اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يدرس رضا نقوي حجج الميرداماد في الدفاع عن الجواز الأخلاقي للتعليم الديني للأطفال؛ دفاعٌ يشترط لهذا التعليم احترام حقوق الإنسان والتفكير النقدي، وذلك عبر نقد أُسطورتَي فطرية الإلحاد والتربية المحايدة.

يناقش الدكتور ياسر ميردامادي في مقاله «ربِّ الطفل على الأخلاق وحدها، وأسطورة أخرى»، نقد دعوى معارضي التربية الدينية والدفاع عن الجواز الأخلاقي للتعليم الديني. سأذكر في هذه المقالة أولاً أهم دعاوى الدكتور ميردامادي، ثم سأعرض ملاحظاتي بشأنها.
مقدمة:
قبل أن أتطرق إلى صلب الموضوع، أود أن أشارككم تجربتي الممتدة لعدة سنوات في الحوار حول الشؤون الدينية. لقد وجدت في هذه الحوارات أن الإنسان كلما ازداد تفكراً وتفلسفاً، ازداد استعداداً للوقوع في صورة من صور مغالطة الدافع والمدفوع. ويمكن تسمية هذه المغالطة: «هذا الكلام الذي يقوله اليوم أي مثقف سطحي!». وأؤكد مسبقاً أنني بذكر هذه النقطة لا أقصد الإساءة للدكتور ميردامادي، ولا أريد الادعاء بأنه وقع في هذه المغالطة، فهو قد استدل لصالح دعواه؛ وإن كنت لا أرى استدلاله صحيحاً. مقصدي فحسب هو أن المسألة التي تناولها هي من المسائل التي يتوفر فيها مجال لارتكاب هذه المغالطة، ولذا ينبغي أن نسعى بذكاء لتجنب هذه المغالطة في الحالات المشابهة. على أية حال، عندما كنت أتحدث مع بعض الأصدقاء ممن لديهم تحصيل عالٍ في الفلسفة وبعضهم أساتذة جامعيون، وحتى بعضهم ممن لا يملكون معتقدات دينية راسخة، حول مسائل من قبيل حقوق المرأة، وحرية التعبير الاجتماعي، والتسامح مع المخالفين دينياً... إلخ، كانت بعض تصريحاتهم تثير دهشتي. لم أكن أتوقع منهم بالطبع أن يقبلوا جميع قيم العلمانية والليبرالية بالجملة ودون نقد، لكن نوع تصريحاتهم كان شيئاً يتجاوز المواجهة النقدية للعلمانية. على سبيل المثال، عندما كنا نتحدث عن حرية المخالفين في إبداء الرأي، كرر أحد هؤلاء الأصدقاء الدعوى المشهورة ذاتها بأن المجتمع الديني له مقتضياته الخاصة، ومن لا يقبل بذلك فبإمكانه مغادرة البلاد! كنت أقول في نفسي: كيف يمكن لشخص يدقق في المسائل التقنية للفلسفة تدقيقاً بالغاً، بل وينتقد أقوى البراهين على إثبات وجود الله، أن يتحدث بهذه الطريقة الجازمة وغير المدروسة؟! لقد شغلت بالي هذه النوعية من التعليقات الصادرة عن هؤلاء الأشخاص لوقت طويل. تدريجياً، وبالتأمل في حالات جزئية متعددة، خطر ببالي أن أفضل تفسير لردود الفعل هذه ربما يكون تلك المغالطة التي أشرت إليها سابقاً. يرى هؤلاء الأشخاص أن قيم ومبادئ العلمانية يعلنها اليوم كل عالم وعامي، وسطحي وعميق، ومتعلم وأمي، ومنصف ومغرض... إلخ. ومن هنا يبدو لهم أنه يتوجب عليهم بالضرورة أن يميزوا صفهم عن، كما يسمونهم، أشباه المثقفين الذين يرددون هذه الأقوال على سبيل الموضة، وأن يحافظوا على مكانتهم الفكرية. وإلا، فإن أبدوا تعاطفاً مع دعاوى أشباه المثقفين هذه، فسيُعتبرون تدريجياً جزءاً منهم. ولا يحتاج الأمر إلى استدلال لمعرفة أن مجرد تكرار أشباه المثقفين لكلام ما ليس دليلاً على بطلانه؛ ولكن من الناحية النفسية، وغالباً بشكل لا واعٍ، نكون نحن المشتغلين بالفلسفة معرضين بشدة لارتكاب هذه المغالطة، ويجب علينا أن ننأى بأنفسنا عنها قدر المستطاع. إن القول بأنه لا ينبغي لنا أن نلقن أطفالنا عقائدنا الدينية/اللادينية الجازمة هو أيضاً من الدعاوى التي يقول بها أشباه المثقفين. ينبغي أن نرى ما وزن هذه الدعوى في ميزان البحث.
1- أصل دعوى الدكتور ميردامادي:
من وجهة نظري، فإن خلاصة دعواهم هي (أ) أنه لا يوجد أي دليل مقنع على أن التربية الدينية غير جائزة أخلاقياً، (ب) وفي ظل غياب دليل إيجابي ضد التربية الدينية، وبالتمسك بأصل الجواز الأخلاقي (كل فعل جائز أخلاقياً ما لم يثبت خلافه) يمكن القول إن التربية الدينية جائزة أخلاقياً. وذلك بالطبع مع الشرطين اللذين يذكرانهما وسأشير إليهما. لم يقيموا استدلالاً على الدعوى (ب) التي طُرحت في نهاية المقال، أما بخصوص الدعوى (أ)، فإن خلاصة تنظيم ونقد الدكتور ميردامادي لأدلة معارضي التربية الدينية هي على النحو التالي:
1-1- ضد أسطورة طبيعية الإلحاد: يدّعي معارضو التربية الدينية أن الطفل طبيعياً خالٍ من المعتقدات الدينية والميتافيزيقية (بما في ذلك الإيمان بوجود الله)، وبالتالي فإن تغيير هذه الحالة الطبيعية وإلقاء معتقدات الوالدين إلى الطفل ليس جائزاً أخلاقياً. يعتقد الدكتور ميردامادي في نقده لهذه الدعوى أنه أولاً، وإن كان شكل معين من التدين ناتجاً عن التعليم والتربية الثقافية، إلا أنه بخصوص أصل الإيمان بالله، وبناءً على أبحاث حديثة، فإن الأطفال يميلون طبيعياً إلى الإيمان بالله وإلى سريان الوعي والغائية في العالم، والبيئة هي التي تنشئهم ملحدين أو لاأدريين. لذلك فإن «طبيعية الإلحاد» إذا ما اعتُبرت أمراً بديهياً فهي مجرد أسطورة، وإن لم تُعتبر بديهية، فإنها تبقى دعوى خلافية توجد أدلة ضدها ولا يمكن أن تكون معياراً لحكمنا. علاوة على ذلك، سواء أكان الإيمان بالله طبيعياً أم الإلحاد، فإن مجرد الطبيعية لا يدل على جواز التربية الدينية أو عدم جوازها، ويجب البحث عن أدلة أخرى.
1-2- ضد أسطورة التربية المحايدة: تقول هذه الأسطورة «من البديهي أنه يجب فقط تعليم الطفل المعتقدات غير المتحيزة». في نقده لهذه الدعوى، يدّعي الدكتور ميردامادي أنه أولاً حتى في مجال التعليم العام، فإن تطبيق هذا المبدأ مستحيل أو صعب. وثانياً، بافتراض أن هذا المبدأ قابل للتطبيق والتوصية في الفضاء العام، فإنه في المجال الخاص يُعد أسطورة (إذا ادعى البداهة) وكاذباً أو غير مبرر (إذا طُرح دون ادعاء البداهة). وسبب ذلك هو أنه في التقرير الشائع للتربية المحايدة يُقال إنه في المجال الخاص يجب فقط تعليم الطفل العيش الأخلاقي وليس أي شيء آخر. في حين أنه أولاً، على الأقل من الناحية التاريخية، كان للتدين والأخلاق صلة وثيقة ببعضهما، وثانياً، فإن دعوى «الاستقلال الكامل للأخلاق عن الدين» دعوى محط نقد ونزاعات كثيرة، وبالتالي لا يمكنها أن تكون، كمبدأ مسلّم، أساساً لأسطورة التربية المحايدة.
1-3- الاستنتاج النهائي: من مجموع هذه الملاحظات يمكن الاستنتاج أن الأب أو الأم أو ولي أمر الطفل لهم الحق في تعليم قيمهم الدينية لطفلهم، حتى لو كانت هذه القيم خلافية وحتى لو بدت من منظور بديل «خرافة». لكن هذا الحق ليس مطلقاً، بل يجب أن يستوفي على الأقل هذين القيدين: (1) لا يشمل حق التعليم الديني انتهاك الاعتبارات الموضوعية لحقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال، ختان الإناث (الشائع في أجزاء من أفريقيا بين المسلمين وبعض المسيحيين) أو التطبير على رؤوس الأطفال (الذي يمارسه بعض الشيعة) هو مصداق واضح لانتهاك حقوق الإنسان ولا ينسجم مع الاعتبارات الموضوعية لحقوق الإنسان، ويجب منعه، ولو باللجوء إلى القوة. (۲) يجب أن يكون التعليم الديني مقروناً بتعليم التفكير النقدي (critical thinking) والتعرف على التنوع الفكري/السلوكي.
2- ملاحظات حول وجهة نظر الدكتور ميردامادي:
يبدو أنه فيما يخص «أسطورة الإلحاد الطبيعي» فإن الحق مع الدكتور ميردامادي. بمعنى أنه أولاً لا يوجد دليل كافٍ على الإلحاد الطبيعي، وثانياً، بافتراض وجود مثل هذا الدليل، فإذا اعتبرنا نفس الإلحاد الطبيعي دليلاً على عدم جواز التربية الدينية، فإننا نرتكب مغالطة طبيعية واستنتاج ما يجب أن يكون مما هو كائن.
2-1- مبدأ التربية المحايدة ليس أسطورة: ماذا يمكن أن يُقال بشأن التربية المحايدة؟ اكتفى الدكتور ميردامادي في تقرير الدليل الثاني بذكر مجال الدعوى ولم يبذل جهداً في بيان الدليل/الأدلة التي يمكن إقامتها لصالح هذه الدعوى. لقد قال ببساطة إن القائلين بالتربية المحايدة يدّعون أننا مخوّلون فحسب بتربية الطفل أخلاقياً، وليس من حقنا أكثر من ذلك أن نعلّم الطفل المُسلّمات الدينية، ثم شرع في نقد هذه الدعوى قائلاً إن الأخلاق ليست مستقلة عن الدين في جميع جوانبها، أو على الأقل ليس الأمر كذلك بداهةً. لكن السؤال الأساسي هو: لماذا لا يحق لنا أن نلقّن الطفل معتقداتنا؟ ولأي سبب يُستثنى لنا، في بعض الحالات، كالمبادئ الأخلاقية، أن نعلّم الطفل أشياء؟ يبدو أنه يمكن الدفاع عن مبدأ التربية المحايدة بقيود معينة. في هذا الشأن، ينبغي أولاً الانتباه إلى أنه عندما نتحدث عن جواز أو عدم جواز تلقين معتقدات الوالدين للأطفال، فلا فرق من حيث المبدأ وللوهلة الأولى بين المعتقدات الدينية وغير الدينية/المضادة للدين. لا فرق بين أن يكون الوالدان مؤمنين بالله أو ملحدين، أو أن تكون لديهم قيم دينية ومذهبية أو قيم علمانية وغير دينية/مضادة للدين. وبناءً على ذلك، فإن التربية المحايدة لا تعني فقط النهي عن التربية الدينية، بل تعني في الوقت نفسه نفي تربية الطفل على أساس رؤية كونية إلحادية ودوغمائيات مضادة للدين أيضاً. وفي المقابل، فإن من يرى أن التربية المحايدة أسطورة أو وجهة نظر باطلة، ويدافع عن جواز التربية الدينية، ينبغي له من حيث المبدأ أن يُجيز التربية الإلحادية والمضادة للدين أيضاً؛ ما لم يُقم دليلاً مبرراً أخلاقياً على التمييز بين التربية الدينية والمضادة للدين؛ دليلٌ هو غائب على الأقل في هذه المقالة للدكتور ميردامادي. بيت القصيد هو أن للوالدين معتقدات حول العالم، ومكانة الإنسان فيه، وكيفية تنظيم العلاقات بين البشر... إلخ، وهم يرونها معتقدات صحيحة ونافعة. لا فرق بين أن تكون هذه المعتقدات مستندة إلى دين معين أو إلى مذهب بشري كالماركسية والليبرالية... إلخ. وبهذا التوضيح، يبدو أن التربية المحايدة موقف يمكن الدفاع عنه من حيث المبدأ. وسبب ذلك هو أن الطفل، أولاً، من حيث القدرة العقلية والمعرفية، في وضع لا يمتلك فيه مطلقاً القدرة على تشخيص صحة أو بطلان المعتقدات الميتافيزيقية والدينية/المضادة للدين التي تُلقَّن له. الطفل، من حيث العمر، في وضع يكون فيه أكثر استعداداً لترسخ المعتقدات المُلقَّنة في كيانه. عقله كالأرض البكر التي يمكن غرس شتلات الدوغمائيات الميتافيزيقية والدينية/المضادة للدين فيها. شتلات ستتحول في سني الشباب والكهولة إلى شجرة باسقة، يكون اقتلاعها واستبدالها بشتلات أخرى، من الناحية النفسية، إن لم يكن مستحيلاً، فهو على الأقل أمر في غاية الصعوبة وقريب من الاستحالة. وثانياً، إن مُلقِّني هذه الدوغمائيات هم أشخاص يرتبط بهم الطفل بأعلى درجات التعلق العاطفي، ولذا فإن هذا الأمر يقلل بشدة من احتمال أن يتمكن الطفل لاحقاً من إدارة ظهره لهذه المعتقدات المُلقَّنة واستبدال معتقدات أخرى بها. تُظهر التجربة التاريخية أن أكثر البشر يعيشون، قليلاً أو كثيراً، بنفس الدوغمائيات التي لُقِّنوها في طفولتهم ومراهقتهم حتى آخر العمر، ونادراً ما يستطيعون تخليص أنفسهم من قبضة تلك الدوغمائيات. وبالنظر إلى هذه النقاط، يبدو أن أي تلقين للدوغمائيات الدينية أو المضادة للدين هو نوع من التعدي على الحرية الفكرية والعقلية للطفل، وهو أمر غير جائز أخلاقياً. الحرية الفكرية شرط لازم لأي حرية في الأفعال المختلفة سياسياً وأخلاقياً وعرفياً، والتعدي عليها هو بمنزلة التعدي على جميع أبعاد حرية الفرد ومصاديقها. إذا قبلنا أن الطفل في موقف سلبي تجاه تلقيناتنا، وأن المعتقدات تدخل إلى ذهنه دون أي اختيار متأمل، ففي هذه الحالة لا فرق كبيراً بين أن نلقن الأطفال هذه المعتقدات عن طريق التعليم والتربية، أو أن نخلق فيهم معتقدات معينة، افتراضاً، عن طريق حقن إبرة أو إعطاء حبوب. قد يُعترض بأن الدكتور ميردامادي نفسه قال إن هذا التعليم الديني يجب أن يكون مقروناً بتعليم التفكير النقدي والتقييمي أيضاً، وهذا بذاته يمكن أن يهيئ طريقاً لخروج الطفل من هذه الدوغمائيات. لكن يبدو أن التعليم الديني/المضاد للدين، بحكم طبيعته وتعريفه، لا يتوافق مع تربية الطفل بعقلية نقدية وتقييمية. والجمع بين هذين الأمرين سيؤدي بالضرورة إلى أن نفصل أحد هذين المكونين عن خاصيته وطبيعته الأصلية ونحوله إلى أمر شكلي.
والآباء الذين يريدون ترسيخ الإيمان بالتثليث في الطفل، إذا أرادوا في الوقت نفسه تعليمه التفكير النقدي حقاً، فعليهم أن يعلموه أيضاً منهج نقد الأفكار، ومنها عقيدة التثليث. فعلى سبيل المثال، عليهم أن يعلموه أن كون والديه يعتقدان بشيء ويلقنانه إياه ليس دليلاً البتة على صحة ذلك الاعتقاد. فكثير من الآباء يلقنون أطفالهم معتقداتهم الباطلة والخرافية. أو من خلال إظهار الاختلاف بين التعاليم الدينية في الأديان المختلفة، ينبهوا طفلهم إلى أن قرابة سبعين في المئة من البشر على وجه الأرض، وهم بشر عقلاء إلى حد ما، لا يؤمنون بالتثليث. أو يشرحوا له كيف أن كثيراً من أذكى مفكري العالم قد بينوا أن عقيدة التثليث عقيدة متناقضة... إلخ. من الواضح أن هذه الأمور لا تنسجم مع طبيعة التعليم الديني. بمعنى أنه لا يوجد مثل هذا المنهج في التعليم الديني السائد، ولا، بافتراض أن أحداً علم الطفل التعاليم الدينية بهذه الطريقة، فإن جماعة المؤمنين ستعتبر فعله تعليماً دينياً. فهذا التعليم سيكون أقرب إلى التعليم بالطريقة السقراطية منه إلى التعليم الديني. أما بخصوص القيد الثاني الذي ذكره، وهو أن الاعتبارات الموضوعية لحقوق الإنسان تشكل حداً للتعليم الديني، فينبغي الانتباه إلى أن أمثلته تظهر أن تعليم الدوغمائيات الدينية جائز أخلاقياً، باستثناء الدوغمائيات التي تتضمن التوصية بالتوحش وإيذاء الآخرين. أولاً، وفقاً للاستدلال الذي أشرنا إليه (وهو أن التعليم الديني اعتداء على الحرية الفكرية للطفل)، فإن أي تربية دينية/لادينية تكون غير جائزة أخلاقياً إلا في حالات استثنائية سيأتي ذكرها، وبالتالي فإن منع التربية الدينية/اللادينية لا يقتصر على الحالات المؤدية إلى التوحش. فإذا اعتبرنا مجرد معيار التوحش الأدنى حداً للتعليم الديني، فإننا سنفتح الباب حينئذ لتعليم كثير من التعاليم التي لا تؤثر في النمو الأخلاقي للطفل، ولا تساعد على صحته النفسية، ولا توجد شواهد وقرائن بين-ذاتية تؤيدها. وغني عن القول إن كل دين ومذهب في العالم، بالإضافة إلى التعاليم الكلية حول المبدأ والمعاد ووجود ساحة قدسية في العالم، يشتمل على آلاف، بل ملايين، القضايا الجزئية الأخرى، وكلما تحركنا نحو الاختلافات الجزئية، تضاءل دورها في الكمال الأخلاقي والنفسي، وقلت الشواهد البين-ذاتية لصالحها أكثر فأكثر. إن معيار الدكتور ميردامادي الأدنى يسمح للآباء بتحويل ذهن الطفل إلى وعاء من المعتقدات الناتجة عن الاختلافات والتعصبات الطائفية. ثانياً، حتى وفقاً لمعيار التوحش، فإن منع التربية الدينية لا يقتصر على أمور جزئية مثل ختان الإناث أو التطبير وأمثالها. ففي التعاليم الأساسية للأديان والمذاهب أيضاً يمكن العثور على معتقدات تستلزم التعدي على الآخرين. فكثير من الأديان والمذاهب تستلزم، بشكل ما، التمييز بين الذاتي وغير الذاتي، وتحرم غير الذاتي من بعض الحقوق السياسية والاجتماعية، وتجيز، في ظل ظروف معينة، الاعتداء الجسدي عليهم، بل وحتى القتل والسلب في صفوف غير الذاتيين.
2-2- الإجماع النسبي بين البشر كمعيار للاستثناء من مبدأ التربية المحايدة: لكن السؤال هو: ما هو معيارنا للاستثناء من ذلك المبدأ الكلي؟ لماذا نستثني حالات مثل تعليم المبادئ الأخلاقية من ذلك المبدأ؟ يبدو أن هذا الاستثناء لا يقتصر على المبادئ الأخلاقية. يمكن القول إن الأمور المرغوبة والإيجابية، وكذلك الوسائل والطرق للوصول إلى تلك الأهداف والمرغوبات، تنقسم إلى فئتين. بعضها كان منذ الماضي وحتى الآن موضع إجماع نسبي بين جميع أفراد البشر بغض النظر عن الدين والجنسية والأيديولوجيات الخاصة، وبعضها الآخر موضع اختلاف بدرجات متفاوتة بين الثقافات والأديان والأمم المختلفة. إذا كان أمر ما بحيث تكون مرغوبيته الذاتية ووسيلة الوصول إليه موضع إجماع نسبي بين الأفراد الواعين والمحايدين، ومن ناحية أخرى يُعتبر ذلك الأمر من الأمور العاجلة والملحّة التي لا يمكن تعليق الحكم بشأنها، فهنا يحكم حدسنا بأنه يجوز لنا تعليم ذلك الهدف وتلك الوسيلة للطفل. على سبيل المثال، يوجد إجماع نسبي على أن الصحة الجسدية أمر مرغوب، وأن بعض الأفعال تعرض الصحة الجسدية للخطر. هنا، ورغم أننا لا نواجه أمراً أخلاقياً بالذات، إلا أنه بناءً على المبدأ المذكور يجوز لنا أن نعلّم الطفل كيف يعتني بصحته الجسدية. يمكن طرح أصل هذا الأمر بخصوص الصحة النفسية أيضاً. قد يُقال إن مبدأ الإيمان بالأمر المقدس واعتبار العالم ذا تصميم ووعي هو أيضاً من جملة الأمور التي تساعد على الصحة النفسية للأفراد وجعل حياتهم ذات معنى، وبالتالي يمكن تعليم الإيمان بالله للطفل أيضاً. يبدو أننا هنا نواجه غموضاً لا يمكن إزالته بسهولة. من ناحية، نعلم حدسياً أن قسماً من دوغمات مذهبنا وطائفتنا الخاصة حول الله لا دور لها في إضفاء الله معنى على الحياة، وهي مجرد اعتقاد لاهوتي وفني. مثلاً، نعلم أن إله وحدة الوجوديين يمكنه أن يمنح الحياة معنى، وكذلك إله القائلين بالإله المتشخص الشبيه بالإنسان. الإله الذي تكون صفاته عين بعضها وعين ذاته، والإله الذي تكون صفاته زائدة على ذاته، وهكذا... ولكن من ناحية أخرى، لا نعلم بالضبط إلى أي مدى يمكننا، بمعزل عن هذه النزاعات اللاهوتية، أن نعرّف الطفل على إله يساعده في إيجاد معنى لحياته وصحته النفسية، دون أن نملأ ذهنه بسلسلة من الدوغمات اللاهوتية غير الضرورية. حالة مهمة أخرى تُعتبر استثناءً على منع التلقين للطفل، هي المبادئ الأخلاقية العامة التي تحظى بإجماع نسبي، مثل منع القتل والسرقة وغيرها... نحن، في التعارض بين أن نقيد حرية الطفل الفكرية استثناءً، أو أن نعرّضه للإصابة بأمور يقر جميع العقلاء تقريباً بأنها مضرة له، نكون مبررين وملزمين أخلاقياً باختيار الخيار الأول. في حين أنه لا توجد مثل هذه المعضلة الأخلاقية بخصوص أي من الجزميات الدينية. لا يوجد إجماع بين عقلاء العالم على أن الإيمان بالتثليث هو السبيل الوحيد لنجاة وسعادة الطفل، كما لا يوجد إجماع على أن الإلحاد هو السبيل الوحيد للنجاة. لذا، في هذه الحالات، سيبقى مبدأ الحرية الفكرية بلا معارض. أما القول بأن الأخلاق، على الأقل في مقام التحقق التاريخي، كانت ممتزجة بالدين، وأنه لا يوجد إجماع على استقلال الأخلاق التام عن الدين، فيجب الإشارة إلى أنه، بتعبير الفقهاء، «الضرورات تقدّر بقدرها». أي أنه في الأمور الضرورية لا ينبغي تجاوز حد الضرورة. كان مبدأنا الكلي يقتضي أن أي إلقاء فكري على الطفل هو أمر غير لائق أخلاقياً. لكننا رأينا أن التعليم الأخلاقي أمر لا مفر منه وهو استثناء على ذلك المبدأ الكلي. ومع ذلك، في هذا الباب أيضاً يجب أن نكتفي بحد الضرورة؛ بمعنى أن نكتفي بالمجمَع عليه أخلاقياً ولا نلقي على الطفل بالأخلاقيات الخاصة بدين معين. فمثلاً، منع قتل الإنسان البريء هو مبدأ أخلاقي شبه إجماعي؛ أما العزوبة والتجرد والزهد فهي مبادئ أخلاقية توجد فقط في بعض المذاهب، ولا يحق لها أن تلقي بهذا المبدأ الأخلاقي على الطفل. ثانياً، هذا المبدأ الإجماعي نفسه، وهو منع القتل، يمكن أن يُبنى، من الناحية النظرية والأساسية ومن الناحية التحفيزية، على تعاليم دين خاص مثل وجود الإله المسيحي وغيره... أو يمكن تعليمه للطفل دون التمسك بتلك التعاليم. هنا لا يوجد أي محذور لمراعاة ذلك المبدأ الكلي (عدم إلقاء الجزميات الدينية على الأطفال)، ولذا ينبغي أن نربي الطفل أخلاقياً قدر الإمكان دون اللجوء إلى الجزميات الدينية.
جزء من العقائد الدينية لا علاقة له بالأخلاق الدينية أساساً، ولذا نرى أنه داخل الدين الواحد الذي توجد فيه اختلافات مذهبية كثيرة بين المذاهب المختلفة، يكون أصل الأخلاق الدينية مشتركاً بينها. علاوة على ذلك، إذا أسسنا التعليم الأخلاقي على تلك العقائد، فهناك دائماً خطر أنه بانهيار تلك العقائد تنهار مصداقية هذه المبادئ الأخلاقية لدى الشخص وتدفعه نحو العبثية الأخلاقية.2-3- مبدأ الجواز الأخلاقي لا يمكن الدفاع عنه: النقطة الأخيرة تتعلق بمبدأ الجواز الأخلاقي الذي أشار إليه الدكتور ميردامادي. «الأصل في الفعل أنه جائز أخلاقياً ما لم يثبت خلافه». لدينا في المباحث الفقهية والحقوقية أصول مثل أصل البراءة. فمثلاً يُقال إن الأصل في كل شيء هو الحِلّ ما لم تثبت حرمته. أو الأصل هو براءة الأفراد ما لم يثبت خلافه. وفي المباحث الفلسفية والإبستمولوجية أيضاً، طرح بعض المفكرين أصولاً معينة لاقت بالطبع جدلاً واسعاً، والأصل الذي أشار إليه الدكتور ميردامادي ليس استثناءً من هذه القاعدة. فعلى سبيل المثال، اتخذ توماس ريد في مباحثه حول شهادة الآخرين مبدأ «السذاجة» معياراً، وادعى بناءً عليه أن الأصل في الآخرين هو الصدق فيما يقولونه لنا ما لم يثبت خلافه. أو أن أنتوني فلو، وبالاستناد تحديداً إلى تلك الأصول الحقوقية الإنجليزية ذاتها، ادعى أنه في البحث عن وجود الله أو عدم وجوده، الأصل هو مع عدم وجود الله، وعلى المدعين تقديم الدليل. وقد كرر ريتشارد دوكينز موقف فلو في كتابه وهم الإله. وبتعبير فقهائنا «البيِّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر». أي إذا قال شخص إن زيداً سرق كتابي، فعليه أن يقيم البيِّنة، وإلا حلف زيد يميناً أنه لم يسرق الكتاب، ويُحكم لصالحه. وبتعبير ساخر، فإن كلام فلو ودوكينز هو: إما أن يأتي المؤمنون بالله بدليل على وجوده، أو نقسم نحن بالله أنه لا إله! لكن الحقيقة هي أنه في عالم المعرفة، وخصوصاً في مجالات مثل براهين إثبات الله أو جواز التربية الدينية وعدم جوازها، حيث أُقيمت وتُقام أدلة لصالح كلا الرأيين وضدهما، وبغض النظر عن أي مجموعة من الأدلة يجدها المرء مبرَّرة، فإن هذا التمسك بالأصل ليس سوى تهرب من تقديم الدليل وارتكاب لمغالطة «إلقاء عبء البرهان على عاتق الآخر». ففي القضايا الخلافية والخطيرة، وخصوصاً حالات مثل التربية الفكرية، يمكن لفعلنا أن يؤثر على مستقبل إنسان آخر بأكمله، ولذا فإن مثل هذه الأصول تكون في هذه الحالات دلائل ضلالة أكثر مما هي دلائل هداية.
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
جناب آقای میردامادی عزیز، دارند از وسط دعوا وارد ماجرا میشوند: صرف این که دیانت و اخلاق نسبت تاریخی دارند به چه درد بحث میخورد؟ ایشان به خوبی خبر دارند که همهی دینها از بحث "آیین قربانی" شروع میشود، قربانی برای عالم ماورایی یا قدرت ماورائی. اما اخلاق چیزی است دیگر که مربوط به رفتار آدمیان با خود و دیگران است. بعد از شکل گرفتن ادیان اولیه و فربهشدن ادیان بعدی بر روی ساختار اولیهها، آیینها و آدابها و رسم و رسومی اضافه میشوند به همان آیین قربانی که بعد از بسط این بحثها، معلمان بعدیِ دینی باز هم دین را فربه تر میکنند و گسترهی آن را به روابط اجتماعی و بین فردی هم تسّری میدهند. از این جا به بعد است که ارباب دین های بزرگ، در کار اخلاق هم "فضولیِ بیجا" میکنند. وگرنه کافی است که به متنهای مقدس نگاه کنید و ببینید که الیوم اکملت لکم برای چه روزی آمده است و دین در آنجا به چه معنایی جز معنای آیین قربانی آمده است. این یادداشت به هیچ وجه نمیخواهد که وارد بحث ایشان و منتقد محترم جناب آقای نقوی شود. با تشکر از آقای میردامادی و آقای نقوی و صدا نت وزین که به این بحث مهم اخلاقی- تربیتی فرصت مطرح شدن دادند.
1. evidence و argument با ادعا متفاوت است. این ها را فراموش کرده اید. 2. اگر این طور باشد What does that matter? اشکالش چیست؟ 3. شما سخن را از آخر بدون ارائه طرح سخن و استلزامات نگاشته اید!
نکات درستی مطرح شده بود. اساسا باید دامنه مجاز استفاده از اصل برائت به دقت تحلیل شود. به نظر میرسد بعضی متفکران از این اصل در حوزههای غیرمجاز استفاده میکنند.