعة الفصلية). قد يُقال إن قبول الوقائع الفصلية أمر غريب وبعيد عن الفهم المتعارف. ففي العالم الخارجي، توجد واقعتان: *p (في صورة صدق p) و*q (في فرض صدق q)، لكن وجود واقعة ثالثة بوصفها واقعة فصلية غير قابل للقبول.
ولى توجه به اين مطلب لازم است كه همان دليلى كه ما را به پذيرش واقعيت هاى بسيط38 ملزم مى كند, در مورد واقعيت هاى فصلى نيز جارى مى شود. دليل اصلى براى پذيرفتن واقعيت هاى بسيط, نقش تبيينى اى است كه اين واقعيت ها در نظريه مطابقت ايفا مى كنند.39 از آن جا كه صدق به معناى مطابقت است, بايد واقعيت هاى بسيطى وجود داشته باشند تا صدق گزاره هاى بسيط را تبيين كنند. دقيقاً نظير همين مطلب را درباره واقعيت هاى فصلى مى توان گفت. صدق در گزاره هاى فصلى نيز به معناى مطابقت است, ازاين رو, بايد فرض كنيم واقعيت هايى موجوداند كه موجب صدق اين گزاره ها مى شوند.40 نكته ديگرى كه بايد در نظر داشت اين است كه واقعيت هاى فصلى مركّب نيستند. محكى pVq, واقعيتى نيست كه از *p, نسبت فصلى (يا هويتى متناظر با آن) و *p پديد آمده باشد. دليل مطلب واضح است. اگر محكى pVq از چنين تركيبى برخوردار باشد, فقط در صورتى وجود دارد كه *p و *q هر دو موجود باشند; يعنى هم گزاره p صادق باشد, و هم گزاره q, با اين كه مشخص است براى صدق pVq, صدق يكى از مؤلفه ها كافى است. چنان كه پيش از اين گفته شد, نسبت فصلى كه مدلول حرف (يا) است. بين دو گزاره قرار مى گيرد, نه بين دو واقعيت, بنابراين, ساختار گزاره فصلى متناظر با جمله فصلى است, ولى ساختار واقعيت فصلى با ساختار گزاره و جمله فصلى تناظر ندارد.41 مشابه اين مطلب, در ديگر موارد نيز ديده مى شود;براى مثال واقعيت هاى منفى (يعنى محكى گزاره هاى سالبه صادق) ساختارى متناظر با گزاره ها و جملات سالبه ندارند.القسم الثالث: تحليل القضية ذات السور الوجودي
كما سبقت الإشارة، ثمة احتمال مفاده أن جملة (أحدهما قائم) تعبّر عن قضية حملية ذات سور وجودي. والسؤال الآن هو: عن أي واقعية تحكي القضايا ذات السور الوجودي؟ إذا أخذنا قضية (بعض البشر شعراء) في الاعتبار، فهناك أربعة احتمالات بشأن المحكي عنها: الاحتمال الأول: أن هذه القضية تحكي عن اتصاف الفرد المردّد بين البشر بوصف كونه شاعراً. الاحتمال الثاني: أن محكي القضية هو اتصاف أولئك البشر الذين هم شعراء بالفعل بوصف الشاعرية. الاحتمال الثالث: أن القضية المذكورة تحكي عن اتصاف الجامع الانتزاعي بين البشر بوصف كونه شاعراً. هذه الاحتمالات الثلاثة تعادل، على الترتيب، النظريات الثلاث في تعلّق العلم الإجمالي بالفرد المردّد، وبالواقع، وبالجامع، وتعاني تماماً من الإشكالات ذاتها التي سبق ذكرها. الاحتمال الرابع: أن محكي القضية هو واقعية فريدة تتحقق ضرورةً إذا ما كان هناك إنسان شاعر واحد على الأقل. من الواضح أن الاحتمال الرابع وحده هو المقبول من بين الاحتمالات المذكورة. وهذا الاحتمال شديد الشبه بالتحليل الذي قدّمناه لمحكي القضية الفصلية. فهنا أيضاً، محكي القضية ليس واقعية مركّبة من واقعيات بسيطة (أي واقعية كون زيد شاعراً، وكون عمرو شاعراً، وهكذا...)، وإن كان تحققها متوقفاً على تحقق واحد منها على الأقل. لم نتناول في هذه المقالة سوى تحليل متعلّق العلم الإجمالي. وكما ورد في المقدمة، فإن تحليل مفهوم (أحدهما) مؤثر في عدة مباحث أصولية. أما دراسة نتائج ولوازم النظرية المختارة في هذه المباحث، فتحتاج إلى فرصة أخرى.
الهوامش:
* طالب دكتوراه في الفلسفة التحليلية بمعهد بحوث العلوم الأساسية. 1. المقصود بالقضية في هذه المقالة هوية مستقلة عن اللغة (1) تكون مضمون الجمل الخبرية، (2) وتتصف بالصدق والكذب، و(3) تقع متعلَّقاً للعلم (أي أنها معلومة بالذات). وكما سيأتي، فالقضية هي تقريباً ما يُسمّى في المنطق التقليدي بـ(القضية المعقولة) في مقابل (القضية الملفوظة). وبالطبع، ثمّة فرق بين القضية (في اصطلاح الفلسفة التحليلية) والقضية (في المنطق التقليدي) ستتم الإشارة إليه، غير أن هذا الفرق لا يؤثر في مباحث هذه المقالة. 2. هذا التعريف للعلم الإجمالي هو في الحقيقة تعريف إجمالي وغير دقيق، لكنه يكفي للبدء بالبحث. لعلماء علم الأصول آراء مختلفة في التعريف الدقيق للعلم الإجمالي وفرقه عن العلم التفصيلي، وسنشير إلى بعضها بالمناسبة. 3. المقصود بـ(قضية «أحدهما قائم») هو القضية التي تعبّر عنها جملة «أحدهما قائم». في هذه المقالة، كلما أضيفت كلمة (قضية) إلى جملة، كان هذا هو المعنى المقصود. 4. بالطبع، مراعاةً للاختصار، نغضّ النظر عن طرح النظرية الخامسة ودراستها. وسيتضح مدى اعتبار هذه النظرية من خلال المباحث الأخرى. راجع: حكيم، سيد عبد الصاحب، منتقى الأصول (تقريرات أصول آية الله روحاني)، ج 5، ص 49 ـ 61، انتشارات أمير، 1414 هـ ق. 5. ما أورده المحقق الأصفهاني في نهاية الدراية لردّ نظرية تعلّق العلم الإجمالي بالفرد المردَّد، وكذلك كلام الشهيد الصدر في بحوث في الأصول، ناظران فقط إلى الاحتمال الأول. (راجع: نهاية الدراية، ج 3، ص 90 و ج 4، ص 236؛ بحوث في الأصول، ج 4، ص 156.) 6. حكيم، سيد عبد الصاحب، منتقى الأصول (تقريرات أصول آية الله روحاني)، ج 5، ص 50 ـ 51، انتشارات أمير، 1413 هـ ق. 7. المقصود من تعلّق العلم الإجمالي بالواقع هو نفس تعلّق العلم الإجمالي بالفرد. وكلمة (الواقع) هنا تُستعمل فقط في مقابل كلمة (الجامع) في نظرية تعلّق العلم الإجمالي بالجامع. 8. نهاية الأفكار، ج 3 ص 48 ـ 47 و ص 299؛ مقالات الأصول، ج 2 ص 230 و 233؛ حاشية فوائد الأصول، ج 4 ص ...، الشهيد الصدر في بحوث في علم الأصول يقرّر نظرية المحقق العراقي بنحو يبدو مختلفاً عن عبارات المحقق العراقي. (راجع: بحوث في علم الأصول، ج 4 ص 157). 9. فياض، محمد إسحاق، محاضرات في أصول الفقه (تقريرات أصول آية الله الخوئي)، ج 4، ص 42، مؤسسة النشر الإسلامي، 1419 هـ ق. 10. حكيم، سيد عبد الصاحب، منتقى الأصول (تقريرات أصول آية الله روحاني)، ج 5، ص 58 ـ 59، انتشارات أمير، 1413 هـ ق. 11. دروس الخارج في الأصول للأستاذ صادق لاريجاني، الجلسة 89. 12. لنظرية آية الله السيستاني قسمان: (1) العلم الإجمالي يحكي ذاتاً عن الجامع. (2) لدى العقلاء وباعتبارهم، المحكيّ بالعلم الإجمالي هو الواقع. وبما أن هذه المقالة تنظر فقط إلى الجانب المنطقي من مسألة العلم الإجمالي، فإننا نطرح القسم الأول فقط من نظرية المحقق السيستاني. كما قدّم المحقق الأصفهاني تقريراً آخر لنظرية تعلّق العلم الإجمالي بالجامع، لا نتطرق إليه مراعاةً للاختصار (راجع: نهاية الدراية، ج 3، ص 89 ـ 90، ج 4، ص 236 ـ 237). 13. تقريرات الخارج في الأصول لآية الله السيد علي السيستاني، مخطوط. 14. من نماذج هذا المطلب بعض التفاسير التي قُدّمت لنفس الأمر. وكذلك الشهيد الصدر الذي يرى عالم الواقع أوسع من عالم الوجود، يرى أن بعض الأمور الواقعية غير موجودة (وبتعبير آخر، غير عينية). 15. هاشمي شاهرودي، سيد محمد، بحوث في علم الأصول، ج 4، ص 159 ـ 161. 16. حول اصطلاحي التبادلي وغير التبادلي، ستأتي توضيحات لاحقاً. 17. ربما يُظن أن قضية «حسن وحسين واقفان» هي قضية حملية نشأ موضوعها (أي مفهوم «حسن أو حسين») من إلقاء الربط الفصلي بين الطرفين، وتحكي عن واقعية غير عينية. ومحكيّ القضية نفسها هو اتصاف تلك الواقعية غير العينية بوصف الوقوف. هذا التصوير يشبه إلى حدّ ما نظرية المحقق السيستاني، ويمكن طرح الإشكالين الثاني والثالث الواردين على تلك النظرية هنا أيضاً. 18. هذه الجملة، وإن لم تكن جملة سلسة في اللغة الفارسية، إلا أنها اختيرت فقط لأنها تُظهر البنية المنطقية المقصودة (أي القضية الحملية ذات السور الجزئي التي موضوعها «أحدهما» غير التبادلي) بشكل جيد. والمعادل العربي لهذه الجملة هو «كل واحد منهما قائم».
19. identity conditions of propositions
20. على سبيل المثال، راجع: جفري (2001) ومَك غَرَث (2005) 21. بحسب بيلر، فإن القضيتين (pVq)~ و ~pL ~q منفصلتان، لأنه من الممكن أن يعتقد شخص لديه إلمام ضئيل جداً بالمنطق بالأولى، لكنه يتردد في الثانية أو حتى ينكرها. وهذا بحد ذاته يُظهر أنهما قضيتان. بل إن بيلر يرى ذلك حتى في حالة pLq و qLp، راجع: سوير. إذا قبلنا هذا المعيار لانفصال القضايا، فمن الواضح أن الجملتين المذكورتين في المتن تعبران عن قضيتين منفصلتين. 22. القضية (بعض ما هو أحد الاثنين (حسن وحسين) واقف) يمكن كتابتها في المنطق الصوري على النحو التالي.
Ex(x=a V x=b)ASx
في العبارة أعلاه، a و b ثابتان يدلان على حسن وحسين بالترتيب. وSx تعني أن x واقف. أما القضية (حسن واقف أو حسين واقف) فتُكتب هكذا: Sb SaV. ومن الواضح أن القضية الثانية ذات بنية أبسط مقارنة بالقضية الأولى. ومن هنا يتضح أنه وفقاً للخيار الأول أيضاً، استُخدمت أداة الفصل في القضية (أحدهما قائم). لذلك، حتى لو قبلنا هذا الخيار، فمن الضروري لتحليل العلم الإجمالي تحليلاً تاماً أن نحلل القضايا الفصلية.
23. Propositions 24. Fact
25. بالطبع، يوجد فرق مهم بين القضية (في الفلسفة التحليلية) والقضية (في المنطق التقليدي). التصور الرائج في المنطق التقليدي هو أن القضية تتحقق بالوجود العلمي (الذهني) في أذهان مختلفة، وتصور قضية ما أساساً يعني تحققها في الذهن بالوجود التصوري. لذلك، فإن قضية مثل (ثلاثة فرد) لها تحققات مختلفة في أذهان مختلفة. أما من وجهة نظر فلاسفة التحليل، فإن القضية (ثلاثة فرد) لها وجود واحد مستقل عن جميع الأذهان، لكن الأذهان المختلفة يمكنها أن تقيم علاقة معها، وأن تدركها اصطلاحاً. يبدو أن تصور فلاسفة التحليل لماهية القضايا هو التصور الأصح، لكن هذا الاختلاف لا تأثير له في بحثنا الحالي. لذلك، كلما استخدمنا كلمة (قضية) أو (قضية) في المباحث الآتية، لا يكون استقلالها عن الذهن أو تحققها فيه منظوراً إليه. 26. على سبيل المثال، راجع: جفري (2001). 27. من الجدير بالذكر أن فريجه يستخدم مصطلح (الفكرة) (thought) بدلاً من كلمة (القضية) (proposition). الفكرة في اصطلاح فريجه هي نفس ما يسميه فلاسفة التحليل من بعده بالقضية.
28. in complete 29. unsaturated
30. realm of senses يجب الانتباه إلى أن عالم المعاني (sense) مستقل عن الذهن البشري بحسب فريجه. وهو يصف هذا العالم أحياناً بتعبير (العالم الثالث) (مقابل الأشياء المادية والأمور الذهنية). 31. كني (ص. 203) نقلاً عن مقالة (أفكار مركبة) لفريجه. 32. على سبيل المثال، راجع: بحوث في علم الأصول، ج 1، ص 252 ـ 258؛ نهاية الدراية، ج 1، ص 51 ـ 57. 33. يذهب فريجه ومور (في المرحلة المبكرة من فكره) إلى هذه النظرية. يصرح فريجه بأن الواقع ليس سوى القضية (أو الفكرة) الصادقة. 34. الاحتمال الثاني هو أحد تقريرات المقاربة المبنية على نظرية الصدق (truth theoretic approach) بشأن الثوابت المنطقية (logical constants). وفقاً لهذه المقاربة، يتحدد معنى الثوابت المنطقية (مثل (و) و (أو) و...) بجداول الصدق. ويستلزم هذا أن يكون وصفا (الصدق) و (الكذب) في خصوص الجمل المركبة أمراً اتفاقياً، وإن كان لا يُصرح بهذا الاستلزام عادة. من بين أنصار هذه المقاربة يمكن تسمية فتغنشتاين المبكر (راجع: التراكتاتوس، الفقرات 4/4 إلى 43/4).
35. meta-language 36. object language
37. إحدى طرق الرد على الدليل الثاني هي القول بأن صدق الجمل الفصلية في اللغة الموضوعية يُعرَّف بواسطة الجمل العطفية في اللغة الفوقية؛ فمثلاً نقول في اللغة الفوقية: (إذا كانت p صادقة، فإن pVq صادقة، وإذا كانت q صادقة، فإن pVq صادقة، وإذا كانت p كاذبة و q كاذبة، فإن pVq كاذبة). في هذا التعريف لم تُستخدم أداة الفصل. إذن، الدليل الثاني يُظهر فقط أنه لا يمكن اعتبار صدق جميع الجمل اتفاقياً، لكنه لا ينفي أن يكون صدق بعض الجمل (مثلاً الجمل الفصلية) اتفاقياً. فحص هذا الرد يتطلب مجالاً آخر. هنا نطرح فقط هذا السؤال: ما هي الميزة التي تمتلكها الجمل العطفية على الجمل الفصلية؟ لماذا لا نعرّف صدق الجمل العطفية على أساس الجمل الفصلية في اللغة الفوقية؟ يبدو أنه بناءً على الارتكاز، لا أولوية للجمل العطفية على الفصلية ولا العكس، ومن ثم يجب التعبير عن صدق كليهما بنفس الطريقة، وبما أن صدق كليهما لا يمكن أن يكون اتفاقياً، فالأفضل أن نعتبر صدق كليهما بمعنى المطابقة للواقع. 38. المقصود بـ(الواقعة البسيطة) هو فقط الواقعة التي هي محكيّ القضية البسيطة، وإلا فكما سيأتي، فإن الواقعة الفصلية هي أيضاً بسيطة بمعنى غير مركبة. 39. بالطبع، في الفلسفة التحليلية، تُفترض أدوار أخرى للوقائع (Facts)؛ فمثلاً طبقاً لبعض النظريات، تُعتبر الوقائع طرفي علاقة العلية. فهل يمكن للوقائع الفصلية أن تؤدي مثل هذا الدور أيضاً؟ 40. إن تفسير الصدق بالمطابقة، من حيث المبدأ، له التزامات وجودية (أنطولوجية) تتجاوز الفهم العادي والمتعارف. (وهذا بالطبع ليس قدحاً في نظرية المطابقة، لأن طبيعة كثير من النظريات الفلسفية، وخاصة الميتافيزيقية، محدَّدة). من المثير للاهتمام أننا نواجه مثل هذا الأمر في الفلسفة الإسلامية أيضاً. بعض الفلاسفة المسلمين يلجأون إلى افتراض عالم نفس الأمر لتبيين صدق بعض القضايا. من حيث المبدأ، طُرح عالم نفس الأمر لحل مشكلة الصدق في القضايا التي ليس لها ما بإزاء في عالم الأعيان المتعارف. ومن ثم، يُقال إن ظرف صدق هذه القضايا هو نفس الأمر. الشهيد الصدر أيضاً عبّر تقريباً عن نفس هذا المطلب بلغة أخرى. وبتعبيره، لوح الواقع أوسع من لوح الوجود، ومطابَق بعض القضايا (مثل القضايا الأخلاقية) هو لوح الواقع لا عالم الوجود. في بحثنا الحالي، دون أن نستخدم مصطلحات ومفاهيم مثل عالم نفس الأمر أو لوح الواقع، نقول ببساطة إن الوقائع الفصلية موجودة، بنفس المعنى الذي توجد به الوقائع البسيطة. 41. بخصوص الجمل العطفية يمكن القول إن بنية الجملة والقضية والواقعة جميعها متقابلة. بعبارة أخرى، بإزاء أدوات العطف في اللغة، توجد هوية في عالم المفاهيم (realm of senses) وهوية أخرى في عالم الوقائع (facts).
قائمة المراجع:
الأصفهاني، الشيخ محمد حسين، نهاية الدراية في شرح الكفاية، قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1414 هـ.ق. البروجردي، الشيخ محمد تقي، نهاية الأفكار (تقريرات أصول المحقق العراقي)، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1404 هـ.ق. الحكيم، السيد عبد الصاحب، منتقى الأصول (تقريرات أصول آية الله الروحاني)، أمير، 1413 هـ.ق. السيستاني، آية الله السيد علي، تقريرات أصول، مخطوط. العراقي، آقا ضياء الدين، تعليقات على فوائد الأصول، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1405 هـ.ق. ـــــــــــــــــ، مقالات الأصول، قم: مجمع الفكر الإسلامي، 1420 هـ.ق. الفياض، محمد إسحاق، محاضرات في أصول الفقه (تقريرات أصول آية الله الخوئي)، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1419 هـ.ق. اللاريجاني، صادق، جزوات دروس خارج الأصول. الهاشمي الشاهرودي، السيد محمد، بحوث في علم الأصول (تقريرات أصول)، قم: مؤسسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي، 1419 هـ.ق.
Jeffrey , k . (2001),زstructured propositionsس , in Stanford Encyclopedia of philosophy. Kenny , A. (2002) , Frege: An introduction to the founder of modern analytic philosophy, Oxford: Blackwell. McGrath, M. (2005),زPropositionsس, in Stanford Encyclopedia of Philosophy. Sowyer, (2002), زPropertiesس, in Stanford Encyclopedia of Philosophy. Withgenstein, L. (2001), Tractatus Logico-Philosophicus, London: Routledge.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.