اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُركّز المنحى القائم على الفضيلة في التعليم على تنمية الفضائل الأخلاقية والعقلانية في مقابل السيطرة على المحتوى. ويُبيّن فحص مزايا هذا المنحى وعيوبه كيف يمكن التغلب على الانتقادات الموجّهة إليه.

هذه المقالة ترجمة لـ: Bassham, G. (2013) “Virtue-Centered Approaches to Education: Prospects and Pitfalls”, In Virtues in Action, (London: Palgrave Macmillan), pp. 11-22. في السنوات الأخيرة، طُبّقت أخلاق الفضيلة على طيف واسع من الموضوعات والتخصصات العلمية المعاصرة (مثل السياسة، والبيئة، والأخلاق المهنية، وحقوق الحيوان، والأخلاقيات الحيوية، والحرب، والرياضة). في هذه المقالة، يتم شرح وتفصيل مزايا وعيوب تطبيق أخلاق الفضيلة (بالمعنى العام للكلمة) على التربية والتعليم، وتُبحث هذه الأسئلة: ما هي مزايا المقاربة القائمة على الفضيلة في التربية والتعليم؟ ما هي الأشكال التي قد تتخذها هذه النظريات؟ ما هي المسائل والانتقادات التي يجب على المقاربة القائمة على الفضيلة التغلب عليها؟ نُشرت هذه المقالة في العدد الأول من مجلة الحياة المعنوية الفصلية.
في السنوات الأخيرة، طُبّقت أخلاق الفضيلة على طيف واسع من الموضوعات والتخصصات العلمية المعاصرة (مثل السياسة، والبيئة، والأخلاق المهنية، وحقوق الحيوان، والأخلاقيات الحيوية، والحرب، والرياضات). سأقوم في هذا الفصل بشرح وتفصيل مزايا وعيوب تطبيق أخلاق الفضيلة (بالمعنى العام للكلمة) على التربية والتعليم. [والأسئلة التي سأبحثها هي:] ما هي مزايا المقاربة القائمة على الفضيلة في التربية والتعليم؟ ما هي الأشكال التي قد تتخذها هذه النظريات؟ ما هي المسائل والانتقادات التي يجب على المقاربة القائمة على الفضيلة التغلب عليها؟
أخلاق الفضيلة هي مقاربة في الأخلاق المعيارية "تُركّز على الفضائل، أو السمات الأخلاقية، مقارنةً بمقاربة تُركّز على الواجبات أو القواعد [الأخلاقية] (الأخلاق الواجبة) أو مقاربة تُركّز على عواقب الأفعال (العواقبية)."[1] لا يمكن تطبيق أخلاق الفضيلة، بوصفها نظرية في الأخلاق المعيارية، بشكل مباشر على [مجال] التربية والتعليم، لأن التربية والتعليم يتعاملان مع أمور كثيرة غير "الأخلاق". ومع ذلك، من الممكن تطوير مقاربة قائمة على الفضيلة للتربية والتعليم تستلهم من أخلاق الفضيلة وتتشابه معها في جوانب كثيرة. ما أعنيه بـ"المقاربة القائمة على الفضيلة للتربية والتعليم" هي نظرية معيارية حول التربية والتعليم تُركّز على تنمية الفضائل الأخلاقية والعقلانية، على النقيض من، مثلاً، [المقاربة القائمة على] إتقان المحتوى [الدراسي]، أو التدريب المهني، أو تطوير المهارات.[2] من وجهة نظر أنصار التربية والتعليم القائمين على الفضيلة، فإن الهدف المحوري للتربية والتعليم هو تنمية النمو الشخصي، ومساعدة الطلاب [والتلاميذ] على تنمية فضائل ذهنية [/عقلانية] وسماتية [/أخلاقية] في أنفسهم تكون مُكوّنة للازدهار الإنساني أو الحياة الطيبة. وفقاً للمقاربة القائمة على الفضيلة، فإن السؤال الأساسي للتربية والتعليم ليس "ما الذي يجب أن يعرفه الطلاب [والتلاميذ] بعد [اجتياز] المرحلة الدراسية أ؟" أو "ما هي المهارات الأكاديمية التي يجب أن يمتلكها الطلاب/التلاميذ عند التخرج؟" هذه الأسئلة مهمة ومشروعة، لكنها أقل محورية لدى منظّري الفضيلة مقارنةً بالأسئلة المتعلقة بالخُلق والطبع. في الوضع المثالي، ما هي السمات القلبية والذهنية والسماتية التي نود أن يعتبرها طلابنا [وتلاميذنا] قيّمة، وأن يختاروها ويكتسبوها؟ ما هي الفضائل الأخلاقية والعقلانية التي يجب أن نسعى لتنميتها في طلابنا [وتلاميذنا]؟ كيف يمكننا بأفضل صورة أن نغذي النمو العاطفي والأخلاقي والعقلاني للطلاب [والتلاميذ]؟ كيف يمكننا أن نوفر بيئة تعليمية غنية تساعد الطلاب [والتلاميذ] على اكتشاف وتعظيم مواهبهم لعيش حياة سعيدة، مفعمة بالفضائل والهدف والإنجاز؟ أفضل طريقة للنظر إلى المقاربات القائمة على الفضيلة للتربية والتعليم هي أن نرى [هذه المقاربات] كأسرة من النظريات التي تعتبر الأمور المذكورة آنفاً تحديات محورية للتربية والتعليم. [والآن يمكن أن نسأل:] ما هي مزايا هذه المقاربة؟
أولاً، حتى وقت قريب نسبياً، هيمنت النظريات القائمة على الفضيلة على الفكر التربوي في الحضارة الغربية. عمالقة التربية والتعليم، مثل أفلاطون، وأرسطو، وأوغسطين، والأكويني، ولوك، وروسو، وكانط، وديوي، كلهم أيّدوا قراءاتٍ للتربية والتعليم القائمين على الفضيلة.[3] في التربية والتعليم الأمريكيين، هيمنت المقاربات القائمة على الفضيلة حتى العقود الأولى من القرن العشرين، أي حتى الوقت الذي انحدرت فيه هذه المقاربات لأسباب متنوعة، من بينها ظهور أشكال متنوعة من الشكوكية الأخلاقية والتأكيد المتزايد على التدريب المهني.[4] في حين أن الاحتكام إلى المرجعية والتقليد يقعان عموماً ضمن أضعف أشكال الإقناع العقلي، فإن وزنهما في هذه الحالة جدير بالاعتبار. عندما كانت المقاربات القائمة على الفضيلة، حتى وقت قريب، مقبولةً بشكل شبه عالمي، فإلى أي مدى يمكن أن نكون على يقين من أنه ينبغي التخلي عنها؟
دو دیگر اینکه نگاهی گذرا به بیانههای مأموریت نهادهای آموزشی نشان میدهد که، رویههای آموزشی آنها در مقام عمل هرچه باشد، مدارس قویاً مشتاقاند رشد عقلانی و اخلاقی دانشآموزان خود را پرورش دهند. برای مثال، کالج ایتاکا در بیانیة مأموریت خود میگوید: ”کالج ایتاکا به منظور فراهم آوردن بنیانی برای آموختنی از گهواره تا گور به پرورش دادن رشد عقلانی، درک زیبائیشناختی و رشد مَنش در دانشآموزان اختصاص یافته است.“ دانشگاه ایلون در بیانیة مأموریت خود اعلام کرده که ”ما احترام به تفاوتهای انسانی، شور و اشتیاق برای زندگیای سرشار از یادگیری، یکپارچگی شخصی، و اخلاق کار و خدمت را پرورش میدهیم.“. بیانیة مأموریت کالج هاورفورد با تأکید میگوید: ”ما میکوشیم پیگیری تعالی و حس مسئولیت فردی و جمعی در کل محیط زیست را [در دانشآموزان] پرورش دهیم. هاورفورد نهایت کوشش خود را به کار میبندد تا کالجی باشد که در آن یکپارچگی [شخصیت]، صداقت، و دغدغة دیگران را داشتن نیروهای غالب باشند.“. بیانیههایی از این دست در سطوح کالج و پیش از کالج در آموزش و پرورش آمریکا معمولاند. این واقعیت بر این نکته دلالت میکند که وقتی مدارس برای ژرفاندیشی جدی در اهداف و آرمانهای اصلی خود درنگ/ تأمّل میکنند، به نحوی طبیعی به زبانِ فضیلت و مَنش بازمیگردند.
سه دیگر اینکه دقیقاً همانگونه که پدران و مادران به نحوی طبیعی مایلاند تأثیری مثبت و عمیق بر کودکان خود داشته باشند، نهادهای آموزشی نیز، با فرض نقشهای نهادی خود در اجتماع و توسعه اجتماعی، به نحوی طبیعی چنین تمایلی دارند. این امر [این نهادها] را دعوت میکند که، به جای تمرکز بر اموری مانند مهارتها، قابلیتها، یا به خاطرسپردن کوتاهمدت، بر [پرورشِ] ملکات/ خُلق و خوهای نفسانیِ پایدار تمرکز کنند. عادتهای عقلانیِ دارای ریشة عمیق، مانند گشودگی ذهن، پشتکار عقلانی، و کنجکاوی عقلانی، هدیههایی هستند که تأثیرشان برای زمانی طولانی پس از ترک مدرسه (و در حالت آرمانی در سراسر عمر) استمرار خواهد داشت. این نکته در مورد فضایل اخلاقی، مانند شجاعت، مسئولیتشناسی، و انضباط شخصی، نیز صادق است. بر عکس، [تأثیر] مهارتها و قابلیتهای آکادمیک، و تسلط بر محتوای [متون درسی]، غالباً کوتاهمدت است. در موارد بسیاری این امور از نظر ارزشی خنثی هستند. چنانکه دامبلدر به هری پاتر خاطرنشان میکند، ”این انتخابهای ماست... که بسیار بیش از قابلیتهای ما به ما نشان میدهد که واقعاً کیستیم.“.[5] فضایل عقلانی و اخلاقی به حسب تعریف اوصاف خوبی است که ما را قادر میسازد که هم خوب باشیم و هم زیرک. مهارتهایی مانند محاسبات ریاضی و دانش پایه، مانند درک اصول بنیادین فیزیک، ویژگیهایی اخلاقاً خنثی هستند، که، به قول ریچارد پاول، ”هم میتوان از آنها برای [اهداف] خیر استفاده کرد و هم برای [اهداف] شر، هم برای روشنگری و هم برای تبلیغات [فریبنده]، هم برای دستیابی به هدفی شخصی و محدود و هم برای پیشبرد خیر عمومی و جهانشمول.“.[6] بدون تردید بسیاری از نازیهای برجسته دانشجویانی ممتاز و دارای علم و مهارتهای آکادمیک تحسینبرانگیزی بودهاند. چیزی که آنان نداشتند حکمت و فضیلت بود.
علاوة على ذلك، وكما نبّه جون لوك منذ قرون، فإن التعليم الذي يركّز على تنمية الفضائل العقلية والأخلاقية يتفوّق تفوّقاً ذاتياً على التعليم الذي يستهدف اكتساب المهارات الأكاديمية والتمكّن من محتوى [المتون الدراسية]. كتب لوك: التلميذ الذي يتمتع "بالفضيلة والنفس المعتدلة، إذا أُهملت بقية [جوانب تعليمه]، فسيُنتجها كلها في الوقت المناسب".[7] لقد عُبّر عن فكرة لوك هنا بصورة مبالغ فيها. فبعض الموضوعات والمهارات الأكاديمية ينبغي تعلّمها ضمن إطار زمني معين، وإلا كان الثمن التسرب الدراسي، أو الفشل في الالتحاق بكلية جيدة، أو غير ذلك من العواقب الوخيمة. ومع ذلك، فإن لوك محق في أن ثمّة نوعاً من عدم التوازي بين الفضيلة والمعرفة/الكفاءة يشهد لصالح الفضيلة. فالمراهق الذي لا يكون، لأي سبب كان، طالباً قوياً [من الناحية العلمية والكفائية]، قد ينمو مع ذلك ليصير إنساناً بالغاً وحكيماً ومتعلماً شريطة أن يكون قد نمّى في نفسه، في مرحلة ما [من حياته]، فضائل كحب التعلم، والمثابرة العقلية، وكفّ النفس، والاجتهاد في العمل، والالتزام بتطوير الذات. وبافتراض [توفر] الوقت والفرصة، فإن هذه الفضائل تضمن تلافي أهم أوجه القصور التعليمي. وعادةً، لا تكون المعارف والمهارات الأساسية ذاتية التصحيح بهذه الطريقة.
كما أن التركيز على الفضائل العقلية والأخلاقية يتيح مجالاً لإحساس أقوى بمشاركة المجتمع التعليمي بأكمله – القسم الإداري، والموظفين، والطلاب، فضلاً عن أعضاء هيئة التدريس/الكادر التعليمي. فعندما يكون التركيز الأولي لمدرسة ما على التمكن العلمي والمهاري للطلاب، فإن مهمة "التعليم والتربية" برمتها تُرى مسؤولية الكادر التعليمي. وعلى العكس من ذلك، عندما تتسع بؤرة الاهتمام لتشمل [تنمية] فضائل كتحمل المسؤولية، واحترام الاختلافات، والصدق، والاستقامة [في الشخصية]، والتحضر، والروح الجماعية، والشغف نحو التعالي، فإن المدرسة بأكملها ستستطيع أن تشعر بأنها تسهم في المهمة التعليمية والتربوية للمدرسة. وهذا الأمر يسهم في خلق الإحساس بـ[كون المرء عضواً في] جماعة، ويؤكد تلك الملاحظة الشائعة – المبتذلة ربما، لكنها صادقة بعمق – التي تقول إن كثيراً من أهم ما يُتعلم في المدرسة، لا يُتعلم في قاعة الدرس.
أخيراً، إن التأمل الدقيق في الأهداف العريضة للتعليم والتربية يؤيد المقاربة القائمة على الفضيلة. لا يمكن الفصل فصلاً خالصاً [بين هذه الأهداف]، لكن الأهداف التعليمية والتربوية على نوعين: ذاتية وعرضية. الأهداف العرضية في التعليم والتربية هي تلك التي تُعتبر وتُتّبع بوصفها أدوات للوصول إلى غايات أخرى قيّمة. اثنتان من الغايات العرضية للتعليم والتربية في المدارس الأساسية والمعترف بهما على نطاق واسع هما إعداد الطلاب للعمل وإعدادهم للاضطلاع بواجبات المواطنة الديمقراطية.[8] وعادةً، لا تُعتبر المهارات والأخلاق المتعلقة بالعمل والمواطنة قيّمة لذاتها، بل على العكس، تُعتبر قيّمة بوصفها أدوات لغايات مرغوبة أخرى، كاقتصاد منتج، ونمط حياة مرغوب، ونظام سياسي عالي الكفاءة. لكن بعض أهداف التعليم والتربية تُرى، بحق، [أهدافاً] ذاتية. وتشمل هذه الأهداف، بوجه خاص، النمو الشخصي، أي تنمية قدرات الفرد وإمكاناته في سبيل التعالي، أو ما يسميه جاك ماريتان "الإزهار الذاتي للشخص بما هو إنسان".[9] وكما ينبه أفلاطون في الجمهورية، فإن فضائل الخُلق تسهم بالتأكيد في الغايات الاجتماعية القيّمة، لكن هذه الفضائل تُعتبر أيضاً قيّمة لذاتها وبوصفها أموراً خيّرة بالذات.[10] ولهذا السبب، فمن المنطقي، شأننا في ذلك شأن النظريات القائمة على الفضيلة [في الأخلاق، أن نعطي الأولوية في التعليم والتربية أيضاً] لنمو الشخصية.[11]
تماماً كما تتخذ أخلاق الفضيلة أشكالاً شديدة التنوع (الأرسطية المحدَثة، والرواقية، والتوماوية، والهيومية، والنييتشوية، والتعددية، وما شابهها)، فإن المقاربات القائمة على الفضيلة في التربية والتعليم هي كذلك. واسمحوا لي ـ دون ادعاء الشمول ـ أن أذكر بإيجاز بعض الشقوق الرئيسية الممكنة لشرح وتفصيل [نظرية كهذه].
ينبغي للمقاربة القائمة على الفضيلة أولاً أن تُظهر ما إذا كانت قابلة للتطبيق على جميع أشكال التربية والتعليم أم على بعضها فقط. يؤكد بعض منظّري الفضيلة، مثل روبرت هاتشينز ومورتيمر أدلر، على أن جميع [أنواع] التربية والتعليم في جميع المستويات يجب أن تركّز أولاً وبالذات على تنمية الفضائل الأخلاقية والعقلية (ولا سيما الثانية). يدّعي أدلر أن الأمر كذلك لأن جميع البشر يشتركون في طبيعة واحدة بوصفهم حيوانات عاقلة، ولديهم جميعاً القدرات والإمكانات نفسها التي ينبغي إنماؤها، و"التربية الأساسية للحيوان العاقل هي إضفاء النظام والانضباط على قواه العقلية وتنمية عقله".[12] لا شك أن المقدمات/الافتراضات الأرسطية [لحجة] أدلر قابلة للنقاش، ولكن حتى لو سلّمنا بها، فإن النتيجة [التي يبتغيها] لن تترتب. [لأنه] قد تكون هناك أشكال من التربية والتعليم (تقنية، مهنية، رياضية، فنية، في مرحلة الطفولة المبكرة، التربية الخاصة، وما إلى ذلك) لا يكون التركيز الرئيسي فيها على النمو الأخلاقي أو العقلي، بل على أهداف تربوية أخرى، مثل اكتساب مهارات محددة، أو الصحة النفسية، أو التمكن من مجموعة من المعلومات. علاوة على ذلك، فإن الاستراتيجيات التعليمية الفعّالة في مستوى من مستويات التربية والتعليم قد لا تكون مناسبة في مستويات أخرى. فعلى سبيل المثال، قد تكون محاولة تنمية الفضائل العليا، أي الاستقلال الذاتي العقلي والانفتاح الذهني، أكثر مناسبة في المستويات العليا من التربية والتعليم منها، لنقل، في التعليم قبل المدرسي. تحتاج المقاربة القائمة على الفضيلة، إذا ما أُريد لها أن تكون مشروحة ومفصّلة بالكامل، إلى معالجة مثل هذه التعقيدات.
كذلك، ينبغي لمنظّر الفضيلة أن يختار بين تأويلين أسميهما التأويل "السمين" / "الأقصوي" والتأويل "النحيف" / "الأدنى" لنمو الشخصية. التأويل السمين هو الذي يعبّر بوضوح وصراحة، وبشكل كامل (أو بتفاصيل ملحوظة)، عن مثال أعلى محدد للامتياز الأخلاقي والعقلي (أو على نحو أعم، الشخصية المثلى أو الحسنة النمو)، ويُلزم المعلمين والمربين بتحقيق هذا المثال الأعلى. تقترح معظم نظريات التربية والتعليم الكلاسيكية وتلك التي تعود للقرون الوسطى تأويلات سمينة بهذا المعنى. مشكلة التأويلات السمينة في المجتمعات المعاصرة المتعددة هي أنها تنخرط حتماً في دعاوى معيارية أو ميتافيزيقية أو دينية مثيرة للجدل. فعلى سبيل المثال، يدافع أرسطو عن تأويل سمين للنمو الإنساني المثالي يُحتقر فيه العمل اليدوي، وينطوي على افتراض مسبق مشكوك فيه مفاده أن التأمل العقلي هو أسمى أشكال الفضيلة الإنسانية.[13] ويدافع أفلاطون عن تأويل سمين لنمو الشخصية لا يعطي قيمة تُذكر للأهداف الدنيوية، أو الشهوات الجسدية، أو التعليم التجريبي.[14] ويضخ الأكويني في تبيينه للنمو الإنساني المثالي قدراً كبيراً من الغيبية، ويجادل بأن التربية والتعليم ينبغي أن يكون شاغلهما الرئيسي غرس الفضائل المسيحية كالعفة، والتواضع، والاعتدال، والتقوى، وطاعة السلطة، وتشجيع التلاميذ على تحقيق إرادة الله على الأرض بغية التمتع بالسعادة الأبدية في كنفه في الحياة بعد الموت.[15]
قد تكون التفسيرات المُتخمة لنمو الشخصية مناسبة للمدارس الدينية أو غيرها من المؤسسات التعليمية ذات التوجه الأيديولوجي، لكن يمكن القول إنها ليست مناسبة للمدارس العامة أو الكليات في الديمقراطيات العلمانية الحديثة. وبالطبع، ليس مطلوباً من المؤسسات التعليمية العامة أن تتخذ موقفاً محايداً إزاء الموضوعات الأخلاقية والميتافيزيقية الخلافية. فعلى سبيل المثال، يمكن لهذه المؤسسات أن تدعم المساواة بين الجنسين، وحقوق الإنسان، ونظرية التطور، رغم أن هذه الآراء ليست مقبولة عالمياً. لكن ثمّة قيود على ما ينبغي أن تكون عليه التفسيرات المُتخمة لنمو الشخصية الإنسانية في المؤسسات التعليمية العامة، وربما في المؤسسات التعليمية الخاصة التي تخدم جمهوراً متنوعاً من الطلاب. ويضطر منظّرو الفضيلة لهذه المؤسسات إلى تطوير نظريات نحيفة تُحدد فضائل أخلاقية و/أو عقلانية معينة يمكن تنميتها على نحو ملائم [في هذه المؤسسات]. وتتمثل إحدى الاستراتيجيات الشائعة في التركيز على الفضائل الأخلاقية التي تحظى "بإجماع متداخل" واسع في المجتمع ككل. وعادةً ما يذكر أنصار "تربية الشخصية" في الولايات المتحدة فضائل مثل الاحترام، وتحمل المسؤولية، والصدق، والإنصاف، والتسامح، ومراعاة المصلحة، والانضباط الذاتي، والإفادة، والشفقة، والتعاون، والشجاعة، وأنواعاً من الفضائل الديمقراطية، باعتبارها فضائل مناسبة وإجماعية لأهداف التربية الأخلاقية في المدارس العامة للولايات المتحدة. وعلى هذا المنوال، يميل منظّرو الفضيلة [ذوو التفسير] النحيف إلى تجاهل الفضائل العقلانية الخلافية مثل "الحكمة" الأرسطية ("معرفة أشرف الأشياء وأكثرها إلهية")[16] أو الفضيلة اللاهوتية لدى الأكويني، "الإيمان"[17]، ويركزون بدلاً منها على الفضائل العقلانية المقبولة على نطاق واسع، مثل حب الحقيقة، والمثابرة العقلانية، والشجاعة العقلانية، والانفتاح الذهني، والإنصاف العقلاني، والتكامل العقلاني، والتواضع العقلاني، والاستقلالية العقلانية، والتعاطف العقلاني، والرغبة الشديدة في التعلم.[18]
تزعم بعض المقاربات الفضائلية للتربية أن على المعلمين والمربين أن يركزوا فحسب، أو أولاً وبالذات، على تنمية الفضائل العقلانية، لا الفضائل الأخلاقية. فبحسب رأي أحد منظّري الفضيلة، ويدعى روبرت م. هاتشينز، فإن التربية "تتعامل مع تنمية القوى العقلانية للإنسان؛" وأن [تنمية] "القوى الأخلاقية والروحية" للطلاب هي "من اختصاص الأسرة والكنيسة،" لا من اختصاص المدرسة.[19] وينبغي للمقاربات الفضائلية أن تُحدد ما إذا كان ينبغي [في المؤسسة التعليمية] تعزيز كلا [نوعي] الفضيلة العقلانية والأخلاقية بشكل صريح، أم الفضائل العقلانية فقط، وإذا كان من المقرر تنمية كلا [نوعي الفضيلة]، فهل ينبغي تقديم أحدهما على الآخر.
أخيراً، ينبغي لنظرية فضائلية في التربية، تكون قد تطورت بشكل جيد، أن تُبين، على الأقل بعبارات عامة، كيف ينبغي تعليم وتقييم الفضائل العقلانية و/أو الأخلاقية التي تنتقيها تلك النظرية. هل ينبغي تدريس الفضائل العقلانية المتعلقة بـ"التفكير النقدي" في درس منفصل، أم تُضخ في كامل المنهج الدراسي، أم كلاهما؟ وما هو المزيج المناسب من الإرشاد التعليمي، والتدريب، والحوار السقراطي [والنقاش] عند تدريس الفضائل العقلانية، وفي أي مستويات؟ وإذا كان من المقرر غرس "الخلق الحسن" [في الطلاب]، فكيف يمكن تعليمه وتقييمه بكفاءة؟ وما هو الدور الذي ينبغي أن يلعبه تقديم النماذج، والقصة، والثواب والعقاب، والتقييم، والنظرية الأخلاقية، وتوفير بيئة تعليمية ديمقراطية؟ وكيف يمكن تجنب "التلقين/غسيل الدماغ،" و"الميل إلى الامتثال للجماعة،" و"التعديل السلوكي السكينري،"[20] التي هي بمثابة فزّاعات ليبرالية؟ إن العديد من أكثر القضايا إثارة للمشقة والجدل فيما يتعلق بتعليم الخُلُق تحدث على هذا المستوى من التطبيق العملي.
تواجه المقاربات الفضائلية للتربية اعتراضات مشهورة. لنلق نظرة موجزة على أشد الانتقادات جدية ونر كيف يمكن لمنظّري الفضيلة أن يردوا على هذه الانتقادات بأفضل وجه.
اعتراض عدم الاكتمال: من الانتقادات المعيارية الموجَّهة إلى أخلاق الفضيلة أنها ناقصة، بمعنى أنها أشد غموضاً من أن تقدّم إجابات دقيقة [وواضحة] عن الأسئلة الأخلاقية. يقول [المنتقدون] إن أخلاق الفضيلة لا توفّر أي "منهج لاتخاذ القرار" لحلّ المعضلات الأخلاقية الملموسة. هل ينبغي أن أصبح نباتياً؟ هل أدعم قوانين أكثر صرامة لضبط الأسلحة؟ هل أختار نمط حياة أبسط وأكثر رفقاً/لطفاً بالبيئة؟ [للإجابة عن أسئلة من هذا القبيل]، لن يساعدني أن يُقال لي: "تصرف كما يتصرف الشخص الفاضل". لقد قيل إن النظرية الأخلاقية ينبغي أن تقدّم إرشاداً أدقّ من هذا.
لقد ردّ منظّرو أخلاق الفضيلة على هذا الاعتراض بطرق شتى. ذهب بعضهم إلى أنه لا ينبغي أن نتوقع من نظرية أخلاقية أن تكون كاملة، وأن الأخلاق أعقد من أن تُختزَل إلى أي مجموعة من القواعد الحسابية أو منهج بسيط لاتخاذ القرار.[21] وحاول آخرون رمي الكرة في ملعب المنتقدين، محتجّين بأن أغلب النظريات الأخلاقية البارزة غامضة؛ مثل "عظّم العواقب الطيبة"، و"عامل البشر دوماً كغايات في ذاتهم"، و"افعل ما أراده الله".[22] وجادل آخرون بأن أخلاق الفضيلة تقدّم، في الواقع، إرشاداً أخلاقياً دقيقاً [وواضحاً] نسبياً.[23]
سواء أكانت هذه الردود مُرضية أم لا، فإن المقاربات القائمة على الفضيلة في التربية ليست بالضرورة عرضة لاعتراض عدم الاكتمال. وكما أشرنا سابقاً، لا يلزم أن تؤيّد المقاربات القائمة على الفضيلة في التربية أخلاقَ الفضيلة. فهذه المقاربات هي شكل من "نظرية الفضيلة" (بحث يركز على الفضائل)، لكنها ليست بالضرورة نوعاً من أخلاق الفضيلة (نظرية معيارية محددة في الأخلاق).[24] علاوة على ذلك، من المضحك أن نتوقع من نظرية في التربية أن تكون "كاملة" بمعنى أنها تقدّم جواباً واضحاً لا لبس فيه عن كل سؤال يمكن تصوره في التربية. لم تقترب أي نظرية في التربية قط من هذا المعنى من الكمال.[25] بالطبع، قد تكون مقاربة قائمة على الفضيلة في التربية غامضة بشكل غير مفيد. وإذا كان الأمر كذلك، فينبغي لمثل هذه النظرية أن تُبسَط وتُفصَّل أكثر. لكن لا يمكن توجيه أي اتهام عام بـ"عدم الاكتمال" إلى صميم النظريات القائمة على الفضيلة في التربية.
اعتراض تعارض القيم: نقد شائع آخر لأخلاق الفضيلة هو أن الفضائل قد تتعارض [فيما بينها]، وأن أخلاق الفضيلة لا تقترح أي سبيل لحلّ هذه التعارضات. مثلاً، قد تتعارض فضيلة اللطف مع فضيلة الصدق في التعامل مع طفل جبان. يدّعي المنتقدون أن منظّري أخلاق الفضيلة لا يقدّمون أي توصية ملموسة لحلّ مثل هذه التعارضات سوى كلام غير مفيد ومبتذل من قبيل "تصرف بفضيلة" أو "افعل ما يفعله صاحب الحكمة العملية".
عادةً ما يردّ منظّرو أخلاق الفضيلة على هذا الاعتراض بطريقتين. الأولى، أنهم يشيرون إلى أن هذه المشكلة ليست حصرية على أخلاق الفضيلة. فمعظم النظريات الأخلاقية البارزة تجيز التعارض المحتمل بين المبادئ والقيم والفضائل المتنافسة. والثانية، أن هناك طرقًا معيارية لحل التعارضات في النظرية الأخلاقية يمكن لأخلاق الفضيلة أن تتبناها. إحدى هذه الطرق هي ترتيب أولويات القيم أو المبادئ أو الفضائل المتعارضة. والأخرى هي البرهنة على أنه لا يوجد تعارض حقيقي بين الفضائل، بل مجرد تعارضات ظاهرية [فيما بينها]. على سبيل المثال، في حالة التعارض الظاهري بين الصدق واللطف [في التعامل مع الطفل الخائف]، يمكن القول إنه إذا كان قول الحقيقة بالمعنى الدقيق/الكامل للكلمة يؤدي دون ضرورة إلى إثارة قلق طفل خائف، فإن [فضيلة] الصدق لن تقتضي مثل هذا السلوك.[26] [من وجهة نظري] تبدو هذه ردودًا فعّالة على الاعتراض القائم على تعارض القيم. لكن إن لم تكن كذلك، فإن معظم النظريات الأخلاقية البارزة تكون في هذه الحالة ركّابًا في القارب نفسه المثقوب.
الاعتراض القائم على النسبوية: من الاتهامات الشائعة الأخرى الموجّهة إلى أخلاق الفضيلة أنها تؤدي إلى شكل/قراءة غير مقبولة من النسبوية الأخلاقية. لقد جادل بعض النقاد، متبعين ألسدير ماكنتاير، بأن الفضائل لا يمكن اكتسابها وتنميتها وصياغتها/التعبير عنها بشكل ذي معنى وواضح إلا ضمن أشكال معينة من الحياة الجمعية شديدة التنوع.[27] وجادل آخرون بأن مفهوم ”الفضيلة“ ذاته، بوصفها ”خلُقًا من الجيد أن يتحلى به الشخص“، يستدعي نوعًا واضحًا من النسبوية. إذ قد يكون التحلي ببعض الخِصال جيدًا في الثقافة (أ) في الزمن (ز1) وغير جيد في الثقافة (ب) في الزمن (ز2). فعلى سبيل المثال، قد تكون كرم الضيافة تجاه الغرباء فضيلة في معظم الأزمنة والأمكنة، لكن ليس عندما نعلم أن الغرباء يحملون أمراضًا مميتة. إن الفلاسفة الأخلاقيين الذين يعترضون على مثل هذه التنوعات سيرفضون أخلاق الفضيلة بطبيعة الحال.
هنا أيضًا، ردّ منظّرو أخلاق الفضيلة [على هذا الاعتراض] بطرق متنوعة. لقد لعب بعضهم بورقة [كون هذا الإشكال] مشترك الورود، مذكّرين بأن معظم النظريات الأخلاقية البارزة تحمل ”خطيئة“ نسبوية مماثلة. فعلى سبيل المثال، تقبل كل من العواقبية ونظرية الأمر الإلهي على الأرجح بأن كرم الضيافة تجاه الغرباء ليس بالضرورة خيرًا أو واجبًا في كل الظروف. وبالطريقة نفسها التي تلتزم بها العواقبية بالمبدأ الآفاقي القائل بوجوب تعظيم العواقب الجيدة، تلتزم أخلاق الفضيلة بالمبدأ الآفاقي القائل بوجوب تنمية الخِصال الجيدة للشخص. وليست أي من النظريتين نسبويتين بأي معنى مرفوض. لقد اقترح منظّرو الفضيلة، مثل مارثا نوسباوم، ردًا أعمق على الاعتراض القائم على النسبوية. إذ تجادل نوسباوم، ردًا على ماكنتاير، بأن الفهم والإدراك الخاص والمحلي للفضائل قد يتغير، ومع ذلك فقد تكون هناك فضائل مثل الحزم والحذر، والشجاعة، والتوافق، والإنصاف، والانضباط الذاتي، والمعقولية، يحتاج إليها جميع البشر لمجرد كونهم بشرًا وكائنات اجتماعية تعيش في عالم مليء بالتحديات.[28] قد يكون بعض المنظرين المتمركزين حول الفضيلة في التربية والتعليم نسبويين بشكل مرفوض، لكن مثل هذه النظريات ليست، في حد ذاتها وبشكل معتبر، عرضة لمثل هذا النقد.
اعتراض القائم على «تمسَّك بما نعرف أنه ناجح»: أقوى اعتراض على النظريات القائمة على الفضيلة في التربية هو أنها تصرف انتباهنا عمّا يمكن إثبات نجاعته في التربية ـ أي التدريس المتسق والممنهج للبّ المعرفة المركزي ـ وتدعونا إلى أشكال من التعليم رائجة وعابرة، مؤسَّسة على نظريات خاطئة في التربية. أحد المدافعين الأقوياء عن هذا الرأي هو المصلح التربوي إ. د. هيرش الابن.[29] وفقاً لرؤية هيرش، فإن المدارس الأمريكية آخذة في الفشل لأن المعلمين دخلوا في "عالمية" خاصة يبيّن البحث أنها غالباً لا أساس لها. لقد دفعت الرومانسية، والتقدمية، والبنائية، وكثير من "المذاهب" العصرية الأخرى المعلمين والمربين إلى ازدراء تدريس لب المعرفة المركزي لصالح تعليم "التفكير النقدي"، و"التعليم العملي"، و"التعلم الملائم نمائياً"، و"التعليم المتمركز حول الطفل"، و"المعرفة المبنية". وعلى الرغم من الزيادة الهائلة في النفقات التعليمية، كانت الحصيلة هي درجات اختبار راكدة، ونتائج سيئة للغاية في المقارنات الدولية. الحل الذي يقترحه هيرش هو أن نفعل ما تفعله تقريباً كل الأمم ذات المدارس عالية الأداء: أي إقرار معايير وطنية صارمة بشأن التحصيل التعليمي والتأكيد على التدريس المتماسك والمتسق للمعرفة الأساسية المشتركة ـ وهو ما كان هيرش يسميه سابقاً "المعرفة الثقافية"، لكنه يسميه الآن "لب المعرفة الأساسي".[30]
وفقاً لرؤية هيرش، يوجد اليوم إجماع شبه عالمي حول الصورة الكبرى للتربية. "الكل متفقون على أهداف تحقيق تكافؤ الفرص، والمهارة، والاستقلالية، وتعلم كيف نتعلم، والمواطنة الصالحة، والمسؤولية الأخلاقية."[31] لكن توجد خلافات عميقة حول ما تعنيه هذه الأهداف العامة وكيف يمكن بلوغها. يأمل هيرش أنه عندما يتقدم البحث التربوي الصارم وغير الأيديولوجي، فإن بعض هذه الخلافات حول التفاصيل ستختفي. يدعم هيرش التربية المدنية والأخلاقية، ويقترح أن قدرة القصص [في التأثير] "على العقل والقلب قد تكون أكبر من قدرة الإرشاد المباشر وتجربة الحياة الواقعية".[32] وهو لا يؤيد التدريس المباشر في "التفكير النقدي" بوصفه مجموعة من المهارات والنزعات العقلية المعممة والقابلة للانتقال، ويجادل بأنه من الخطأ أن نضع تقابلاً بين "التفكير النقدي" و"الحقائق المجردة". "الفطرة السليمة وعلم النفس المعرفي يدعمان معاً الرؤية الجفرسونية القائلة بأن التفكير النقدي قائم دوماً على المعرفة [المتعلقة] بالحقائق".[33] يجادل أنصار تعليم لب المعرفة الأساسي بأن التأكيد الأولي في المدارس الابتدائية ينبغي أن يكون على نقل لب المعرفة الأساسي [إلى أذهان التلاميذ]. وهذا [الأسلوب التربوي] لا يعزز الأداء الأكاديمي ويرتقي بالجودة التعليمية فحسب، بل يساعد أيضاً، كمكافأة إضافية، على النمو الأخلاقي والعقلي للتلاميذ. وبناءً على هذا، فإن المقاربات القائمة على الفضيلة محقة في اعتقادها بأن الشخصية الجيدة والتفكير النقدي هما هدفان تربويان مهمان. لكنها مخطئة في إعطاء الأولوية لهذين الهدفين على أهداف تربوية أساسية أخرى، كالمهارة وتكافؤ الفرص. نحن نريد لتلاميذنا ـ كل التلاميذ ـ أن يكونوا صالحين وأذكياء. لكن أفضل سبيل لتعزيز هذين الهدفين القيمين هو أن نؤكد على [تدريس] لب المعرفة الأساسي.
هذا اعتراض قوي على المقاربات القائمة على الفضيلة في التربية. لكنني ما زلت غير مقتنع.
يرى أنصار [المنهج التعليمي القائم على] المعرفة الأساسية أنه من الخطأ تفضيل الفضائل العقلية والأخلاقية على غايات تعليمية أخرى تحظى بدعم واسع، مثل المهارة، وتعلّم كيفية التعلّم، وتكافؤ الفرص. ولكن، كما أشرنا سابقاً، ثمة أسباب تدعو إلى منح الأولوية للفضائل. وعلى وجه الخصوص، من المقبول جداً أن نرى الفضائل العقلية والأخلاقية (أو بمصطلح أعم، "الازدهار" أو "تحقيق الذات") بوصفها الغاية القصوى للتعليم، بدلاً من غايات كالمهارة، وتعلّم كيفية التعلّم، والمساواة التعليمية، التي تُقدَّر قيمتها أولاً وبالذات بوصفها أدوات لتحقيق غايات فردية وجماعية أخرى.
يكمن أهم خلاف بين أنصار [منهج تعليم] المعرفة الأساسية ومنظّري الفضيلة في الوسائل. هل يؤدي التأكيد على الفضائل إلى تعليم رديء، ويصرف المعلمين والمربّين عن أنواع الاستراتيجيات التعليمية الراسخة، الغنية بالمعلومات، والعائدة إلى الأسس، التي تبدو فاعلة جداً في بلدان أخرى؟ هل صحيح أن تعليم المعرفة الأساسية هو أفضل وسيلة لتعزيز الازدهار الإنساني على المدى الطويل، أم أنه، كما يدّعي منظّرو الفضيلة، تكون المقاربات المباشرة والمتعمّدة مبرَّرة أحياناً؟ يبقى سؤال أرسطو وثيق الصلة كما كان دائماً: "ألن نكون أكثر احتمالاً لبلوغ مرادنا إن كان لنا هدف [في أعمالنا ونشاطاتنا]؟".[34] إذا كان هدفنا أن ينشأ أطفالنا ليكونوا صالحين وأذكياء معاً، فمن المنطقي أن نستحضر هذا الهدف في أذهاننا عند التنظير والتخطيط للتعليم. اليوم، يجيد كثير من التلاميذ حفظ الحقائق، ومخزونهم من "المعرفة الأساسية" جيد. لكن كثيرين منهم، في الوقت نفسه، غير مهذّبين أخلاقياً وفقراء في التفكير النقدي. لذا، يبدو تعزيز المعرفة الأساسية، في أحسن الأحوال، جزءاً من الحل.[35]
[*] هذا النص ترجمة لـ
Bassham, G. (2013) “Virtue-Centered Approaches to Education: Prospects and Pitfalls”, In Virtues in Action, (London: Palgrave Macmillan), pp. 11-22.
نُشرت النسخة الأولى من هذه الترجمة في مجلة حياة معنوي المحترمة، السنة الأولى، العدد الأول، (1398)، صص. 49-64. أشكر صديقي العزيز، السيد بافري فر، على موافقته على إعادة نشر هذه الترجمة في الفضاء الإلكتروني.
[†] أستاذ مساعد في جامعة مفيد.
[1]. R. Hursthouse (2012) “Virtue Ethics”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2012 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <http://plato.stanford. edu/archives/sum2012/entries/ethics-virtue/>.
[2]. "الفضيلة هي سمة شخصية جيدة، وتحديداً الميل إلى الاستجابة لبنود في مجال أو مجالات تلك الفضيلة، أو الاعتراف بها، بطريقة ممتازة أو جيدة بما يكفي"
[3]. انظر بشكل عام الفصول المتعلقة بهؤلاء المفكرين في
A.O. Rorty (1998) (ed.) Philosophers on Education: New Historical Perspectives (New York: Routledge).
[4]. T. Lickona (1991) Educating for Character: How Our Schools Can Teach Respect and Responsibility (New York: Bantam Books), 7.
[5]. J. K. Rowling (1999) Harry Potter and the Chamber of Secrets (New York: Scholastic), 333.
[6]. R. Paul (1993) Critical Thinking: What Every Person Needs to Survive in a Rapidly Changing World, 3rd revised ed. (Santa Rosa, CA: Foundation for Critical Thinking), 321.
[7]. J. Locke (1947) “Some Thoughts Concerning Education,” in John Locke on Politics and Education (Roslyn, New York: Walter J. Black, 357 (§177).
[8]. M. Adler (1983) Paideia Problems and Possibilities: A Consideration of Questions Raised by The Paideia Proposal (New York; Macmillan), 8.
[9]. J. Maritain (1943) Education at the Crossroads (New Haven: Yale University Press), 18.
[10]. Plato (1937) Republic, in The Dialogues of Plato, translated by B. Jowett (New York: Random House), I:870 (612b).
[11]. قد يذهب البعض إلى أبعد من ذلك فيقولون إن التربية، بحكم تعريفها، تتعامل مع الفضائل. انظر على سبيل المثال
Paul, Critical Thinking, 337.
(”التعليم الذي لا ينهض بتنمية العقلانية الإنسانية، وإن أمكن تسميته تدريباً بشكل صحيح، ليس تربية“)، و
(”التربية هي اكتساب الخصال والفضائل من خلال التعلم“). أنتمي إلى المعسكر الذي يفضل عدم حسم القضايا الجوهرية بتعريفات اعتباطية.
[12]. M. Adler (1988) Reforming Education: The Opening of the American Mind (New York: Macmillan), 74.
وبتعبير أكثر دقة، يدّعي أدلر أن تنمية الفضائل الأخلاقية والعقلية هي الغاية الأقرب لجميع [أنواع] التربية. أما الغاية القصوى، كما يدّعي أرسطو، فهي السعادة أو الحياة الطيبة. المرجع نفسه، 60. قارن مع
الذي يدافع عن وجهة نظر مماثلة.
[13]. Aristotle (1925) Nicomachean Ethics, translated by W.D. Ross (Oxford: Clarendon Press), X.8.1178b20–25.
[14]. Z. Loshan, “Plato’s Counsel on Education,” in Rorty, Philosophers of Education, 32–50.
[15]. A. MacIntyre, “Aquinas’s Critique of Education: Against His Own Age, Against Ours,” in Rorty, Philosophers of Education, 95–108.
[16]. St Thomas Aquinas (1993) Commentary on Aristotle’s Nicomachean Ethics, translated by C. I. Litzinger (Notre Dame, Indiana: Dumb Ox Books), 377.
[17]. St Thomas Aquinas (1981) Summa Theologica (Westminster, Maryland: Christian Classics), Vol. 3, 1163–98.
يعرّف الأكويني ”الإيمان“ بأنه: ”فعل العقل وهو يذعن للحقيقة الإلهية بأمر من الإرادة التي حركتها نعمة الله.“
Ibid., 1180 (II-II, 2, 9).
[18]. Paul, Critical Thinking, 255–56.
[19]. Hutchins, “The Basis of Education,” 12.
كان مورتيمر آدلر قد تبنى هذا الرأي ذات مرة: "على حد فهمي لجوهر التعليم، فإنه لا يمكن أن يكون أداة مناسبة أو فعالة لتشكيل الفضيلة الأخلاقية. ... الفضائل العقلية قابلة للتعليم إلى حد كبير، بقدر ما ليست الفضائل الأخلاقية كذلك."
Adler, Reforming Education, 178.
[20]. انظر بشكل عام
[21]. J. McDowell (1979) “Virtue and Reason,” Monist 62, 331–50; T. Morris (1997) If Aristotle Ran General Motors: The New Soul of Business (New York: Henry Holt), 142–145.
[22]. D. Solomon (1988) “Internal Objections to Virtue Ethics,” in P. A. French, T. E. Uehling, and H. Wettstein (eds) Midwest Studies in Philosophy, vol. 13, Ethical Theory: Character and Virtue (Notre Dame, Indiana: University of Notre Dame Press), 428–41.
[23]. R. Hursthouse (1999) On Virtue Ethics (Oxford: Oxford University Press), 28–31.
[24]. حول التمييز بين "نظرية الفضيلة" و"أخلاق الفضيلة"، انظر
[25]. تصور طلباً مماثلاً بأن تكون النظرية السياسية "كاملة" بنفس المعنى. هل تستحق نظرية سياسية تقدم إجابة واضحة ومحددة لكل سؤال سياسي يمكن تخيله أن تُصاغ؟
[26]. لمناقشة مستنيرة حول الاعتراض القائم على القيم المتعارضة، انظر
[27]. A. McIntyre (1984) After Virtue, 2nd ed. (Notre Dame, Indiana: University of Notre Dame Press), 181–225.
[28]. M. Nussbaum (1988) “Non-relative Virtues,” in P. A. French, T. E. Uehling, and H. Wettstein, (eds) Midwest Studies in Philosophy, vol. 13, Ethical Theory: Character and Virtue (Notre Dame, Indiana: University of Notre Dame Press), 32–53.
[29]. في محادثة شخصية، أشار الأستاذ هيرش إلى أنه لا يرى أن مقاربات [التعليم القائم على] المعرفة الأساسية الجوهرية والمقاربات الفضيلية المحور في التربية متعارضة. وهو يدعم بقوة تربية الشخصية - ولو بشكل أولي وأساسي من خلال القصص - ويرى مكانة مهمة للتربية الفضيلية المحور في برنامج [تعليم] المعرفة الأساسية الجوهرية. وأنا ممتن للأستاذ هيرش على هذا التوضيح. ومع ذلك، [فإن هذا الادعاء] لا يزال صحيحاً بأن نقل الثقافة العامة يحظى بتأكيد قوي في حركة [تعليم] المعرفة الأساسية الجوهرية لدرجة أن "الفضائل" تُدفع إلى الهامش. وبالتالي، فإن انتقاداتي في الفقرات القليلة القادمة تكون موجهة بشكل أقل مباشرة إلى هيرش نفسه وأكثر إلى حركة [تعليم] المعرفة الأساسية الجوهرية التي ألهمها
[30]. E. D. Hirsch Jr. (1996) The Schools We Need and Why We Don’t Have Them (New York: Doubleday).
[31]. E. D. Hirsch Jr. (2003) “General and Particular Aims of Education,” Principal Leadership 3, 20.
[32]. Hirsch Jr., “General and Particular Aims,” 23.
[33]. Hirsch Jr., The Schools We Need, 247.
[34]. Aristotle (1976) Nicomachean Ethics, revised ed., translated by J. A. K. Thomson (Harmondsworth: Penguin Books), 64 (1094a23).
[35]. أشكر برنارد بروسك، وريغن ريتسما، ومايك أوستن، وبيل إروين على ملاحظاتهم المفيدة على المسودة السابقة لهذا الفصل.
.
.
Virtue-Centered Approaches to Education: Prospects and Pitfalls
Gregory Bassham
In recent years, virtue ethics has been applied to a wide range of contemporary issues and disciplines (politics, the environment, bioethics, animal rights, war, sports, and so forth). In this chapter I explore the pros and cons of applying virtue ethics (broadly understood) to education. What are the advantages of a virtue-centered approach to education? What forms might such an approach take? What problems or objections must a virtue-centered approach overcome?
The Attractions of a Virtue-Centered Approach to Education
أخلاقيات الفضيلة هي مقاربة في الأخلاق المعيارية "تُشدد على الفضائل، أو الشخصية الأخلاقية، على النقيض من المقاربة التي تُشدد على الواجبات أو القواعد (الأخلاق الواجبة) أو تلك التي تُشدد على عواقب الأفعال (العواقبية)."[1] وبوصفها نظرية في الأخلاق المعيارية، لا يمكن تطبيق أخلاقيات الفضيلة على التعليم بشكل مباشر، لأن التعليم يهتم بأمور عديدة غير "الأخلاق". لكن من الممكن تطوير مقاربة للتعليم متمركزة حول الفضيلة تستلهم من أخلاقيات الفضيلة وتشترك معها في العديد من أوجه الشبه. أعني بـ"المقاربة المتمركزة حول الفضيلة في التعليم" نظرية معيارية للتعليم تُشدد على الفضائل الأخلاقية والفكرية، بدلاً من التركيز على، لنقل، إتقان المحتوى أو تطوير المهارات.[2] بالنسبة لمناصر التعليم المتمركز حول الفضيلة، فإن الهدف المركزي للتعليم هو رعاية النمو الشخصي، ومساعدة الطلاب على تطوير مكامن التميز في العقل والشخصية التي تُشكل جوهر الازدهار الإنساني أو الحياة الطيبة. بالنسبة لمنظّري الفضيلة - كما سأُسمي مناصري المقاربة المتمركزة حول الفضيلة في التعليم من الآن فصاعداً - فإن الأسئلة المركزية للتعليم ليست "ما الأشياء التي ينبغي أن يعرفها الطلاب في الصف س؟" أو "ما المهارات الأكاديمية التي ينبغي أن يتقنها الطلاب في الصف س؟" هذه أسئلة مهمة ومشروعة، لكنها بالنسبة لمنظّري الفضيلة أقل مركزية من أسئلة الشخصية. ما هي صفات القلب والعقل والشخصية التي نود، بشكل مثالي، أن يقدّرها طلابنا ويختاروها ويمتلكوها؟ ما هي مكامن التميز الأخلاقية والفكرية التي ينبغي أن نسعى إلى تنميتها في طلابنا؟ كيف يمكننا أن نرعى النمو العاطفي والأخلاقي والفكري للطلاب على أفضل وجه؟ كيف يمكننا توفير بيئة تعليمية غنية تساعد الطلاب على اكتشاف وتعظيم إمكاناتهم لعيش حياة سعيدة ومُرضية تتسم بالتميز والهدف والإنجاز؟ من الأفضل النظر إلى المقاربات المتمركزة حول الفضيلة في التعليم بوصفها عائلة من النظريات التي تعتبر هذه هي الأسئلة والتحديات المحورية للتعليم. ما هي مزايا هذه المقاربة؟
أولاً، حتى وقت قريب نسبياً، هيمنت النظريات المتمركزة حول الفضيلة على الفكر التربوي في الحضارة الغربية. لقد أيّد عمالقة التعليم مثل أفلاطون وأرسطو وأوغسطينوس والأكويني ولوك وروسو وكانط وديوي نسخاً من التعليم المتمركز حول الفضيلة.[3] في التعليم الأمريكي، سادت المقاربات المتمركزة حول الفضيلة حتى العقود الأولى من القرن العشرين، حين تراجعت لأسباب سنفحصها لاحقاً.[4] في حين أن الاحتكام إلى السلطة والتقليد هما عموماً من بين أضعف أشكال الإقناع العقلاني، فإن وزنهما في هذه الحالة كبير. إلى أي مدى يمكننا أن نكون واثقين من وجوب رفض المقاربات المتمركزة حول الفضيلة بينما كانت، حتى وقت قريب، مقبولة بشكل شبه عالمي؟
ثانيًا، نظرة سريعة على بيانات مهمة المؤسسات التعليمية تشير إلى أنه، بغض النظر عن ممارساتها التربوية الفعلية، تطمح المدارس بقوة إلى تعزيز النمو الفكري والأخلاقي لطلابها. كلية إيثاكا، على سبيل المثال، تذكر في بيان مهمتها: «لتوفير أساس للتعلم مدى الحياة، تكرس كلية إيثاكا نفسها لتعزيز النمو الفكري، والتذوق الجمالي، وتنمية الشخصية لدى طلابنا». جامعة إيلون، في بيان مهمتها، تعلن أننا «نعزز احترام الاختلافات البشرية، والشغف بحياة التعلم، والنزاهة الشخصية، وأخلاقيات العمل والخدمة». كلية هافرفورد تكتب: «نسعى إلى تعزيز السعي نحو التميز والشعور بالمسؤولية الفردية والجماعية في جميع أنحاء البيئة بأكملها. تسعى هافرفورد إلى أن تكون كلية تكون فيها النزاهة والصدق والاهتمام بالآخرين قوى مهيمنة». مثل هذه التصريحات نموذجية على المستويين الجامعي وما قبل الجامعي في التعليم الأمريكي. هذا يشير إلى أنه عندما تتوقف المدارس للتأمل بجدية في أهدافها وتطلعاتها الأساسية، فإنها تعود بشكل طبيعي إلى لغة الفضيلة والتميز والشخصية.
ثالثًا، تمامًا كما يرغب الآباء بشكل طبيعي في أن يكون لهم تأثير عميق وإيجابي على أطفالهم، فإن المدارس والكليات، نظرًا لأدوارها المؤسسية في المجتمع، ترغب بشكل طبيعي في أن يكون لها تأثير عميق وإيجابي على طلابها. هذا يدعو إلى التركيز على النزعات الراسخة (الفضائل)، بدلاً من المهارات أو القدرات أو استيعاب المعلومات. العادات الفكرية الراسخة مثل الانفتاح الذهني، والمثابرة الفكرية، والفضول الفكري هي هدايا تستمر في العطاء لفترة طويلة بعد أن يغادر الطالب المدرسة (بشكل مثالي مدى الحياة). الأمر نفسه ينطبق على الفضائل الأخلاقية مثل الشجاعة والصدق والانضباط الذاتي. على النقيض من ذلك، غالبًا ما تكون المهارات الأكاديمية والقدرات وإتقان المحتوى قصيرة الأجل وفي كثير من الحالات محايدة القيمة. كما ذكّر دمبلدور هاري بوتر، «إن خياراتنا... هي التي تُظهر لنا ما نحن عليه حقًا، أكثر بكثير من قدراتنا».[5] الفضائل الفكرية والأخلاقية، بحكم تعريفها، هي صفات جيدة تمكننا من أن نكون صالحين وأذكياء في آنٍ واحد. مهارات مثل الحساب الرياضي والمعرفة الواقعية مثل فهم المبادئ الأساسية للفيزياء هي صفات محايدة أخلاقيًا، كما يلاحظ ريتشارد بول، «يمكن استخدامها إما للخير أو للشر، للتنوير أو للدعاية، لتحقيق غايات ضيقة تخدم الذات، أو لتعزيز الخير العام والعام».[6] لا شك أن العديد من كبار النازيين كانوا طلابًا متفوقين يتمتعون بمهارات ومعرفة أكاديمية مثيرة للإعجاب. ما كان ينقصهم هو الحكمة والفضيلة.
رابعًا، كما لاحظ جون لوك، فإن التعليم الذي يركز على تنمية الفضائل الفكرية والأخلاقية يتمتع بميزة متأصلة على التعليم الذي يركز على اكتساب المهارات الأكاديمية وإتقان المحتوى. يكتب لوك أن الطالب الذي يمتلك «الفضيلة والنفس المهذبة»، «حتى لو تم إهمال كل ما تبقى [من تعليمه أو تعليمها]، فسيُنتج في الوقت المناسب كل ما تبقى».[7] نقطة لوك مبالغ فيها. بعض المواد والمهارات الأكاديمية يجب إتقانها في إطار زمني معين وإلا تعرض الطالب لخطر الرسوب، أو الفشل في الالتحاق بكلية جيدة، وما إلى ذلك. لكن لوك محق في أن هناك عدم تناظر بين الفضائل والمعرفة/المهارات لصالح الفضائل. الطالب المراهق الذي، لسبب أو لآخر، ليس طالبًا قويًا قد يكبر ليصبح بالغًا حكيمًا ومتعلمًا إذا كان قد طور في مرحلة ما فضائل فكرية وأخلاقية مثل حب القراءة والتعلم، والمثابرة الفكرية، والانضباط الذاتي، والالتزام بتحسين الذات. تضمن الفضائل أنه، بمرور الوقت، سيتم سد معظم الفجوات التعليمية المهمة. المعرفة والمهارات الواقعية ليست عمومًا خصبة بالطريقة نفسها.
خامسًا، إن التركيز على الفضائل الفكرية والأخلاقية يتيح إحساسًا أقوى بالمشاركة من جانب المجتمع التعليمي بأكمله — الإدارة والموظفين والطلاب وأعضاء هيئة التدريس على حد سواء. عندما يكون التركيز الأساسي للمدرسة على إتقان الطلاب للمعرفة والمهارات، يُنظر إلى مهمة "التعليم" برمتها على أنها مسؤولية هيئة التدريس. في المقابل، عندما يتسع نطاق التركيز ليشمل فضائل مثل تحمل المسؤولية، واحترام الاختلافات، والصدق، والنزاهة، والتحضر، والروح العامة، والشغف بالتميز، يمكن للمدرسة بأكملها أن تشعر بحق أنها جزء من المهمة التعليمية للمدرسة. وهذا يسهم في خلق شعور بالمجتمع ويؤكد على الملاحظة الشائعة — المبتذلة ولكنها صحيحة بعمق — بأن العديد من أثمن الدروس التي تعلمناها في المدرسة لم نتعلمها في قاعة الدرس.
أخيرًا، إن التأمل المتأني في الأغراض العامة للتعليم يقدم دعمًا لمقاربة تركز على الفضيلة. على الرغم من عدم إمكانية الفصل الدقيق، فإن الأهداف التعليمية تنقسم إلى نوعين: خارجية وداخلية. الأهداف التعليمية الخارجية هي تلك التي تُقدَّر وتُسعى إليها كوسائل لتحقيق غايات أخرى. اثنان من الأهداف التعليمية الخارجية المعترف بها على نطاق واسع للتعليم الأساسي هما إعداد الطلاب للعمل وإعدادهم لواجبات المواطنة في نظام ديمقراطي.[8] المهارات والاستعدادات المتعلقة بالعمل والمواطنة لا تُقدَّر عادة لذاتها، بل كوسائل لتحقيق غايات أخرى مرغوبة، مثل اقتصاد منتج ونظام سياسي يعمل بشكل جيد. غير أن بعض أغراض التعليم تُرى بشكل صحيح على أنها داخلية. وتشمل هذه، بشكل خاص، التنمية الشخصية: تنمية قوى الفرد وقدراته وفقًا لمعايير التميز، أو ما يسميه جاك ماريتان "تحقيق الإنسان كشخص إنساني".[9] وكما يلاحظ أفلاطون، فإن مكارم الأخلاق تسهم بالتأكيد في تحقيق غايات اجتماعية قيّمة، لكنها تُقدَّر أيضًا لذاتها.[10] لهذا السبب، من المنطقي إعطاء الأولوية لتنمية الفضائل أو مكارم الأخلاق، كما تفعل المقاربات التي تركز على الفضيلة.[11]
أنواع المقاربات التربوية القائمة على الفضيلة
تمامًا كما تأتي أخلاقيات الفضيلة في أشكال متنوعة (أرسطية محدثة، رواقية، توماوية، هيومية، نيتشوية، "تعددية"، وما إلى ذلك)، كذلك الحال بالنسبة للمقاربات التربوية القائمة على الفضيلة. اسمحوا لي أن أشير بإيجاز — دون ادعاء الشمول — إلى بعض السبل الرئيسية للتطور.
يجب على المقاربة القائمة على الفضيلة أن تحدد أولاً ما إذا كانت تنطبق على جميع أشكال التعليم أم على بعضها فقط. يصر بعض منظري الفضيلة، مثل روبرت هتشينز ومورتيمر أدلر، على أن كل تعليم على جميع المستويات يجب أن يركز بشكل أساسي على تنمية الفضائل الأخلاقية والفكرية (وخاصة الأخيرة). ويدّعي أدلر أن هذا الأمر كذلك لأن جميع البشر يتشاركون الطبيعة نفسها كحيوانات عاقلة، ولديهم جميعاً القوى والقدرات نفسها التي ينبغي تطويرها، وأن "التعليم الأساسي للحيوان العاقل هو تهذيب قواه العقلية وتنمية عقله."[12] إن مقدمات أدلر الأرسطية قابلة للنقاش بالتأكيد، ولكن حتى لو سلّمنا بها، فإن النتيجة لا تترتب عليها. فقد تكون هناك أشكال من التعليم (تقني، مهني، رياضي، فني، في مرحلة الطفولة المبكرة، تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة، إلخ) لا ينصب فيها التركيز الأساسي على التطور الأخلاقي أو الفكري، بل على أهداف تعليمية أخرى، مثل اكتساب مهارات معينة، أو الصحة النفسية الاجتماعية، أو إتقان مجموعة من المعلومات. علاوة على ذلك، قد تكون استراتيجيات التدريس الفعالة في مستوى تعليمي ما غير مناسبة في مستويات أخرى. فعلى سبيل المثال، قد تكون محاولات تعزيز فضيلة الاستقلال الفكري أكثر ملاءمة في مستويات التعليم العليا منها، لنقل، في مرحلة ما قبل المدرسة. إن أي مقاربة قائمة على الفضيلة مكتملة التطور ستحتاج إلى معالجة مثل هذه القضايا.
بالإضافة إلى ذلك، يجب على منظّر الفضيلة أن يختار بين تصور كثيف وتصور خفيف لتطور الشخصية. التصور الكثيف هو الذي يحدد بالكامل (أو بقدر كبير من التفصيل) مثالياً معيناً للتميز الأخلاقي والفكري (أو بشكل أعم الشخصية المثلى أو المتطورة جيداً) ويكلف المربين بمهمة تعزيز ذلك المثال. تقدم معظم نظريات التعليم الكلاسيكية والقروسطية تصورات كثيفة بهذا المعنى. تكمن صعوبة التصورات الكثيفة في أنها تنطوي حتماً على ادعاءات معيارية أو ميتافيزيقية أو دينية مثيرة للجدل. فأرسطو، على سبيل المثال، يدافع عن تصور كثيف للتطور البشري المثالي يتضمن الافتراض المشكوك فيه بأن التأمل العقلي هو أسمى أشكال التفوق البشري.[13] ويدافع أفلاطون عن تصور كثيف لتطور الشخصية لا يعطي قيمة تذكر للمساعي الدنيوية، أو الشهوات الجسدية، أو التعلم التجريبي.[14] ويُدخل الأكويني جرعة قوية من الماورائيات في وصفه للتطور البشري المثالي، مجادلاً بأن التعليم يجب أن يهتم بشكل مركزي بغرس الفضائل المسيحية مثل العفة، والتواضع، والاعتدال، والتقوى، وطاعة السلطة، وتشجيع الطلاب على تحقيق إرادة الله على الأرض من أجل التمتع بالسعادة الأبدية معه في الآخرة.[15]
في حين أن التصورات الكثيفة لتنمية الشخصية قد تكون مناسبة للمدارس الدينية أو المؤسسات التعليمية ذات التوجه الأيديولوجي، فإنها يمكن القول إنها غير ملائمة للمدارس أو الكليات العامة في الديمقراطيات العلمانية الحديثة. لا يتعين على المؤسسات التعليمية العامة أن تكون محايدة بشأن القضايا الأخلاقية والميتافيزيقية الخلافية. فهي تستطيع، على سبيل المثال، أن تدعم المساواة بين الجنسين، وحقوق الإنسان، ونظرية التطور، على الرغم من أن هذه الآراء ليست مقبولة عالمياً. لكن ثمة حدوداً لمدى كثافة تصورات تنمية الشخصية الإنسانية التي ينبغي تبنيها في المؤسسات التعليمية العامة، بل وفي المؤسسات الخاصة التي تخدم تجمعات طلابية متنوعة. بالنسبة لمثل هذه المؤسسات، سيحتاج منظرو الفضيلة إلى تطوير نظريات خفيفة تحدد فضائل أخلاقية و/أو فكرية معينة يمكن تعزيزها على نحو ملائم. وتتمثل إحدى الاستراتيجيات الشائعة في التركيز على الفضائل الأخلاقية التي تحظى "بإجماع متداخل" واسع في المجتمع ككل. وعادة ما يستشهد دعاة "تربية الشخصية" في الولايات المتحدة بقيم مثل الاحترام، والمسؤولية، والأمانة، والإنصاف، والتسامح، والحصافة، والانضباط الذاتي، وحب المساعدة، والتراحم، والتعاون، والشجاعة، ومجموعة متنوعة من القيم الديمقراطية كقيم إجماعية مناسبة لأغراض التربية الأخلاقية في المدارس الأمريكية العامة. وبالمثل، يميل منظرو الفضيلة الخفيفة إلى تجاهل الفضائل الفكرية الخلافية مثل "الحكمة" عند أرسطو ("علم أشرف الأمور وأكثرها إلهية")[16] أو فضيلة "الإيمان" اللاهوتية عند الأكويني[17] والتركيز على الفضائل الفكرية الإجماعية مثل فضائل التفكير الناقد المتمثلة في المثابرة الفكرية، والشجاعة الفكرية، والانفتاح الذهني، والإنصاف الفكري، والنزاهة الفكرية، والتواضع الفكري، والاستقلال الفكري، والتعاطف الفكري، والشغف بالتعلم.[18]
تزعم بعض المقاربات التربوية المتمحورة حول الفضيلة أن على المربين التركيز فقط، أو بشكل أساسي، على تنمية الفضائل الفكرية، لا الشخصية الأخلاقية. ووفقاً لمنظر الفضيلة روبرت م. هتشِنز، فإن التعليم "يتناول تنمية القوى الفكرية للإنسان؛" أما "القوى الأخلاقية والروحية للطلاب فهي مجال الأسرة والكنيسة،" لا المدارس.[19] ويتعين على المقاربات المتمحورة حول الفضيلة أن تقرر ما إذا كان ينبغي تدريس الفضائل الفكرية والأخلاقية كلتيهما، أم الأولى فقط، وإذا كان سيتم تدريس كلتيهما، فما إذا كان ينبغي إعطاء الأولوية لإحداهما على الأخرى.
وأخيراً، ينبغي لنظرية تربوية متمحورة حول الفضيلة ومتطورة بشكل جيد أن تحدد، على الأقل بعبارات عامة، كيف ينبغي تدريس وتقييم فضائلها الفكرية و/أو الأخلاقية المختارة. هل ينبغي تدريس الفضائل الفكرية لـ"التفكير الناقد" في مقرر منفصل، أم توزيعها في جميع أنحاء المنهج الدراسي، أم كلا الأمرين؟ عند تدريس الفضائل الفكرية، ما هو المزيج المناسب من التعليم الإلقائي، والتدريب، والنقاش السقراطي، وفي أي مستويات؟ إذا كان المطلوب غرس "الشخصية الجيدة"، فكيف يمكن تحقيق ذلك بفعالية؟ ما هو الدور الذي ينبغي أن يلعبه الاقتداء بالنماذج، والقصص، والثواب والعقاب، وتوضيح القيم، والنظرية الأخلاقية، وخلق بيئة صفية ديمقراطية؟ كيف يمكن تجنب عثرات "التلقين،" و"الامتثالية،" و"التعديل السلوكي السكينري" و"حق الطفل في مستقبل مفتوح"؟[20] إن العديد من أكثر قضايا تربية الشخصية شائكة وإثارة للجدل تحدث على هذا المستوى من التحديد والتطبيق العملي.
اعتراضات
تواجه المقاربات التربوية المتمحورة حول الفضيلة عدداً من الاعتراضات المعروفة. دعونا ننظر بإيجاز إلى ما أعتبره أخطر الاعتراضات وكيف يمكن لمنظري الفضيلة أن يردوا عليها بأفضل صورة.
اعتراض عدم الاكتمال أحد الانتقادات المعيارية لأخلاق الفضيلة هو أنها غير مكتملة بمعنى أنها أشد غموضاً من أن تقدم إجابات محددة للأسئلة الأخلاقية. يُقال إن أخلاق الفضيلة لا تقدم أي
اعتراض النسبية تهمة أخرى شائعة ضد أخلاقيات الفضيلة هي أنها تؤدي إلى شكل غير مقبول من النسبية الأخلاقية. يجادل بعض النقاد، متبعين ألسدير ماكنتاير، بأن الفضائل لا يمكن اكتسابها ورعايتها والتعبير عنها بشكل ذي معنى إلا ضمن أشكال معينة من الحياة الاجتماعية، والتي تتباين على نطاق واسع.[22] يجادل آخرون بأن مفهوم "الفضيلة" ذاته باعتبارها "سمة شخصية من الجيد أن يتحلى بها المرء" يدعو إلى نوع واضح من النسبية، لأن بعض سمات الشخصية قد تكون جيدة للتحلي بها في الثقافة "أ" في الزمن t وغير جيدة للتحلي بها في الثقافة "ب" في الزمن t*. على سبيل المثال، قد تكون كرم الضيافة تجاه الغرباء فضيلة في معظم الأزمنة والأمكنة، ولكن ليس عندما يُعرف أن معظم الغرباء يحملون أمراضًا مميتة. إن علماء الأخلاق الذين يعترضون على مثل هذه الاختلافات سيرفضون بطبيعة الحال أخلاقيات الفضيلة.
هنا أيضًا استجاب أنصار أخلاقيات الفضيلة بطرق متنوعة. يلعب البعض ورقة أنت أيضًا، مشيرين إلى أن معظم النظريات الأخلاقية المعيارية "مذنبة" بنوع مماثل من النسبية. فعلى سبيل المثال، من المرجح أن تتفق كل من العواقبية ونظرية الأمر الإلهي على أن كرم الضيافة تجاه الغرباء ليس بالضرورة خيرًا أو واجبًا في جميع الظروف. وكما تلتزم العواقبية بالمبدأ الموضوعي القائل بوجوب تعظيم العواقب الجيدة، يلتزم أنصار أخلاقيات الفضيلة بالمبدأ الموضوعي القائل بوجوب تنمية سمات الشخصية التي من الجيد أن يتحلى بها المرء. ليست أي من النظريتين نسبوية بأي معنى مرفوض. قدم منظرو الفضيلة مثل مارثا نوسباوم ردًا أعمق على اعتراض النسبية. ردًا على ماكنتاير، تجادل نوسباوم بأنه بينما قد تختلف الفهومات المحلية الخاصة للفضائل، فقد تظل هناك فضائل، مثل التعقل، والشجاعة، والثبات، والإنصاف، والانضباط الذاتي، والعقلانية، يحتاجها جميع الناس ببساطة لأنهم بشر وكائنات اجتماعية تعيش في عالم مليء بالتحديات.[23] قد تكون بعض النظريات المتمركزة حول الفضيلة في التعليم نسبوية بشكل مرفوض، لكن هذا ليس اعتراضًا صحيحًا على مثل هذه النظريات في حد ذاتها.
اعتراض "الالتزام بما نتقنه" إن أقوى اعتراض على النظريات المتمركزة حول الفضيلة في التعليم هو أنه ليست لدينا طرق موثوقة لتعليم أو تقييم الفضائل الأخلاقية والفكرية، وبالتالي سيكون من الخطأ جعل تعليم مثل هذه الفضائل أولوية. أحد المدافعين الأقوياء عن هذا الرأي هو إ. د. هيرش الابن. وفقًا لهيرش، تفشل المدارس الأمريكية لأن المعلمين قد تبنوا "عالمًا فكريًا" معينًا يظهر البحث أنه خاطئ في الغالب. لقد أدت الرومانسية، والتقدمية، والبنائية، والعديد من "المذاهب" العصرية الأخرى بالمربين إلى الانتقاص من تعليم المعرفة الأساسية لصالح "التفكير النقدي"، و"التعليم العملي"، و"التعلم المناسب نمائيًا"، و"التعليم المتمركز حول الطفل"، و"المعرفة المبنية". على الرغم من الزيادات الهائلة في الإنفاق التعليمي، كانت النتيجة ركودًا في درجات الاختبارات ونتائج مزرية في المقارنات الدولية. الحل الذي يقترحه هيرش هو أن نفعل ما تفعله تقريبًا كل الدول ذات المدارس عالية الأداء: وضع معايير وطنية صارمة للإنجاز التعليمي والتأكيد على التدريس المتماسك والمتسلسل للمعرفة الخلفية المشتركة - ما أسماه هيرش سابقًا "محو الأمية الثقافية" لكنه يسميه الآن "المعرفة الأساسية".[24]
وفقًا لهيرش، في حين أن تعليم "التفكير النقدي" و"الشخصية الأخلاقية" قد يبدو جيدًا من الناحية النظرية، إلا أن الأبحاث الدقيقة تُظهر أنه لا ينجح في الممارسة العملية. من ناحية أخرى، يدّعي أننا نعرف كيف نُعلّم المعرفة الأساسية ونرفع درجات الاختبارات. لهذه الأسباب، يجادل بأنه من الخطأ تكريس وقت وموارد شحيحة في التعليم ما قبل الجامعي للتنشئة المباشرة للفضائل الأخلاقية والفكرية. يجب أن يكون التركيز الواضح على نقل المعرفة الأساسية. لن يؤدي هذا إلى تعزيز الأداء الأكاديمي وتعزيز المساواة التعليمية فحسب، بل سيعزز أيضًا، كمكافأة، النمو الأخلاقي والفكري للطلاب. تُظهر الأبحاث أن المتفوقين أكاديميًا يعانون من مشاكل سلوكية أقل، ويرتكبون جرائم أقل، ويمتلكون مهارات تفكير أخلاقي أفضل من ذوي التحصيل الأكاديمي المتدني. تُظهر الأبحاث أيضًا، كما يؤكد هيرش، أنه من الخطأ مقابلة "التفكير النقدي" بـ"مجرد الحقائق". "يدعم كل من الحس السليم وعلم النفس المعرفي الرأي الجيفرسوني القائل بأن التفكير النقدي يعتمد دائمًا على المعرفة الواقعية."[25] وبالتالي فإن أفضل طريقة لتعزيز التفكير النقدي هي تزويد الطلاب بمخزون وافر من المعرفة الخلفية.
يقدم هيرش اعتراضًا قويًا على المناهج التعليمية المتمحورة حول الفضيلة. إليكم لماذا أعتقد أن هذا الاعتراض يفشل في نهاية المطاف.
يقدم هيرش ثنائية زائفة بين تعليم المعرفة الأساسية وتعليم الفضائل. قد يكون محقًا في أن تعليم المعرفة الأساسية هو أفضل طريقة لتنمية الفضائل الفكرية والأخلاقية. هذا لا يعني أن التعليم لا ينبغي أن يكون متمحورًا حول الفضيلة. وبتكييف تمييز وضعه مورتيمر أدلر، فإن "الغاية القصوى" للتعليم قد تكون تنمية الفضائل الأخلاقية و/أو الفكرية وتحقيق الامتياز في العقل والشخصية. هذا يتسق مع القول بأن "الغاية الدانية" للتعليم هي الثقافة العامة وما يرتبط بها من أداء أكاديمي عالٍ. إذا كان هيرش محقًا، فإن الواحدة لا تستبعد الأخرى.
الخلاف الحقيقي بين هيرش ومنظّري الفضيلة يدور حول الأساليب والوسائل. هل من الحكمة تكريس وقت وموارد تعليمية كبيرة للتنشئة المباشرة والصريحة للفضائل؟ هل هناك طرق لنقل المعرفة الأساسية يمكنها أيضًا أن تكون بمثابة وسائل مباشرة وفعّالة لتعزيز النمو الأخلاقي والفكري للطلاب؟ أظن أن هناك، وبالتالي لا أرى أي تعارض عميق بين التعليم المتمحور حول الفضيلة ومنهج هيرش للمعرفة الأساسية.
[1] هيرستهاوس، روزاليند، "أخلاق الفضيلة"، موسوعة ستانفورد للفلسفة (طبعة صيف 2012)، إدوارد ن. زالتا (محرر)، الرابط = <http://plato.stanford.edu/archives/sum2012/entries/ethics-virtue/>.
[2] "الفضيلة هي صفة حميدة في الشخصية، وبشكل أكثر تحديدًا استعداد للاستجابة، أو الإقرار، بعناصر ضمن مجالها أو مجالاتها بطريقة ممتازة أو جيدة بما فيه الكفاية." كريستين سوانتون، أخلاق الفضيلة: رؤية تعددية (نيويورك: مطبعة جامعة أكسفورد، 2003)، 19.
[3] انظر الفصول ذات الصلة بهؤلاء المفكرين في أميلي أوكسنبرغ رورتي، محررة، فلاسفة حول التعليم: منظورات تاريخية جديدة (نيويورك: روتليدج، 1998).
[4] توماس ليكونا، التربية من أجل الشخصية: كيف يمكن لمدارسنا تعليم الاحترام والمسؤولية (نيويورك: بانتام بوكس، 1991)، 7.
[5] ج. ك. رولينغ، هاري بوتر وحجرة الأسرار (نيويورك: سكولاستيك، 1999)، 333.
[6] Richard W. Paul, Critical Thinking: What Every Person Needs to Survive in a Rapidly Changing World, 3rd revised ed. (Santa Rosa, CA: Foundation for Critical Thinking, 1993), 321.
[7] John Locke, Some Thought Concerning Education, in John Locke on Politics and Education (Roslyn, New York: Walter J. Black, 1947), 357 (§177).
[8] Mortimer J. Adler, Paideia Problems and Possibilities: A Consideration of Questions Raised by The Paideia Proposal (New York; Macmillan, 1983), 8.
[9] Jacques Maritain, Education at the Crossroads (New Haven: Yale University Press, 1943), 18.
[10] Plato Republic, in The Dialogues of Plato, translated by Benjamin Jowett (New York: Random House, 1937), I:870 (612b).
[11] Some would go farther and say that education, by definition, is centrally concerned with the virtues. See, for example Paul, Critical Thinking, 337 (“Instruction that does not further the development of human rationality, though it may properly be called training, is not education”) and William K. Frankena, Three Historical Philosophies of Education: Aristotle, Kant, Dewey (Chicago: Scott, Foresman, and Company, 1965), 7 (“education is the acquisition by learning of desirable dispositions or excellences”). I belong to the camp that prefers not to settle substantive issues by definitional fiat.
[12] Mortimer J. Adler, Reforming Education: The Opening of the American Mind (New York: Macmillan, 1988), 74. More precisely, Adler claims that development of the moral and intellectual virtues is the “proximate end” of all education. The ultimate end, as Aristotle claims, is happiness or the good life. Ibid.., 60. Compare Robert M. Hutchins, “The Basis of Education,” reprinted in James William Noll, ed., Taking Sides: Clashing Views on Educational issues, 15th ed. (New York: McGraw-Hill, 2010), 11, who defends a similar view.
[13] Aristotle, Nicomachean Ethics, translated by W.D. Ross (Oxford Clarendon Press, 1925), X.8.1178b20-25.
[14] Zhang Loshan, “plato’s Counsel on education,” in Rorty, Philosophers of Education, 32-50.
[15] Alasdair MacIntyre, “Aquinas’s Critique of Education: Against His Own Age, Against Ours,” in Rorty, Philosophers of Education, 95-108.
[16] St. Thomas Aquinas, Commentary on Aristotle’s Nicomachean Ethics , translated by C. I. Litzinger (Notre Dame, Indiana: Dumb Ox Books, 1993), 377.
[17] St. Thomas Aquinas, Summa Theologica (Westminster, Maryland: Christian Classics, 1981), Vol. 3, 1163-98. Aquinas defines “faith” as “an act of the intellect assenting to the Divine truth at the command of the will moved by the grace of God.” Ibid, 1180 (II-II, 2, 9).
[18] Paul, Critical Thinking, 255-56.
[19] Hutchins, “The Basis of Education,” 12. At one time Mortimer Adler took this view: “As I understand the essence of teaching, it cannot be the adequate or effective instrument for forming moral virtue. . . . The intellectual virtues are preeminently teachable, as the moral virtues are not.” Adler, Reforming Education, 178.
[20] انظر بشكل عام ألفي كون، «كيف لا نعلّم القيم: نظرة نقدية على تربية الشخصية،» فاي دلتا كابا، فبراير 1997: 429-39. متاح على الإنترنت على الرابط http://www.alfiekohn.org/teaching/hnttv.htm.
[21] لمناقشة ثاقبة لاعتراض القيم المتضاربة، انظر ت. هـ. إروين، «هل تتضارب الفضائل؟ إجابة الأكويني،» في ستيفن م. غاردينر، محرر، أخلاق الفضيلة قديمًا وحديثًا (إيثاكا، نيويورك: مطبعة جامعة كورنيل، 2005: 60-77.
[22] ألسدير ماكنتاير، بعد الفضيلة، الطبعة الثانية (نوتردام، إنديانا: مطبعة جامعة نوتردام، 1984)، 181-225.
[23] مارثا نوسباوم، «فضائل غير نسبية،» في ب. أ. فرنش، ت. إ. يولينغ، و هـ. ويتستين، محررون، دراسات الغرب الأوسط في الفلسفة، المجلد 13، النظرية الأخلاقية: الشخصية والفضيلة (نوتردام، إنديانا: مطبعة جامعة نوتردام، 1988):
[24] إ. د. هيرش، الابن، المدارس التي نحتاجها ولماذا لا نملكها (نيويورك: دابلداي، 1996).
[25] المرجع نفسه، 247.
.
.
الفلسفة
البيئة
الفلسفة
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.