اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
حرية التعبير تستلزم حرية أن تكون على خطأ؛ من العبادة الباطلة إلى نشر الآراء غير الصائبة. الحقيقة تُدرك في رحاب النقاش الحر وتبادل الآراء، لا بفرض المعتقدات على الآخرين، فالحريات المدنية هي فضاء نمو العلم وإصلاح المجتمع.

حقوق الإنسان عنوان يشمل مجالاً واسعاً. ولست بصدد أن أحدد بدقة الحقوق التي جرى الاعتراف بها ومناقشتها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وحسبي أن أقول إن هذا الإعلان يتألف من ثلاثين مادة، وقد عرّف كثير من هذه المواد أكثر من حق واحد.[1] ويمكن قول شيء مماثل عن إعلانات حقوق الإنسان الأخرى التي أعرفها، ومنها إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام الذي يتضمن خمساً وعشرين مادة، وكثير منها يعرّف أكثر من حق واحد.[2] وتُقسم هذه الحقوق عادة إلى فئتين رئيسيتين: الحقوق المدنية، مثل حرية التعبير، والحقوق الاجتماعية، مثل الحق في التمتع بمستوى معيشي لائق.[3] ويُشار أحياناً إلى هاتين الفئتين بالحقوق السلبية والحقوق الإيجابية، لأن الفئة الأولى تنطوي أساساً على التحرر من القيود غير المشروعة، والفئة الثانية هي شرط تأمين التمتع بمزايا إيجابية ومشروعة.
من الواضح أنه، بحسب الأهداف المتوخاة في مقالة من هذا القبيل، ينبغي تحديد موضوع النقاش وتعيينه. وبناءً عليه، فقد آثرت أن أتناول الفئة الأولى فحسب، أي الحقوق «المدنية» أو «السلبية»، وفي هذا النطاق ينصب اهتمامي بشكل خاص على الحقوق المدرجة في التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة (الجزء الأول من وثيقة الحقوق). وتشمل هذه الحقوق حرية الدين، والقول، والصحافة، والتجمع، وحرية جمع التوقيعات على العرائض، ويمكن تسمية كل ذلك تسهيلاً «حرية التعبير».[4] وإذا سألتم لماذا استهدفتُ في محاضرتي هذه المقولة وهذا النطاق، فجوابي هو: من جهة، حدث ذلك مصادفة لأن هذا الموضوع قد استرعى انتباهي حالياً بمحض الصدفة، وهو يتصل إلى حد ما بمهنتي التي هي التدريس في مجال الدين. لكن يمكن تقديم هذا السبب أيضاً، وهو أن هذه هي الحريات الأساسية. بالطبع، يجادل البعض بأنه ما لم يحصل البشر، على سبيل المثال، على الغذاء الكافي والحد الأدنى من التعليم، فإن حقوقاً مثل حرية التعبير لا تداوي آلامهم كثيراً. وأنا مدرك لقوة هذه الحجة، ولا أشك في أنها دعوى صحيحة. لكن في المقابل، كلامي هو أن بلوغ مستوى معيشي لائق وتعليم عام، إن كان له أن يقوم على أساس متين، فهو غير ممكن في الأمد البعيد من دون حرية التعبير وسائر الحقوق المدنية. العلم رهن بالتداول الحر للآراء، وبهذا الحساب، فإن الحقوق المدنية تهيئ أنسب فضاء لنمو العلم واكتشاف وسائل محو الجوع والجهل. كما أن الحقوق المدنية تجعل نقد المظالم السياسية وأوجه القصور التنفيذية التي كثيراً ما تكون عائقاً أمام الإنتاج الكافي والتعليم، أكثر يسراً. في اعتقادي، إن حرية التعبير تعمل بوصفها آلية تصحيحية في المجتمع. وأنا لا أقول بالطبع إنها تمنع دوماً الإخفاق وسوء الاستغلال. لكنها، على الأقل، أداة أكثر كفاءة وفاعلية لإصلاحها، على الأرجح، من أي أداة أخرى.
النقطة الأساسية والرئيسية التي أود طرحها بشأن موضوع حرية التعبير هي أن جزءاً ضرورياً لا يتجزأ من حرية التعبير هو حرية أن تكون على خطأ. حريات من قبيل: حرية العبادة على نحو باطل، وحرية الإظهار العلني لحرية الخطأ ونشر تلك الآراء. وحرية جمع التوقيعات على العرائض ومن ثم تحريض الآخرين لبلوغ أهداف غير صائبة، وهذه كلها بالقدر الذي يمكن للمجتمع تحمله. في الجزء الأول من النقاش، مصادر معلوماتي غربية في الغالب وأمريكية أساساً. لأنني بهذه المصادر أكثر دراية، كما أنني تمكنت من الوصول إليها أكثر من غيرها. ولا شك أن هذه المواد والمطالب نفسها قد شكلت القسم الأعظم من آرائي في هذا الشأن. وبعد الجزء الأول، أود أن أتحدث باختصار عن صلة دعواي بالتقاليد المسيحية والإسلامية.
طبق یک تقسیمبندی وسیع، دو حوزه را میتوان از هم تفکیک کرد که در هریک از آن دو حوزه انسانها ممکن است برحق یا برخطا باشند. قضایایی ناظر به امور واقع یا بیانگر قوانین علمی وجود دارند که درستی یا نادرستی آنها را - دستکم در عالم نظر- به روشنی میتوان معین کرد. مثل اینکه نخست وزیر، دیشب به فلان عمل دست زد یا اینکه زمین به گرد خورشید میگردد یا نمیگردد. احکامی اخلاقی نیز، از قبیل بدی قتل نفس وجود دارند که به همین حد از وضوح نزدیک میشوند. از سوی دیگر بسیاری قضایا هستند که عمدتاً ذوقیاند و یا مواردی هست که در آنها حقیقی به آسانی قابل تشخیص نیست یا دست کم چندان امید نیست که در کوتاهمدت در آن موارد اتفاق نظر به دست آید. غالب مطالبی که در قلمرو هنر، دین و ایدئولوژی موضوع بحثاند. یا بخش اعظم مباحث علم اقتصاد و برخی مباحث مطرح در علومتجربی در این مقوله جای میگیرند.
در خصوص دسته اول، دلیل اساسی به سود حق خطاکردن این است که به احتمال زیاد، حقیقت در بستر بحث آزاد، یا به قول الیور وندل هومز قاضی دیوان عالی امریکا در «تبادل آزاد آرا» فراچنگ میآید. او میگوید: «بهترین محک برای تشخیص حقیقت این است که قدرت اندیشه در بازار رقابت بر کرسی قبول بنشیند.»[5] ظاهراً بیچون و چرا میتوان بر این سخن صحه نهاد. در مقام مخالفت با این رای دست بالا میتوان گفت که مباحثه گاهی وقتگیر و بیحاصل است. با اینحال، به گمان من، تجربه نشان میدهد که واقعاً هیچ راه میانبری نیست. شاید کسی گمان کند که از حقیقتی باخبر است و میتواند با تحمیل آن حقیقت به دیگران از اتلاف وقت و نیز از زحمت محتمل حذر کند. اما بسیاری اوقات سرانجام کاشف به عمل میآید که او برخطا بوده است و مساعیاش در راه تحمیل عقایدش، اگر هم با توفیق رفیق شود، به جای آنکه زمان ظهور حقیقت را نزدیکتر کند صرفاً آن ظهور را به تاخیر میاندازد.
افزون براین، چنانکه میگویند:«اگر بر کسی، بهرغم میلش نظری تحمیل شود او از عقیده خود دست برنمیدارد.» حتی اگر حق به جانب شخص تحمیلکننده باشد. کسانی که مورد تحمیل قرار گرفتهاند غالباً عقاید تحمیلی را از ته دل نمیپذیرند و در نتیجه، آن عقاید را یا به طرزی موثر به کار نمیبندند یا در صورت رفع زور، آنها را به دور میاندازند. البته این هم هست که در بسیاری موارد (مثلاً آنگاه که طبق نسخه پزشک عمل میکنیم) به جای آنکه خودمان صدق سخنی را معلوم کنیم به حجیت (authority) شخصی دیگر اعتماد میکنیم. اما در مواردی از این دست، ما حجیّت دیگری را به طیب خاطر میپذیریم. زیرا فرضمان این است که در آن موارد حقیقت پیشتر و در جریان تبادل آزادانه آرا معلوم شده است. گیرم که ما خود در آن تبادل نظر مشارکت نداشتهایم. رأی رایج در غرب این است که اگر مارکسیسم دچار ورشکستگی فعلی شده و اگر کشورهای غربی به لحاظ اقتصادی و نیز از جنبههای دیگر، سریعتر از کشورهای مارکسیست پیشرفت کردهاند. اینها همه تا حدزیادی ناشی از این است که کشورهای غربی بیش از کشورهای مارکسیست به آزادی بیان میدان دادهاند. اینکه غرب، در واشنگتن و نقاط دیگر، از بابت اوضاع و احوال کشورهای مارکسیست چنین به وجد آمده است چندان با پسند من نمیخواند اما معتقدم استدلال ذکر شده درباره ناکامی این کشورها از حقیقت بهره بسیار برده است.[6]
أما الفئة الثانية، ولا سيما الموضوعات الدينية والعقائدية، فتبدو ظاهرياً أكثر إثارة للمشكلات. ففي هذه الميادين يكون بلوغ الحقيقة -على الأقل بالصورة التي تفضي إلى إقرار عام- أشد صعوبة بكثير. في الوقت الذي تنطوي فيه الموضوعات المذكورة على أعمق قيم المجتمع جوهرية، وهي بطبيعة الحال تؤجج مزيداً من الشغف والاهتمام. ومع ذلك يمكن تعميم الاستدلال السابق على هذه المجالات أيضاً. فبسبب أن طريق الوصول إلى الحقيقة في هذه الميادين أكثر وعورة، فإننا أشد احتياجاً إلى النقاش الحر والواسع. وبسبب أن الشغف والعاطفة الأشد يحتدم هائجاً في هذه الميادين، فإن حماية إبداء الآراء التي تكون غير مرغوبة في البداية، لكنها قد تثبت قيمتها على المدى البعيد، تصبح ضرورية. فضلاً عن ذلك، فإن الآراء التي تتبوأ مقعد القبول إثر مناقشات واسعة، تكون أوفر حظاً في أن تحظى بقبول العموم مقارنة بالعقائد المفروضة، وبهذا تخلق للمجتمع أساساً عقائدياً أمتن. إن القول الذي نقلته عن القاضي هولمز قد قيل حقاً وبالضبط في هذا المقام. كان كلامه ناظراً إلى توزيع منشورات تمجد الثورة الروسية وتدعو إلى إضراب عام دعماً لها. يحسن بي أن أنقل جزءاً أوفى من قوله:
ولكن عندما يدرك البشر أن مرور الزمن قد كشف عن بطلان العديد من الإيمانيات المقاتلة، فلعلهم يعتقدون، باعتقاد أشد حتى من اعتقادهم بصحة أسس أعمالهم، بأن الخبر النهائي يُنال على نحو أفضل عبر التبادل الحر للعقائد، ويصيرون إلى أن أفضل محك لتشخيص الحقيقة هو أن تستقر قوة الفكر على كرسي القبول في سوق المنافسة، وكذلك أن الحقيقة هي الأرض الصلبة الوحيدة التي يمكن أن يُبنى عليها قصر الأماني ببال مطمئن.[7]
يمكن الدفاع عن حق حرية التعبير في مثل هذه الحالات على أساس آخر أيضاً. وذلك على النحو التالي: إن حقوق الإنسان «نابعة من الكرامة الذاتية للإنسان.»[8] وكرامة الإنسان تقتضي أن يكون قادراً على التعبير عن شعوره أو عقيدته، سواء أكان ما يقوله صادقاً أم كاذباً. لا صلة لذلك بصحة هذا الحكم. ويمكن أن نخطو خطوة إلى الأمام فنقول إن أحد وجوه كرامة الفرد هو تميزه، وعندما تكون آراء فرد ما متميزة، أي مختلفة عن آراء الآخرين، فهناك احتمال أن تكون آراؤه إما خاطئة، أو على الأقل تبدو خاطئة في أعين الآخرين. ومن هنا يجب دعم الحق في أن تكون على خطأ.
إن أساس الادعاءات المذكورة أعلاه هو عدة اعتقادات أساسية. أولها أنه في ميدان الدين والأيديولوجيا، يكون بلوغ اليقين، إن لم يكن مستحيلاً حقاً، فهو على الأقل في غاية الصعوبة. ولكي تعتبروا هذا الادعاء جديراً بالاعتبار على الأقل في بادئ الأمر، يكفي أن تنظروا إلى تنوع الاعتقادات الدينية والأيديولوجية لدى البشر. أما الأساس الثاني، فهو فكرة أن الآراء الخاطئة قد تكون قيّمة أيضاً، وقد تحوز عناصر من الحقيقة لا يمكن العثور عليها في مكان آخر في زمان معين. أو ربما في طريق دحض الآراء الخاطئة، تنبثق حقائق جديدة. الأساس الثالث هو هذا الاعتقاد بأنه في الوقت الذي قد لا يعود علينا أي يقين، على الأقل في المدى القصير، إلا أن طبيعة الحقيقة وكذلك طبيعة البشر تجعل الفرد متوسط الحال قادراً، على الأقل إلى حد ما، على إدراك الحقيقة وألا ينقاد للخطأ. في الغرب، يُفهم هذا الاعتقاد عادة على أن العقل العادي للبشر قادر على اكتشاف القوانين الطبيعية.[9] الأساس الرابع هو إدراك أن حساسية هذه الموضوعات والشغف والحماسة المنبعثة منها تغري الإنسان بشدة بأن يُجبر الأشخاص الآخرين على مشاركته الرأي. خاصة أنه في هذه الميادين يوجد احتمال أن نتصور، بخداع الذات، أن عقائدنا أكثر يقيناً مما هي عليه، وأن نرى أنفسنا في التزامنا بعقائدنا أكثر تجرداً مما نحن عليه، وكذلك أن نعتقد أنفسنا أكثر تسامحاً من مخالفينا.[10] الأساس الخامس هو هذا الاطمئنان بأن المجتمع يمتلك القدرة على احتمال مقدار كبير من المخالفة في الرأي، حتى فيما يتعلق بالموضوعات الأساسية.
مع ذلك، يبقى السؤال مطروحًا حول المدى الذي يمكن فيه التسامح فعلاً مع المخالفة والخطأ. حتى أشد المتحمسين للحرية المدنية يقرّون بأنه ينبغي تقييد حرية التعبير عندما تتعرض الأرواح أو الممتلكات أو النظام العام للتهديد نتيجة لها. وهذا القاضي هولمز نفسه الذي اقتبسنا قوله هو من أطلق العبارة الشهيرة: «إن أكثر المدافعين عن حرية التعبير تشددًا لا يسمحون لأحد بأن يصرخ كذبًا في قاعة عرض: حريق! ويثير الذعر.»[11] وقياسًا على ذلك، يسلّم الناس عمومًا بضرورة تقييد حرية التعبير في زمن الحرب وسائر الأزمات الوطنية. وبالطبع، في كل هذه الحالات، ثمة مجال واسع للنقاش حول حد التقييد ومداه. ففي باب الحرية، يُطرح مثلًا سؤال: هل يجوز للفرد أن يضر بنفسه أو بأسرته؟ فبعض الجماعات الدينية، على سبيل المثال، لا تقبل باللجوء إلى الإجراءات الطبية المعتادة. فهل يمكن السماح لأتباع هذه الأديان بأن يعبثوا بحياة أطفالهم تحت مسمى الحرية الدينية؟ على حد علمي، تُفرض قيود على هذا النوع من الحرية في معظم الأماكن.[12] كما أن الحد المسموح به للدعاية المتعلقة بالمنتجات الضارة بصحة البشر هو أيضًا موضع نقاش. والممنوعات أو القيود المفروضة في العديد من البلدان الغربية على الدعاية المتعلقة بالسجائر هي مثال بارز وحاضر.[13] وكذلك، عندما تستلزم الحرية المدعاة للتعبير عن أمر ما انتهاكًا للمعايير الأخلاقية للمجتمع -كما في حالة المواد الإباحية مثلًا- فما هو الواجب؟ في هذه الحالة أيضًا، توجد قيود، وهنا أيضًا، ثمة اختلاف كبير في الرأي. وفيما يخص المثالين الأخيرين، ينبغي أن أقول إنني أميل إلى أن تُفرض، في البلدان الغربية التي أعرفها أكثر، قيود أشد مما هو معتاد عليه حاليًا. وإذا سأل سائل عن سبب ميلي هذا، فسأقول إن السبب هو أننا نتعامل في هذه الحالة مع إبداء آراء لا تستهدف القوة العاقلة لدى المخاطبين؛ بل ما هنالك هو محاولة تهدف إلى استغلال شغفهم وتعصبهم. في حين أن المقصود من حرية التعبير هو التعبير الموجّه إلى عقل البشر. وتأييدًا لهذا الادعاء، لنتذكر أنه حين يكون تعاملنا مع الطفل بدلاً من الشخص البالغ، تصبح حرية التعبير مقيدة أكثر لأننا نعتبر القوى العقلية لدى الأطفال أقل نضجًا. ولهذا السبب، ينبغي توخي الحذر إلى حد ما إزاء الأقوال التي تهدف إلى إثارة الشغف والتعصب، لكن يبقى أن الخط الفاصل بين مقولة الاحتكام إلى العقل ومقولة الاحتكام إلى الشغف والانفعال ليس قاطعًا وواضحًا في كل وقت. وكم ينبغي أن يكون الاحتكام إلى الشغف أقل من الاحتكام إلى العقل هي بلا شك مسألة مهمة وتحتاج إلى نقاش لا يتسع له المجال هنا.
لعل المسألة الأكثر جوهرية هي إلى أي مدى يستطيع المجتمع أن يبدي تسامحاً في مواجهة التحدي العلني والصريح لأكثر معتقداته وأيديولوجياته أساساً. إذا كان أساس المجتمع المعني هو حقوق الإنسان، فينبغي طرح السؤال المذكور على النحو التالي: هل يستطيع المجتمع (القائم على حقوق الإنسان) أن يتسامح مع التصريحات العلنية لأولئك الذين يرفضون هذه الحقوق ويدمرونها إن أمكنهم ذلك؟ كثير من الناس يرسمون ذلك الخط الفاصل الذي ذكرناه عند هذه النقطة. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة لا يجيز «أي حق يخول القيام بنشاط أو عمل يهدف إلى هدم أي من الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان»[14]. ووفقاً للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الأمم المتحدة، فإن «أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضاً على التمييز، تكون محظورة بموجب القانون».[15] يمكن العثور على تدبير مماثل لهذا في إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام.[16] في الولايات المتحدة، فُتح باب هذا النقاش عدة مرات. في خمسينيات القرن العشرين، التي يُشار إليها عادة باسم «حقبة مكارثي»، بُذلت جهود حثيثة لتقييد حقوق وحريات الشيوعيين و«أنصارهم». وكحجة، قيل إن الشيوعيين يضمرون ثورة إن وقعت، فلن يبقى أثر لتلك الحريات التي يستندون إليها للمطالبة بحقهم في التعبير. وكانت النتيجة أن البعض فقدوا وظائفهم أو حلت بهم مصائب أخرى. ومع ذلك، لم تدم حقبة مكارثي طويلاً، ورُفعت معظم القيود في نهاية المطاف. على حد علمي، يعتبر معظم الأمريكيين اليوم ذلك الجهد برمته خطأ وضلالاً. حقاً، كان ضرر تلك الإجراءات يرجح على أي منفعة، لا سيما بسبب معاناة أولئك الذين وُضعوا في موضع الاتهام ظلماً. من المثير للاهتمام أنه على الرغم من اعتبار أمريكا زعيمة المعسكر المناهض للشيوعية، إلا أن الحزب الشيوعي لم يُعلن قط غير قانوني في هذا البلد. مثال أحدث، يقع في الطرف المقابل تماماً من الطيف السياسي، حدث في عام 1977، عندما سعى أعضاء الحزب النازي الأمريكي للحصول على ترخيص للسير بزي موحد وبشارات ورموز في بلدة سكوكي بولاية إلينوي. كان في هذه البلدة عدد كبير من السكان اليهود، كثير منهم عايشوا فترة المحرقة (الهولوكوست).[17] المحاكم، وعلى الرغم من المشاعر الحادة لمعارضي تلك المسيرة، لم تمنعها، وكان سببها أن القوانين المتعلقة بحرية التعبير لا تسمح لها بذلك. دعم اتحاد الحريات المدنية الأمريكي حق النازيين في المسيرة، وجادل المدير التنفيذي لهذا الاتحاد، الذي كان يهودياً وبالكاد نجا من المحرقة، بأنه من أجل الدفاع عن حقه في حرية التعبير، يجب عليه أن يدافع عن حقوق أعدائه. «أريد قيوداً على أيدي أولئك الذين في السلطة لأمنعهم من التدخل في حقي في الكلام، وحقي في النشر، وحقي في التجمع مع أولئك الذين يشعرون أيضاً بالتهديد... للدفاع عن نفسي، لا بد لي من كبح السلطة بمساعدة الحرية، حتى لو نال ذلك منفعة عابرة لأولئك الذين هم أنفسهم أعداء الحرية».[18] على حد علمي، هذا أقصى ما قيل عن الحق في أن تكون على خطأ. لكن هل ينبغي المضي إلى هذا الحد في الدفاع عن الحق في أن تكون على خطأ؟ بالإجمال، نعم. بالطبع، تبرز هنا اعتبارات. الحزب النازي الأمريكي لم يكن يشكل تهديداً، بل كان يبدو في نظر الجميع تقريباً مفلساً ومثيراً للسخرية. لو كان هناك تهديد حقيقي من النازيين في أمريكا آنذاك، لكان رد الفعل على هذه القضية مختلفاً. بينما عندما ننظر إلى حقبة مكارثي في الخمسينيات، نرى أن التهديد من الشيوعية كان يُعتبر آنذاك حقيقياً تماماً. انقضاء تلك الحقبة وتغير الأوضاع والأحوال، كما أعتقد، يعود جزئياً إلى أن الناس شعروا تدريجياً أن الإجراءات المتخذة لم تكن متناسبة مع طبيعة ذلك التهديد. لأن ذلك التهديد كان في الغالب شعوراً بالكراهية في القلوب وأقل ظهوراً علناً، وكان أيضاً نتيجة للاشمئزاز من الآلام التي حدثت ظلماً.
لا ينبغي، في اعتقادي، أن نستنتج من هذه الأمثلة أن ارتكاب الخطأ ينبغي أن يكون مباحاً في جميع الأحوال، ولكن يكفي أن يُجاز الخطأ إلى أقصى درجة ممكنة. وإذا ما وقعنا في حالات من التردد، حيث إننا إن انحزنا إلى جانب الحرية قد نمنح من الحرية أكثر مما ينبغي، وإن انحزنا إلى جانب المنع والتقييد قد نفرض من القيود أكثر مما ينبغي، ففي هذه الحالات التي قد نسقط فيها من أحد جانبي السطح، من الأفضل أن نقبل الخطر الأول، أي خطر منح حرية تتجاوز الحد المطلوب. أدلتي لصالح هذا الموقف هي كما يلي (وهي تشبه في جوهرها ما ورد أعلاه) مع افتراض أن اليقين ليس في متناول أيدينا في هذه الحالات، فينبغي أن نسمح بأن يُعبَّر عن أكبر عدد ممكن من الآراء. قد أكون على يقين تام بأن رأياً معيناً خاطئ، لكن لا يمكنني أن أكون واثقاً من أن هذا الرأي لا يحمل شيئاً يعلمني إياه أو ليس له دور يؤديه. حتى لو كان دوراً بمقدار أن يثير المعارضة ضده أو يفتح نافذة طمأنينة لتلك النزعات الاجتماعية التي قد تخلق خطراً أكبر إذا ما قُمعت. ثم إن الرأي العام قد يكون المصدر الأرجح لمعرفة الحقيقة أو لا يكون. ولكن بغض النظر عن ذلك، في نهاية المطاف، لتصحيح الأخطاء الأكثر خطورة، يمكن الوثوق بالرأي العام أكثر من الرأي الشخصي أو حتى رأي «الخبراء»، وهذه المهمة تقع على عاتق الرأي العام بشكل مثمر. كذلك، بالإضافة إلى (المهمة السلبية) المتمثلة في تصحيح الخطأ، حتى في مقام (المهمة الإيجابية) المتمثلة في اكتشاف الحقيقة، فإن الرأي العام يحظى، على الأرجح، بفرصة تعادل أي رأي آخر في أن يظفر بنسخة من الحقيقة تكون معتبرة لدى معظم الناس في زمان ومكان محددين. على أية حال، في الوقت الذي أعتقد فيه أن موقف النازيين باطل، فقد يظهر يوماً شخص يعتقد بقدر ما أعتقد أنا أن موقفي هذا هو الباطل، وإذا حدث ذلك، فأود ألا يكون بحوزة ذلك الشخص، لقمعي، سوابق تاريخية تذكر.
حتى الآن، عبّرتُ عن الموضوع بعبارات علمانية بالأساس، ولهذا أسستُ نقاشي بشكل رئيسي على ذلك التقليد الغربي الذي يُعتبر رائد التحديات ضد سلطة الكنيسة والمَلَكية في القرن الثامن عشر، والمحفوظ بشكل خاص في وثائق مثل إعلان الحقوق الأمريكي وإعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي. وقد استخدمت هذا النوع من التعابير لأن الدوائر التي أرتبط بها، أولاً، تناقش هذا الموضوع عادةً بهذه اللغة ذاتها. وثانيًا، بغض النظر عن تعامل الآخرين مع حقوق الإنسان، فإن التقليد العلماني الغربي هو الذي جعل حقوق الإنسان حديث المجالس بشكل رئيسي. ومع ذلك، فإن تقليد حقوق الإنسان في الغرب ليس تقليدًا علمانيًا خالصًا ونقيًا، بل له جذور عميقة في المسيحية. وبالنسبة لي، كمسيحي، فإن هذه المسألة مهمة. لذلك، أود أن أقدم توضيحات حول علاقة الموقف الذي أدافع عنه (أي الحق في أن تكون على خطأ) بالمسيحية، ثم (نظرًا لهذه الجلسة وأيضًا لاهتماماتي العلمية) بالإسلام.
يرى معظم العلمانيين الذين أعرفهم أن المسيحية، أساسًا لأنها تدّعي امتلاك الحقيقة عبر الوحي السماوي، تُعرّض الحق في أن تكون على خطأ للخطر بشكل جدي. فإذا حصل المرء على الحقيقة بمساعدة الوحي الإلهي، فإنه يتيقن من صحتها. ألا يرى نفسه حينئذٍ محقًا، بل ومكلّفًا، في أن يُجبر الناس على قبول تلك الحقيقة؟ هذا النمط من الاستدلال تبسيطي، لكنه ليس غير معقول بأي حال. إنها لحقيقة أن الشعور باليقين دفع المسيحيين مرارًا إلى فرض معتقداتهم. منذ اهتداء الإمبراطور الروماني قسطنطين إلى المسيحية وحتى وقت متأخر -أي طوال الفترة المعروفة بالعصر القسطنطيني- بادرت المسيحية إلى تقييد حرية التعبير أكثر بكثير مما عملت على الدفاع عنها أو تشجيعها. فعلى سبيل المثال، كان القديس أوغسطينوس في بداية أمره، حينما كان النوع المسيحي الذي يفضله يعيش كأقلية، يطالب بحرية الضمير، لكنه دافع لاحقًا عن الإكراه بمقولته (التي أصبحت عبارة راسخة): «أيّ شيء أشد فتكًا بالروح من حرية الخطأ؟»[19] وفي هذا الشأن، يكاد العهد الجديد يصمت، لأنه ظهر قبل أن يجد المسيحيون القدرة على نفي حرية أحد بوقت طويل. وإن كان بالإمكان توظيف أقوال مثل: «ألزمهم بالدخول حتى يمتلئ بيتي» (لوقا، الإصحاح 14، الآية 23) لتقييد الحرية.
هذا الرأي، وإن كان سائدًا لقرون، إلا أنه واجه معارضة أيضًا، وقد نبّه كثيرون إلى أن نوع الحقيقة التي تدّعي المسيحية امتلاكها عن طريق الوحي الإلهي هي من صنف الحقائق التي لا يصيب خيرها أحدًا ما لم يقبلها البشر بحرية ودون إكراه. فقبل زمن أوغسطينوس بقليل، قال القديس يوحنا فم الذهب: «ليس من شأن المسيحيين أن يزيلوا الخطأ بالضرب والقوة والعنف، بل ينبغي أن يؤمّنوا خلاص البشر بالمثابرة والإرشاد والمحبة.»[20] وكتب القديس هيلاري أسقف بواتييه: «من البلاهة الظاهرة لعصرنا هذا ... (أن) يتخيل البشر أن عليهم أن يمدوا الرب بعون من خلال مساعيهم البشرية، وأن يحموا دين المسيح بطموحات دنيوية.»[21] علاوة على ذلك، في الغرب، لم يخطُ الخطوات الأولى نحو التصور الحديث لحرية التعبير ربوبيو القرن الثامن عشر، بل مسيحيون من أمثال جون ملتون، وروجر ويليامز، ووليام بن في القرن السابع عشر. تاريخيًا، يتجذر الفهم الجديد لحقوق الإنسان في مذهب الحق الطبيعي في العصور الوسطى، وكذلك في الأفكار المتعلقة بالسلطة (authority)، وهي أفكار تبلورت خصوصًا في الكنائس الكالفينية والكنائس الحرة أثناء حركة الإصلاح الديني. كان توجه الثورة الفرنسية ضد رجال الدين، في حين لم يكن هناك توجه مماثل في الثورة الأمريكية. في أمريكا، حرية الأديان أطلقت يد الكنائس بقدر ما قيدتها. الربوبيون مثل جفرسون مشهورون بكتاباتهم في هذا الباب، في حين أن المشيخيين والمعمدانيين هم من رأوا في الدفاع عن هذه الفكرة عدةً وعتادًا سياسيًا. أعتقد أن من الإنصاف القول إن الكنائس في زماننا هذا أيضًا كثيرًا ما تكون مدافعة عن الحرية أكثر مما تكون ضدها.[22]
مع ذلك، أتصور أن التقييم المنصف لتاريخ المسيحية يقودنا إلى الرأي القائل بأن الكنيسة عادة ما تسامحت حين كانت إما في وضع الأقلية، أو حين اضطرت على الأقل إلى منافسة أيديولوجيات وفرق وأديان أخرى في ظروف متكافئة نسبياً. علاوة على ذلك، يمكن تقديم الحجة بأن أكبر إسهام للكنائس في نمو التسامح في الغرب كان إسهاماً سلبياً، وجاء عبر الحروب الدينية في القرنين السادس عشر والسابع عشر. فهذه الحروب، أكثر من أي شيء آخر، هي التي أظهرت لنا أن المطلوب لتفادي نشوب الحرب هو التسامح. الواقع أنه في التعاليم المسيحية الأساسية، وكذلك في مصادرها المعتبرة والأصيلة، ثمة ما يؤيد التسامح وما يعارضه. في هذا الباب، على ما أعتقد، تشمل التعاليم الرئيسية عقائد الخلق، وصورة الله، والسقوط أو الخطيئة الأصلية، ونعمة الله. إن فكرة أن البشر خُلقوا متساوين، وبالتالي فإنهم جميعاً من حيث المبدأ موضع عناية الله بالقدر نفسه، هي بالتأكيد الأساس الذي يمكن أن يُبنى عليه الإيمان بكرامة الإنسان، ومن ثم الاهتمام بحقوق الإنسان. وفكرة أن البشر خُلقوا على صورة الله هي أساس للاعتقاد بأن الإنسان، بمعونة هذا العقل أو الفهم والحدس العاديين، قادر على الأقل إلى حد ما على الولوج إلى حريم الحقيقة الإلهية. وهذا أحد أسس توجه المسيحية إلى فكرة القانون الطبيعي. من جهة أخرى، وفقاً لعقيدة السقوط، فإن صورة الله في الإنسان قد فسدت أو تشوهت إلى حد ما. ويمكن تفسير هذه الحال بأن البشر عاجزون عن معرفة الحقيقة أو الإذعان لها، ما لم يُلجأ إلى الإكراه، وبقدر كبير منه. ومن جهة أخرى، فإن هذه العقيدة نفسها حجة لصالح القوانين الحامية لحرية التعبير، على أساس أن الخطيئة تجعل آراءنا قهراً تبدو في أعيننا أكثر يقينية مما هي عليه، وتدفعنا بهذه الصورة نحو عدم التسامح. وبما أن عدم التسامح هذا جزء لا يتجزأ من الوضع البشري، فمن الضروري إذن إقامة حواجز متينة في وجهه. إذا نظرنا إلى عقيدة النعمة (الإلهية) بوصفها معيدة لصورة الله في الإنسان، فإن هذه العقيدة يمكن أن تقودنا إلى الاطمئنان إلى أن البشر العاديين يمتلكون القدرة على بلوغ الحقيقة. لكن إذا اعتبرنا أن البعض مشمولون بنعمة الله أكثر من البعض الآخر، فعندئذ ربما نميل إلى الرأي القائل بأن بعض الأفراد، أو الجماعات، أو الملوك، أو الأساقفة، أو المؤمنين الأرثوذكس عموماً، لهم الحق في فرض معتقداتهم على المجتمع بأسره.
لذلك، يمكن للمسيحية أن تعمل كسيف ذي حدين. وإذا كان ثمة ما يرجح كفة الميزان في هذا الشأن، فهو الاعتقاد بأن دفة قيادة التاريخ البشري بيد القدرة الإلهية، وأن الدروس التي نتعلمها من التاريخ البشري هي جزء من الوحي الإلهي المنزل علينا. يجب أن أقول، لهذه الأسباب، إن ما حدث منذ القرن السادس عشر فصاعداً في تاريخ العالم، وخاصة تاريخ الغرب، يشهد بوضوح لصالح التسامح. فمن الحروب الدينية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وصولاً إلى الحكومات التوتاليتارية في القرن الحالي (العشرين)، تقدم لنا جميعاً أدلة كافية تنم عن أن محاولة فرض نسخة من الحقيقة، وكذلك إنكار الحق في أن تكون على خطأ، تؤدي إلى عواقب فظيعة وغير مسيحية.
لكن ماذا يمكن أن يقال بخصوص الإسلام؟ نظراً لأنني لم أتح لي الفرصة الكافية لبحث تفاصيل هذا النقاش في الإسلام بالعمق الذي أرغب فيه، فإني، بصفتي فرداً غير مسلم، أتحدث هنا بكثير من العجالة وعدم القطع، وأنا على يقين من أن مخاطبيني سيتلقون توضيحاتي بهذا التلقي نفسه. يبدو أن معظم ما قلته عن المسيحية ينطبق أساساً على الإسلام أيضاً. فتاريخ الإسلام، مثل تاريخ المسيحية، شهد صعوده وهبوطه بشأن مسألة التسامح. ففي بعض الأحيان، كما في أوائل العصر العباسي، ساد تسامح لافت للنظر تماماً، وأعتقد أنه من الإنصاف القول إن المسلمين الذين كانوا على سدة الحكم، حتى القرن الثامن عشر على الأقل، أظهروا تسامحاً أكبر مقارنة بالمسيحيين. والأمر الآخر أنه في أيامنا هذه أيضاً، أظهر المسلمون تعلقهم بحقوق الإنسان، ويشهد على ذلك بيانان للمسلمين في هذا الشأن بحوزتي. لكن أياماً من عدم التسامح كانت موجودة أيضاً، وباعتقادي فإن السجل التاريخي يشير إلى أن الإسلام، شأنه شأن المسيحية، أظهر توافقاً مع التسامح وعدم التسامح على حد سواء.
هذا من الناحية التاريخية، ومن الناحية الاعتقادية أيضًا، أود أن أكرر نقطة سبق أن ذكرتها. الإسلام، شأنه شأن المسيحية، يدّعي الوحي الإلهي، وبالتالي يدّعي وصولًا خاصًا إلى الحقيقة. في نظري، حضور هذا المعنى في القرآن بارز جدًا: «وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا».[23] مثل هذا القول، سواء في سياق ونص إسلامي أو في سياق ونص مسيحي، قد يثير إغراء فرض الحقيقة على الآخرين. من جهة أخرى، يتبنى الإسلام من حيث الأصل العقيدة المسيحية نفسها بخصوص الخلق، مع ما يترتب عليها من دلالات تتعلق بالمكانة المتكافئة لكل فرد من البشر. ويمكن اعتبار العقيدة المسيحية القائلة بصورة الله في الإنسان نظيرًا لنظرية الفطرة، التي بمقتضاها خُلقت الطبيعة البشرية قادرة ومستعدة لتلقي الحقيقة الإلهية. والواقع أن إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام قد استند إلى هذه العقيدة ذاتها: «الإسلام دين الفطرة. ولا يجوز إيقاع أي ضغط على الإنسان باستغلال فقره أو جهله لحمله على تغيير دينه أو اعتناق الإلحاد».[24] لا توجد في الإسلام عقيدة الخطيئة الأولى، لكن فكرة هبوط آدم عليه السلام هي من ضمن تعاليمه، ولا يُقدم في هذا الدين رأي مفرط في التفاؤل بخصوص الطبيعة البشرية: فالآية المشهورة بشأن حمل الأمانة التي حملها الإنسان تنتهي بهذه العبارة: «إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا».[25] وهكذا، أتصور أن ثمة مجالًا للحراك لكلا الطرفين: لمن يستدل لصالح قمع الخطأ بإظهار ضعف البشر، ولمن يدافع عن حق حرية التعبير كحصن أمام تلك الرغبات، بدعوى وجود نزعات قمعية في البشر مصدرها ذلك الضعف البشري نفسه.
على خلاف النصوص الدينية المسيحية، يقدم القرآن تعاليم إيجابية بخصوص التسامح. في هذا السياق، يُستشهد عادة بقوله تعالى: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ».[26] وهو قول لا شك أنه بالقدر المطلوب من القوة والوضوح. من جهة أخرى، ثمة أقوال تأمر بالجهاد ضد الكفار: «فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ... فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ».[27] و«قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ... مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ».[28] يمكن تفسير هذه الأقوال بأشكال مختلفة، وقد حصل ذلك. أحد التفسيرات الليبرالية بشكل خاص التي سمعتها هو أن الكلام المذكور أعلاه لا ينظر إلا إلى الظروف والأحوال التي يكون فيها الإسلام ضعيفًا ويستخدم المعاندون القوة والعنف أو يهددون المسلمين باستخدامها. وفق هذا التفسير، تعود الأقوال المذكورة فقط إلى الوضعية الخاصة لشبه الجزيرة العربية في عصر محمد (ص)، أو مع قليل من التعديل، إلى عصر الفتوحات الأولى، أي إلى الزمن الذي لم يكن المقصود فيه من الفتوحات فرض الإسلام، بل خلق وضعية تُسمع فيها دعوة هذا الدين. بذكر الجزية في الآية الثانية من الآيات أعلاه، يُطرح مراعاة التسامح تجاه أهل الكتاب مقابل دفع الجزية. هذه العقيدة ذات الجذور القرآنية خففت من إغراء فرض الإسلام، الذي يعتقد المسلمون أنه الدين الحق (ذلك الإغراء الذي أشرنا إليه أعلاه). ولعل هذا هو السبب في أننا عندما نرجع إلى سيرة المسلمين وسنتهم، نجد أن سجلهم في هذا المجال كان أنصع من سجل المسيحيين. ومع ذلك، فإن تقليد الجزية لا يرضي طالبي الحرية المدنية تمام الرضا، لأن من لوازم هذا التقليد ظاهرًا أن يكون المسيحيون واليهود تابعين وأدنى مرتبة من المسلمين، وحسب علمي، كان هذا هو المعنى المفهوم عادة من دفع الجزية. ولست في مقام يسمح لي بأن أقول إن هذا هو التفسير الوحيد أو التفسير المناسب.
يمكن القول إن الإسلام، في مجال الحقوق المدنية، وعلى الأقل في نظر غير المسلم، يقدم صورة مزدوجة عن نفسه. وإني لآمل أن يتعلم المسلمون، وكذلك المسيحيون وغيرهم، هذا الدرس من التاريخ وهو أنه ينبغي حماية الحق في أن يكون المرء على خطأ. فبوسع المسلمين والمسيحيين أن يتعلموا من بعضهم البعض أشياء لا يمكنهم تعلمها من العلمانيين، لأن ذلك النوع من الاهتمام بالحقيقة المطلقة الموجود لدى المسلمين والمسيحيين، لا نجده على الأرجح لدى العلمانيين، ولا سيما دعاة الحريات المدنية. ويمكن للمسيحيين أن يتعلموا من المسلمين ذوي الجذور الراسخة كيف يجمعون بين اليقين الأساسي في ميدان اللاهوت ودرجة عالية من التسامح. ومن جهة أخرى، فإن الطريقة التي نبتت بها حقوق الإنسان في تربة المسيحية غير المواتية غالباً يمكن أن تكون مفيدة للمسلمين. وبالطبع، يمكن للمسلمين والمسيحيين كليهما أن يتعلموا نقاطاً في هذا الشأن من خلال المزيد من التنقيب في تقاليدهم. وإحدى المشكلات العسيرة التي تواجهنا في هذا العصر هي أن نتعلم كيف نجمع بين الشعور باليقين الوافر إزاء معتقداتنا الأساسية وأقصى درجات التسامح إزاء التعبير عما نعتبره خطأ.
أود أن أنهي كلامي بالإشارة إلى مثل الحنطة والزوان الوارد في الأناجيل المسيحية. فلاح زرع حنطة في حقله. فجاء عدوه وبذر زواناً بين الحنطة ومضى. فلما نبت الزوان والحنطة معاً، سأله عبيده: أتريد أن نذهب ونجمع الزوان؟ فقال: لا، لئلا تقتلعوا الحنطة معه وأنتم تجمعونه. وقال لهم ينبغي أن ينتظروا حتى الحصاد، وحينئذ يقطفون كليهما (متى.
٢٤.٣٠). وأنا أيضاً أعتقد جازماً أنه ينبغي أن نسمح، في حقل الحقيقة، للحنطة بأن تنمو إلى حين حصاد الرب.
.
.
[1] المصدر الذي استخدمته بخصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة هو:
The Human Rights Reader, ed. Walter Laqeur and Barry, New York, (American Library, 1979) , pp. 197-201.
[2] The Cairo Declaration on Human Rights in Islam, (English Translation) 15 August 1990,Organization of the Islamic Congress.
النسخة المتوفرة لدي تحتوي على نصوص بالإنجليزية والفرنسية والعربية والفارسية. وقد رجعت إلى النصين الإنجليزي والعربي. ويمكن أيضاً الرجوع إلى البيان التالي الصادر عام ١٩٩١:
Universal Proclamation of Human Rights in Islam
النص والترجمة اللذان استخدمتهما وردا في هذا المصدر:
Islamochristiana (Rome), Vol. (1989) 9
النص المعني يتكون من ثلاث وعشرين مادة، بعضها أيضاً يتناول أكثر من حق واحد.
[3] في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة – حيث يُعطى تفسير موسع للفظ «اجتماعي» وبهذا يدخل الأمر الاقتصادي أيضاً في نطاقه الدلالي. تم الحديث عن «الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكذلك... الحقوق المدنية والسياسية» (Reader, p. 209).
[4] يمكن العثور على حقوق قابلة للمقارنة في المادتين ٢٠ و١٨ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة (Reader, p. 199)، وفي المادتين ١٨ و١٩ من إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام (English Translation, op. cit., pp. 6-7) وفي المادتين ١٢ و١٣ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام (Islamochristiana 9:112). وقد حصلت على نص التعديل الأول للدستور الأمريكي في المصدر التالي:
Reader, p. 115.
[5] Quoted by Lee C. Bollinger in The Tolerant Society (New York: Oxford University Press, 1986), p. 18.
[6] الرئيس جورج بوش (الأب) في أول خطاب له بصفته رئيساً للجمهورية، عبّر عن الفكرة نفسها بصراحة أكثر مني، ومدعّماً إياها بالحجة:
نحن نعلم ما الذي يفي بالغرض: الحرية تفي بالغرض. نعلم ما هو الحق: الحرية هي الحق. ونعلم كيف نؤمّن على الأرض حياة أكثر عدلاً وهناءً للبشر: من خلال السوق الحرة، والتعبير الحر، والانتخابات الحرة، وممارسة الإرادة الحرة بمنأى عن عرقلة الحكومة." (New York Times, 21 January, 1989).
[7] منقول في: The Tolerant Society, p. 18.
[8] من مقدمة المعاهدة الدولية للأمم المتحدة بشأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (Reader, p. 209).
[9] في فلسفة الأخلاق وفلسفة القانون، القانون الطبيعي هو قانون توجيهي يحدد كيف ينبغي للناس أن يتصرفوا. يُعتقد أن جذور هذا القانون تكمن في طبيعة البشر وعقلانيتهم، وليس في شيء ناتج عن اتفاق أو تشريع مدني. من أبرز المنظّرين في مجال القانون الطبيعي في فلسفة الأخلاق وفلسفة القانون: الرواقيون، والأكويني (الذي يرى أن القانون الطبيعي مستمد في نهاية المطاف من القانون الإلهي)، وغروشيوس، وكانط. مقتبس من موسوعة كامبريدج، الطبعة الثالثة، تحت مدخل natural law. - م.)
[10] يحتج بولينجر بأن هذه النقطة، وإن كانت أقل تأكيداً، إلا أنها جانب بالغ الأهمية من الفكر القانوني الأمريكي حول هذا الموضوع.
(The Tolerant Society, esp. ch. 3)
[11] The Tolerant Society, p. 16.
[12] على سبيل المثال، أُقيمت دعاوى بخصوص علماء مسيحيين قرأت عنها مؤخراً في مجلة كريسشان ساينس مونيتور. يؤسفني أنني لم أتح لي الفرصة لترتيب هذا المصدر وتحديده.
[13] بينما أكتب هذا الآن، يدور نقاش في نيوزيلندا. سبب النقاش هو أنه نتيجة للحظر الأخير على الإعلانات المتعلقة بالسجائر، قد لا تُقام دورة مهمة من مسابقات الكريكيت على الإطلاق، لأن إحدى شركات إنتاج السجائر كانت تقليدياً الراعي المالي لهذه المسابقات. وبما أن الرياضة هي "دين وملة" نيوزيلندا، فيبدو أن الحكومة ستستثني هذه الحالة لإطلاق هذه المسابقات.
[14] Article 30, Reader, p.201.
[15] Article 20,1; Reader, p.223.
[16] Article 22 d.
[17] The Tolerant Society, pp. 23-44 and passim.
[18] The Tolerant Society, p. 99.
[19] Quoted by M. Searle Bates in Religious Liberty: An Inquiry (New York: Harper and Bros, 1954), p. 139.
[20] Religious Liberty, p. 138.
[21] المصدر السابق. ينقل بيتس عدة أقوال أخرى قيلت في الحقبة نفسها من كلا الجانبين.
[22] مثلاً، وفقاً لمضمون بيان أصدرته الكنيسة الكاثوليكية الرومانية عام 1977: «من الضروري التمييز بين الخطأ والمخطئ. الخطأ يستوجب الرفض والإنكار دائماً، أما الشخص المخطئ فيحتفظ دوماً بكرامته الإنسانية حتى عندما يعتريه نقص أو قصور بسبب معتقدات دينية خاطئة أو ناقصة.»
[23] القرآن، سورة 17، آية 81. وفقاً لملاحظة بيكتال (مترجم معاني القرآن الكريم إلى الإنجليزية) نزلت هذه الآية بعد تدمير الأصنام في الكعبة. [النص العربي للآيات من القرآن الكريم. م.]
[24] Article 10 (my translation from the Arabic text).
[25] القرآن، سورة 33، آية 72.
[26] القرآن، سورة 109، آية 6.
[27] القرآن، سورة 9، آية 5.
[28] القرآن، سورة 9، آية 29.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.