اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
إن القبول الأعمى للأكاذيب في الفضاء الافتراضي متجذر في «التفكير التمنّي» وتفضيل لذة المعتقدات المُرضية على الحقيقة. وتتطلب مواجهة الجهل تفكيراً نقدياً وشجاعةً لتغيير المعتقدات السابقة عند مواجهة الحقائق المؤطرة إعلامياً.

مقاومة التزوير والجهل
الجزء الأول: ضرورة مواجهة التفكير بالتمني والإهمال
مؤخراً، تُتداول أغنية جميلة على شبكات التواصل الاجتماعي بعنوان «النشيد الوطني لطاجيكستان»، وقد ورد في جزء من النص المرفق بها:
«وكأنه النشيد الوطني الإيراني! إنهم يتباهون بكل ما يخص الإيرانيين في العالم. مرة واحدة لا تكفي، شاهدوه ألف مرة واستمتعوا به: نحن نار زرادشت؛ نحن قبيلة من طوس؛ أبناء مدينة الفردوسي!»
بغض النظر عن أن مضمون شعر هذه الأغنية (مقاطع مثل الإشارة إلى مدينة وشاعر إيراني أو الإشارة إلى اسم زرادشت) لا يبدو معقولاً جداً لنشيد وطني لدولة مستقلة، يزيد تعداد سكانها المسلمين عن 90%، فإن بحثاً بسيطاً على الإنترنت يمكن أن «يتحقق» من هذا الأمر. يكفي خلال 30 ثانية العثور على النشيد الوطني لطاجيكستان؛ وخلال دقيقتين الاستماع إليه، وفي غضون 3 دقائق إجمالاً إدراك زيف هذا الادعاء. لكن مئات الآلاف لم يفعلوا ذلك ولا يفعلونه.
لا يمكن إنكار الصلة الثقافية والجذور المشتركة بين طاجيكستان وإيران، لكن الواقع هو أنه على مر التاريخ، انفصلت هذه الدولة عن إيران منذ سنوات طويلة، ومن الطبيعي ألا يشير نشيدها الوطني إلى عناصر إيرانية.
قبل فترة، انتشر مقطع فيديو آخر في الفضاء الافتراضي بعنوان «تهنئة بمولد النبي الإسلامي في ملعب نادي بوروسيا دورتموند الألماني»؛ وبقليل من التدقيق في الفيديو كان واضحاً أن:
الأغنية التي يرددها الجمهور باللغة العربية؛ والإعلانات حول الملعب عربية، وملامح اللاعبين في الفيديو تشبه فريقاً من غرب آسيا. ناهيك عن أنه حتى لو افترضنا أن نادياً ألمانياً قرر تهنئة بمولد النبي الإسلامي، فإنه في العادة لن يستخدم عبارة «حبيبي يا رسول الله».
في الواقع، كان مكان ذلك الفيديو هو ملعب نادي الاتحاد السعودي (فقط بالزي الأصفر المطابق للون زي نادي دورتموند) وكان توقيته يعود إلى عامين قبل نشر الخبر. لكن ذلك الخبر بتفسيره الخاطئ شوهد حوالي مليون مرة إجمالاً على تيليغرام.
لكن لماذا نصدق مثل هذه الافتراءات بهذه السهولة، ونتداول يومياً عشرات الأخبار غير الموثوقة في الفضاء الافتراضي ونقع في مثل هذه الأخطاء؟
الجواب بسيط وغير متوقع بعض الشيء: لأننا نريد نحن أنفسنا أن نقع في مثل هذه الأخطاء؛ لأن هذه الأخطاء ممتعة، وبالنسبة لنا «المتعة» أهم من «الحقيقة»؛ حتى لو أدى الجهل الناتج عن تلك المتعة قصيرة الأمد إلى معاناة كبيرة لنا على المدى الطويل؛ وهو ما حدث مراراً.
في الواقع، نحن نعاني من «التفكير بالتمني».
التفكير بالتمني (Wishful thinking) أو «الاعتقاد القائم على الأماني» يعني أن نحول أمانينا وأمورنا المحبوبة إلى معتقدات لدينا؛ دون أن نملك دليلاً أو شاهداً أو سنداً موثوقاً على ذلك.
نحن نحب أن يحترمنا الإيرانيون في النشيد الوطني للدول الأخرى، فنعتقد أن الأمر كذلك. يسرنا أن يهنئ فريق أوروبي بمولد النبي الإسلامي في مباراة رسمية ويحترم معتقداتنا الدينية، فنعتقد أن ذلك حصل.
هذا النمط هو بالطبع ظاهرة عالمية في الثقافة الشعبية، ويطلق عليه الصحفي البريطاني كريستوفر بوكر اسم «دورة الأوهام» التي تتكرر في الحياة الشخصية والسياسة والتاريخ. وكثير منا نحن الإيرانيين ليسوا ببعيدين عن ذلك، فنحن نقبل دون أي تدقيق كل ما يؤكد رغباتنا وأمورنا المُرضية. ولهذا نعتقد بأن: «الإيرانيون أذكى شعوب العالم وأكثرهم كرماً للضيافة»؛ و«إيران أغنى دولة في العالم»؛ و«وكالة ناسا مليئة بالعلماء الإيرانيين»؛ و«نحن المواطنون لا نتحمل أي نصيب أو مسؤولية في مشكلات البلاد الراهنة»... وهي مقولات قد تحمل «جزءاً» من «الحقيقة»، لكنها لأنها تعبر عن رغباتنا وأمورنا المُرضية، تحولت إلى اعتقاد مطلق لدينا دون تحقق من الصحة أو دليل معقول ودون بحث أو مصدر موثوق. وهذا بالطبع هو الوجه الآخر لظاهرة «جلد الذات» لدى شريحة أخرى من المجتمع ممن يستمتعون بتحقير الإيرانيين ويعتبرونهم، دون أي سند أو استدلال، أسوأ شعوب العالم.
القسم الثاني: الانحياز التأكيدي وعصر ما بعد الحقيقة
في مجتمعنا، لا يحظى «التفكير النقدي» عموماً بمكانة تذكر، ولا يُنظر إلى الأمور بنظرة تدقيقية نقدية؛ فتبعاً لعلاقة المتلقي بمصدر الخبر، إما أن تُقبل الأخبار دون قيد أو شرط وإما أن تُرفض دون أي سبب. وفي سياق كهذا، يمتلئ الفضاء الافتراضي والإعلامي بالقنوات والصفحات والشبكات التي، وهي تستغل تساهلنا وتفكيرنا القائم على الأماني، تسقينا أي كذبة بسهولة؛ لا سيما عندما تشعر بأن متلقيها لا يسعون أيضاً وراء صحة المواد أو زيفها. فوسائل الإعلام تفضل أساساً أن ينشأ متلقوها بصفتهم مجرد «مستهلكين» يتقبلون ويستهلكون كل خبر ومادة تُقدم لهم دون أي سؤال أو تدقيق أو شك أو تحليل.
من جهة أخرى، فإن التفكير النقدي ومواجهة التفكير القائم على الأماني، بقدر ما هو ضروري، فهو صعب أيضاً، لأن أذهاننا تقوم باختلاق الحجج لتأكيد الأمور المُرضية لنا. تشير الأبحاث إلى أننا غالباً ما نقع في الخطأ المعرفي المسمى «الانحياز التأكيدي» (Confirmation bias)، ونميل إلى المعلومات والبيانات والأخبار التي تؤكد افتراضاتنا المسبقة ومعتقداتنا السابقة، ونتجاهل أو نرفض المعلومات التي تثير الشكوك حول معتقداتنا. في الواقع، تعالج أذهاننا الكثير من المعلومات الخام بطريقة تكون تأكيداً لمعتقداتنا السابقة. لذلك، لمواجهة التفكير القائم على الأماني، يلزمنا أولاً أن نرى، عند مواجهة أي مادة، ما إذا كانت هناك شواهد أو استدلال لقبولها، أم أن أذهاننا فحسب، ومن أجل إرضائنا، تجعل تلك المادة تبدو مبررة ومعقولة باستخدام التبريرات وأشباه الاستدلالات؛ وثانياً أن نرى إلى أي مدى تتأثر معتقداتنا السابقة بنمط الانحياز التأكيدي، وأن نجد الجرأة على الشك في هذه المعتقدات وتغييرها. هذه شجاعة يمكننا، بالالتفات إليها، أن نعيد قراءة شعار حركة التنوير (تجرأ على أن تفكر!) على هذا النحو: «تجرأ على تغيير أفكارك!»
من الصعوبات الأخرى في إدراك الحقيقة أنه يمكننا اليوم الكذب حتى باستخدام «الواقع». فوظيفة الإعلام في هذا العصر، هي بالأساس تأطير (Framing) الواقع وقالبته وفقاً لأهداف الإعلام المسبقة؛ أطر وقوالب يُعرض العالم من خلالها على المتلقي. يكفي الآن أن يُصغَّر إطار الصورة قليلاً كي لا تُرى الأجزاء الأخرى من الواقع؛ أو أن يُشكَّل الإطار حول موضوع غير مهم لتطغى عليه الموضوعات الأخرى؛ أو أن يُقتطع فيلم في الإطار بحيث لا يتضح ما قبله وما بعده؛ أو من خلال ترتيب المقاطع والمونتاج لمقابلة أو خطاب، يُعرض مضمونها مختلفاً تماماً عما كان عليه؛ أو أن يُقدم الواقع أو الخبر المنتمي إلى زمان أو مكان آخر في إطار ينتمي إلى هذا الزمان وهذا المكان؛ أو أن تُحذف من الجملة كلمة واحدة فقط من إطار الخبر، أو يُبدل مكانها فيه؛ أو أن يُحكى جزء من الواقعة ويُترك باقيها، أو تُخفى ملابسات وقوعها أو حوادثها اللاحقة؛ أو حتى أن تُحكى هذه أيضاً ولكن مع تحريفها؛ في ظروف كهذه، يصبح اختلاق الأكاذيب والإشاعات، وتزييف الحقيقة وتلفيقها، والدعاية والتلاعب بالرأي العام، أسهل ما يمكن.
لهذا السبب، يُطلق على العصر الحالي عصر "ما بعد الحقيقة". زمنٌ تكون فيه مساهمة الحقائق الموضوعية في تشكيل الرأي العام أقل من مساهمة المشاعر والانفعالات والتجارب الشخصية والذاتية للأفراد. تنبع المعتقدات في عصر ما بعد الحقيقة من فقاعة معلوماتية تنسجها وتصنعها شبكات التواصل الاجتماعي. وقد اختارت مطبعة جامعة أكسفورد، نظراً لأهمية هذا المفهوم ووظيفته في أيامنا هذه، كلمة "Post-truth" لتكون كلمة العام 2016.
القسم الثالث: أخلاقيات الاعتقاد ومسؤوليتنا
في هذه الأيام، كثير من الإيرانيين، بقدر ما هم عديمو الثقة بالمصادر الإخبارية الرسمية ووكالات الأنباء الداخلية (وهو أمر له أسبابه التي تستحق التأمل)، إلا أنهم في المقابل يثقون ثقة كاملة بالمصادر الإخبارية غير الرسمية أو الرسمية خارج البلاد. البعض يظن أن تلغرام وإنستغرام هما وكالتا أنباء، وعندما تسأل: ما مصدر هذا الخبر؟ تسمع الجواب: "رأيته في تلغرام/إنستغرام". في حين أن جزءاً من محتوى شبكات التواصل الاجتماعي ينتجه إما مستخدمون عاديون وأفراد وصفحات مجهولة لا تملك أي أهلية لنشر الأخبار والمواد، وإما قنوات وصفحات تسعى لتحقيق أهداف سياسية أو تجارية محددة. في الواقع، ليس هناك وعي بأن العديد من الصفحات في الفضاء الافتراضي، لجذب الجمهور وزيادة الدخل أو لدفع أجنداتها الخاصة، تقوم – بمعرفتها لذائقة المجتمع – بنشر كم هائل من المواد التي ترضي الجمهور دون أي التزام بالحقيقة.
في مثل هذه الحالة وفي ظل فراغ وسائل الإعلام الموثوقة داخل البلاد، يجد "آمد نيوز" في الفضاء الافتراضي و"من وتو" بين القنوات التلفزيونية جمهوراً بالملايين ويصبحان مصدراً للعديد من معتقدات الأفراد وتحليلاتهم اليومية؛ الأول، وسيلة إعلامية مليئة بالمحتوى الأصفر والكذب وحتى المتناقض، حيث تُقبل أخباره وادعاءاته الغريبة التي لا مصدر موثوقاً لها ولا تدقيق في صحتها، وينشرها المستخدمون بسهولة، والثاني، وسيلة إعلامية ذات سردية انتقائية ومنحازة للتاريخ، كانت في البداية تخفي مشروعها السياسي وراء بهرجة برامجها الترفيهية، وقد أزاحت القناع عن وجهها منذ مدة؛ وسائل إعلامية ذات مصادر مالية غير معلومة تشكل الرأي العام للمجتمع بهدف محدد.
إن نشر بعض الأمور المخالفة للواقع في وسائل الإعلام الرسمية للبلاد، وفرض عمليات التصفية في الفضاء الافتراضي والقيود على الساحة الإعلامية، كانت من عوامل زيادة معامل نفوذ وسائل الإعلام البديلة الأخرى في البلاد، وإلا ففي فضاء مفتوح وبوجود وسائل إعلام مهنية وحرة داخل البلاد وتعليم عام واسع النطاق، لما كان مجرد نشر المطالب في تلغرام وإنستغرام، دون مصدر محدد وموثوق، دليلاً على صحتها أولاً، ولما كان انعدام الثقة بالمصادر الإخبارية الرسمية في الداخل سيفضي إلى ثقة عمياء بالمصادر الإخبارية غير الرسمية أو الرسمية خارج البلاد ثانياً.
قبل حوالي 140 عاماً، أسس المفكر والرياضياتي الإنجليزي البارز "وليم كليفورد" مفهوماً تحت عنوان: "أخلاقيات الاعتقاد"، ليبين ما هو الشرط الأخلاقي المسبق اللازم للاعتقاد بفكرة ما. من وجهة نظره، إن قبول اعتقاد ما يكون مبرراً أخلاقياً عندما نملك أدلة كافية تؤيده. في الواقع، بما أننا كأعضاء في المجتمع متصلون ببعضنا البعض، ومعتقدات كل واحد منا ستؤثر على حياة الآخرين، فنحن ملزمون أخلاقياً بألا نقبل بسهولة خبراً أو اعتقاداً دون أدلة وبراهين كافية. ذلك أن المعلومات غير المطابقة للواقع تؤدي إلى تحليل خاطئ، والتحليل الخاطئ يؤدي إلى قرار خاطئ، وضرر القرارات الفردية الخاطئة سيطال المجتمع بأسره في نهاية المطاف.
أعتقد أن إحدى أكثر مهامنا إلحاحًا في هذا العصر هي «المقاومة الفردية والجمعية» في مواجهة هذا الوضع. ولكن في ظروف نواجه فيها الانحياز التأكيدي في النفس وعصر ما بعد الحقيقة في العالم، كيف يمكننا تمييز الغث من السمين، وألا نقع في فخ التفكير التمني، وألا نصبح ألعوبة في يد وسائل الإعلام؟ لا أقول إن علينا أن نرتاب في كل شيء وألا نصدق شيئًا؛ أو أن نبقى غافلين عن كل ما يجري حمايةً لأنفسنا من ضرر الأخبار الكاذبة، أو أن نصبح شرطةً لعقائد الآخرين ونتهمهم باستمرار بأنهم لا يراعون أخلاقيات الاعتقاد. لكن يمكننا، في المجال الجمعي، أن نكون مطالبين ومدافعين عن وسائل إعلام حرة ومستقلة، وفي الحيز الفردي، أن نكون حراسًا لحدود عقولنا وألا نسمح لكل كذب وهراء بأن يسكن هذا البيت؛ فالوعي المستمر والمتجدد، وتعلم أساليب الاستدلال ومبادئ المنطق، وانفتاح قنوات التواصل، هي أدوات مقاومتنا في وجه الهجوم والقصف المعلوماتي لوسائل إعلام عالم الخداع والغش. في مواجهة ما نراه يوميًا في الفضاء الافتراضي، علينا قبل أن نصدقه ثم قبل أن ننشره، أن نزنه أولاً ونفكر: هل ثمة مصدر موثوق، أو استدلال، أو قدر من المعقولية والتبرير خلف هذا المضمون أم لا؟ ولنكن واعين بألا نتقبل مضمونًا ببساطة وإهمال لمجرد أنه يروق لنا أو يؤكد افتراضاتنا المسبقة وذهنياتنا. في الواقع، لنختبر الخبر والمضمون بتفكير نقدي؛ لنطلب المصدر والسند ونمتحن مصداقية ذلك المصدر، أو نطلب الدليل ونقيس عيار ذلك الاستدلال. لتكن لدينا الشجاعة على تحدي الأمور المختلفة ومواجهتها نقديًا، والجرأة على طرح الأسئلة والشك في معتقداتنا السابقة، وفتح أطر جديدة لاكتشاف العالم وفهمه على نحو مختلف. وأخيرًا، مع الحفاظ على توازن العقل في مواجهة المشاعر والانفعالات اللحظية، ألا نتقبل بسهولة كل كذبة مستساغة تُعرض علينا في قالب براق وجذاب، متكئة على أمانينا وتفكيرنا التمني، وألا نصبح ضحايا «جهلنا» وألعوبة في يد «تزوير» الآخرين.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
مطلب خیلی مفیدی بود و از خواندنش هم لذت بردم و هم استفاده کردم