اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ينبغي على الوالدين، في سبيل التربية الأخلاقية للأطفال خلال مراسم العزاء، أن يلائموا أجواء المراسم مع إدراكهم المختلف وحدودهم النفسية. إن إدارة الخوف من الظلام، وشرح معنى البكاء، والكف عن توقع سلوك الراشدين، يقي الأطفال من النفور.

يسعى الآباء والأمهات، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى تنشئة أطفالهم تنشئة أخلاقية. إنهم، بالتوسل بمختلف الأدوات والذرائع، يريدون باستمرار إحداث تغييرات يعتقدون أنهم يرغبون في إيجادها في أبنائهم. لكن هذه التغييرات ليست مجرد بالغين بأبعاد أصغر. فتفكير الأطفال يختلف كثيراً عن تفكير البالغين. إنهم لا يمتلكون قدرة استدلالية قوية، ومن ثم، لا يستطيعون فهم العالم كما يفهمه البالغون. لذلك، فإن البالغين هم الذين ينبغي عليهم أن يقتربوا هم أنفسهم من عالم الأطفال.
الطفل، لكي يفهم العالم من حوله، يعمم الظواهر على بعضها ويشبهها ببعض. أي أنه لتفسير الظواهر الجديدة، يستخدم المنطق الذي كان قد استخدمه لتفسير الأحداث السابقة. فعلى سبيل المثال، مع أنه يعلم أن الشمس لا تستطيع أن تنام وتستيقظ مثل البشر، إلا أنه يفسر شروق الشمس بأنه استيقاظ الشمس في الصباح.
هذه الخاصية لدى الأطفال، يمكن أن تكون مصدر إزعاج للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون أن يضعوا أنفسهم مكان طفلهم. في الحقيقة، كثير من مشاكل التواصل بين الآباء والأبناء، وانقطاع العلاقات الحميمة بينهم، يحدث لأن فهم الطفل يبدو صعباً على والديه.
مع هذه الأوصاف، فإن الآباء والأمهات الذين يفكرون في التربية السليمة والأخلاقية لطفلهم، ينبغي عليهم أن يعلموه المنطق ووجهات النظر الجديدة مع مراعاة الظروف والأخذ بعين الاعتبار مستوى قدرة الطفل وفهمه.
مع اقتراب المناسبات الدينية الخاصة، مثل شهري رمضان ومحرم، تقرر كثير من الأسر المؤمنة والملتزمة بالدين أحياناً، أن تتابع تربية طفلها من خلال قناة الشؤون والمراسم الدينية؛ على أمل أن يتمكنوا من خلال نقل المفاهيم القيمية الموجودة في هذه الأيام والأحداث الخاصة، من تنشئة طفلهم تنشئة سليمة وقائمة على الأخلاق. فعلى سبيل المثال، يعتقد كثير من هؤلاء الآباء أن حدثاً عظيماً ككربلاء لديه الكثير مما يمكن قوله، بحيث إن تعريف الأطفال به يمكن اعتباره صفاً دراسياً كبيراً لهم. ومن هنا، ومع حلول أيام محرم، ينتابهم هذا القلق فيشركون أطفالهم في مجالس العزاء؛ ويذيقونهم طعم شاي الروضة، وباختصار، يجعلونهم يستفيدون من هذه المجالس والمراسم؛ لكن الواقع هو أن كثيراً من الأسر لا تستطيع عملياً أن تنجح في هذا الأمر. فكثير من الأطفال لا يتلقون الأثر التربوي المناسب من هذه المجالس، بل على العكس، حتى إنهم يواجهون أحياناً مواقف تجعلهم ينفرون من مجالس العزاء ويفرون منها بشكل كلي.
في تتمة هذه المذكرة، سنحاول، بالإشارة إلى القدرات النفسية للأطفال، رسم فضاء العزاء المناسب لظروفهم ومقتضياتهم بشكل أفضل.
يعتبر الأطفال آباءهم الأبطال الخارقين في حياتهم. إنهم ينظرون إلى البكاء على أنه نوع من الضعف، ولهذا، فإنهم برؤية بكاء أبيهم وأمهم، يعتبرونهم ضعفاء. من البديهي أن يثير الظهور بمظهر الضعف بالنسبة لشخص كان بطلاً خارقاً في وقت ما، شعوراً شديداً بعدم الأمان والقلق لدى الطفل.
لهذا السبب، يقوم كثير من الآباء والأمهات، حفاظاً على أمن وسلامة أبنائهم النفسية، بإبعادهم قدر الإمكان عن الأحداث المحزنة والمثيرة للأسى، وعموماً يخفون بكاءهم وحزنهم عن أطفالهم. والسؤال هنا هو: هل ينبغي عقلاً أن يكون بكاء الوالدين خلف الأبواب المغلقة؟
الحقيقة هي أن الأطفال الذين لم يروا بكاء أبيهم وأمهم أبداً، يعانون من نقص في الذكاء العاطفي. ينبغي على الوالدين أن يظهرا لأبنائهم أن "البكاء علامة على الحزن"، وله سبب، وهو عملية قصيرة الأمد وتنتهي.
إذا كان الأطفال غير معتادين على بكاء الوالدين، فقد يؤدي مجلس عزاء الإمام الحسين (ع) إلى نفورهم من شهر محرم ومن الإمام الحسين (ع)؛ أما الاعتياد على أجواء بكاء الوالدين، فيمكن أن يحفزهم على اكتشاف سبب البكاء. كما أن ارتباط الطفل الحقيقي بالإمام الحسين (ع) يحدث عملياً في الفضاء العاطفي. لكن بما أن الطفل لا يستطيع أن يدرك الكمالات الشخصية للإمام الحسين (ع) بمستوى فهم الشخص البالغ، فإنه لا يرى فرقاً بين البكاء على الإمام الحسين (ع) وأنواع البكاء الأخرى. وهذا هو سبب تجنب العويل والجزع في حضور الطفل.
يمر الأطفال بمرحلة نمو التصورات التخيلية. فهم بسبب ما لديهم من ذهن نشط وخلاق، يخلقون لأنفسهم وحشاً من أي شيء في الظلام ثم يخافون من ذلك الوحش. غالباً ما يحدث الخوف من الظلام لأن الطفل يشعر في هذا الموقف بعدم الأمان والقلق، لظنه أنه سيتعرض للأذى من ذلك الكائن الخيالي.
ظلمة مجالس عزاء أبي عبد الله ليست مستساغة لدى الأطفال، وتخلق صورة غير مناسبة عن هذه المجالس في أذهانهم. لهذا السبب، ينبغي على الوالدين ألا يبقوا أطفالهم في الظلام لفترة طويلة. كما أن الحفاظ على الاتصال الجسدي، مثل معانقة الأطفال أو الإمساك بأيديهم عند إطفاء الأنوار، يمكن أن يساعد في إعادة الهدوء إليهم.
الأطفال عموماً مفعمون بالحيوية والنشاط، ولديهم قدرة جسدية ونفسية قليلة، وبالتالي فإن صبرهم محدود. من الصعب إبقاء طفل ثابتاً في مكان واحد لأكثر من بضع دقائق. إن عدم الاكتراث بمقدار صبر الطفل وتحمله يجعله عصبياً ومتعباً ونافراً. لذلك، يجب على الوالدين، مراعاة لحال الطفل وظروفه، أن يجعلوا وقت الحضور في مجالس العزاء مختصراً وقصيراً قدر الإمكان.
يمكن لأسلوب تعامل الوالدين، قبل العزاء وأثناءه وبعده، أن يكون محدداً لموقف الأبناء من هذا الموضوع. إن التعاملات القاسية والمهينة والمتسلطة من الوالدين مع أبنائهم في هذه المجالس، تجعلهم نافرين وكارهين لهذه الجلسات.
لا يمكن للأطفال أن يكونوا ملتزمين بآداب السلوك مثل البالغين. لا يمكننا أن نتوقع من الأطفال أن يدركوا ظروف العزاء مثل الكبار، فيجلسوا في زاوية وينشغلوا بالعزاء. ينبغي أن يعيش الطفل طفولته. الشقاوة واللعب طبيعة ذاتية في الأطفال، ولهذا السبب، يجب على الوالدين دائماً أن يوفروا لهم وسائل اللعب والتسلية.
حرمان الطفل من الأشياء التي يحبها ويشعر بالحاجة إليها، يمكن أن يخلق في ذهنه ذكرى سيئة عن مراسم العزاء. يمكن للوالدين أن يصنعوا للطفل ذكريات سعيدة في مجالس عزاء الإمام الحسين، وذلك باصطحاب أقلام التلوين والأوراق والمأكولات التي يحبها الطفل.
في هذه الأيام، وفي كثير من مراسم العزاء، يوجه المداحون والمعزون تنبيهات مستمرة للأطفال بضرورة التزام الصمت والجلوس في مكان واحد والهدوء. يطلبون منهم ألا يخلوا بنظام المجلس، وفي الحقيقة، يجبرونهم على سلوك يخالف رغبتهم.
مجلس العزاء الذكي هو مجلس يتم فيه توفير فضاء على هامشه لتجمع الأطفال من نفس العمر. ينبغي أن يكون الأطفال قادرين على الانشغال باللعب بحرية، في نفس الوقت الذي يستمعون فيه إلى صوت المتحدث ونغم المقتل.
الخيال والتصور جزء من عملية النمو لدى الأطفال. يمكن للأطفال بواسطة ملكة الخيال أن يتعلموا مهارات كثيرة؛ إن تقوية التفكير غير التجريدي وزيادة المهارات اللغوية والتواصلية هي من جملة فوائد وإنجازات الصور التخيلية. ومع ذلك، يمكن لملكة الخيال في بعض الحالات أن تترتب عليها أضرار للطفل أيضاً.
في بعض مجالس وهيئات العزاء، يقوم الروضةخوان (خطباء المجالس الحسينية) دون مراعاة أعمار مستمعيهم وأحوالهم، بوصف مشاهد التمثيل بجسد الإمام الحسين (ع) وأنصاره. إن التشريح التفصيلي لقطع الرؤوس والأيدي في هذه المجالس، يمكن أن يزعزع الحالة النفسية للأطفال الذين يصغون باهتمام إلى وصف هذه الوقائع الأليمة ويسبب لهم الخوف. فالأطفال بما لديهم من قوة تخيلية، يضفون على هذه الأوصاف تفاصيل إضافية ويخلقون لأنفسهم صورًا مزعجة.
لكن بما أن بعض خطباء المجالس الحسينية، في المجالس المفتوحة والعامة، يقدمون شرحًا مكشوفًا لهذه الوقائع ويسردون قصة مقتل الإمام الحسين (ع) وأبنائه شعرة بشعرة وبالتفاصيل، فإن من واجب الوالدين أن يستعلموا عن طبيعة المجلس قبل المشاركة فيه.
إذا كان المراد أن يتأثر الطفل إيجابيًا بمشاركته في مجلس عزاء الإمام الحسين، فيجب عليه الابتعاد عن كل مجلس تُروى فيه المشاهد الصريحة والعنيفة.
ينبغي أن يكون ترجيح الوالدين في اختيار المجالس والهيئات، مبنياً على اختيار الطفل. فأحيانًا يرغب الطفل في المشاركة بمجالس يحضرها أقرانه. وفي مثل هذه الحالات، من الأفضل أن يفضّل الوالدان رأي الطفل على رأيهما.
يجب أن يتمكن الأطفال من تلقي إجابات أسئلتهم حول حادثة كربلاء من والديهم. إن معرفتهم إلى أين يذهبون، ولماذا يذهبون، ولماذا يشاركون في مراسم العزاء هذه، يمكن أن يجعلهم شديدي الحساسية والترغيب تجاه النقاط التربوية لهذه الواقعة.
الأطفال، لأنهم لم يفقدوا فطرتهم النقية، يمكنهم بسرعة أن يقيموا صلة داخلية مع الأبعاد المختلفة والشخصيات المتنوعة لحادثة كربلاء. إن مفاهيم أنه لا ينبغي الإساءة لأحد، ولا ينبغي ظلم أحد، ولا ينبغي التسبب في أذية أحد، يمكن أن تبقى لسنوات كذهنية ثابتة في شخصية الأطفال وتحصّنهم ضد كثير من الأخطاء.
مجرد أن يتمكن الأطفال من سماع وصف بعض مظاهر محبة الإمام الحسين (ع) بلغة بسيطة تناسب الأطفال، يكفي لتعريفهم بهذه المدرسة وربطهم بها. هذا التعريف البسيط ولكن السليم، يمكن أن يمهد الأرضية لمعرفة عميقة لدى الأطفال في السنوات القادمة.
بما أن الأطفال لا يستطيعون تصور وتخيل الاستدلالات المعقدة والمفاهيم المجردة، فإن تعليم الفلسفة العظيمة لنهضة عاشوراء يجب أن يتم بما يتناسب مع فهمهم. الأطفال يفهمون لغة المحبة. يمكنهم إدراك التضحية بالنفس، والاهتمام، والمحبة، والصداقة؛ ومن هنا، فإن ذكر مشاهد من محبة الإمام الحسين (ع) لأخته السيدة زينب (س) أو شرح قصص تصف محبة الإمام الحسين (ع) لأبنائه وأنصاره يمكن أن يترك أثره على سلوك الطفل حتى سنوات المراهقة.
الوالدان هما القدوة المثلى للأطفال. هذا يعني أن الأطفال يحاولون دائمًا أن يجدوا ما يسمعونه ويرونه، أولاً في والديهم. فإذا لم ير الأطفال صلة بين ما يشاهدونه من والديهم، وما يسمعونه من قصص محرم وفي وصف أخلاق الإمام الحسين (ع) وأنصاره، فمن المرجح جدًا أن يصبحوا غير مبالين بالتوصيات الأخلاقية.
يجب على الوالدين في كل مرحلة عمرية وبما يتناسب مع حال طفلهم، أن يجعلوا القصص التي يروونها عن محرم والإمام الحسين (ع) أكثر تجريدًا وملموسية للطفل. إن الشعور الطيب والحب تجاه أهل البيت (ع) يمكن أن يفعّل ما ترسخ في الطفل خلال طفولته، في سنين مراهقته. وصف وقائع كربلاء الثقيلة، في سنين لا يدرك فيها الطفل معناها، لن يجلب له سوى الأحزان العميقة.
۱_ الهدف الأساسي من جميع مراسم العزاء للمعصومين (عليهم السلام) هو التربية الأخلاقية للوالدين والأطفال. وبقليل من البحث والتحقيق يمكن إدراك أن هدف بعثة الأنبياء كان هو نفسه أيضًا. فالدين بدون أخلاق فارغ ولا شيء، فما بالك بمراسم العزاء.
۲_ العزاء والبكاء على المصائب التي حلت بالمعصومين (عليهم السلام) ليس الهدف الوحيد من إقامة المراسم والمجالس الدينية؛ فهذه العزاءات لها أهداف عظيمة يمكن وصف بعضها بإيجاز كالتالي:
تقوية الجوانب النفسية والروحية، تزكية النفس، التعريف بالمعصومين (عليهم السلام) كأسوة للمسلمين، خلق الوحدة بين الأمة المسلمة، التعريف بالإسلام الحقيقي للعالمين، اكتساب المعنوية وتعليم المعارف الدينية وغيرها من الأهداف السامية التي لو انتبه إليها المسلمون لاستطاعوا إزالة الكثير من المشكلات عن المجتمع الإسلامي.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.