اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تتناول هذه الدراسة نظريات المعنى القائمة على الشيئية في الفلسفة التحليلية ومبادئ أصول الفقه، من النظريات الحكائية والتصورية إلى القضوية وعوالم الممكنة. وتُقارن نظريات الأصوليين حول الموضوع له للألفاظ بآراء الفلسفة التحليلية، لتقترب النظرية الأصولية الرائجة، بعد تنقيحها، من النظرية القضوية.

ملخص: يتألف هذا المقال من قسمين: في القسم الأول، تُعرَض بإيجاز النظريات الشيئية للمعنى في تقليد الفلسفة التحليلية. وهذه النظريات هي على التوالي: 1. النظرية الحكائية. 2. النظرية الفكرية. 3. النظرية القضوية. 4. نظرية دلالات العوالم الممكنة. ويتناول القسم الثاني طرح وبحث نظرية المعنى في علم أصول الفقه. وبالطبع، لا يوجد مبحث بعنوان (نظرية المعنى) في التقليد الأصولي، ولكن توجد مسألة أخرى في بعض المصادر شديدة الشبه بمبحث نظرية المعنى في تقليد الفلسفة التحليلية. المسألة المذكورة هي مسألة: ما سنخ هوية الموضوع له للألفاظ. وقد قُدِّمت في المصادر الأصولية أربع نظريات رئيسية في هذا الشأن، هي: 1. الوضع للموجودات الخارجية. 2. الوضع للصور الذهنية. 3. الوضع للطبيعة أو الماهية أو المفهوم. 4. الوضع للمفهوم بلحاظ الحكاية عن المصاديق. وفي القسم الثاني، تُطرَح هذه النظريات وأدلتها المؤيدة والمعارضة بالتفصيل، ويُجرى بالإضافة إلى ذلك، في مواضع مختلفة، مقارنة وتطبيق بين آراء الأصوليين ونظريات المعنى في تقليد الفلسفة التحليلية. والنتيجة التي نخلص إليها في نهاية المطاف من القسم الثاني هي أن النظرية الأصولية الأكثر شيوعاً (أي النظرية الثالثة) تعاني من مشكلات جدية، وبإصلاحها نصل تقريباً إلى نظرية مشابهة للنظرية القضوية للمعنى في تقليد الفلسفة التحليلية.
وجدير بالذكر أن مسألة المعنى في الألفاظ العامة هي محط النظر في هذا المقال بشكل رئيسي، ومن ثم، لا تُطرَح النظريات المتعلقة بمعنى أسماء الأعلام، وأسماء الإشارة، والضمائر، والحروف، إلا بهدف التمهيد لسائر المباحث.
ما هي نظرية المعنى؟
يمكن القول: إن مسألة المعنى تقع في بؤرة التأملات الفلسفية حول اللغة. ومن ثم، فإن فلسفة اللغة ليست باعتبار ما سوى طرح وبحث نظريات المعنى المختلفة. ولكن ما هي نظرية المعنى؟ نظرية المعنى، شأنها شأن أي نظرية أخرى في التخصصات المختلفة، تؤسس على معطيات أولية وتسعى إلى تقديم تفسير لتلك المعطيات. ومعطيات نظرية المعنى هي أمور من قبيل:
أصل كون الأصوات أو العلامات الكتابية ذات معنى.
ترادف بعض الكلمات مع بعضها الآخر.
الاشتراك اللفظي.
إمكانية بناء وفهم عدد لا نهائي من الجمل الجديدة بناءً على عدد محدود من الكلمات والقواعد النحوية
و... . الفهم المتعارف يقبل هذه المعطيات ويؤدي دور المعطيات الحسية في النظريات العلمية.
يمكن تسمية هذه المعطيات بالوقائع المتعلقة بالمعنى2.
كل نظرية معنى، لتفسير المعطيات المذكورة أعلاه، تتناول بالبحث مسائل من هذا القبيل:
لماذا تكون بعض الألفاظ والعلامات ذات معنى، وما الفرق بين الألفاظ ذات المعنى وسلسلة من الأصوات لا حاصل لها من أي معنى؟ (مسألة معيار المعنوية)
ما هو معيار الترادف بين الكلمات؟
وفي بحث المسائل المذكورة أعلاه، نصل إلى مسألة أكثر تجريداً وأساسية تتقدم على المسائل المذكورة، وهي: ما المعنى؟ لهذه المسألة قراءتان: قراءة أنطولوجية3 وقراءة إبستيمولوجية.4 وبناءً على القراءة الأنطولوجية، فالسؤال هو: هل معنى كلمة ما (أو عبارة ما)، هو شيء أو هوية خاصة؟
وبعبارة أخرى، عندما نقول إن كلمة كذا ذات معنى، فهل المراد أن هناك شيئاً أو هوية موجودة ترتبط بها الكلمة المفروضة بعلاقة دلالية وتلك الهوية هي معنى الكلمة ذاته؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فما سنخ هوية المعنى؟ كل نظرية تعتبر المعنى هوية تُسمى نظرية شيئية للمعنى. وفي القراءة الإبستيمولوجية، المسألة هي: كيف يمكن تعيين معنى كلمة خاصة. هذا السؤال، وإن كان في الأساس سؤالاً تجريبياً، إلا أن مبادئه المنهجية تُبحَث في نظرية المعنى.
وبالنظر إلى المطالب المذكورة، يمكن تعريف نظرية المعنى بشكل تقريبي كالتالي: مجموعة من القضايا النظرية التي تسعى إلى تفسير الوقائع المتعلقة بالمعنى.
النظريات الشيئية للمعنى
كما أشير سابقاً، يمكن وضع نظريات المعنى في مجموعتين كليتين: 1. النظريات الشيئية و2. النظريات غير الشيئية. وبالطبع، ينبغي التعامل مع هذه التقسيمات الفلسفية بحذر. فبعض النظريات لا يمكن وضعها بسهولة في إحدى المجموعتين، وبعض نظريات المعنى تُعتبر، في الحقيقة، تركيباً من عناصر المجموعتين المذكورتين.
نظريات المعنى غير الشيئية (مثل النظرية الاستعمالية للمعنى ونظرية تفسير المعنى بحسب الصدق) هي نظريات أحدث في مجال فلسفة اللغة، وقُدّمت، من الناحية التاريخية، بعد النظريات الشيئية. وبما أن الهدف الأساسي لهذه المقالة هو دراسة نظرية المعنى في علم أصول الفقه ومقارنتها بالنظريات المشابهة في تقليد الفلسفة التحليلية، فإننا لن نتناول النظريات غير الشيئية، ذلك أن جميع النظريات المطروحة في التقليد الأصولي تقريباً تندرج تحت النظريات الشيئية للمعنى.5
كما قيل، فإن النظرية الشيئية للمعنى تعتبر هوياتٍ ما بمثابة معنى للألفاظ، وتفترض علاقة دلالية خاصة بين الألفاظ وتلك الهويات. وفي هذه النظرية، تُفسّر الوقائع المتعلقة بالمعنى بهذه العلاقات الدلالية نفسها؛ فعلى سبيل المثال، تكون الألفاظ ذات معنى باعتبار أن لها علاقة دلالية بالهويات المفترضة (تفسير المعنوية). وكذلك يكون اللفظان مترادفين إذا كانت لهما علاقة دلالية متماثلة بهوية واحدة (تفسير الترادف).
يُظهر التصور أعلاه الهيكل العام للنظريات الشيئية. لكن كل نظرية شيئية، لكي تُعتبر نظرية، يجب أن تجيب عن سؤالين أساسيين. أولهما: ما سنخ الهوية الذي يمثله معنى الألفاظ، وفي أي مقولة ميتافيزيقية يندرج؟ وثانيهما: هل تقيم الألفاظ المختلفة، بأدوارها النحوية المختلفة التي تؤديها، علاقة متماثلة مع الهويات المفترضة؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فأي نوع من العلاقة الدلالية يستلزمه كل دور نحوي؟ وبما أنه في نظريات المعنوية تُفترض أنواع مختلفة من العلاقات الدلالية، فحيثما يُستعمل لفظ (الدلالة) أو مشتقاته في هذه المقالة، فالمقصود هو مجرد تحقق نحوٍ من العلاقة الدلالية، دون أن يكون نوع خاص منها منظوراً إليه.
تقدم النظريات الشيئية المختلفة إجابات متباينة عن السؤالين المذكورين. وفيما يلي، نعرض أربع نظريات شيئية بإيجاز شديد، وبالإشارة إلى السؤالين المذكورين، ولا سيما السؤال الأول. النظريات المذكورة هي: 1. النظرية الحكائية،6 2. النظرية الفكرية،7 3. النظرية القضوية،8 4. نظرية دلالات العوالم الممكنة.9
وجدير بالذكر أن تقديم نظريات تركيبية أمر ممكن أيضاً؛ فعلى سبيل المثال، يمكن قبول النظرية الحكائية في شأن أسماء العلم واتخاذ نظرية أخرى في سائر الحالات. كما قد يُقال إنه لتقديم تفسير كامل لمسألة المعنى ينبغي دمج عناصر من النظريات الشيئية والنظريات غير الشيئية. وبناءً على ذلك، فإن تقسيم النظريات الشيئية إلى أربع نظريات ليس تقسيمًا جامعًا مانعًا، وإنما يقدم صورة عامة عن الآراء المطروحة. ونقل هذه الآراء هو، في الحقيقة، تمهيد لطرح آراء الأصوليين، لكي تتضح، إلى حد ما، نقاط الاشتراك والافتراق بين هذين المجالين الفكريين بخصوص مسألة المعنى.
ومن ثم، فإننا لا نشير إلى النقوض والإبرامات التي قيلت حول كل واحدة من النظريات الأربع، إلا في حالات قليلة يُظهر فيها ذكر إشكاليات كل نظرية كيف نشأت النظريات اللاحقة في محاولة لرفع هذه الإشكاليات.
أبسط علاقة تربط الألفاظ بالعالم الخارجي هي علاقة الحكاية والإحالة. والمثال الواضح لهذه العلاقة نجده في أسماء الأعلام والضمائر وأسماء الإشارة. فوظيفة أسماء الأعلام هي تعيين أشياء محددة في العالم، وكأنها بطاقة تعريفية أو علامة لها. فالاسم العلم ينتزع الشيء ليمكن الحديث عنه أو وصفه. وتتخذ نظرية الحكاية في المعنى من العلاقة الدلالية بين أسماء الأعلام والأشياء نموذجاً معيارياً، وتسعى إلى تعميمها على سائر الألفاظ والتراكيب اللغوية؛ ففي هذا التصور يُقال مثلاً إن أسماء الأجناس كلفظة (إنسان) تشير إلى أفراد الإنسان أو إلى مجموع البشر كافة. ووفقاً لنظرية الحكاية، يمكن تفسير جميع وقائع المعنى بمجرد علاقة الإحالة أو الحكاية التي تربط الألفاظ بالعالم الخارجي.
تواجه نظرية الحكاية بهذه الصورة الخام مشكلات جدية، نشير إلى بعضها:
الإشكال الأول: تعجز هذه النظرية حتى عن تقديم تفسير تام لأسماء الأعلام،11 وذلك للأسباب التالية: 1. توجد في اللغة العرفية أسماء أعلام بلا مدلول خارجي مثل (جبل قاف) و(رستم)، مع أنه لا يوجد في العالم شيء يقابلها. ومن ثم، ينبغي وفقاً لنظرية الحكاية في المعنى أن تكون هذه الألفاظ مهملة وبلا معنى، لأن المعنوية في هذه النظرية تابعة لعلاقة اللفظ الإحالية بالعالم. وبالمثل، ستكون الجمل الحاوية على أسماء بلا مدلول خارجي بلا معنى أيضاً. ويُقرر هذا الإشكال نفسه أحياناً بصدد تعيين قيمة الصدق والكذب لهذه الجمل: هل جملة (كان رستم أصلع) صادقة أم كاذبة؟ يبدو أنها ليست صادقة ولا كاذبة، لأن رستم ليس موجوداً لا في مجموعة الصلعان ولا في مجموعة غير الصلعان. وعليه، تؤدي نظرية الحكاية إلى ارتفاع النقيضين.
كيف يمكن وفقاً لنظرية الحكاية تفسير الجمل الهليّة البسيطة السالبة (الوجودية المنفية)؟ فجملة (العنقاء غير موجودة) جملة ذات معنى وصادقة. وتعتبر نظرية الحكاية أن معنوية كل لفظة ناشئة عن إشارتها إلى شيء خارجي. لكن إذا كانت (العنقاء) تشير إلى الخارج، فالجملة المذكورة لا تكون صادقة؛ وإذا كانت الجملة صادقة فلا يمكن أن تشير (العنقاء) إلى شيء، ومن ثم تكون هذه الجملة متناقضة على نحو ما.
لبعض أسماء الأعلام مدلول خارجي واحد؛ مثل (هسبروس) (نجمة الصباح) و(فسفروس) (نجمة المساء). ووفقاً لنظرية الحكاية، ينبغي أن تكون هاتان اللفظتان مترادفتين، لأنهما أقامتا علاقة دلالية واحدة مع هوية واحدة. مع أنه من الواضح أن اللفظتين المذكورتين ليستا مترادفتين.
ترتبط الفقرة الثالثة من الإشكال ارتباطاً وثيقاً بمسألتين أخريين، تثير كلتاهما مشكلات لنظرية الحكاية. ويمكن تقرير المسألتين المذكورتين على النحو التالي:
لننظر في جملة (هسبروس هو نفسه فسفروس). وفقاً لنظرية الحكاية، تقول هذه الجملة ببساطة إن المحكي عنه بهسبروس هو نفسه المحكي عنه بفسفروس. لكن المحكي عنه بهاتين اللفظتين شيء واحد. وعليه، فالجملة أعلاه تقول إن ذلك الشيء الواحد متحد مع ذاته. ومن الواضح أن اتحاد كل شيء مع ذاته يُعرف معرفة قبلية ولا يتضمن إخباراً جديداً عن العالم الخارجي. مع أن هذه الجملة بعدية وتحوي معلومات فلكية مهمة.
إذا كانت الوظيفة الوحيدة لأسماء الأعلام هي الإشارة إلى الخارج، فينبغي أن يكون بالإمكان استبدال الأسماء المتحدة المحكي12 بعضها ببعض، دون أن تتغير قيمة الصدق والكذب للجملة الحاوية عليها؛ فمثلاً جملة (1) (يعتقد علي أن هسبروس هو الكوكب الثاني في المجموعة الشمسية)، ينبغي أن تكون لها قيمة الصدق نفسها لجملة (2) (يعتقد علي أن فسفروس هو الكوكب الثاني في المجموعة الشمسية). مع أن الأمر ليس كذلك بالضرورة. فقد لا يعلم علي أن هسبروس هو نفسه فسفروس، ومن ثم تكون جملة (1) صادقة وجملة (2) كاذبة.
الإشكال الثاني: لا تستطيع نظرية الحكاية تقديم تفسير لمعنوية الحروف وأدوات الربط. فألفاظ مثل (و)، و(إذا)، و(هل)، و(ثم) وغيرها... عن أية هويات تحكي؟ للوهلة الأولى، يبدو أنه لا يوجد أي شيء يقابل هذه الألفاظ.13
الإشكال الثالث: إذا تجاوزنا الحروف وأدوات الربط، فإن نظرية الحكاية لا تستطيع تطبيق التحليل المدّعى على أسماء الأجناس مثل (إنسان)، والأوصاف مثل (أبيض)، والأفعال وكثير من البنى اللغوية الأخرى؛ خذ مثلاً كلمة (أبيض). إلى أي هوية تشير هذه الكلمة؟ أفضل الخيارات المتاحة لنظرية الحكاية هي: (1) مجموعة الأشياء البيضاء، (2) صفة البياض.
يواجه الخيار الأول مشكلات، منها أنه بناءً على هذا الخيار، إذا كان لوصفين مصاديق واحدة، مثل (ضاحك) و(ناطق)، فيجب أن يكونا مترادفين، لأنهما يقيمان علاقة سمانتيكية واحدة مع هويات واحدة. والصورة الخاصة لهذا الإشكال هي حيث لا تنطبق الكلمات المفترضة على أي شيء، مثل كلمتي (ألفي الأضلاع) و(ألفي الأضلاع وواحد). فبناءً على الخيار (1)، يكون المحكي لكلا الوصفين هو المجموعة الخالية؛ ومن ثم، يجب أن يكونا مترادفين.14
تسعى نظرية السمانتيك للعوالم الممكنة إلى الإجابة عن هذا الإشكال باستخدام أداة العوالم الممكنة: محكي الوصف هو مجموعة مصاديقه في جميع العوالم الممكنة، لا مجموعة مصاديقه في العالم الفعلي.15
وعلى هذا الأساس، فإن وصفي (ضاحك) و(ناطق) ليسا مترادفين، لأنهما وإن كان لهما مصاديق واحدة في العالم الفعلي، إلا أن مصاديقهما تختلف في عوالم ممكنة كثيرة. هذا الحل غير تام، لأنه توجد كلمات لها مصاديق واحدة في جميع العوالم الممكنة، ومع ذلك ليست مترادفة، مثل كلمتي (مثلث الأضلاع) و(مثلث الزوايا).
أما الخيار الثاني فيواجهنا مباشرة بسؤال: في أي مقولة ميتافيزيقية تقع الصفات؟ هناك ثلاث وجهات نظر رئيسية حول الصفات: 1. الواقعية الأفلاطونية، 2. الواقعية الأرسطية و3. التروبيزم16 أو القول بالصفة الجزئية.
يبدو أنه إذا أردنا استخدام الصفات لتبيين الوقائع المتعلقة بالمعنى، فإن الواقعية الأفلاطونية تفي بهذه المهمة أفضل بكثير من وجهتي النظر الأخريين.17 فطبقاً لوجهة النظر الأفلاطونية، الصفات أو الكليات هي هويات تقع وراء الزمان والمكان، ووجودها غير متوقف على أن يكون لها مصداق. حتى لو لم يوجد أي شيء أبيض، فإن كلي البياض متقرر في عالمه الخاص. ومن جهة أخرى، فإن جميع الأشياء البيضاء توصف بالبياض باعتبار أن لها علاقة خاصة بذلك الكلي.18
والآن، إذا اعتبرنا محكي أسماء الأجناس والأوصاف هو الكلي الأفلاطوني المناظر لها، فلن نواجه الإشكال الذي واجه الخيار (1)؛ فوصفا (مثلث الأضلاع) و(مثلث الزوايا)، وإن كان لهما مصاديق واحدة في جميع العوالم الممكنة، ليسا مترادفين، لأن محكيهما كليان متميزان؛ أي صفتا (مثلثية الأضلاع) و(مثلثية الزوايا).
بالنظر إلى النقاط المذكورة، هل يمكن القول إن نظرية الحكاية نظرية ناجحة فيما يخص أسماء الأجناس والأوصاف؟ الجواب سلبي: النقطة المهمة التي ربما كان فرجه أول من تنبه لها هي أن الدور السمانتيكي للأسماء الخاصة يختلف تماماً عن الكلمات العامة (أسماء الأجناس والأوصاف). حتى لو قبلنا أن كلمة (أبيض) لها علاقة سمانتيكية بهوية ما، فهذه العلاقة ليست علاقة حكاية وإحالة. فـ(أبيض) ليس اسماً لصفة البياض (أو مجموعة الأشياء البيضاء)، كما أن (زيد) اسم لزيد. هناك شواهد مختلفة على هذا الادعاء نشير هنا إلى واحدة منها فقط: إذا كان (أبيض) اسماً لصفة البياض، فيجب أن نقول إن كلمة (أبيض) مترادفة مع كلمة (صفة البياض)، لأن كلتيهما تحكي عن هوية واحدة. ومن جهة أخرى، إذا استبدلنا في جملة ما كلمة بكلمة مترادفة، فلا ينبغي أن يتغير معنى الجملة وقيمة صدقها. وعلى هذا الأساس، يجب أن تكون جملة (الثلج أبيض) وجملة (الثلج صفة البياض) متحدتين في المعنى والقيمة. مع أن هاتين الجملتين مختلفتان في المعنى وقيمة الصدق.19 ويمكن إيراد هذه النقطة نفسها بصورة أخرى وباعتبارها الإشكال الرابع على نظرية الحكاية في المعنى.
الإشكال الرابع: كل جملة ذات معنى مركبة من عدة كلمات ذات معنى. وطبقاً لنظرية الحكاية، فإن كل كلمة تكون ذات معنى لأنها اسم لهوية في الخارج. لكن من الواضح أن صفّ عدة أسماء إلى جانب بعضها البعض لا ينتج أبداً جملة ذات معنى. لذلك، يجب القول إن بعض أجزاء الجملة على الأقل ليست أسماء لهويات في الخارج، وإذا كانت لها، على سبيل الفرض، علاقة سمانتيكية مع الخارج، فهذه العلاقة ليست علاقة حكاية وإحالة.20
تُنسب هذه النظرية إلى التجريبيين الإنجليز، وبخاصة جون لوك. وطبقًا للنظرية التصورية، فإن معاني الكلمات هي أمور ذهنية أو تصورات موجودة في ذهن المتكلم (أو السامع). وهذه الأمور مستقلة عن اللغة، ودور اللغة هو الدلالة عليها أو أن تكون علامة لها. لم تحظَ هذه النظرية بقبول واسع في القرن الأخير. ومن أهم الانتقادات التي وُجّهت إليها أن معنى الجملة مشترك بين جميع من يستعملونها: فعندما يقول علي: (الثلج أبيض)، ويستعمل حسن الجملة نفسها، فإن للجملتين ارتكازًا معنى واحدًا. مع أنه لو كان المعنى هو التصورات الذهنية للمتكلم، لما كان لهاتين الجملتين، بل ولا لأي جملتين، معنى واحد.
كان رواد تيار الفلسفة التحليلية (فريجه، ومور، وراسل) من أنصار النظرية القضوية للمعنى. ويمكن شرح العناصر الأساسية لهذه النظرية على النحو التالي: معنى الجمل الخبرية هويات متحققة باستقلال عن الذهن واللغة البشرية. واستقلال الهويات المفترضة عن الذهن مردّه إلى أن المعنى لو كان تابعًا للذهن، لواجهنا المشكلات نفسها التي واجهت النظرية التصورية للمعنى. أما الاستقلال عن لغة بعينها فمردّه إلى أن جملتين من لغتين مختلفتين يمكن أن يكون لهما معنى واحد؛ مثل (برف سفيد است) و(الثلج أبيض). وتُسمّى هذه الهويات عادة (القضية)21. فكل جملة ذات معنى في اللغة ترتبط بقضية ارتباطًا دلاليًا. ومن الواضح أن هذه العلاقة ليست علاقة حكاية. فعندما ننطق بجملة، لا نكون بصدد تسمية قضية. فلو كانت علاقة الجملة بالقضية علاقة حكاية ـ أي العلاقة نفسها بين الاسم والمسمّى ـ لوجب أن تكون جملة (الثلج أبيض) مرادفة لعبارة (هذه القضية القائلة إن الثلج أبيض)، مع أنه من الجلي أنها ليست كذلك. وعادة ما يسمي القائلون بالنظرية القضوية علاقة الجملة بالقضية علاقة (التعبير عن)22. ويبدو أن النظرية القضوية قادرة على تفسير كثير من الوقائع المتعلقة بالمعنى تفسيرًا جيدًا، سواء على مستوى الجملة أم على مستوى الكلمات. وسيأتي تفسير الظواهر اللغوية على مستوى الكلمات لاحقًا، أما على مستوى الجمل فيمكن القول إن كل جملة تكون ذات معنى إذا عبّرت عن قضية؛ وتكون الجملتان مترادفتين إذا عبّرتا عن قضية واحدة؛ وإذا عبّرت الجملة عن قضيتين منفصلتين عُدّت من المشترك اللفظي، إلى غير ذلك. كما أن موضوعية المعنى وإمكانية التفاهم والتخاطب يمكن تفسيرها بسهولة في ضوء النظرية القضوية: ففي عملية التفاهم والتخاطب، يعبّر المتكلم عن قضية، ويفهم المخاطَب القضية نفسها. وهذه القضية مستقلة عن ذهن المتكلم والمخاطَب، لكن كليهما يستطيع فهمها، وبلوغها23 كما يُصطلح، وهذا ما يضمن وحدة المعنى وموضوعيته.
تُعدّد للقضايا تقليديًا عدة وظائف:
القضايا هي معاني الجمل.
القضايا هي متعلّق الاتجاهات القضوية24، مثل الاعتقاد، والأمل، والإرادة وغيرها.
ما يتصف بالصدق والكذب أولاً وبالذات هو القضية، وتَبَعًا للقضية تتصف الجملة التي تعبّر عنها، وكذلك الاعتقاد المتعلّق بها، بالصدق أو الكذب. كما تدخل القضايا في علاقات منطقية ـ مثل الاستلزام25 والتوافق26 ـ بعضها مع بعض، وتتصف أيضًا بخصائص جهوية، مثل الضرورة والإمكان. وتدخل الجمل والاعتقادات، تبعًا للقضايا، في العلاقات المنطقية وتكتسب الصفات الجهوية.
القضايا هي مدلول الجمل التابعة التي تبدأ بـ(أنّ) أو (بأنّ)؛27 فمثلاً في جملة (يعتقد عليّ بأن الثلج أبيض)، تدل عبارة (بأن الثلج أبيض) على قضية. ويبدو أن ارتكازاتنا تؤيد هذا الادعاء القائل إن هوية واحدة تؤدي جميع هذه الأدوار تأييدًا جيدًا؛ فمعنى جملة (الثلج أبيض) ارتكازًا هو هوية يمكن أن تصبح متعلّقًا للاعتقاد، وأن تتصف بالصدق والكذب، وأن تتصف أيضًا بخصائص جهوية (هنا الإمكان). كما أن عبارة (بأن الثلج أبيض) في جملة (يعتقد عليّ بأن الثلج أبيض) تدل على هذه الهوية نفسها.
وبالطبع، وكما سيأتي، فقد وُجّهت انتقادات إلى الدور الوظيفي الأول. ولهذا السبب، تُعرّف القضية أحيانًا بأنها: (الهوية التي تمتلك كل الوظائف المذكورة أو بعضها). ويعرّفها البعض الآخر استنادًا إلى الدورين الثاني والثالث فحسب.28
القضية ومعنى الجمل
في النظريات القضوية الكلاسيكية، تُعتبر القضية معنى الجمل الخبرية. وقد أُثيرت إشكالات على هذه الأطروحة، نشير هنا إلى اثنين منها:
الأول: لنفترض أن حسنًا وعليًا يستخدمان جملة (أنا متعب) استخدامًا غير مجازي. من الواضح أن الجملة المذكورة تحمل معنى واحدًا في كلا الإظهارين، لأن الاشتراك اللفظي منتفٍ وكذلك الاستعمال المجازي. لكن هذه الجملة تعبّر في كل استخدام عن قضية منفصلة. فمضمون الجملة في الاستخدام الأول هو تعب حسن، وفي الاستخدام الثاني هو تعب علي. ولهذا السبب يمكن أن تختلف قيمة الصدق للجملتين.
وبالنظر إلى هذا، يتم تنقيح وتدقيق الادعاء الأولي القائل بأن القضية هي معنى الجملة: القضية هي ما تعبّر عنه الجملة، وإن لم تكن بالضرورة المعنى الدلالي للجملة.
وجدير بالذكر أن هذا الإشكال يحدث فقط في الحالات التي تُستخدم فيها الضمائر أو أسماء الإشارة في الجمل. وفي غير هذه الحالة، يمكن الالتزام بالأطروحة الأولية نفسها. فجملة (علي متعب) أيًا كان من يظهرها، فإنها تعبّر عن قضية واحدة، ومن ثم يمكن اعتبار القضية نفسها معنى للجملة.
الثاني: وفقًا لنظرية أفعال الكلام، لا يمكن تفسير جميع الوقائع المتعلقة بالمعنى فقط من خلال العلاقات الدلالية للألفاظ مع العالم الخارجي (مثلاً مع القضايا)؛ فعلى سبيل المثال، الجملتان (علي متعب) و(هل علي متعب؟) تعبّران عن قضية واحدة. لكن الجملة الأولى إخبار والثانية استفهام. لذلك، فإن أي تفسير شامل لمسألة المعنى يجب أن يتكون من جزأين: 1. إيضاح العلاقات الدلالية للألفاظ مع العالم الخارجي و2. إيضاح الأنواع المختلفة لفعل الكلام. وبنفس الترتيب، فإن معنى كل جملة هو تابع لـ (1) العلاقات الدلالية لتلك الجملة و(2) النوع الخاص لفعل الكلام الذي تحمله الجملة.
نظرية المعنى القضوية تتناول فقط إيضاح الجانب الأول، ومن هذه الجهة، يمكن القول إن نظرية أفعال الكلام تُصلح وتُكمل النظرية القضوية. وبناءً على هذا، فالقضية ليست معنى الجملة، بل هي محتوى فعل الكلام الذي يُنجز بالجملة. فالقضية الواحدة يمكن أن تكون محتوى لأفعال كلامية مختلفة من قبيل الإخبار، الأمر، الاستفهام... إلخ. وبالطبع، هذا الأمر لا يقلل من أهمية النظرية القضوية. ففي النظرية القضوية الكلاسيكية كان الادعاء أنه يمكن تفسير مسألة المعنى كليًا بواسطة القضايا، ولكننا الآن نستخدم العناصر نفسها من النظرية القضوية لتفسير محتوى أفعال الكلام. وبعبارة أخرى، فإن النظرية القضوية، وإن كانت لا تستطيع تقديم تفسير شامل للمعنى، إلا أنها تُفسر بشكل جيد العلاقات الدلالية للجمل مع العالم الخارجي – والتي هي جزء من ماهية المعنى. وفيما يلي، نعني بـ (النظرية القضوية) هذا التقرير المُصلح نفسه؛ أي النظرية التي تسعى فقط إلى تفسير العلاقات الدلالية للجمل مع العالم، وكذلك المقصود من الوقائع المتعلقة بالمعنى، هو فقط الوقائع المرتبطة بالعلاقات الدلالية.
القضية هي هوية نظرية29؛ أي أننا نفترض وجود مثل هذه الهوية لتفسير بعض الأمور، تمامًا مثل الإلكترون الذي نفترض وجوده لتفسير بعض الظواهر الفيزيائية والكيميائية. ومثل أي هوية نظرية أخرى، فإن الخصائص التي تمتلكها القضايا هي توابع للأدوار التفسيرية التي تؤديها.
المؤمنون بوجود القضايا، وبناءً على هذه الأدوار التفسيرية، يُثبتون عادةً الخصائص التالية للقضايا: الاستقلال عن الذهن واللغة، التجرد30 بمعنى التعالي عن الزمان والمكان، وبتعبير أدق، عدم الدخول في علاقات زمانية ومكانية مع الأشياء الأخرى، والديمومة (القضايا الصادقة، صادقة دائمًا، فهي موجودة دائمًا، وبنفس الترتيب، القضايا الكاذبة)، والضرورة بمعنى التحقق في جميع العوالم الممكنة.
هذه الخصائص متفق عليها إلى حد ما، ولكن هناك خلاف مهم بين المؤمنين بوجود القضايا، وهو: هل القضايا موجودات مركبة وذات أجزاء؟ وبالمصطلح الرائج هل هي ذات بنية؟31
هناك رأيان عامان في هذا الشأن. فئة لا ترى القضايا ذات بنية. ففي نظرهم، القضية التي تعبّر عنها جملة ما هي مجموعة العوالم الممكنة التي تكون فيها تلك الجملة صادقة. وقد وُجّهت انتقادات كثيرة إلى هذا الرأي، منها أنه وفقاً لهذه النظرية، إذا كان لجملتين القيمة نفسها في جميع العوالم الممكنة (مثل جملتي «كل الرجال العزاب غير متزوجين» و«كل مثلث له ثلاثة أضلاع»)، فينبغي أن تعبّرا عن قضية واحدة. وهذا خلاف الارتكاز بوضوح.
الرأي الأكثر شيوعاً هو أن القضايا هويات مركبة وذات بنية. ووفقاً لهذا الرأي، إذا عبّرت جملة عن قضية، فإن مكوّنات القضية تقابل تقريباً الألفاظ ذات المعنى التي تشكّل تلك الجملة. بعبارة أخرى، كل كلمة من كلمات الجملة تدل على هوية، وبتركيب هذه الهويات تنشأ قضية هي مدلول الجملة.32 بافتراض أن القضايا ذات بنية، تصبح نظرية المعنى القضوية قادرة على تفسير الوقائع المتعلقة بالمعنى على مستوى الكلمات أيضاً، فمثلاً كلمة «أبيض» تكون ذات معنى من حيث إنها تقيم علاقة سيمانطيقية مع هوية خاصة. هذه الهوية هي مكوّن لكل القضايا التي يُعبّر عنها بجمل تحوي كلمة «أبيض». وبالطريقة نفسها، يمكن تفسير الترادف والاشتراك اللفظي في الكلمات. لكن من الواضح أنه ما لم تحدّد النظرية القضوية سنخ الهويات التي تكون مكوّنات القضية، فإن تفسيرها للوقائع المتعلقة بالمعنى يبقى ناقصاً. وقبل التطرق إلى هذا المطلب، تجدر الإشارة إلى نقطة، وهي أن جميع أنصار النظرية القضوية يؤكدون أن علاقة الكلمات بمكوّنات القضية ليست دائماً علاقة حكاية أو إحالة، وهذه إحدى نقاط الفرق بين النظرية الحكائية والنظرية القضوية للمعنى. فمعظمهم يرى أن علاقة الأسماء العامة والأوصاف والأفعال بمكوّنات القضية هي علاقة تعبير. أما في حالة الأسماء الخاصة، فهناك اختلاف واسع في الرأي.
يعتقد فرِغه أن مكوّنات القضية هي هويات تُدعى المعنى33. ولتوضيح نظريته، يلزم أن نشير إشارة قصيرة إلى التمييز بين المعنى والمحكي34. من وجهة نظر فرِغه، كل عبارة ذات معنى، سواء أكانت كلمة أم جملة، تقيم علاقتين سيمانطيقيتين مختلفتين مع هويتين: تعبّر عن معنى، وتشير إلى محكي. طبعاً، قد لا يكون للعبارة محكي، لكن لكي تكون ذات معنى يجب أن تعبّر عن معنى. المنشأ الرئيسي للتمييز بين المعنى والمحكي هو المشكلات التي لاحظها فرِغه في النظرية الحكائية للأسماء الخاصة. وقد سبق أن قُدّم تقرير موجز لهذه المشكلات تحت الإشكال الأول على النظرية الحكائية. خلص فرِغه في النهاية إلى أن الوقائع المتعلقة بالمعنى لا يمكن تفسيرها فقط بعلاقة حكاية اللفظ عن المحكي. وبناءً على ذلك، قال إن كل اسم خاص، بالإضافة إلى حكايته عن المحكي، يعبّر عن معنى: ومقوّم كون الاسم الخاص ذا معنى هو ارتباطه بمعنى. لفظا «رستم» و«سيمرغ»، وإن لم يكونا ذوي محكي، فهما ذوا معنى لأن كلاً منهما يعبّر عن معنى. وكذلك «هسبروس» و«فسفروس»، مع أن لهما محكياً واحداً، فهما ليسا مترادفين لأنهما يرتبطان بمعنيين مختلفين. وبهذه الطريقة نفسها، تُحل مسألة الجمل الاتحادية. فجملة «هسبروس هو نفسه فسفروس» هي جملة بعدية ومفيدة، لأن الكلمتين المذكورتين تعبّران عن معنيين مختلفين.
حل فرِغه لمسألة الاستبدال أكثر تعقيداً بعض الشيء. ففي نظره، في السياقات المعنوية35 (أي الجمل التي تقع بعد أفعال مثل «يعتقد»، «يأمل»... إلخ)، يكون محكي كل كلمة هو نفس معنى الكلمة في استعمالاتها المتداولة. لذلك، إذا استبدلنا في جملة «علي يعتقد أن هسبروس هو الكوكب الثاني في المجموعة الشمسية» كلمة «فسفروس» بكلمة «هسبروس»، فإننا لم نستبدل ألفاظاً متحدة المحكي، لأن معنى هاتين الكلمتين مختلف، ومن ثم لا تُحفظ قيمة الصدق بالضرورة. رأي فرِغه في أن المعنى أية هوية بالضبط ليس واضحاً تماماً. يُقال عادة إن المعنى هو نحو تمثّل36 المحكي. كما يُعتبر المعنى أحياناً مجموعة من الصفات؛ فمثلاً يُقال إن معنى «هسبروس» هو صفة «الكوكب الطالع في الصباح». على أي حال، في منظور فرِغه، المعنى هو هوية مجردة تقع وراء الزمان والمكان، ومع أنها مستقلة عن الذهن البشري، فإن الأذهان المختلفة يمكنها أن تدركها.
يرى فريغه أن التمييز بين المعنى والمسمّى لا يقتصر على الأسماء الخاصة، بل يجري أيضًا في الأسماء العامة (التي تقع في موضع المحمول في الجمل)، وكذلك في الجمل نفسها. وهو يسمّي معنى الجملة (الفكرة)37، وهو بالضبط ما يصطلح عليه الفلاسفة التحليليون بالقضية. وبناءً على ذلك، فإن مكوّنات الفكرة هي المعاني التي يعبّر عنها موضوع الجملة ومحمولها.
بحسب راسل، إذا عبّرت الجملة S عن القضية P، فإن مكوّنات القضية P هي ذات الأشياء التي تتحدث عنها الجملة S؛ فمثلًا حين نشير إلى كتاب ونقول: (هذا أحمر)، نكون قد تحدثنا عن كتاب معين وعن صفة الحُمرة. ومكوّنات القضية هي أيضًا ذلك الكتاب المعين وصفة الحُمرة. ويبدو أن كل مشكلة يحلّها فريغه بالمعنى، يستطيع راسل أيضًا حلّها بالصفات والدوالّ القضوية. ومن هنا، فإن لنظرية راسل أفضلية على نظرية فريغه، إذ إنها مع تمتعها بقدرة تفسيرية مساوية، تعاني من غموض وتعقيد أقل.
في منظور راسل، يوجد على الأقل واحد من مكوّنات كل قضية كليّ أفلاطوني. وهذا الكليّ يكون أحيانًا أحادي الموضع، كصفة الحُمرة، وأحيانًا متعدد المواضع، كعلاقة الأبوّة. وعليه، فإن أحد الفروق بين القضية الفريغية والقضية الراسلية هو أن جميع المكوّنات في الأولى هويات مجردة، بينما في الثانية ليست كذلك بالضرورة.
لاحقًا، شكّك راسل في وجود هويات تحت مسمى القضية، لكن في العقود الأخيرة دافع أشخاص مثل سكوت سومز وناثان سالمون عن المنظور الراسلي بشأن القضايا.
أما منظور النظرية الثالثة حول بنية القضايا، فهو نظرية دلالات العوالم الممكنة، التي قُدّمت تحت عنوان النظرية الرابعة من النظريات الشيئية للمعنى. وفيما يلي نلقي نظرة موجزة على هذه النظرية.
تتبنى دلالات العوالم الممكنة معظم عناصر النظريات القضوية. وسبب طرحها كنظرية مستقلة عن النظرية القضوية في التقسيم الأولي، هو الفارق المهم الذي يفصلها عن النظريات الكلاسيكية حول القضايا.
لهذه النظرية دوافع اسمية في الغالب، وهي تسعى إلى شرح بنية القضايا دون الافتراض المسبق لهويات مثل المعاني الفريغية والكليات الأفلاطونية. ويرى أنصار هذه النظرية (مثل ديفيد لويس وكريسويل) أنه يمكن، باستخدام العوالم الممكنة، بلوغ نفس القدرة التفسيرية التي تمتعت بها النظرية القضوية الكلاسيكية (مثل نظرية فريغه وراسل). وإذا صح هذا الادعاء، فإن نظرية دلالات العوالم الممكنة تتفوق على النظريات القضوية الكلاسيكية.
وسبب ذلك هو أن افتراض العوالم الممكنة ضروري على أي حال لدلالات الجمل الموجهة38؛ فإذا أمكننا، بهذه الأداة ذاتها، أن نحصل أيضًا على دلالات جميع جمل اللغة، فإن الالتزام بموجودات مجردة مثل المعنى أو الكليات الأفلاطونية يصبح غير مبرر. وطبقًا لهذه النظرية، فإن القضية التي تعبّر عنها جملة (سقراط حكيم) لها مكوّنان: 1. سقراط، وهو شيء عيني وهو المسمّى (سقراط). 2. دالة تنقل كل عالم ممكن إلى مجموعة الأفراد الحكماء في ذلك العالم. وتسمى هذه الدالة الماصداق39، وهي مدلول محمول الجملة.
ويلاحظ أن المقولات الميتافيزيقية الوحيدة التي يفترضها التحليل أعلاه هي: 1. الأشياء العينية40 2. العوالم الممكنة، و 3. المجموعات والدوال التي تُبنى على أساس البندين 1 و 2.
لهذه النظرية بدورها مشكلات، سبقت الإشارة إلى إحداها: فوفقًا للنظرية المذكورة، إذا كان لمحمولين نفس المصاديق في جميع العوالم الممكنة، فيجب أن يكونا مترادفين، لأن لهما نفس الماصداق، لكن الأمر ليس كذلك دائمًا. فوصفا (مثلث الأضلاع) و (مثلث الزوايا)، رغم أن لهما نفس الماصداق، ليسا مترادفين ارتكازًا. ومن الواضح أن نظريتي فريغه وراسل لا تعانيان من هذه المشكلة، لأن هذين الوصفين يعبّران عن معنيين أو كليين مختلفين.41
وفي ختام هذا القسم، نجمل ونلخص عدة نتائج نهائية:
يُفسَّر جزء من مسألة المعنى على الأقل بواسطة العلاقات الدلالية بين الكلمات والعالم الخارجي.
لا يمكن أن يكون مدلول الألفاظ أمرًا ذهنيًا، بل يلزم أن يكون هوية مستقلة عن الذهن واللغة، لكي يتسنى الإفهام والتفاهم.
في كثير من الحالات (خاصة في أسماء الأجناس والأوصاف)، لا يكون مدلول الألفاظ أمورًا انضمامية أو مجموعة من الأمور الانضمامية.
يوجد خياران رئيسيان حول مدلول أسماء الأجناس والأوصاف: أ) الهويات المجردة كالمعاني الفريجية أو الكليات الأفلاطونية. ب) القصود (intensions)، أي الدوال التي تُبنى باستخدام العوالم الممكنة. الخيار ب، وإن كان يتطلب التزامات ميتافيزيقية أقل، إلا أنه عاجز عن تفسير بعض الظواهر الدلالية.
العلاقة الدلالية للكلمات بالمدلولات ليست دائمًا علاقة حكاية. ففيما يخص الكلمات العامة والجمل، هذه العلاقة هي التعبير.
يوفر التلخيص أعلاه أساسًا مناسبًا لمقارنة نظريات المعنى في علم الأصول والفلسفة التحليلية وتطبيقها.
لم يكن الغرض الأساسي والأولي للأصوليين من تناول المباحث الفلسفية حول اللغة هو تقديم نظرية في المعنى. لقد طرحوا، بالمناسبة وحسب الحاجة، مباحث لغوية مختلفة في مقدمة علم الأصول وكذلك في مباحث الألفاظ من علم الأصول. لتقديم صورة شاملة عن آراء الأصوليين حول مسألة المعنى، يلزم دراسة مباحث مختلفة من قبيل: ماهية الوضع، أقسام الوضع، معنى الحرف، معنى الهيئات، أسماء الإشارة والضمائر، الترادف والاشتراك، الحقيقة والمجاز، الخبر والإنشاء، الاستعمال... إلخ. من الواضح أنه حتى تقديم تقرير موجز عن هذه المباحث ليس ميسورًا في هذه المقالة. سنتناول هنا فقط مسألة ماهية الموضوع له التي طرحتها مجموعة من الأصوليين، والتي تشابه إلى حد كبير المباحث المطروحة في نظرية المعنى ضمن تقليد الفلسفة التحليلية. قبل الدراسة التفصيلية للمسألة المذكورة، يجدر التنبيه إلى أن نظرية الأصوليين في باب المعنى تندرج ضمن النظريات الشيئية للمعنى. يرى الأصوليون أن معنى كل كلمة هو الهوية التي تدل عليها الكلمة، ويبدو أنهم يفسرون وقائع المعنى على أساس هذا التحليل، لكن هذا الرأي الشائع له استثناءات أيضًا. أحيانًا تُلاحظ تيارات من النظرية الاستعمالية للمعنى في بعض آراء الأصوليين، لكن فكرة تفسير المعنى بناءً على الاستعمال لم تُصقل قط في النظريات الأصولية. فيما يلي نشير فقط إلى بضع حالات من تيارات النظرية الاستعمالية في الآراء الأصولية:
طبقًا لنظرية إيجادية معنى الحرف، فإن معنى الحروف ينشأ باستعمالها وفي مرتبة متأخرة عن الاستعمال.42 وبتعبير آخر، معنى الحروف ناشئ عن الاستعمال وتابع له.
في بعض تقريرات نظريات التعهد، يُقال إن الجملة الخبرية وُضعت لإظهار قصد الحكاية عن الخارج، والجملة الإنشائية وُضعت لإظهار أمر نفساني غير قصد الحكاية.43 من الواضح أن
المقصود ليس الوضع لمفهوم إظهار القصد. إظهار القصد فعلٌ يتم بواسطة التلفظ بالجملة. وبتعبير آخر، في هذه النظرية يكون الموضوع له للجمل الخبرية والإنشائية فعلًا كلاميًا، لا هوية.44
في كثير من الآراء الأصولية، يُعتبر معنى كل كلمة هويةً، لكنهم يفسحون مجالًا أيضًا لفكرة الفعل الكلامي؛ فعلى سبيل المثال، يرى الكثيرون أنه ببعض الجمل يمكن الإخبار والإنشاء معًا، ويبقى معنى الجملة واحدًا في كلا الاستعمالين، وإن اختلف العمل المنجز باستعمال الجملة.45
هذه النظرية تشابه إلى حد ما تركيب نظرية المعنى القضوية مع نظرية الفعل الكلامي، ولا تُعتبر انحرافًا جوهريًا عن التصور الشيئي للمعنى. يمكن القول إن ما يسميه الأصوليون في هذه الحالات (معنى الجملة) هو محتوى الفعل الكلامي الذي يُنجز بالجملة.
في هذه المقالة، نأخذ بعين الاعتبار فقط الرأي السائد في علم الأصول، ودون أن نتناول آراء الأصوليين في باب الأفعال الكلامية، نبحث فقط مسألة: ما هي سنخ الهويات التي تقيم الألفاظ ذات المعنى علاقة دلالية معها من وجهة نظر الأصوليين؟ وكما أشير، فإن أقرب مبحث أصولي إلى المسألة المطلوبة هو البحث الذي طُرح في بعض المصادر الأصولية تحت هذا العنوان: (هل الموضوع له للألفاظ هو الموجودات الخارجية أم التصورات الذهنية أم الطبيعة؟)46
للوهلة الأولى، يتبادر إلى الذهن هذا السؤال: هل مسألة ماهية الموضوع له هي نفس مسألة ماهية المعنى (في النظريات الشيئية للمعنى)؟ وإذا كانت هاتان المسألتان منفصلتين، فما هي العلاقة بينهما؟
يبدو أن المسألتين المذكورتين – إذا ما فُسّرتا حرفياً – منفصلتان، غير أن ثمة صلة وثيقة بينهما، بحيث تنطبقان على بعضهما في نهاية المطاف.
وتوضيح الأمر على النحو التالي: من وجهة نظر الأصوليين، فإن عملية الوضع لكل لفظة لا تقع إلا مرة واحدة (باستثناء حالات الاشتراك اللفظي والنقل)، وفي مسألة ماهية الموضوع له، يدور الحديث حول الهوية التي ترتبط بها اللفظة خلال عملية الوضع. أما مسألة ماهية المعنى (في تقريرها الشيئي) فتدور حول الهوية التي تقيم معها اللفظة ذات المعنى علاقة سيمانطيقية كلما تم التلفظ بها. وخلافاً للوضع الذي يقع مرة واحدة لكل لفظة، فإن العلاقات السيمانطيقية التي ينظر إليها في فلسفة اللغة (كعلاقة الحكاية والتعبير) تتكرر في كل حالة من حالات استعمال اللفظة المفروضة. وعلى هذا الأساس، فإن العلقة الوضعية أمر مغاير للعلاقة السيمانطيقية، ومن ثم فإن السؤال عن طرف علاقة الوضع يختلف أيضاً عن السؤال عن طرف العلاقة السيمانطيقية. ومع ذلك، فإن هذين السؤالين على صلة وثيقة، لأن عملية الوضع متقدمة رتبةً على مرحلة استعمال الألفاظ، وفي الأغلبية الساحقة من الحالات، تكون متقدمة زمانياً أيضاً بالإضافة إلى تقدمها الرتبي. فخلال عملية الوضع، ترتبط اللفظة بمعنى معين على نحو بحيث تدل بعد الوضع على ذلك المعنى نفسه كلما استُعملت اللفظة المفروضة استعمالاً غير مجازي؛47 أي تقيم مع ذلك المعنى علاقة سيمانطيقية. ومن هنا، فإن البحث عن سنخ هوية الموضوع له للألفاظ يرتبط ارتباطاً دقيقاً بمسألة الهويات التي تقيم معها الألفاظ علاقة سيمانطيقية في الاستعمالات الحقيقية. أما إذا كان الاستعمال مجازياً، فهل تنطبق المسألتان على بعضهما أيضاً؟48 يبدو أن الجواب بالإيجاب. وتوضيح ذلك أنه في الاستعمال المجازي، تُستعمل اللفظة في معنى غير الموضوع له، ونتيجة لذلك، تقيم علاقة سيمانطيقية مع هوية غير معنى الموضوع له. لكن أكثر الأدلة التي تُقام في مسألة ماهية الموضوع له قابلة للتعميم على ماهية المستعمل فيه أيضاً؛ فعلى سبيل المثال، فإن أهم دليل يثبت – بناءً على الدعوى – أن الألفاظ موضوعة لنفس الطبيعة، يُظهر أن المستعمل فيه أيضاً – سواء أكان الاستعمال حقيقياً أم مجازياً – هو نفس الطبيعة، بل إن هذه الأدلة تكون ناظرة في البداية إلى المستعمل فيه أحياناً، ثم تُجرى بعد ذلك في الموضوع له. وعليه، فإن مسألة ماهية الموضوع له ترتبط بهذا البحث القائل: ما سنخ هوية المستعمل فيه للألفاظ (سواء في الاستعمال الحقيقي أم المجازي)؟ أي ما الهوي
ات التي تقيم معها الألفاظ علاقة سيمانطيقية في استعمالاتها الحقيقية أو المجازية.
لقد بينا حتى هنا أنه بفحص آراء الأصوليين في مسألة ماهية الموضوع له يمكن استخلاص وجهة نظرهم في نظرية المعنى. تُذكر في المصادر الأصولية عادة عدة نظريات في مسألة ماهية الموضوع له:
الموضوع له للألفاظ هو الموجودات الخارجية.
الموضوع له هو التصورات أو الموجودات الذهنية.
الموضوع له هو نفس الطبيعة (أو المفهوم)، دون أخذ الوجود الخارجي أو الذهني بعين الاعتبار.
الموضوع له هو المفهوم من حيث حكايته عن المصاديق.
الألفاظ الكلية موضوعة للطبيعة والألفاظ الجزئية (أسماء الأعلام) موضوعة للموجودات الخارجية.
الألفاظ التي لها مصداق موضوعة للموجودات الخارجية، والألفاظ التي لا مصداق لها (مثل (معدوم) و (لاشيء)) موضوعة للتصورات الذهنية.
وفيما يلي، نطرح آراء الأصوليين حول النظريات الأربع الأولى، ونقوم بالإضافة إلى ذلك بمقارنة الآراء الأصولية مع النظريات الشيئية في الفلسفة التحليلية وفحصها.
وبما أن مسألة المعنى في الألفاظ العامة هي فقط ما يُنظر إليه في هذه الكتابة، فإننا لا نتعرض للنظرية الخامسة. كما أن مدى اعتبار النظرية السادسة يتضح من خلال سائر المباحث.
في الفترات الأخيرة، تبنّى الميرزا مهدي الأصفهاني هذا الرأي،49 ولكن جميع الأصوليين تقريبًا ممّن تعرّضوا لمسألة ماهية الموضوع له، قد رفضوه. يذكر صاحب هداية المسترشدين أربعة تفاسير لهذه النظرية: أ) الوجود الخارجي جزء من الموضوع له؛ ب) الوجود الخارجي شرط للموضوع له؛ ج) الألفاظ وُضعت للمفاهيم من حيث تحقّقها في الخارج؛ د) الموضوع له للألفاظ هو المفاهيم من حيث حكايتها عن المصاديق.50 التفسير الرابع هو نفس النظرية الرابعة، وهو في النهاية، يقبل هذه النظرية بالذات باعتبارها الرأي المختار في مسألة ماهية الموضوع له، وسيأتي فحص التفسير الرابع واختلافه عن التفاسير الثلاثة الأخرى، في تقييم النظرية الرابعة. على أي حال، فإن ظاهر نظرية الوضع للخارج هو التفسيران الأولان، وانتقادات الأصوليين أيضًا ناظرة إليهما. هذه النظرية تعادل تقريبًا نظرية المعنى الحكائي، مع هذا القيد بأن معنى الألفاظ، هو الهويات المنفردة51 فحسب، والكليات52 الاستدلالية التي ذُكرت في المصادر الأصولية لصالح الوضع للموجودات الخارجية، هي من هذا القبيل: في جمل مثل (اشتريت كتابًا)، (دخلت البيت). (خرجت من المدينة) و... مراد المتكلّم من ألفاظ (البيت)، (الكتاب) و(المدينة) هو نفس الأشياء والأعيان الخارجية، ولا بدّ إذن من القول بأن الموضوع له للألفاظ هو أيضًا أمور خارجية، وإلاّ لزمنا الالتزام بأن جميع هذه الاستعمالات والحالات المشابهة لها مجازية؛ أي أن جميع الألفاظ تقريبًا تُستعمل على نحو مجازي. من الواضح أن مثل هذا الأمر غير مقبول.53
الجواب على الاستدلال المذكور هو أنه طبقًا لنظرية الوضع لنفس الطبيعة (النظرية الثالثة) وكذلك الوضع للطبيعة بلحاظ الحكاية عن المصاديق (النظرية الرابعة) فإن مثل هذه الاستعمالات ليست مجازية.
لذلك، فإن الاستدلال المذكور، يمكنه على الأكثر أن يُبطل النظرية الثانية، أي الوضع للتصورات الذهنية.54
وقد أورد الأصوليون في المجموع أربعة إشكالات على النظرية الأولى:
الإشكال الأول: إذا كان الوجود الخارجي جزءًا أو قيدًا للموضوع له للألفاظ، واستُعمل لفظ (إنسان) في جملتي (الإنسان موجود) و(الإنسان معدوم) على نحو حقيقي، فستكون الجملة الأولى ضرورية والجملة الثانية تناقضًا، مع أنه من الواضح أن لا القضية الأولى ضرورية ولا القضية الثانية تناقض.55
هذا الإيراد مشابه للإشكال الذي طُرح في القسم الأول من هذه المقالة، (الفقرة الثانية من الإشكال الأول على نظرية المعنى الحكائي) نقلًا عن راسل. ومع ذلك، يُلاحظ بين هذين الإشكالين اختلافان:
الاختلاف الأول: إشكال راسل طُرح حول سلب الوجود (حمل العدم)، لكن الأصوليين طرحوا الإشكال المذكور في مورد حمل العدم وحمل الوجود معًا. من هنا، فإن تقرير الأصوليين أقوى من راسل، ويبدو أن منهجهم في تعميم الإشكال هو منهج صحيح. باستخدام الاصطلاحات الراسلية يمكن بسط استدلال راسل ضد النظرية الحكائية على النحو التالي: إذا كان الدور السيمانطيقي للألفاظ الخاصة،56 هو الإشارة إلى الأشياء الخارجية، فإن الجمل الوجودية مثل (هسبروس موجود) ستكون قبلية، لأنه في موضوعها تُفترض الإشارة إلى شيء خارجي ووجوده.
الاختلاف الثاني: حصر راسل استدلاله بفئة من الألفاظ الخاصة، أي الأوصاف المعينة، لكن استدلال الأصوليين لا يختص بألفاظ خاصة، وبالصدفة فإن أكثر الأمثلة التي تُذكر هي ألفاظ عامة. هذا الاختلاف ناشئ من الاختلاف الأساسي بين تلقي الأصوليين والفلاسفة التحليليين للدور السيمانطيقي للألفاظ العامة. في منظور عموم الفلاسفة التحليليين، حتى أولئك الذين يقبلون النظرية الشيئية للمعنى، فإن دور الألفاظ العامة والأوصاف غير المعينة ليس الحكاية والإشارة. إذا كانت للألفاظ العامة علاقة سيمانطيقية مع الخارج، فهذه العلاقة هي التعبير لا الحكاية. لذلك، لم يكن راسل بحاجة إلى طرح إشكال القضايا السالبة الوجودية في مورد الألفاظ العامة أيضًا. بعبارة أوضح، في الفضاء الفكري ما بعد فريجه، كان توهم علاقة الحكاية يذهب فقط في مورد الألفاظ الخاصة، وكان راسل بصدد إزالة هذا التوهم.
كما سبقت الإشارة، فإنّ تلقّي التقليد الفلسفي التحليلي لوظيفة الألفاظ العامة هو تلقٍّ أكثر دقة. لكن هذا لا يعني أن التعميم الذي أجراه الأصوليون غير صحيح. يُظهر استدلال الأصوليين في المرحلة الأولى أن الألفاظ العامة لا تحكي عن الموجودات الخارجية (بقيد كونها موجودة)، وهذا مطلب صحيح يقرّ به الفلاسفة التحليليون أيضًا، غير أن الخطوة التالية التي يخطوها الأصوليون بناءً على هذه النتيجة تبدو غير موجّهة. فهم يستنتجون من كون الألفاظ العامة لا تحكي عن الموجودات الخارجية، أن المحكيّ للألفاظ العامة هو الطبائع أو المفاهيم الكلية. وسيأتي تفصيل هذا البحث عند مناقشة النظرية الثالثة.
الإشكال الثاني: توجد في اللغة العرفية ألفاظ ذات معنى لا مصداق لها، مثل (شريك الباري)، و(العنقاء)، و(الإنسان ذو العشرة رؤوس). ومن الواضح أنه لا يمكن القول بأن هذه الألفاظ قد وُضعت لأمور خارجية.57
هذا الإشكال أيضًا مشابه للبند الأول من الإشكال الأول على النظرية الحكائية، مع فارق أنه هنا أيضًا لا يختص تقرير الأصوليين بالألفاظ الخاصة. ومنشأ هذا الاختلاف هو النقطة نفسها التي سبقت الإشارة إليها.
الإشكال الثالث: تأمل هذه الجمل: (الإنسان نوع)، و(الحيوان جنس)، و(الجوهر يصدق على أشياء متعددة). إن المحكيّ للموضوع في الجمل المذكورة ليس الموجودات الخارجية، ولا الطبيعة المتحققة في الخارج، بل هو مفاهيم متحققة في الذهن، لأنه لا يوجد شيء خارجي يكون نوعًا أو جنسًا، ولا يصدق على أشياء متعددة. ومن جهة أخرى، فإن ألفاظ (إنسان)، و(حيوان)، و(جوهر) قد استُعملت على نحو حقيقي. إذن، لا يمكن أن يكون الموضوع له لهذه الألفاظ هو الأفراد الخارجية.58
يرى الشيخ محمد تقي الأصفهاني أن هذا الإشكال غير تام. فبرأيه، صحيح أن لفظ (إنسان) في الجملة الأولى لا يدل إلا على المفاهيم المتحققة في الذهن، ولكن هذه اللفظة قد استُعملت على نحو مجازي. وذلك لأنه أولاً، المتبادر من لفظ (إنسان) هو فقط البشر الخارجيون،59 وثانيًا، يمكن سلب لفظ (إنسان) عن المفاهيم المتحققة في الذهن. فيمكن القول دون أي استعمال مجازي: (مفهوم الإنسان المتحقق في الذهن ليس إنسانًا). وعلى هذا الأساس، لا يمكن أن يُعدّ صدق جمل من قبيل (الإنسان نوع) إشكالًا على نظرية الوضع للخارج.60 ويبدو أن جواب هداية المسترشدين هو في الأساس جواب صحيح. فحينما أتصور الإنسان، لا يكون تصوري نفسه (بصفته فعلًا نفسيًا) إنسانًا، ولا يكون متعلق التصور بالذات (أي بتعبير صاحب الهداية، المفهوم المتحقق في الذهن) واحدًا من أفراد الإنسان.61 وتثير هذه النقطة إشكالات للنظرية الثالثة في تفسيرها الرائج، وهو ما ستتم الإشارة إليه.
الإشكال الرابع: إن وضع اللفظ يتم بهدف التفهيم والتفاهم، ونقل المعنى إلى ذهن السامع. ونقل المعنى إلى ذهن السامع يعني أن يوجد المعنى في ذهنه وجودًا إدراكيًا (وجودًا ذهنيًا). وعلى هذا الأساس، لا يمكن أن يكون المعنى هو الموجودات الخارجية، لأنه لا يمكن للموجودات الخارجية أن توجد مرة أخرى وجودًا ذهنيًا، وبعبارة أبسط، لا يمكن للموجودات الخارجية أن تنتقل إلى أذهان البشر. وبتعبير المحقق الأصفهاني: (المقابل لا يقبل المقابل). إذن، لم توضع الألفاظ للأمور الخارجية.62
ويُطرح نظير هذا البيان بشأن الوضع للموجودات الذهنية أيضًا. وقد أسس المحقق الأصفهاني نظريته (الوضع للطبيعة) على مثل هذا الاستدلال، وقَبِل بعض الأصوليين تبعًا له هذا الاستدلال.63
ويذكر الأستاذ صادق لاريجاني نقطةً حول هذا الاستدلال: لعل أحدًا يدّعي أن اللفظ قد وُضع للطبيعة الموجودة بالوجود الخارجي (أو الوجود الذهني)، ولكن الهدف النهائي من الوضع ليس نقل نفس المعنى، بل الهدف هو نقل جزء من المعنى، أي نفس الطبيعة إلى ذهن السامع. وعليه، فإن استدلال المحقق الأصفهاني لا يمكنه إبطال الوضع للموجودات الخارجية.
ويرى الأستاذ لاريجاني أنه لا برهان على أن هدف الوضع هو نقل نفس المعنى، لا جزء منه. ولكن من غير الطبيعي أن نضع اللفظ، بينما يمكننا وضعه لشيء قابل للانتقال بنفسه، لشيء لا يمكن نقل إلا جزء منه.64
سيأتي الفحص التفصيلي لهذا الاستدلال في سياق النظرية الثالثة. ونكتفي هنا بذكر هذه النقطة وهي أن المحقق الأصفهاني يفسر عبارة (انتقال المعنى إلى ذهن السامع) تفسيراً حرفياً، ويبني استدلاله على هذا الأساس. لكن يبدو أن هذا التفسير غير صحيح. فلكي يتحقق التفاهم والتخاطب، ليس من الضروري أن نفترض أن المعنى هوية تتحقق أولاً في مكان ما؛ مثلاً في ذهن المتكلم، ثم تنتقل الهوية نفسها إلى ذهن السامع؛ أي تتحقق في ذهنه، بل إن هذا الفرض غير معقول من الأساس. لا يمكن لشيء واحد أن يتحقق في ذهن السامع وفي ذهن المتكلم معاً.65 والصورة الأكثر معقولية لعملية التفاهم والتخاطب هي أن للمعنى هوية مستقلة عن ذهن المتكلم والسامع؛ أي أنه ليس موجوداً في ذهن أي منهما، لكن بإمكان البشر أن يقيموا نوعاً من العلاقة معه، بمعنى أن يدركوه وأن يستحضروه كما يُقال. فالشخص الذي أدركه، يستخدم ألفاظاً لكي يدرك السامع المعنى نفسه. وانتقال المعنى إلى السامع ليس إلا بهذا المعنى. وهنا قد يُدّعى أن إدراك المعنى ليس سوى تحقق المعنى بالوجود الذهني. وسيأتي مزيد من البحث في هذه المسألة في المباحث الآتية. وكما لوحظ، فمن بين الاستدلالات الأربعة التي ذُكرت في المصادر الأصولية ضد النظرية الأولى، فإن الاستدلالين الأولين مقبولان، وقد طُرح نظير هذين الاستدلالين أيضاً (مع بعض الفروق طبعاً) في تقليد الفلسفة التحليلية لنقد نظرية الحكاية للمعنى في الألفاظ الخاصة، ولكن سائر الإشكالات التي أقامها فلاسفة التحليل ضد هذه النظرية (وخصوصاً مسألة الجمل الاتحادية ومسألة الاستبدال) لا نجدها في المباحث الأصولية.
يذكر صاحب هداية المسترشدين عدة تفاسير لهذه النظرية أيضاً، كما يطرح الأدلة التي أُقيمت لصالحها، ويتناولها بالتقييم تفصيلاً.66 ونظراً لمراعاة الاختصار، نغض النظر عن تقرير هذه المطالب وسنفحص فحسب الإشكالات التي وُجهت لهذه النظرية في المصادر الأصولية.
الإشكال الأول: كما أُشير سابقاً، يمكن سلب لفظة (إنسان) ـ على سبيل المثال ـ عن التصورات الذهنية: (تصور الإنسان ليس إنساناً). ومن ثم، فإن هذه اللفظة لم توضع للصور الذهنية.67
الإشكال الثاني: لو كانت لفظة (إنسان) موضوعة للتصورات الذهنية، لما صح إطلاقها على الأمور الخارجية، مع أنه يمكن القول دون تجوز (زيد إنسان).68
الإشكال الثالث: يرفض المحقق الأصفهاني الوضع للموجودات الذهنية بدليل مشابه لما ذُكر سابقاً. فالوضع يتم بهدف انتقال المعنى إلى ذهن السامع (أي تحققه في ذهن السامع بالوجود الإدراكي). ومن ثم، لا يمكن أن يكون الوجود الذهني مأخوذاً في معنى الألفاظ، لأن وجوداً ذهنياً واحداً، والذي بحسب الفرض مقرر في ذهن المتكلم، لا يمكن أن يوجد مرة أخرى بالوجود الذهني في ذهن السامع، لأن (المماثل لا يقبل المماثل). وعلى هذا الأساس، لم يؤخذ الوجود الذهني في الموضوع له للألفاظ.69
ملاحظاتنا حول هذا الاستدلال هي نفس ما سبق ذكره. فلكي يتحقق التفاهم والتخاطب، لا يلزم انتقال المعنى بالمعنى الذي يقصده المحقق الأصفهاني. وبالطبع، صحيح أن الوضع للصور الذهنية لا يمكنه تفسير عملية التفاهم والتخاطب، لكن سببه ليس ما ذكره المحقق الأصفهاني. وسبب ذلك هو نفسه ما ذُكر في نقد النظرية الفكرية للمعنى: إذا كان معنى اللفظة هو التصور الموجود في ذهن المتكلم، فسيكون المعنى أمراً متكثراً وتابعاً للأذهان، لا هوية واحدة ومشتركة، مع أنه بحسب الارتكاز، فإن معنى اللفظة في جميع استعمالاتها (عند انتفاء المجاز والاشتراك اللفظي) أمر واحد. ولعل المحقق الأصفهاني كان يضع في ذهنه هذا المطلب نفسه وهو أن المعنى يجب أن يكون مشتركاً بين المتكلم والمخاطب. وفي هذه الحال، فإن الإشكال في استدلاله هو أنه طرح فرضاً غير لازم لتأمين اشتراك المعنى؛ أعني هذا الفرض القائل بأن المعنى الواحد يجب أن يتحقق بالوجود الذهني في ذهن المتكلم وفي ذهن المخاطب معاً.
النظرية الشائعة في علم الأصول هي أن الموضوع له للألفاظ هو نفس الطبيعة (أو الماهية، أو المفهوم)، دون أن يُؤخذ فيها الوجود الخارجي أو الذهني.70 والمقصود من الكلمات الثلاث (الماهية) و(الطبيعة) و(المفهوم) في هذه النظرية، هو شيء واحد تقريباً يُسمى بثلاثة أسماء باختلاف الاعتبارات.
نظرية الوضع للطبيعة، قائمة بالكامل على الآراء الميتافيزيقية للفلاسفة المسلمين حول الكليات، والوجود الذهني، والتفكيك بين الوجود والماهية و... إلخ. ومن هنا، فمن أجل دراسة هذه النظرية بدقة، يلزم أن نشير إشارة عابرة إلى بعض المباحث المذكورة. يمكن تلخيص الآراء المرتبطة بالبحث الحالي بشكل مكثف جداً في ثلاث فقرات:
في كل موجود ممكن، يمكن تفكيك حيثيتين عن بعضهما: الوجود والماهية.
ماهية الأشياء هي ما يُسمى بطبيعة الشيء أو ماهيته. وعلى هذا الأساس، يمكن تبيين الشبه والاختلاف بين الموجودات. الشبه العيني الذي يُشاهد بين البشر، سببه أنهم جميعاً لهم ماهية واحدة، وبتعبير آخر، جميعهم أفراد ماهية واحدة. والشبه بين إنسان وحصان هو أيضاً بسبب الاشتراك في جزء من ماهيتهما، وبالطبع فإن اختلافهما ناشئ عن الاختلاف في الجزء الآخر من الماهية.
في الفلسفة الإسلامية، يُستخدم عادةً مقولة الماهية الميتافيزيقية لتبيين العلم الحصولي التصوري. عندما نتصور الإنسان، ففي الحقيقة، نفس ماهية الإنسان الموجودة في الخارج، توجد أيضاً في الذهن بوجود ذهني. تصور ماهية ليس شيئاً سوى تحققها بوجود ذهني. وبكلام آخر، كما أن كل فرد خارجي من الإنسان يُفكك إلى حيثيتي الوجود الخارجي وماهية الإنسان، فإن تصور الإنسان له أيضاً حيثيتان: الوجود الذهني وماهية الإنسان. ومن هنا، فإن تصور الإنسان هو فرد ذهني لماهية الإنسان. ولأن نفس الماهية الخارجية تتحقق في الذهن، فإن التصورات الذهنية تمتلك خاصية التمثيل والحكاية عن الخارج. وبالطبع، فإن آثار الأفراد الخارجية والذهنية لماهية واحدة مختلفة؛ فمثلاً، أفراد ماهية النار الخارجية فقط هي التي تمتلك خاصية الإحراق.71
تُطلق كلمة (المفهوم) على الماهية بهذا الاعتبار، وهو أن الماهية هي متعلق التصور بالذات. وبالطبع، بين (الماهية) و(المفهوم) عموم وخصوص مطلق. بعض المفاهيم ليست ماهيات، كمفهوم الوجود. وكما سيأتي، فإن التقرير الموسع للنظرية الثالثة هو أن الموضوع له لكل كلمة هو مفهوم، وإن لم يكن ماهية، بالمعنى الخاص للكلمة.
التلقي المذكور لكيفية حصول العلم بالأشياء يخلق مشكلات لنظرية المعنى لدى الأصوليين سنشير إليها.
يعتقد الفلاسفة المسلمون أن الطبيعة تتحقق في ضمن الأفراد. لكن حول علاقة الطبيعة بالأفراد، طُرحت نظريتان في تقليد الفلسفة الإسلامية: أ) نسبة الطبيعة إلى الأفراد، نسبة أب واحد إلى عدة أبناء، بمعنى أنه في جميع أفراد الإنسان، تتحقق طبيعة واحدة (بوحدة عددية). يرفض الفلاسفة المسلمون هذه النظرية، لأنها حسب زعمهم تستلزم لوازم غير مقبولة؛ فمثلاً إذا كانت الطبيعة التي تحققت في ضمن حسن هي بالضبط نفس الطبيعة الموجودة في ضمن حسين، يلزم أن يوجد شيء واحد في زمان واحد، في مكانين مختلفين.
ب) نسبة الطبيعة إلى الأفراد، نسبة الآباء إلى الأبناء؛ أي أنه في ضمن كل فرد من أفراد الإنسان تنشأ طبيعة منفصلة. الطبيعة الموجودة في ضمن حسن، مع الطبيعة التي في ضمن حسين، بينهما وحدة نوعية، لا عددية. هذه النظرية متفق عليها تقريباً بين الفلاسفة المسلمين،72 وطبقاً لمباني الفلسفة الإسلامية، يمكن تعميمها على الأفراد الذهنية أيضاً: تلك الطبيعة من الإنسان التي تجد وجوداً ذهنياً في تصور ما، تكون متميزة عددياً عن الطبائع التي تحققت في ضمن تصورات أخرى، وكذلك عن الطبائع الموجودة بوجود خارجي.
وكما سيأتي، فإن وجهة نظر الفلاسفة المسلمين حول علاقة الطبيعة بالأفراد، تخلق إشكالاً جدياً للنظرية الثالثة.
قبل الخوض في أدلة النظرية الثالثة، تجدر الإشارة إلى أن الأصوليين، خلافاً لنظرية المعنى القضوية، لا يميزون بين أنماط العلاقات الدلالية. فالعلاقة بين الألفاظ العامة ومعانيها، في نظرهم، هي ذات العلاقة القائمة بين اسم العلم والمسمّى. فهل هذه العلاقة، من وجهة نظر الأصوليين، هي علاقة حكاية (referring) أم تعبير (expression)؟ لما كان الأصوليون لا يفرقون بين هاتين العلاقتين، فإن هذا السؤال يكاد يكون بلا معنى. لكن يمكن القول إنهم يعممون العلاقة المشاهَدة بين الاسم والمسمّى على سائر الحالات، لأن العلاقة المذكورة هي أوضح أنماط ارتباط اللغة بالعالم الخارجي.
ويرى الأستاذ لاريجاني أيضاً أن نظرية الأصوليين القائلة بالوضع للماهية هي ضرب من نظرية المعنى الحكائية، مع فارق أن المحكي ليس الأشياء الخارجية المفردة، بل الماهية. وبتعبيره، يمكن القول حتى إن الألفاظ هي بمثابة بطاقات تعريف للطبائع.73
والآن، وفي ضوء ما تقدم، نواصل البحث بنقل الأدلة التي أقامها الأصوليون على مدعاهم:
التبادر: المتبادر من كل لفظ هو نفس الماهية، وقيد الوجود الخارجي والذهني ليس داخلاً في المعنى المتبادر.74
صحة التقسيم: إذا أخذنا لفظ (الإنسان) بنظر الاعتبار، أمكننا تقسيم مصاديق معناه إلى قسمين: أفراد خارجية وأفراد ذهنية. أما إذا كان الوجود الخارجي أو الذهني مأخوذاً في معنى (الإنسان)، فإن هذا التقسيم لا يكون ممكناً.75
يمكن حمل الوجود على (الإنسان) دون أن تكون القضية الناتجة ضرورية، كما يمكن سلبه عنه دون أن ينشأ تناقض. إذن، فالوجود ليس مأخوذاً في معنى (الإنسان). وقد طرح بعض الأصوليين هذا الاستدلال في خصوص الوجود الخارجي فقط،76 وطرحه آخرون في كلا الوجودين الخارجي والذهني.77
إن الاستدلالين الثاني والثالث، بفرض تماميتهما، لا يثبتان إلا أن الوجود الخارجي والذهني غير مأخوذين في الموضوع له للألفاظ، لكنهما لا يظهران مباشرة أن الموضوع له هو نفس الماهية. ويبدو أن قصد المستدلين هو أنه بعد إبطال الوضع للموجودات الخارجية أو الذهنية، فإن الاحتمال الوحيد المتبقي هو الوضع لنفس الماهية.
أهم أدلة النظرية الثالثة هو الاستدلال الذي طرحه المحقق الأصفهاني، وقد سبق ذكر أجزاء منه. الغرض من الوضع هو انتقال المعنى إلى ذهن السامع، وانتقال المعنى يعني تحقق المعنى بالوجود العلمي في ذهن السامع. لكن لا يمكن للموجودات الخارجية والذهنية أن توجد مرة أخرى بالوجود الذهني. إذن، فالمعنى هو نفس الماهية التي يمكن أن تجد وجوداً ذهنياً في ذهن المخاطب.78
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى هو: هل يمكن القول إن جميع الألفاظ قد وضعت للماهية؟ وفقاً لمباني الفلسفة الإسلامية، فإن بعض المفاهيم، كالوجود والعدم والمعقولات الثانية والمعاني الحرفية، لا تُعد من المفاهيم الماهوية. فما هو الموضوع له لألفاظ مثل (موجود) و(معدوم) وما شابهها إذن؟ يعتقد بعض أنصار النظرية الثالثة أن ألفاظاً من هذا القبيل قد وضعت للمفاهيم لا للماهيات، وعليه، فإن التقرير الأصح للنظرية الثالثة هو أن الموضوع له لكل لفظ هو مفهوم، وإن لم يكن هذا المفهوم ماهية بالمعنى الأخص للكلمة. ويدافع الأستاذ لاريجاني عن هذا التوجه،79 بل ويوسع هذه النظرية لتشمل الماهيات المجعولة والاعتبارية مثل (الصلاة) و(البيت). ومن وجهة نظره، فإن هذا التقرير الموسع للنظرية الثالثة هو أكثر معقولية وتوجيهاً من سائر النظريات الأخرى (سواء في تقليد الفلسفة التحليلية أو في علم الأصول).80
إن دراسة تعميم النظرية الثالثة على ألفاظ مثل (الوجود) و(العدم) والألفاظ الدالة على المركبات الاعتبارية والحروف ليس ميسوراً في هذه الكتابة، لذا نحصر بحثنا في الألفاظ غير ما ذكر. هذه النظرية ـ بصرف النظر عن حالات التعميم ـ تواجه إشكالين أساسيين. ينشأ كلا الإشكالين من الآراء الميتافيزيقية للتقليد الفلسفي ـ الأصولي حول الماهية، ويسريان بالطبع إلى المسائل اللغوية أيضاً:
الإشكال الأول: إذا كانت كلمة (إنسان) قد وُضعت لطبيعة الإنسان، دون لحاظ الوجود الخارجي أو الذهني، فينبغي أن تنطبق على الأفراد الخارجية للإنسان وعلى الأفراد الذهنية له على السواء، مع أنه بناءً على الارتكاز، لا يصح إطلاق كلمة (إنسان) على تصوّر الإنسان، بل يمكن سلبها عن الصور الذهنية والقول: (تصوّر الإنسان ليس إنساناً).81
لعلّه يُقال دفاعاً عن النظرية الثالثة: إن الفرد الذهني لماهية الإنسان ينحلّ إلى حيثيتين: الوجود الذهني ونفس ماهية الإنسان. والآن، ما المقصود من إمكان سلب كلمة (إنسان) – بالنظر إلى معناها – عن تصوّر الإنسان؟ ثمة ثلاثة احتمالات في هذا الشأن:
يمكن سلب كلمة (إنسان) عن الوجود الذهني.
يمكن سلب هذه الكلمة عن الماهية بقيد الوجود الذهني.
يمكن سلب كلمة (إنسان) عن نفس ماهية الإنسان (دون لحاظ تحقّقها في الذهن).
الاحتمالان الأولان صحيحان، لكنهما لا يوجّهان إيراداً على النظرية الثالثة، لأن مدّعى هذه النظرية هو الوضع لنفس الماهية. أما الاحتمال الثالث، الذي يصلح للاستعمال في الإشكال على النظرية الثالثة، فهو غير مقبول؛ إذ إن نفس ماهية الإنسان، حينما توجد في الذهن – لا بقيد الوجود الذهني – هي إنسان.82
يبدو أن الجواب المذكور غير تام؛ فلاتّضاح المطلب، لاحظوا كيفية حمل (إنسان) على الأفراد الخارجية. كل فرد خارجي أيضاً ينحلّ إلى وجود وماهية. لكن عرفاً يمكن حمل (إنسان) على الوجود الخارجي، وكذلك على الماهية بقيد الوجود الخارجي. يمكن أن نشير إلى فرد خارجي ونقول: (هذا الوجود إنسان) و(هذه الماهية الموجودة إنسان). هاتان الجملتان رائجتان تماماً في اللغة العرفية، ولم يقع فيهما أي تجوّز عرفي. طبعاً، وفقاً لمباني الفلسفة الإسلامية، قد وقع التجوّز العقلي في كلتا الجملتين، لأن (إنسان) لا ينطبق إلا على حيثية الماهية.83 لكن هذا النوع من التدقيقات العقلية لا يلتفت إليه العرف العام، ومن ثمّ فإن العرف يستعمل كلتا الجملتين دون أن يشعر بأي تجوّز. والآن نقول: إذا كانت كلمة (إنسان) موضوعة لنفس الطبيعة، فينبغي أن يكون إطلاقها على الأفراد الذهنية على هذا النحو أيضاً؛ أي ينبغي أن نتمكن من الإشارة إلى تصوّر ذهني والقول دون أي تجوّز عرفي: (هذا التصوّر إنسان)، لأنه بناءً على النظرية الثالثة، أقصى ما وقع في هذه الجملة هو المجاز العقلي، لكن من الواضح أن العرف لا يعدّ أياً من هاتين الجملتين صادقة.84
يبدو أن إشكال هداية المسترشدين إشكال متين، لكن السؤال هنا: ما النتيجة التي يمكن استخلاصها منه؟ لنراجع الإشكال مرة أخرى: إذا كانت (1) الألفاظ موضوعة لنفس الماهية (النظرية الثالثة) و(2) تصوّر كل ماهية فرداً (ذهنياً) من الماهية (نظرية الوجود الذهني)، فيلزم أن (3) نتمكن من حمل كلمة (إنسان) على تصوّر الإنسان. من بطلان القضية (3)، يُستنتج بطلان واحدة على الأقل من القضيتين (1) و(2). وعليه، يمكن اتخاذ موقفين مختلفين إزاء هذه المسألة: الموقف الأول هو إنكار النظرية الثالثة. وقد تبنّى صاحب هداية المسترشدين هذا المنحى، وسيُفصَّل في النظرية الرابعة. الموقف الثاني هو رفض نظرية الوجود الذهني؛ أي أن نذهب إلى أن تصوّر الإنسان ليس فرداً من ماهية الإنسان، وأن ماهية الإنسان لا تتحقق في الذهن أصلاً. وبهذا، يمكن صون النظرية الثالثة في مقابل إشكال هداية المسترشدين. وقد اتخذ الفاضل الأردكاني هذا المنحى تقريباً إزاء الإشكال المذكور؛ فهو من جهة يقبل نظرية الوضع لنفس الماهية، ومن جهة أخرى لا يعدّ المفاهيم الذهنية أفراداً للماهية.85
والآن، أي الموقفين مقبول؟ يبدو أن ثمة أدلة مستقلة ضد نظرية الوجود الذهني ليس هذا المقال مجالاً للخوض فيها،86 وفضلاً عن ذلك، وكما سيأتي، فإن نظرية صاحب هداية المسترشدين تواجه إشكالات، ولا تستطيع في النهاية أن تمنع من إطلاق كلمة (إنسان) على التصوّرات الذهنية. وعلى هذا الأساس، يكون الموقف الثاني أكثر قبولاً.
وخلاصة القول إن الإشكال الأول هو في الحقيقة إشكال على نظرية الوجود الذهني، لا على نظرية وضع الألفاظ للماهية.
من هنا، تظهر نقطة ضعف أخرى في استدلال المحقق الأصفهاني لصالح الوضع للماهية، وهو الاستدلال الرابع. ففي رأيه، بما أن الماهية (على خلاف الوجود الذهني والخارجي) قابلة للانتقال إلى الذهن، فلا بد أن يكون الموضوع له للألفاظ هو الماهية. لكن إذا فسرنا الانتقال إلى الذهن كما يفسره المحقق الأصفهاني (أي التحقق في الذهن)، فإن الماهية أيضاً غير قابلة للانتقال إلى الذهن، ولا تختلف من هذه الجهة عن الموجودات الخارجية.
علاوة على ذلك، يتضح عدم تمامية الاستدلال الثاني للنظرية الثالثة أيضاً: فمعنى أي لفظ ليس قابلاً للتقسيم إلى أفراد خارجية وذهنية، لأن الماهيات لا أفراد ذهنية لها أصلاً.
الإشكال الثاني: يتناول هذا الإشكال التصورات الأساسية للتقليد الفلسفي الأصولي حول الطبيعة ونسبتها إلى الأفراد، ويُظهر في النهاية أنه إذا كان الموضوع له أو معنى الألفاظ هو الطبيعة نفسها، فلا بد من إجراء تغييرات جوهرية في الآراء المتعلقة بالطبيعة. والآن نشرع في تقرير هذا الإشكال: كما قيل، يعتقد الفلاسفة المسلمون أن الطبيعة تتحقق في ضمن الأفراد، ونسبتها إليها نسبة الآباء إلى الأبناء. والسؤال هو: هل للطبيعة، عدا التحقق الذي لها في ضمن الأفراد، نوع آخر من التحقق أو التقرر؟ هناك جوابان محتملان لهذا السؤال:
الجواب الأول: ليس للطبيعة تقرر غير الوجود في ضمن الأفراد. في هذه الحال، تواجه نظرية الوضع للطبيعة تقريباً الإشكالات نفسها التي واجهتها نظرية الوضع للخارج. ويمكن تقرير هذه الإشكالات على النحو التالي:
الإشكال الأول: لازم الجواب الأول أن حمل الوجود على (الإنسان) ضروري، وسلب الوجود عن الإنسان شبه تناقض. توضيح ذلك أن الموضوع له للفظ (إنسان) بناءً على الفرض هو الطبيعة، وطبقاً للجواب الأول، لا تقرر للطبيعة إلا في ضمن الأفراد الموجودة (بالوجود الذهني أو الخارجي).
ومن ثم، فرغم أن الوجود ليس قيداً للموضوع له، إلا أنه ظرفه؛ أي إن الألفاظ قد وضعت للطبيعة حين الوجود (لا بقيد الوجود). وهذا المقدار كافٍ لأن يكون حمل الوجود ضرورياً وسلبه في حكم التناقض.
الإشكال الثاني: لأي هوية وضعت ألفاظ مثل (سيمرغ) و(إنسان ذي عشرة رؤوس)؟ بما أن هذه الألفاظ لا مصداق لها، والطبيعة أيضاً بناءً على الجواب الأول لا تقرر لها إلا في ضمن الأفراد، والتصورات الذهنية ليست أفراداً للماهية، فينبغي القول إن هذه الألفاظ لا ما بازاء لها وهي مهملة.
الإشكال الثالث: أحد طرق التخلص من الإشكال السابق هو أن نعتبر التصورات الذهنية أفراداً للماهية. في هذه الحال، يمكن القول إن لفظ (سيمرغ) قد وضع لطبيعة تتحقق في ضمن أفرادها الذهنية. لكننا ما زلنا نواجه مشكلة أخرى، وهي أن كل طبيعة لها تحققات متميزة بعدد أفرادها الخارجية والذهنية. فلفظ (سيمرغ) أو (إنسان) بازاء أي واحدة من هذه الطبيعات قد وضع؟ هناك ثلاثة احتمالات في هذا الشأن. الاحتمال الأول هو أن الموضوع له للفظ (إنسان) هو جميع الطبيعات التي تحققت في ضمن الأفراد المتعددة. ويعني هذا الاحتمال أن (إنسان) مشترك لفظي؛ أي إن أوضاعاً متعددة قد تمت بالنسبة إليه، وفي كل مرة وضع لطبيعة واحدة.
الاحتمال الثاني هو أن الذهن ينتزع وجهاً جامعاً من الطبيعات المتعددة للإنسان، ويوضع لفظ (إنسان) لنفس ذلك الوجه الجامع المشترك. وهذا الاحتمال لا يمكن قبوله أيضاً، لأن الوجه الجامع الذي يحصله الذهن ليس شيئاً سوى نفس مفهوم الإنسان الذي يتحقق في الذهن. لكن هذا المفهوم هو نفسه فرد ذهني من طبيعة الإنسان. أي إنه إحدى الطبيعات المتحققة في ضمن الأفراد، والتي تتميز عددياً عن سائر الطبيعات. وعليه، فإن أي محاولة لانتزاع وجه جامع مشترك بين الطبيعات لا تؤدي إلا إلى إضافة طبيعة أخرى (موجودة بالوجود الذهني) إلى مجموعة الطبيعات.87
الاحتمال الثالث هو أن معنى كل لفظ بالنسبة لكل شخص، هو فقط نفس الطبيعة التي تحققت في ذهنه حين استعمال اللفظ، لا سائر تحققات تلك الطبيعة. وهذا الاحتمال يواجه بالضبط إشكال النظرية المثالية للمعنى نفسه.
الجواب الثاني: نتيجة النقاش أعلاه هي أن أنصار النظرية الثالثة لا يمكنهم بأي وجه قبول الجواب الأول، ويضطرون إلى افتراض تقرر مستقل للطبيعة منفصل عن تحققها في ضمن الأفراد، بحيث إنه حتى لو كانت طبيعة ما بلا مصداق، فإنها تظل متقررة على نحو ما. وقد اقترب الأستاذ لاريجاني من هذه الفكرة ذاتها: (إن قول البعض بأن الماهيات ذهنية ليس بصحيح. فالماهية لها صقع تقررها الخاص. وطبعاً ليس المقصود التقرر الخارجي، بل إننا حين نقسم العالم في تأمل ذهني إلى حيثيتي الوجود والماهية، نُقر بماهية صقعية توجد فيها الماهيات والحدود؛ أي إن الحدود متقررة في عالم حديتها، ولا دخل للوجود ولا للعدم فيها. إنما هي حدود فحسب، وإليها نشير بالحد).88 ويُقال أحياناً أيضاً إن الطبائع والماهيات، بصرف النظر عن وجود الأفراد، لها تقرر نفس أمري. إن افتراض تحقق للماهية منفصلاً عن تحقق الأفراد هو افتراض صحيح في الأساس، ويمكن بناءً عليه حل الإشكالات السابقة الذكر. (لكن الإشكال الأول ينطوي على نكتة خاصة سيأتي ذكرها لاحقاً) غير أن هذه النظرية لم تُشَرَّح جيداً في التقليد الفلسفي الأصولي، ويبدو أن قبولها يستلزم إعادة نظر في بعض مقبولات هذا التقليد. وسنشير فيما يلي إلى بعض هذه المباحث. أول سؤال يتبادر إلى الذهن هو: هل الماهية، بصرف النظر عن تحقق الأفراد، موجودة بالمعنى الخاص للكلمة أم لا؟ لا يُعطى عادةً جواب صريح على هذا السؤال، ويُستعمل أحياناً بدل لفظ (الوجود) لفظ (التقرر) أو (التقرر النفس الأمري) أو (التقرر في صقعه الخاص). وفحص هذه الاصطلاحات يستلزم ملاحظة الآراء المتعلقة بنفس الأمر في تقليد الفلسفة الإسلامية. وهنا، دون أن نتطرق لمسألة نفس الأمر، نكتفي بالتنبيه على أن (الوجود) و(التقرر) و(الشيئية) و(التحقق) كلها بمعنى واحد.89 وبناءً على هذا، يبدو أنه لتعليل معنى الكلمات – وسائر الوقائع المتعلقة بالمعنى – يجب أن نلتزم بأن: الماهيات موجودة بصرف النظر عن المصاديق. إذ لا يمكن وضع لفظ (العنقاء) وأمثالها لشيء ليس بموجود. فالوضع علاقة، ولتحققها لا بد أن يكون طرفا العلاقة موجودين. ولفظ (الوجود) هنا يُستعمل بالضبط بنفس المعنى الذي يُستعمل به في سائر الموارد،
واستعمال اصطلاح (التقرر النفس الأمري) بدلاً منه لا وظيفة له سوى إضافة الغموض والفرار من اتخاذ موقف صريح. وهذه الماهية الموجودة المستقلة عن الأفراد يمكن تسميتها (الماهية أو الطبيعة الأفلاطونية) لأن هذا التلقي للماهية يشبه تماماً التلقي الأفلاطوني للكليات. كما أننا نُعبِّر عن الطبيعة التي ينظر إليها الفلاسفة المسلمون والتي تتحقق في ضمن الأفراد بـ (الطبيعة السينوية). وهذه التسمية باعتبار البحث الذي طرحه ابن سينا في مواجهته لرجل همداني. وخصائص الطبيعة الأفلاطونية مختلفة تماماً عن الخصائص التي تُنسب إلى الطبيعة في تقليد الفلاسفة المسلمين:
الطبيعة الأفلاطونية لا تتحقق في ضمن الأفراد؛ أي إنها ليست موجودة بوجود الأفراد.
وبناءً على ذلك، فالطبيعة الأفلاطونية تقع وراء الزمان والمكان، لا في الزمان والمكان الذي نشأ فيه فردها. وبهذا الاعتبار يمكن القول إن الطبيعة الأفلاطونية مجردة.
نسبتها إلى الأفراد هي نسبة الأب إلى الأبناء، لا نسبة الآباء إلى الأبناء. فبإزاء جميع أفراد ماهية واحدة، لا توجد إلا طبيعة أفلاطونية واحدة.
والآن قد يُقال إنه لتعليل الوقائع المتعلقة بالمعنى يلزم قبول الطبيعة الأفلاطونية، لكن هذا لا ينافي أن نقبل أيضاً الطبيعة السينوية لأدلة مستقلة؛ فمثلاً يمكن افتراض أن ماهية مجردة للإنسان موجودة في العالم الأفلاطوني، وفضلاً عن ذلك تتحقق في ضمن كل فرد من أفراد الإنسان طبيعة إنسانية تتميز عدداً عن بعضها البعض.
لكن يبدو أن الالتزام بوجود كلا المقولتين (الطبيعة الأفلاطونية والطبيعة السينوية) معاً ليس بموجَّه. وبالتناظر مع هذا البحث، هناك مسألة تُطرح في ميتافيزيقا الفلسفة التحليلية: هل يمكن قبول الكليات وقبول الصفات الجزئية90 معاً؟ الجواب الذي قدمه بعض الفلاسفة الغربيين هو أن كل واحدة من هاتين المقولتين (الكليات والصفات الجزئية) يمكنها لوحدها أن تُعَلِّل إلى حد ما الظواهر المنظورة. وعليه، فإن قبول كلا المقولتين غير ضروري، ووفقاً لقاعدة أوكام فهو غير صحيح.91
في المسألة الحاضرة، الأمر على هذا المنوال أيضاً. كل ظاهرة يمكن للطبيعة السينوية أن تفسّرها، يمكن تفسيرها بالماهيات الأفلاطونية أيضاً. إذن، إذا كنّا مضطرين لقبول الماهيات الأفلاطونية لتفسير وقائع المعنى، فلا يبقى وجه للالتزام بالطبائع السينوية.92 إن إثبات هذا الادعاء ودراسة المباحث المرتبطة به يجرّنا إلى النزاع العريق طويل الأمد حول الكليات، الذي لا يتسع له المجال في هذه المقالة. وفيما يلي، سنبيّن فحسب أنه إذا كان الموضوع له أو المدلول للألفاظ هو الماهيات الأفلاطونية، فلن نواجه أياً من المشكلات التي يثيرها الوضع للطبائع السينوية.
بناءً على الوضع للماهية الأفلاطونية، لا يظهر الإشكال الثاني أساساً، لأنه حتى لو لم تكن للماهية مصاديق، فهي موجودة مع ذلك: والإشكال الثالث ينتفي بالطريقة نفسها. فبإزاء جميع أفراد الماهية، لا توجد إلا ماهية أفلاطونية واحدة (بوحدة عددية)، والموضوع له هو الهوية الواحدة نفسها. لكن وضع الإشكال الأول مختلف. فللوهلة الأولى يبدو أن نظرية الوضع للماهيات الأفلاطونية تواجه المشكلة نفسها، أو شيئاً مماثلاً لها. فإذا اعتبرنا الموضوع له لكل لفظ هو ماهية أفلاطونية، فينبغي أن نلتزم بأن حمل الوجود على كل لفظ ذي معنى يولّد جملة يكون صدقها معلوماً على نحو قبْلي، لأن الماهيات الأفلاطونية، حتى في حال عدم وجود مصاديق لها، موجودة، والألفاظ ذات المعنى، بحسب الفرض، تحكي عن الماهيات الأفلاطونية، وعليه فجملة (العنقاء موجودة) وأمثالها هي جمل صادقة لا نحتاج للإحاطة بصدقها إلى مراجعة العالم الخارجي. لكن هذا الأمر خاطئ بوضوح.
للإجابة عن هذا الإشكال، يلزم تقديم مقدمة حول الفصل بين العلاقة السمانتيكية للحكاية والعلاقة السمانتيكية للتعبير.
لننظر في جملة (1) (زيد شجاع). يشير موضوع هذه الجملة إلى شيء خارجي، إذن فدوره السمانتيكي هو الحكاية والإحالة. وكلمة (شجاع) أيضاً لها علاقة سمانتيكية مع ماهية الشجاعة الأفلاطونية، لكن يبدو أن هذه العلاقة ليست علاقة حكاية وإحالة. والدليل على ذلك هو أنه لو كانت (شجاع) تحكي عن ماهية الشجاعة، لوجب أن تكون كلمة (شجاع) مرادفة لعبارة (الماهية الأفلاطونية للشجاعة)، لأنه في هذه الحالة، تقيم كلتاهما علاقة سمانتيكية واحدة مع هوية واحدة. إذن، يلزم أن تكون جملة (1) مساوية في القيمة لجملة (زيد هو الماهية الأفلاطونية للشجاعة)، لكن من الواضح أن الأمر ليس كذلك.
والآن، إذا كانت (شجاع) لا تحكي عن ماهية الشجاعة، فما علاقتها بها؟ في تقليد الفلسفة التحليلية، يُقال عادة إن هذه العلاقة هي التعبير أو الدلالة التلميحية93.94 على أية حال، عندما يُقال إن لفظاً في جملة ما يعبّر عن ماهية، فالمقصود هو أن الجملة المذكورة هي بصدد مصاديق تلك الماهية، ولا تقول شيئاً عن نفس الماهية مباشرة؛ فمثلاً جملة (زيد شجاع) هي عن زيد مباشرة، لا عن ماهية الشجاعة.95 لكن هل لدينا في اللغة العرفية ألفاظ دورها الحكاية والإشارة إلى الماهية الأفلاطونية؟ عادة ما يذهب الواقعيون الأفلاطونيون إلى أن أسماء المعاني96، مثل (الشجاعة) و(البياض) و(الإنسانية)، تؤدي هذا الدور، ونسبة هذه الألفاظ إلى الماهيات المناظرة هي نسبة الاسم إلى المسمى.
بالطبع، قد لا يكون هذا الادعاء صحيحاً على نحو مطلق، لكن على أية حال، يمكن بناء عبارة مركبة تشير إلى الماهيات، مثل (ماهية الإنسان).
بناءً على ما قيل أعلاه، فمجرد قولنا إن لفظاً ما قد وُضع لماهية الإنسان لا يحدد دوره السمانتيكي، بل يجب أن يُحدَّد ما إذا كان اللفظ المذكور قد وُضع لغرض الحكاية عن ماهية الإنسان، أم بهدف التعبير عنها. ومن هنا، فهناك نوعان ممكنان من الوضع لكل ماهية. وهذا بالطبع لا يعني أن كلا نوعي الوضع قد تحقق فعلاً لكل ماهية؛ فمثلاً لفظ (إنسان) وُضع بهدف التعبير عن ماهية الإنسان، لكن ربما لا يوجد في اللغة الفارسية لفظ غير مركب للحكاية عن هذه الماهية.
بعد هذه المقدمة المطولة، ننتقل إلى صلب الإشكال. ينشأ الإشكال المذكور أساساً من عدم التمييز بين نوعين من العلاقة الدلالية. في القضية الحملية البسيطة، إذا عبّر الموضوع عن ماهية، فإن صدق القضية ليس قبلياً، لأن مثل هذه القضية لا تتحدث عن الماهية نفسها، بل عن مصاديقها، مثل (الإنسان موجود)، أما إذا حكى الموضوع عن ماهية، فستكون القضية صادقة قبلياً، مثل (ماهية الإنسان موجودة). وهذا أمر غريب. الجملة الأخيرة تشبه تقريباً القول: (ماهية الإنسان متقررة في صقعها الخاص).
من الواضح أنه لإحراز صدق مثل هذه القضية، لا حاجة إلى الرجوع إلى العالم الخارجي والتحقق مما إذا كان هناك فرد من الإنسان موجوداً أم لا.
أما الإشكال الثاني على نظرية الوضع للطبيعة فيمكن تلخيصه كالتالي: هناك احتمالان بخصوص تحقق الطبيعة: 1. الطبيعة لا تتحقق إلا ضمن الأفراد. 2. الطبيعة متحققة بصرف النظر عن الأفراد. وفقاً للاحتمال الأول، يواجه الوضع للطبيعة ثلاث مشكلات جدية. وبناءً على الاحتمال الثاني، فرغم أن نظرية الوضع للطبيعة يمكنها تفسير الوقائع المتعلقة بالمعنى، إلا أنها لتحقيق هذا الهدف يجب أن تقبل بأن:
أ) الماهيات الأفلاطونية، بصرف النظر عن الأفراد، موجودة بشكل مجرد (وراء الزمان والمكان).
ب) نسبتها إلى الأفراد هي نسبة الأب إلى الأبناء.
ج) يمكن أن تنشأ علاقتان دلاليتان بين الألفاظ والماهية، وهذه العلاقة في حالة الألفاظ العامة هي علاقة تعبير، لا حكاية.
وبالنظر إلى الإشكال الأول على النظرية الثالثة، يضاف بند آخر إلى هذه القائمة:
د) تصور ماهية ليس هو تحققها في الذهن. الماهية هوية مستقلة عن الأذهان البشرية، وتصورها يعني إقامة نحو من العلاقة الإدراكية بين الذهن والماهية. يمكن لأذهان متعددة أن تتصور ماهية واحدة؛ أي أن تقيم علاقة إدراكية مع ماهية واحدة.
يُلاحظ أن كل هذه البنود هي خصائص تُذكر لمدلول الألفاظ العامة في النظريات القضوية الكلاسيكية (نظريتا فريجه وراسل). وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنه بعد إجراء التغييرات والإصلاحات المطلوبة في نظرية الوضع للطبيعة، فإن ما يتم الحصول عليه هو شيء مشابه للنظريات القضوية للمعنى.
كما قيل، يذكر الشيخ محمد تقي الأصفهاني أربعة تفاسير للوضع للخارج: 1. الوجود الخارجي قيد للموضوع له؛ 2. الوجود الخارجي شرط للموضوع له؛ 3. الموضوع له هو المفهوم، لكن من حيث تحققه في الخارج، وإن لم يكن متحققاً في الواقع الخارجي فعلاً؛ و4. الألفاظ موضوعة للمفاهيم، من حيث كونها عنواناً للمصاديق، سواء كان لها مصداق في الواقع أم لا.97 ويُعبّر أحياناً عن التفسير الرابع بأن: الألفاظ موضوعة للمفاهيم من حيث التحقق المناسب لها، وإن لم تكن متحققة بالفعل.
الفرق بين النظرية الثالثة (الوضع للمفهوم) والتفسيرين الثالث والرابع هو أن الموضوع له في النظرية الثالثة هو نفس المفهوم، دون أن تكون هناك حيثية خاصة، بينما في التفسيرين الثالث والرابع، الموضوع له هو المفهوم بحيثية خاصة. وخلاف التفسيرين الثالث والرابع يتعلق أيضاً بتلك الحيثية.
في التفسير الثالث، تُلحظ حيثية التحقق في الخارج، بينما في التفسير الرابع، تكون حيثية التحقق المناسب للمفهوم هي المعتبرة. ويفضل صاحب هداية المسترشدين التفسير الرابع على الثالث، لأنه بزعمه، التفسير الثالث صحيح فقط في خصوص الألفاظ التي شأن مصاديقها التحقق في الخارج، مثل (إنسان) و(سيمرغ) و(شريك الباري). أما التفسير الرابع فيشمل بالإضافة إلى ذلك الحالات التالية:
أ) الألفاظ التي شأن مصاديقها التحقق الذهني، مثل (نوع) و(كلي).
ب) الألفاظ التي لها مصداق ذهني وخارجي معاً، مثل (زوجية).
ج) الألفاظ التي لا تتحقق إلا باعتبار العقل، مثل (لا شيء) و(معدوم).
يشبّه صاحب هداية المسترشدين، سعياً لتقديم صورة أوضح عن مختاره، وضع الألفاظ بالقضايا الحقيقية. فمن وجهة نظره، حين نضع لفظاً لمفهومٍ ما، فإننا نلحظ المفهوم بالكيفية ذاتها التي يُلحظ بها الموضوع في القضية الحقيقية. ففي قضية (كل إنسان حيوان)، المقصود هو أن نحكم على أفراد الإنسان الخارجية فقط، لا على أفراده الذهنية، ولا على ماهية الإنسان المطلقة (بحيث تشمل الأفراد الذهنية أيضاً)، وإن كان المحكوم عليه أعم من الأفراد الخارجية بالفعل والأفراد الخارجية التقديرية. وعلى هذا المنوال، حين يُوضع لفظ (إنسان) لمفهوم الحيوان الناطق، فإن الموضوع له ليس الأفراد الذهنية لهذا المفهوم (أي الصور الذهنية)، وليس المفهوم المطلق، بحيث يشمل الأفراد الذهنية أيضاً، بل الموضوع له هو المفهوم بلحاظ تحقّقه في الخارج، دون أن يكون التحقّق الخارجي قيداً للموضوع له.98
يقيم صاحب هداية المسترشدين ثلاثة استدلالات على مختاره، نعرض هنا استدلاله الرئيسي فحسب مع شيء من التصرّف. يقوم الاستدلال المذكور على ارتكازين عرفيين. الارتكاز الأول هو أن حمل الوجود والعدم على معاني الألفاظ لا يستلزم تكراراً ولا تناقضاً. يُظهر هذا الارتكاز أن الوجود الخارجي أو الذهني لم يؤخذ في الموضوع له للألفاظ.
الارتكاز الثاني هو أنه يمكن سلب معنى الألفاظ عن التصورات الذهنية؛ فمثلاً يمكن القول إن (تصوّر الإنسان ليس إنساناً). يثبت هذا المطلب أن الموضوع له للألفاظ ليس الصور الذهنية، وفضلاً عن ذلك، فإن الألفاظ لم توضع لنفس الماهية أيضاً، لأنه لو كان الموضوع له هو نفس الماهية بلا أي قيد، لكان سلبها عن الأفراد الذهنية غير صحيح.
نتيجة الارتكازين المذكورين هي أن الألفاظ لم توضع للموجودات الخارجية، ولا للموجودات الذهنية، ولا لنفس الماهية. الطريق الوحيد المتبقي هو أن يُقال إن الموضوع له هو المفهوم من حيث حكايته عن المصاديق، وإن لم يكن له مصداق.99
كما أشير سابقاً، يرى الأستاذ لاريجاني أن الشطر الثاني من استدلال صاحب هداية المسترشدين غير تام. فبرأيه، صحيح أنه يمكن سلب معنى الألفاظ عن الصور الذهنية، لكن لا يمكن أن نستنتج من ذلك أن الألفاظ لم توضع لنفس الماهية، لأن الألفاظ قابلة للسلب عن الوجود الذهني فقط، لا عن الماهية التي توجد في وعاء الذهن. سبق تفصيلاً أن إشكال الأستاذ لاريجاني على استدلال صاحب هداية المسترشدين غير وارد، لكن الاستدلال المذكور يعاني من مشكلة من جهة أخرى: الارتكاز الثاني يفضي إلى أحد أمرين: بطلان نظرية وضع الألفاظ لنفس الماهية، أو بطلان نظرية الوجود الذهني. صاحب هداية المسترشدين، لتسليمه بنظرية الوجود الذهني، يلتزم بالنتيجة الأولى، لكن يبدو أن النتيجة الثانية هي التي ينبغي قبولها.
علاوة على ما ذُكر، وُجّهت انتقادات أخرى على أصل نظرية صاحب هداية المسترشدين.
من الجدير بالذكر أن عبارات صاحب هداية المسترشدين في تبيين رأيه المختار، مبهمة وغير واضحة. فهو يستعمل تعبيرين مختلفين لبيان نظريته. فبحسب تعبير، الموضوع له هو الماهية من حيث التحقّق المناسب لها، وإن لم تتحقق بالفعل.100 والتعبير الآخر هو أن الموضوع له هو المفهوم من حيث حكايته عن المصاديق (أو من حيث كونه عنواناً للمصاديق)، وإن كان فاقداً للمصداق بالفعل.101 من الواضح أن حيثية تحقّق الماهية في الخارج، تختلف عن حيثية حكاية المفهوم عن الخارج: أولاً، الحكاية وصف يُسند إلى الماهية في وعاء الذهن، أما لإسناد التحقّق إلى الماهية فلا يلزم فرض تقرّرها في الذهن. ثانياً، الحكاية أو العنوانية للمصاديق وصف لازم وغير قابل للانفكاك عن المفاهيم. السمة الذاتية للمفهوم هي الحكاية عن المصاديق، وإن لم يكن له مصداق، أما التحقّق فليس لازماً للماهية.
طُرح في المصادر الأصولية إشكالان على نظرية صاحب هداية المسترشدين، كل منهما ناظر إلى أحد التعبيرين المذكورين.102
يتناول الإشكال الأول التعبير الأول. فعندما يُقال إن الألفاظ قد وُضعت للماهيات من حيث تحققها المناسب لها، فإن المقصود بهذه الحيثية إما أن يكون الحيثية التعليلية أو الحيثية التقييدية: من المسلّم أن الحيثية التعليلية ليست مرادة، وعليه يجب أن تكون الحيثية التقييدية هي المقصودة. أي أن التحقق الخارجي قيد للموضوع له. ولكن في هذه الحال، تصبح نظرية صاحب هداية المسترشدين هي نفسها نظرية الوضع للموجودات الخارجية.103
أما الإشكال الثاني فينظر إلى التعبير الثاني. فطبقاً لهذا التعبير، وُضعت الألفاظ للمفاهيم من جهة حكايتها عن مصاديقها. ومن الواضح أن الماهية ما لم تتصور في الذهن، لا تتصف بخاصية الحكاية. لذلك، فالمقصود على الأرجح هو أن الموضوع له هو الماهية التي إذا تحققت في الذهن، حكت عن مصاديقها. لكن حيثية الحكاية عن المصاديق هي لازمة غير قابلة للانفكاك عن المفاهيم، ومن ثم فإن ملاحظتها في مقام الوضع لغو وتحصيل حاصل. حتى لو لم يلحظ الواضع حيثية الحكاية، فإن المفهوم الذي يتبادر إلى الذهن عند سماع اللفظ يمتلك هذه الحيثية.104 علاوة على ذلك، فإن أخذ حيثية الحكاية لا يحقق هدف صاحب هداية المسترشدين. فغرضه الأساسي من إضافة هذا القيد هو ألا ينطبق معنى لفظ (إنسان) على الصور الذهنية. ولكن إذا كان الموضوع له في لفظ (إنسان) هو المفهوم من حيث الحكاية، فإن معنى هذا اللفظ سيكون قابلاً للحمل على المفاهيم المتحققة في الذهن، وكذلك على الصور الذهنية (بالمجاز العقلي، لا العرفي). وهذا يتنافى مع الارتكاز الثاني.
كما أن مقارنة وضع الألفاظ للمفاهيم بالقضايا الحقيقية تواجه إشكالات نغض الطرف عن ذكرها مراعاة للاختصار.
* طالب دكتوراه في الفلسفة التحليلية بمعهد العلوم الأساسية.
entity theories of meaning; هذا المصطلح مأخوذ من لايكن (ص 78).
(هذا المصطلح مقتبس أيضاً من لايكن (ص 77)) 2. the meaning facts
ontnlogical reading
epistemological reading
بالطبع تُلاحظ خيوط من النظرية الاستعمالية للمعنى في بعض آراء الأصوليين، وسنشير إليها.
refrential theory
ideational theory
propositional theory
possible worlds semantics
(حكائي) هنا مرادف لكلمة (refrential) التي تُترجم أحياناً بـ (إرجاعي) أو (إشاري). يجب الانتباه إلى أن المقصود بـ (حكائي) في هذا النص هو ذلك المعنى الخاص المذكور في المتن؛ أي العلاقة التي تبدو قائمة بين أسماء العلم والأشياء. في أدبيات فلسفة اللغة، يُعبّر عن هذه العلاقة بأفعال مثل (refer) و (denote) و (designate). وكلمة (حكائي) في اللغة الفارسية تؤدي أحياناً معنى أوسع، ذلك أن كلمة (حكاية) وأمثالها تُستخدم بكثرة في تقاليد الفلسفة الإسلامية وأصول الفقه، وتعادل تقريباً التمثيل (representation). وطبقاً لهذا المعنى الموسع، فإن نظريات المعنى الشيئية الأربع جميعها (حكائية)، ومن الواضح أن هذا المعنى ليس مقصوداً في (referential theory). في هذه المقالة، كلما استُخدمت ألفاظ (حكاية) و (إرجاع) و (إشارة) ومشتقاتها، كان المعنى الضيق هو المقصود.
هذا الإشكال مقتبس من مقالة فرجه
بطبيعة الحال، وكما سيأتي، فإن التعبير الأدق هو أنه وفقًا لدلالات العوالم الممكنة، فإن مدلول كلمة (أبيض) ـ على سبيل المثال ـ هو دالة تنقل كل عالم ممكن إلى مجموعة الأشياء البيضاء في ذلك العالم.
tropism
من حيث المبدأ، أحد الأسباب التي سِيقت لصالح وجود الكليات الأفلاطونية هو دورها التفسيري في نظرية المعنى. لا يقتصر الدور التفسيري للكليات الأفلاطونية على هذا المبحث، بل يشمل طيفًا واسعًا من الظواهر، منها: ظاهرة التشابه الموضوعي بين الأشياء، وظاهرة التشكيك في الصفات، ومسائل متعلقة بفلسفة الرياضيات... إلخ.
تُسمى هذه العلاقة عادةً (participation)، أو (exemplification)، أو (instantiation).
يمكن طرح نظير هذا الاستدلال ضد الخيار (1) أيضًا: جملتا (الثلج أبيض) و(الثلج هو مجموعة الأشياء البيضاء) ليستا متكافئتين في المعنى والقيمة. إذن لا يمكن لـ (الثلج) أن يكون اسمًا لمجموعة الأشياء البيضاء.
وكما سيأتي، فإن أحد الانتقادات الموجهة لنظرية المعنى عند الأصوليين هي عدم التفكيك بين أنحاء العلاقة الدلالية للألفاظ مع العالم الخارجي. قد يُدافع عن وجهة نظر الأصوليين إزاء الإشكال الرابع على النحو التالي: العلاقة الدلالية لجميع أجزاء الجملة مع الخارج واحدة، لكن سنخ المحكي يختلف. محكي الهيئة الاسمية أو الفعلية هو النسبة أو الهوية الرابطة، وهذا ما يجعل الجملة كلها ذات معنى، لأن هذه الهوية الرابطة هي بمثابة الغراء الذي يصل محكي سائر أجزاء الجملة (التي هي أعيان وصفات) ببعضها البعض. وبما أن هذه الكتابة لا تتناول بحث المعنى الحرفي ومعنى الهيئات، فإن تقييم هذا الدفاع يُؤجل إلى مجال آخر.
proposition
expression
grasp; الإمساك بقضية ما، هو تقريبًا ما يُسمى في المنطق الإسلامي تصور القضية (تصور الموضوع والمحمول والنسبة الحكمية)، وهو يقع في المرحلة السابقة على تصديق القضية.
propositional attitude
entailment
consistency
تُسمى هذه الجمل في اللغة الإنجليزية عادةً (that clauses).
على سبيل المثال، قدم مكغراث (2005) تعريفًا كهذا للقضية.
theoretic entity
abstractness
structured propositions
جدير بالذكر أن التناظر المذكور ليس تناظرًا دقيقًا وواحدًا لواحد، وقد طُرحت آراء مختلفة حول علاقة بنية الجملة ببنية القضية.
في أدبيات فلسفة اللغة، شاع لفظ (sense) كمقابل للكلمة الألمانية (sinn). الترجمة الدقيقة لـ (sense) إلى الفارسية ليست بالأمر اليسير، لأنه رغم إمكانية وضع (مفهوم) أو (معنى) محله من الناحية اللغوية، إلا أن المشكلة تكمن في أن الألفاظ الثلاثة (sense) و(concept) و(intension) هي ألفاظ تقنية في فلسفة اللغة. هذه الألفاظ الثلاثة، وإن كانت متكافئة تقريبًا من الناحية اللغوية، إلا أنها مختلفة تمامًا في الاصطلاح. لذلك، ينبغي اختيار لفظ منفصل لكل منها في اللغة الفارسية. وبما أنه لا توجد بعد ترجمة معيارية لهذه الثلاثة، فإننا نفضل ألا نترجم أيًا منها.
reference
intensional contexts
mode of representation
thought
modal sentences
intension
concrete
يمكن دمج نظرية دلالات العوالم الممكنة مع نظرية التروبزم (القول بالصفات الجزئية). بهذا الشكل، يكون مدلول كلمة (مثلث)، دالة تنقل كل عالم ممكن إلى مجموعة الصفات الجزئية لكون الشيء مثلثًا في ذلك العالم. في هذه الحالة، لن تكون كلمة (مثلث) مرادفة لـ (ثلاثي الزوايا). يتطلب فحص هذه النظرية التركيبية مجالًا آخر. لكن على الأقل، فإن ميزة النظريات القضوية الكلاسيكية على هذه النظرية هي أنها أبسط.
تقرير لهذه النظرية قُدم في أجود التقريرات (ج 1، ص 16 ـ 18) وفوائد الأصول (ج 1، ص 37 ـ 45).
محاضرات، ج 1 ص 91 و 96 ـ 100
عندما يُقال (صيغة الخبر وُضعت لإبراز قصد الحكاية)، و(لفظ (أسد) وُضع للسبع)، فإن كلمة (لـ) تُستخدم بمعنيين مختلفين تمامًا. هذا الاختلاف بالذات يُظهر الفرق بين المقاربة الوظيفية والمقاربة الشيئية للمعنى.
على سبيل المثال، راجع: كفاية الأصول، ص 27؛ نهاية الدراية، ج 1، ص 62.
في الفترات الأخيرة، لم تُناقش هذه المسألة كثيرًا، ولم يتطرق إليها إلا بعض الأصوليين كالمحقق الأصفهاني بإشارات عابرة، ولكن قبل هذه الفترة، تناولها جمع من الأصوليين بالتفصيل، منهم الشيخ محمد تقي الأصفهاني في هداية المسترشدين (ج 1، ص 334 ـ 362)، والمحقق الرشتي في بدائع الأفكار (ص 184 ـ 186) والفاضل الأردكاني في غاية المسئول (ص 171 ـ 181). ولعل سبب عدم طرح المسألة المذكورة في القرن الأخير هو أن نظرية الوضع للطبيعة كانت رأيًا مسلّمًا ومقبولًا، بحيث لم تُشعر الحاجة إلى بحث النظريات الأخرى.
ليس المقصود أن استعمال اللفظ في معنىً ما، يستلزم دائمًا دلالة اللفظ على ذلك المعنى نفسه. فقد يستعمل شخص لفظ (شير) في أحد المعاني المشتركة، ولكنه لا يأتي بقرينة على تعيين المعنى المقصود. في هذه الحالة، يقع الاستعمال، ولكن لا تتحقق الدلالة، بل المقصود هو أنه إذا استُعمل لفظ في معنى خاص، فإنه ـ مع مراعاة بعض الشروط (منها ذكر القرينة عند الحاجة) ـ يدل على ذلك المعنى نفسه.
من الواضح أن المجاز السكاكي ليس مقصودًا هنا؛ لأن المستعمل فيه في المجاز السكاكي هو عين الموضوع له، ومن هنا يأتي جواب هذا السؤال من الفقرة السابقة.
الميرزا مهدي الأصفهاني، في الحقيقة، تبنى هذه النظرية بدوافع كلامية. فمن وجهة نظره، بديل نظرية الوضع للخارج هو الوضع للتصورات الذهنية، ولكن لازم الوضع للتصورات هو إمكان تصور الله وصفاته. ومن هنا، يلتزم الميرزا الأصفهاني بنظرية الوضع للخارج تجنبًا لهذا اللازم. راجع: أبواب الهدى، ص 12 ـ 13 و 61 ـ 62.
هداية المسترشدين، ج 1، ص 334.
individuals
universals
هداية المسترشدين، ج 1، ص 342؛ بدائع الأفكار، ص 185.
هداية المسترشدين، ج 1، ص 342، 344.
المصدر نفسه، ص 340؛ بدائع الأفكار، ص 185؛ غاية المسئول، ص 177.
singular terms
هداية المسترشدين، ج 1، ص 342.
المصدر نفسه، ص 342 ـ 343.
لا ينبغي أن يُستنتج من هذا الكلام أن صاحب هداية المسترشدين يقول بالوضع للخارج (بالتفسير الأول أو الثاني). فهو يرى أن هذا التبادر منسجم مع التفسير الرابع الذي اختاره.
هداية المسترشدين، ج 1، ص 344.
بطبيعة الحال، تعبير المفهوم المتحقق في الذهن مبني على تصورات شائعة في الفلسفة الإسلامية، وهو في نظري ليس تعبيرًا دقيقًا.
بحوث في الأصول، ص 23.
منهم آية الله الخوئي في محاضرات في أصول الفقه، ج 1، ص 81.
دروس خارج الأصول، الأستاذ صادق لاريجاني، جلسة 235، ص 3 ـ 4، وأيضًا دلالة وضرورة، ص 113 ـ 114.
بطبيعة الحال، الكلي الأرسطي يمكن أن يوجد بوصف الوحدة في أشياء متعددة، ولكن من المسلّم أن المحقق الأصفهاني وتقليد الفلسفة الإسلامية أساسًا لا يقبل الكليات الأرسطية.
هداية المسترشدين، ج 1، ص 345 ـ 353.
المصدر نفسه، ج 1، ص 340 و 344.
المصدر نفسه، ص 349؛ دروس خارج الأصول، الأستاذ صادق لاريجاني، جلسة 334. في نظر صاحب هداية المسترشدين يمكن تفسير نظرية الوضع للأمور الذهنية بشكل لا تواجه هذا الإشكال. وقد أورد المحقق الخراساني إشكالًا مشابهًا لهذا على وضع أسماء الأجناس للماهية اللابشرط القسمي (التي تتحقق في الذهن فقط). (راجع: كفاية الأصول، ص 283.)
بحوث في الأصول، ص 23.
على سبيل المثال، راجع: بدائع الأفكار (ص 184)؛ غاية المسئول، ص 171؛ نهاية الدراية، ج 1، ص 44؛ بحوث في الأصول، ص 23؛ محاضرات في أصول الفقه، ج 1، ص 52 و ص 81؛ دراسات في علم الأصول، ج 1، ص 29؛ الهداية في الأصول، ج 1، ص 25.
71. على سبيل المثال، راجع: الأسفار، ج 1، ص 263 ـ 277، نهاية الحكمة، ج 1، ص 143 ـ 151.
72. على سبيل المثال، راجع: إلهيات الشفاء، ص 208 و ص 315؛ تعليقات صدر المتألهين على الشفاء، ص 189 ـ 190؛ الأسفار، ج 2، ص 8؛ حاشية العلامة الطباطبائي على الأسفار، ج 2، ص 8؛ نهاية الحكمة، ج 1، ص 277.
دروس خارج الأصول، الأستاذ صادق لاريجاني، جلسة 234، ص 4 وجلسة 235، ص 4.
بدائع الأفكار، ص 184، غاية المسئول، ص 177؛ هداية المسترشدين، ج 1، ص 354.
بدائع الأفكار، ص 184.
غاية المسئول، ص 177.
بدائع الأفكار، ص 185؛ هداية المسترشدين، ج 1، ص. 354
بحوث في الأصول، ص 23.
من المحتمل أن المحقق الرشتي كان يضع التقرير الموسع نصب عينيه أيضاً، لأنه لا يستخدم لفظ الماهية في بيان رأيه: ( [القول الرابع]: الوضع للمعانى المُهمله المعراة عن لحاظ تحصيلها فى الخارج او الذهن، و هذا هو الاقوى فى النظر) (بدايع الافكار، ص 184).
دروس خارج الأصول، الأستاذ صادق لاريجاني، جلسة 235، ص 4؛ جلسة 234، ص 4؛ جلسة 265، ص2.
هداية المسترشدين، ج 1، ص 354، 344 و 340.
هذا الجواب مع اختلاف يسير مأخوذ من دروس الأستاذ لاريجاني (جلسة 240، ص2).
طبقاً لأصالة الوجود، حمل الوجود على الإنسان مجاز عقلي). ومن هنا، فحمل الإنسان على الوجود ينبغي أن يكون على هذا النحو أيضاً.
بالطبع يمكن القول: (مفهوم الإنسان الذي نشأ في الذهن، هو مفهوم الإنسان)، ولكن هذه الجملة حمل (لمفهوم الإنسان) على التصورات الذهنية، لا حمل (الإنسان) نفسه. ومن الجدير بالذكر أن الإشكال المذكور على جواب الأستاذ صادق لاريجاني هو إشكال جدلي ومبني على قبول مبادئ الفلسفة الإسلامية في باب الوجود الذهني والتفكيك بين الوجود والماهية.
يقول الفاضل الأردكاني عن الصور الذهنية: (هل الصور الذهنية أفراد للماهية حقيقة وحملها عليها كحملها على الأفراد الخارجية، أولا بل هي مباينة لها ونسبتها إلى الماهية كنسبة الظلّ إلى الشيء. الحق هو الثاني… والحاصل أن ليس الماهية قدراً مشتركاً بين الصورة الذهنية والأفراد الخارجية وإن حمل عليها الماهية فهو من باب التسامح، كما يقال لصورة الفرس إنها فرس). غاية المسئول، ص 176).
يبدو أن لازم هذا المطلب هو إنكار نظرية الوجود الذهني، وإن كان الفاضل الأردكاني لا يقبل هذا اللازم ظاهراً.
إن القائلين بالوجود الذهني، لدفع الإشكالات التي وردت على هذه النظرية، يقبلون في النهاية أن الماهية الذهنية للإنسان (أي ماهية الإنسان التي وجدت في الذهن)، ليست فرداً من ماهية الإنسان، وأفراد ماهية الإنسان هي فقط تلك الأفراد الخارجية. (على سبيل المثال: راجع: الأسفار، ج 1، ص 292 ـ 298؛ نهاية الحكمة، ج 1 ص 152 ـ 153). ولكن هذا القول، في الحقيقة، عدول عن نظرية الوجود الذهني. فنحن نعتبر شيئاً فرداً من ماهية الإنسان، عندما يمكن تفكيكه إلى حيثيتي الوجود وماهية الإنسان. وطبقاً لنظرية الوجود الذهني، فإن المفاهيم الذهنية تُفكك إلى هاتين الحيثيتين، ومن هنا، ينبغي أن تكون أفراداً لماهية الإنسان. وإذا لم يكن ما في الذهن فرداً لماهية الإنسان، فلا ينبغي أن يكون تحققاً ذهنياً لماهية الإنسان أيضاً. وتفصيل هذا المطلب يحتاج إلى مجال آخر.
كما أشير، في الإشكال الثالث على الجواب الأول وضعنا الفرض على قبول نظرية الوجود الذهني. والآن إذا أنكرنا نظرية الوجود الذهني، فماذا يمكن أن يقال بشأن الاحتمال الثاني؟ طبقاً لهذا الاحتمال، فإن الموضوع له للفظ (الإنسان) هو مفهوم الإنسان، لا الطبائع التي تتحقق في الخارج. هذا المفهوم يقع متعلقاً للتصور، لكن تصوره ليس بمعنى تحققه في الذهن. المفهوم المذكور (لكي يستطيع أن يؤدي دور معنى الألفاظ) ينبغي أن يتمتع بخاصيتين. الأولى أن تقرره لا يتوقف على وجود مصداق، والثانية أن يكون مستقلاً عن أذهان البشر، وكل من يتصور مفهوم الإنسان يقيم علاقة إدراكية مع تلك الهوية المستقلة الواحدة. وكما سيأتي، فإن هذه الخاصية هي بالضبط خصائص الماهية الأفلاطونية. وسيأتي تفصيل هذا المطلب في استمرار النص.
دروس خارج الأصول للأستاذ صادق لاريجاني، جلسة 235، ص 4.
الفلاسفة المسلمون أيضاً يعتبرون (الشيئية) و (الثبوت) مساوقين لـ (الوجود)؛ على سبيل المثال، راجع: الأسفار، ج 1، ص 75؛ نهاية الحكمة، ج 1، ص 78.
tropes
على سبيل المثال، راجع: آرمسترونغ، (1989) ص136. وإن كان آرمسترونغ قد طرح هذه المسألة حول الكليات الأرسطية، ولكن يمكن طرح نظيرها في مورد الكليات الأفلاطونية أيضاً.
وفوق هذا، يبدو أن القدرة التفسيرية للكليات الأفلاطونية أكبر من الصفات الجزئية. فكل ظاهرة يمكن تفسيرها بالصفات الجزئية، يمكن تفسيرها بالكليات الأفلاطونية أيضاً، ولكن ليس العكس. وبخصوص البحث الحاضر ينبغي القول إن الكليات الأفلاطونية تفسر واقعيات المعنى بشكل أفضل بكثير من الصفات الجزئية.
إن إنكار الماهيات السينوية، له تأثيرات كثيرة في مباحث فلسفية مختلفة. ومن جملتها، ينبغي أن يُفسر هذا الأصل المقبول القائل (كل موجود ممكن، هو زوج مركب من الماهية والوجود) بشكل آخر.
connotation
49. على سبيل المثال، راجع: لوكس (ص 29)، نقلاً عن: ولترستورف وستراسون. بالطبع، في تقليد الفلسفة التحليلية يُستخدم مصطلحا (الكلي الأفلاطوني) أو (الصفة الأفلاطونية)، وليس (الماهية الأفلاطونية)، ولكن كما قيل، فإن الماهية الأفلاطونية بالمعنى المقصود في هذه المقالة تنطبق على الكليات والصفات الأفلاطونية.
بخصوص علاقة التعبير، أي العلاقة التي تنشأ بين المحمولات والكليات الأفلاطونية، يمكن اتخاذ مقاربتين:
إحدى المقاربتين هي أن العلاقة المذكورة هي علاقة أولية (primitive)، ولا يمكن تعريفها بناءً على العلاقات الدلالية الأخرى، بل يمكن إدراكها فقط بالتأمل في الدور الدلالي للمحمولات. المقاربة الأخرى هي أن علاقة التعبير هي نفس علاقة الإحالة والحكاية الضمنية. لتوضيح هذه المقاربة، لاحظ أولاً المثال التالي: في جملة (حسن أخو علي)، مدلول المحمول (أخو علي) ليس علياً، ولكن المحمول يحيل إلى علي بشكل غير مباشر، لأن هناك كلمة ضمن المحمول (أي كلمة (علي)) تشير مباشرة إلى علي. الآن انظر إلى الجملة (1) (زيد شجاع). يمكن كتابة هذه الجملة بشكل آخر أيضاً: (2) (زيد مصداق لماهية الشجاعة) ـ (أو (زيد لديه شجاعة)، أو (زيد متصف بالشجاعة)، هاتان الجملتان مترادفتان. محمول الجملة (2) أي (مصداق ماهية الشجاعة)، رغم أنه لا يحيل مباشرة إلى ماهية الشجاعة، إلا أن فيه كلمة (ماهية الشجاعة)، التي تشير إلى تلك الماهية؛ تماماً مثل المثال السابق. لذلك، عندما نقول إن المحمولات تعبر عن الماهيات، فهذا يعني فقط أنها تحكي عنها بشكل غير مباشر. ومن هنا، فإن الفصل بين علاقة الحكاية والتعبير قابل للرد إلى الفصل بين الحكاية المباشرة وغير المباشرة. يجب الانتباه إلى أن المقاربة الثانية لا يمكن تطبيقها على جميع المحمولات، لأنها تؤدي إلى التسلسل. قيل أعلاه إن الجملة (1) يعاد كتابتها على شكل الجملة (2). الآن انظر إلى الجملة (2) نفسها: (زيد متصف بالشجاعة). (الاتصاف) هو محمول ذو موضعين، يعبر عن ماهية مثل سائر المحمولات. لكن إذا كان التعبير بمعنى الإحالة غير المباشرة، فيمكن إعادة كتابة الجملة (2) هكذا: (3) (زيد متصف باتصاف بالشجاعة)، وتستمر هذه العملية دون الوصول إلى نقطة نهاية. علاوة على ذلك، تواجه المقاربة الثانية انتقادات أخرى أيضاً (على سبيل المثال، راجع: سومز، ص 246 ـ 247). ما يرد في المتن يستند إلى المقاربة الأولى، رغم أنه بناءً على المقاربة الثانية أيضاً يمكن الدفاع عن نظرية الوضع للماهيات الأفلاطونية تجاه الإشكال الأول بشكل آخر.
abstract nouns
هداية المسترشدين، ج 1، ص 334.
المصدر نفسه، ص 337.
المصدر نفسه، ص 340.
المصدر نفسه، ص 337.
المصدر نفسه، ص 334 ـ 339.
بالطبع، الفصل بين التعبيرين المذكورين وكذلك الإشكالات الواردة عليهما بالصورة التي وردت في المتن، غير موجود في المصادر الأصولية المذكورة.
غاية المسئول، ص 176 ـ 177؛ دروس خارج، الأستاذ صادق لاريجاني، جلسة 239، ص 2 ـ 3. المحقق الرشتي (ص 185) أيضاً لديه إشارة إلى هذا الإشكال.
بدائع الأفكار، ص 185.
ابن سينا، الإلهيات من الشفاء، تحقيق الأب قنواتي وسعيد زايد، قم: منشورات مكتبة آية الله النجفي المرعشي، 1404 هـ. ق.
الأصفهاني، الشيخ محمد تقي، هداية المسترشدين في شرح أصول معالم الدين، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1420 هـ. ق
الأصفهاني، الشيخ محمد حسين، بحوث في الأصول، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1418 هـ. ق
ــــــــــ، نهاية الدراية في شرح الكفاية، قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1414 هـ. ق.
الأصفهاني، الميرزا مهدي، أبواب الهدى، مشهد، بلا تاريخ.
الخراساني، الآخوند الملا محمد كاظم، كفاية الأصول، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1405 هـ. ق
الخوئي، آية الله السيد أبو القاسم، أجود التقريرات (تقريرات أصول الميرزا النائيني)، قم: مهر، بلا تاريخ.
الرشتي، الميرزا حبيب الله، بدائع الأفكار، قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث (أوفست).
شيرازي، صدر الدين محمد، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، بيروت، دار إحياء التراث العربي ـ 1410 هـ.ق
ــــــــــــــ، التعليقات على الشفاء (طبعة حجرية).
صافي أصفهاني، الشيخ حسن، الهداية في الأصول (تقريرات أصول آية الله الخوئي)، قم: مؤسسة صاحب الأمر (عج)، 1417 هـ.ق.
طباطبائي، العلامة السيد محمد حسين، الحاشية، الأسفار، قم: مكتبة المصطفوي.
ــــــــــــــ، نهاية الحكمة، تصحيح وتعليق: غلام رضا فياضي، قم: مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية، 1378 هـ. ش.
فياض، محمد إسحاق. محاضرات في أصول الفقه (تقريرات أصول آية الله الخوئي)، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1419 هـ. ق.
كاظمي، الشيخ محمد علي، فوائد الأصول (تقريرات أصول الميرزا النائيني)، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1404هـ. ق.
لاريجاني، صادق، جزوات دروس خارج أصول الفقه.
ــــــــــــــ، دلالت وضرورت، قم، نشر مرصاد، 1375 هـ. ش.
هاشمي شاهرودي، السيد علي، دراسات في علم الأصول (تقريرات أصول آية الله الخوئي)، قم: مركز الغدير للدراسات الإسلامية، 1419 هـ. ق.
هاشمي شاهرودي، السيد محمود، بحوث في علم الأصول (تقريرات أصول الشهيد الصدر)، قم: مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، 1470 هـ. ق.
شهرستاني، السيد محمد حسين، نهاية المسؤول ونهاية المأمول في علم الأصول (تقريرات أصول الفاضل الأردكاني)، قم، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
Armstrong, D. M. Universals: An opinionated intreduction, Westview press, USA,1989.
Frege, G., On Sense and refrence, in Richard, M. (ed.) (2003), Meaning, Oxford: Blackwell.
Frege, G., زThoughtinس in Salmon, N. and Soams, S. (1988) (eds.), Propositions and attitudes, Oxford University press.
Jeffrey, K. (2001), زStructured propositionsس in Stanford Encyclopedia of philosophy.
Keny, A. (2000), Frege: An introduction to the founder of modern analytic philosophy , Oxford: Blackwell.
Loux, M. (2002) , Metaphysics: A contemporary introduction (2nd ed.), London: Routledge.
:Lycan , W. (2002), Philosophy of launguage: A Contemporany introduction, London Routledge.
Mc Grath, M. (2005) , propositions, in Stanford Encyclopedia of Philosophy.
Richard, M., زPropositional attitudesس in Itale, B. and Wright, C. (eds) (1999), A companion to the Philosophy of language, Oxford : Blacwell.
Rosenberg, Jand Travis, C., Readings in Philosophy of language (Part III: propositions), New Jersy: Prentice - Hall, Inc.
Russle, B., زOn denotingس, in Marsh, R. (ed.) (1956), B. Russle, logic and knowledge, London: George Allen and Unwin.
Schiffer, S. (2003), The things we mean, Oxford University press.
Soams, S. (2002), Beyand rigidity, Oxford University Press.
Sowyer, (2000), زPropertiesس in Stanford Encyclopedia of Philosophy.
Zalta, E. (2005), زGottlob Fregeس in Stanford Encyclopedia of Philosophy .
(أرى من واجبي أن أتقدم بالشكر للأستاذ صادق لاريجاني الذي اطلع على الصورة الأولية لهذه المقالة وأبدى ملاحظات مفيدة.)
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.