اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
مع اقتراب شهر محرم وتصاعد جائحة كورونا، يواجه إحياء مراسم العزاء تحديات جمّة؛ واستناداً إلى الأحكام الشرعية والمبادئ الأخلاقية، قُدِّم الحفاظ على الأرواح على التجمعات التقليدية، واقتُرحت صيغ آمنة ومبتكرة لأداء الشعائر الدينية.

مصطفى سليماني[1]
في هذه الأيام ومع اقتراب شهر محرم، وبسبب ارتفاع أعداد المصابين بفيروس كورونا، أصبح هاجس الكثير من المتدينين هو كيفية إقامة مراسم عزاء أبي عبد الله (ع). وقد أثارت هذه الهواجس حتى الآن ردود فعل مختلفة من معارضي إقامة مراسم عزاء أبي عبد الله (ع) ومؤيديها. وفي خضم ذلك، فإن المؤكد هو رأي العاملين في مجال الصحة، الذين يعارضون، نظراً للظروف الراهنة، إقامة أي مراسم أو تجمعات، حتى مع التزام المجتمعين بمراعاة البروتوكولات الصحية.
في هذه الأثناء، يطرح المتدينون والمتشرعون الذين يصرون ويؤكدون على إقامة مراسم العزاء، تحقيق أمنية معاندي الإسلام وأيضاً تعطيل الشريعة كنتائج سلبية لتحريم المراسم، وهذا في الوقت الذي بلغ فيه انتشار فيروس كورونا ومعدل الوفيات الناجمة عنه في الأيام الأخيرة أعلى مستوى له في الأشهر الستة الماضية. وهي إحصاءات تدعو بشدة إلى التأمل والقلق.
من الواضح أنه بالنظر إلى الوضع الذي يعاني منه البلد الآن، وفي ظل وجود العديد من المدن الإيرانية في حالة حمراء، فإن الإقدام على إقامة المراسم يمكن أن يكون شديد الخطورة وكارثياً.
لكن لماذا، في ظل ظروف تم فيها منع فريضة "الحج"، لا يزال البعض يصر ويؤكد على إقامة مراسم عزاء محرم، هو أمر يستحق الاهتمام والدراسة.
الأسباب الاعتقادية (النظرية) والعملية والتاريخية، هي من جملة الأدلة التي يسوقها مؤيدو إقامة المراسم لإثبات صحة أقوالهم. إن كون العزاء تجلياً للمحبة والإيمان بالإمامة، ويندرج تحت التولي والتبرّي، ولهذا فهو أهم حتى من حفظ النفس، هو من الأدلة التي يشير إليها مؤيدو إقامة المراسم لوجوب إقامة العزاء، حتى في أي ظرف كان. لكن مع كل هذه التأويلات، يجب بنظرة عقلانية وبعيداً عن أي تعصب، الانتباه إلى ما هي الحقيقة. من المؤكد أن ما لا ينبغي إغفاله هو أن الحقيقة لا ينبغي أن تكون شيئاً وراء الأخلاق.
روضة أبي عبد الله (ع) هي إحدى سنننا الشرعية والوطنية العريقة. ينظر أبناء بلدنا منذ سنوات إلى المفاهيم والقيم التي تُطرح في هذه الفترة القصيرة ذات العشرة أيام وفي قالب مجالس العزاء على أنها بمثابة صف دراسي معرفي مكثف. العديد من هذه المجالس هي منطلق لأفكار منعشة للروح ومغذية للنفس. لذلك، فإن هذه التجمعات والمراسم هي جزء لا يتجزأ من معتقدات الناس، وباعتبار آخر، فإن اعتقاد عموم الناس هو أن ما وصل إلينا من الدين كان كله في ظل مجالس أبي عبد الله (ع) ونهضته.
العزة والحرمة اللتان يوليهما الشيعة لشهر محرم والعزاء العام لأبي عبد الله (ع) عاليتان جداً، لدرجة أن الكثيرين يعتبرون الروضة من أقرب القربات ويعدونها من أقصر الطرق للتقرب إلى الله المتعال، لكن هل مع كل هذا، تكون إقامة مثل هذه التجمعات العامة العظيمة واجبة في الظروف الراهنة؟ بمعنى أن يكون حتى "تعريض حياة النفس والآخرين للخطر" في مرتبة تالية لها؟ ربما تساعد مراجعة قصيرة لبعض الأحكام الشرعية القابلة للتعميم على الحالة الراهنة في هذا المجال وتكون فاتحة للطريق:
1- فعل أو ترك الأمور التي تكون مقدمة لحفظ النفس واجب.
2- لا مانع من قطع الصلاة الواجبة لحفظ المال، ومنع الضرر المالي أو البدني، بل لا مانع منه لأي غرض ديني أو دنيوي يهتم به المصلي.
3- التقية بغرض الخوف على النفس أو العرض أو الأقارب والمحيطين المقربين واجبة.
4- حق الناس، بمعنى حقوق الناس في ذمة الإنسان، ومن جملتها مراعاة حياة الناس وأموالهم.
5- الوضوء أو الصوم إذا كانا مضرّين بالبدن وجب تركهما.
و... .
من الواضح أن الروضة ليست أوجب من صيام شهر رمضان المبارك. وعندما نستطيع ترك الصوم في حال احتمال وجود ضرر للبدن، فمن باب أولى أن نستطيع ترك إقامة مراسم العزاء لأبي عبد الله (ع) في حال وجود خوف من ضرر مالي أو جسدي أو معنوي.
بشكل عام، وبالنظر إلى الفتاوى المذكورة، يبدو أنه كلما تعارضت أحكام الدين مع سلامة الإنسان أو نفسه وماله وعرضه، وجب تعطيلها؛ ولكن بالإضافة إلى كل هذا، ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار أنه لا يوجد أي إلزام لإقامة الشعائر الدينية بشكلها التقليدي، ويمكن مع مراعاة الظروف الراهنة، اتباع نهج أكثر ذكاءً وصورة أكثر عقلانية لعدم تعطيل هذه الشعائر. في الحقيقة، يمكن مع مراعاة الفضاءات الموجودة والمتاحة، اختيار نمط آخر لإقامة المراسم الدينية؛ نمط لا يتعارض من جهة مع تخصص وعلم ومعرفة المتخصصين، ويستطيع من جهة أخرى إحياء معارف وبركات السنن المعتادة إلى حد مقبول.
في زمن تُعتبر فيه التجمعات تهديداً للحياة، من البديهي أن تتأثر كثير من شعائر الدين: إقامة صلوات الجماعة، والحج الواجب، والأدعية والأعمال الجماعية، والمشاركة في مراسم تشييع الجنازة، ودفن الميت، وحتى زيارة الأماكن المقدسة والدينية.
وبالطبع يمكن السعي قدر الإمكان لإقامة هذه الشعائر بكيفية وقالب آخر، ومن دون أن تزول بالكلية. كلنا شهدنا نموذجاً قريباً ومتاحاً لهذه الكيفية من إقامة المراسم في أيام شهر رمضان المبارك. إقامة جلسات ليالي القدر عبر الإنترنت نموذج ناجح لهذه التجارب، وقبل هذا، قام كثير من المصابين في الأشهر الأخيرة، بسبب القيود المفروضة على إقامة مراسم الدفن والتشييع والعزاء لأحبائهم، بأداء الشعائر في قالب آخر غير القوالب الرائجة، عبر الإنترنت وبتشكيل مجموعات عزاء في الفضاء الافتراضي.
وفقاً لآراء الخبراء في المجال الطبي، فإن إقامة المراسم، وبعبارة أخرى «أصل التجمع»، مخالف للبروتوكولات والتعليمات الصحية؛ مراعاة مسائل التباعد في مواكب العزاء وجموع المشاهدين، وبالكيفية التي قالها الأعزاء -أن تكون مهيبة وحماسية- غير ميسورة؛ إقامة التجمع في الفضاء المغلق غير ممكنة أيضاً، وبهذا فإن أي إجراء لإقامة المراسم هو نوع من اللعب بأرواح الناس.
لا يمكن الادعاء عبثاً بأن المراسم والتجمعات يمكن إقامتها مع مراعاة التعليمات الصحية اللازمة. على أي حال، وحتى مع احتمال ضئيل جداً، هناك إمكانية أن تنشأ في هذه التجمعات أرضية إصابة شخص واحد بهذا الفيروس القاتل، ومن البديهي أنه لا يحق لنا في أي حال من الأحوال تعريض حياة أي إنسان للخطر.
في ظروف لا يوجد فيها أي ضمان للحفاظ على حياة معزّي الحسين، لماذا ينبغي الإصرار على تشكيل هذه التجمعات؟ إلى أي مدى نستطيع أن نمنع تصرفات «الأفراد غير المبالين بالتعليمات الصحية»؟
يمكن بسهولة الجزم بأن الأخلاق، التي تناولت أدق النقاط في تعاملات الإنسان -حتى في علاقته بالطبيعة والأجسام الجامدة- لم تقف صامتة أمام تضييع حقوق الآخرين. لا يحق لنا من أجل إحياء أمر مستحب (مهما كان ذا فضيلة كبيرة) أن نرتكب أمر القتل المحرم للنفس.
ينبغي أن نرى إن كنا، خلافاً لنص القرآن الصريح، لا نقيم وزناً لحفظ أنفسنا، وبتبريرات غير واقعية وغير عقلانية، نعتبر أنفسنا متدينين طالبين للموت، وبهذا نعرض أنفسنا للخطر دون مبالاة، أفلسنا بحكم الأخلاق مسؤولين أيضاً أمام أرواح الآخرين؟ أليس تعريض حياة الآخرين للخطر نوعاً من المشاركة في قتلهم؟
والسؤال الأهم بالطبع هو: في مثل هذه الظروف، ما هو التبرير الأخلاقي والديني الذي يمتلكه أولئك الذين، بصفتهم حرّاس الشعائر الدينية، يتشدقون بصيانة حقوق الله والمعصومين (عليهم السلام)، في تجاهلهم لحقّ الناس؟!
في الواقع، علينا أن نرى ما هو هدفنا ومقصدنا من المشاركة في الجلسات الدينية والمذهبية، كمجالس عزاء أبي عبد الله (عليه السلام)؟ أليس هو أننا نريد بهذه الوسيلة أن نتعرف على أخلاقيات وسلوك وسيرة ومرام أهل البيت (عليهم السلام)؟ هل هدفنا من الإصرار على حضور مثل هذه المجالس هو شيء غير التلون بلونهم والتشبه بالمعصومين (عليهم السلام)؟
يبدو أن المسألة أوضح وأبسط من أن تتحول إلى تحدٍّ وهاجس وموضع نزاع في الفضاء الثقافي. أقصى ما يريده الفرد من المشاركة في المراسم الدينية هو الاقتراب من الروح السارية في تلك المراسم. مراسم عزاء أبي عبد الله (عليه السلام) تكون قيّمة عندما تدفع الفرد نحو مرام أبي عبد الله (عليه السلام). ومرام أبي عبد الله ليس سوى مرام النبي و«الخلق العظيم».
ولعل خلاصة الأخلاق يمكن إيجازها في هاتين الكلمتين: «لا تتأذَّ» و«لا تؤذِ». ورغم أن هذه العبارات تُستخدم غالبًا للمفاهيم التربوية والمعرفية، إلا أن سعة هاتين الكلمتين كبيرة جدًا بحيث يمكننا إدخالهما في مجال ما نعانيه هذه الأيام. نحن بموجب الأخلاق لا يحق لنا أن نهيئ الأرضية للإيذاء الجسدي لأنفسنا وللآخرين.
في الواقع، ما نحصل عليه في العصر الراهن من عدم إقامة التجمعات بمسؤولية، هو نفس ما كنا نسعى إليه في السنوات الماضية من خلال إقامة المجالس. ضالتنا هي أخلاق أبي عبد الله (عليه السلام) التي يتحقق الوصول إليها تارة بإقامة المجالس، وتارة بعدم إقامتها. وفي كل الأحوال، فإن عدم الدوس المتعمد على الفهم، سيجلب البصيرة الصحيحة في أزمنة الحيرة والاضطراب.
هل يمكننا، دون أي سند عقلي أو روائي، أن نقول إن «الإمام الحسين (عليه السلام) هو حافظنا بنفسه»، في حين أن القرآن الكريم ينص بوضوح: «وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ»؛ أي لا تلقوا بأنفسكم إلى الهلاك بأيديكم؟
هل مع وجود التحذيرات المتكررة من المجتمع الطبي والتمريضي، وبالنظر إلى الأدلة والمستندات العقلية والعلمية، تكون المشاركة في هذه التجمعات والتجمهرات أخلاقية ومنطقية وعقلانية؟ هل يمكن لـ«التوصية بالمراعاة» أن تولد لدينا اليقين الكافي بأن شيئًا لن يحدث؟ إذا كان الأمر كذلك، حيث يلتزم جميع الأفراد بتنفيذ التوصية بمجرد أن يُوصوا بفعل شيء ما، فلماذا لا نزال نعاني في مجتمعنا من مشاكل ثقافية وأخلاقية عديدة؟
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن «التوصية» ليست كافية على الإطلاق. في مثل هذه الحالات، حتى الإجبار على القيام بعمل ما لن يكون حلاً للمشكلة؛ تمامًا كما لم تستطع غرامات المرور حتى الآن أن تمنع مخالفات الناس في هذا المجال.
على أي حال، يبدو أن المعضلة الراهنة لمجتمعنا، أكثر من أي شيء آخر، هي الضعف في مجال الأخلاق، بسبب التلوث في النزاعات غير العقلانية، وليس أي شيء آخر؛ وإلا فمن الواضح تمامًا أن مدرسة أبي عبد الله (عليه السلام) ليست متوافقة على الإطلاق مع أعمال مثل تعريض حياة النفس والآخرين للخطر. عندما لا نستطيع ضمان أمن الأفراد في عمل محفوف بالمخاطر، فلا شك أنه لا ينبغي لنا أن نرغبهم ونشجعهم على القيام بذلك العمل.
تختلف مراسم العزاء من حيث المضمون وكيفية الإقامة عن كثير من الشعائر الدينية. ففي مجالس العزاء، يكون الازدحام والتداخل والتجمع كبيراً جداً وغير قابل للسيطرة عليه بطبيعة الحال، وغالباً ما يؤدي تهييج المشاعر والعواطف الدينية إلى إخراج الأمور عن حالتها الطبيعية. إن الالتزام الكامل بالأمور الصحية والتباعد الاجتماعي في مواكب العزاء ومراسم لطم الصدور وإنشاد المراثي يُشكل تحدياً كبيراً ويكاد يكون أمراً مستحيلاً. ونحن بموجب حكم العقل غير مخولين بأن نلقي بأنفسنا وبالآخرين في مثل هذه المهلكة التي لا مفر منها. إن الاحتياط في مثل هذه الظروف يقتضي عدم إقامة المراسم. وحين يكون «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا»، فلا يمكن إصدار أمر بهذه السهولة قد يعرض حياة شخص واحد للخطر أثناء تنفيذه، حتى بأضعف الاحتمالات.
يمكن إعادة إحياء مراسم العزاء بعد عودة الأوضاع إلى حالتها الطبيعية، لكن من المؤكد أن الفراغ الوجودي للأشخاص الذين يُفقدون في هذه الأثناء لا يمكن تعويضه أبداً.
.
.
.
.
[1] خريج فلسفة الأخلاق
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
حسین مگوی کشته شد یقین بدان اسوه شد او که شتافت تا کوفه خاموش نماند بیهوده بسکه ضدّ اکراه بود به کربلاء رفته زود ایثار نمود از جانش مردم بوده آرمانش تا مردمند در بلا حسین نخواهد عزا