اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مقصود فراستخواه أن البحث في الخُلُقيات الإيرانية يفتقر إلى أساس علمي يقوم على الجوهرانية، ويعتبر السلوكيات ناتجة عن الظروف الاجتماعية والبنى غير الفاعلة. ويقدم تحسين المؤسسات ورأس المال الاجتماعي بوصفه الحل لتغيير السلوكيات.

لعلّ الكثير منا، في مواقف اجتماعية مختلفة، وجّه سهام مشكلاته نحو كوننا إيرانيين. تُرى، منذ متى صرنا نحن الإيرانيين "إيرانيين"، ومنذ أي زمن صرنا نعزو أسباب سلوكياتنا الاجتماعية الخاطئة إلى إيرانيتنا؟ هل ثمة ضعف في خُلُقياتنا نحن الإيرانيين؟ ردًا على هذه الأسئلة، أجاب 96 بالمئة من عينة إحصائية مكونة من أعضاء هيئة تدريس ونخبة من خيرة أبناء البلد بالإيجاب. لقد حصروا المشكلة في ضعف ثقافة العمل الجماعي، وقبول النقد، والمجاملة، وانعدام الشفافية، والتمركز حول الذات، وتغليب العواطف على العقلانية، وشيوع الكذب، والسلوكيات غير القابلة للتوقع. واعتبروا أن العوامل المعرفية، وتآكل رأس المال الاجتماعي، وبنية الدولة، وعلاقات الدين بالدولة، ونمط التعاليم الدينية، وكون التاريخ حافلًا بالأحداث، وعلاقات الإنتاج والبنية الاقتصادية، وصراع النخب، كلها عوامل مؤثرة في الخُلُقيات الإيرانية. ولحل هذه المشكلة اقترحوا التعليم المستمر، وبرامج التنمية الثقافية والاجتماعية، وسنّ قوانين جيدة، وتقوية التجمعات المحلية والمؤسسات العامة، وإيجاد الرفاه والقضاء على الفقر، والتنمية السياسية وإصلاح مؤسسة الدولة.
لقد قام "مقصود فراستخواه"، أستاذ علم الاجتماع ومدير قسم التخطيط وتطوير التعليم العالي، في كتابه "نحن الإيرانيون" الذي صدرت طبعته الحادية والعشرون مؤخرًا، بدراسة وتحليل نقاط ضعف هذه الخُلُقيات الإيرانية وسبل معالجتها بنظرة علمية. ومن أجل بحث هذه الخُلُقيات وتقصي جذور عللها وعوامل تشكلها، أجرينا حوارًا مع عالم الاجتماع والباحث البارز والنشيط في بلدنا، وفيما يلي نصه؛
*بحث الخُلُقيات الإيرانية، منذ متى وعلى يد من طُرح لأول مرة في المجتمع؟
لقد أوضحت في الفصل الأول من هذا الكتاب عشرة مداخل، فالإيرانيون وغير الإيرانيين والمستشرقون أو أولئك الذين جالوا في إيران لأسباب مختلفة، قد انعكست هذه المسائل بطبيعة الحال في أدب رحلاتهم، ولكن على نحو خاص، منذ عقد الأربعينيات، بدأ جمال زاده هذا النقاش في كتابه "خُلُقياتنا نحن الإيرانيين"، ثم كتب بعده آخرون، منهم المهندس بازركان، كتابًا آخر في هذا الشأن. أعتقد أن سبب اهتمام الناس بهذه المسألة هو أنهم يرونها مسألة جدية، وعندما يفحصون مشكلاتهم يصلون إلى شيء في أعماقهم. وبالطبع، فقد ناقشت في هذا الكتاب موضوع أنه لا يمكن تصور شيء اسمه خُلُقيات إيرانية ذاتية. هناك وجهتا نظر في هذا الخصوص؛ الأولى وجهة النظر المتمحورة حول الخُلُقيات التي تتصور أن الخُلُقيات لا تتغير وتنظر إليها نظرة ذاتوية، ووجهة النظر الأخرى هي النظريات الموقفية. تؤمن هذه المجموعة بأن السلوكيات تتشكل في المواقف. وقد حاولت في كتاب "نحن الإيرانيون"، في الغالب، أن أوضح أن تاريخنا وظروفنا الاجتماعية كانت على نحو جعل بعض السلوكيات أكثر شيوعًا؛ أي كان هناك نوع من التعلم الاجتماعي، وحاول الناس، بسبب عدم الاستقرار، أن ينقذوا أنفسهم. الناس ليسوا متمركزين حول الذات، بل إن الظروف الاجتماعية السائدة هي التي أوجدت الأرضية لنشوء بعض السلوكيات. إذا تغيرت الظروف الاجتماعية وتطورت عوامل أخرى كالتعليم والتربية والمواقف الاجتماعية، فستتوفر للناس بطبيعة الحال مواقف تتغير معها سلوكياتهم أيضًا.
* هل تؤمن بوجهة النظر الذاتوية في هذا الخصوص أم الموقفية؟
لقد أوضحت بشكل محدد في كتاب "نحن الإيرانيون" أنني لا أحمل وجهة نظر ذاتوية، لكن ثمة وجهة نظر ذاتوية في هذا الشأن على أي حال. حتى أنه أجريت مؤخرًا استطلاعات في هذا الخصوص نرى فيها مسائل أيضًا. لنفترض أن هناك استطلاعات في هذا المجال من أمثال "هوفستيد" على المستوى الدولي، وآخرين مثل "بلو" الذي يُعد استطلاعًا دوليًا مهمًا، وأحد مؤشراته هو تجنب عدم اليقين. نقاشهم يدور حول كم من الناس في كل مجتمع يتجنبون عدم اليقين، أي لا يريدون المخاطرة. يبين هذا المؤشر أنه كلما ارتفع مؤشر اليقين، فهذا يعني أن الناس لا يريدون المخاطرة ويسعون وراء الاستقرار، لأنهم شهدوا عدم الاستقرار ولا يريدون المجازفة.
من المؤشرات الأخرى التوجه طويل المدى، أي إلى أي مدى يخطط الناس على المدى الطويل. هذا المؤشر منخفض أيضًا في إيران ويُظهر أن الناس يفكرون أكثر في يومهم وغدهم ويفكرون بشكل معيشي أكثر، والسبب في ذلك هو الظروف غير المستقرة وسوء الإدارة والبنى غير الفعالة. كلما كانت البنى فعالة، أمكن تفويض الأمور إلى الأنظمة الاجتماعية والتفكير على المدى الطويل. ولكن إذا كانت البنى غير موثوقة وتآكل رأس المال الاجتماعي، فلا يمكن الوثوق بالمؤسسات.
جزء مهم من رأس المال الاجتماعي هو الثقة بالمؤسسات، فعندما لا تثق بالمؤسسات تضطر إلى حل مشاكلك بشكل يومي. هذا يدل على أن الأفراد ليس لديهم مشكلة بطبيعتهم، فعندما يتحسن ميدان اللعب، يمكن للاعب أن يلعب بشكل أفضل. أفضل اللاعبين في الملاعب الوعرة وغير المناسبة لا يمكنهم بالطبع أن يقدموا لعبة جيدة. في كتاب «نحن الإيرانيين» حاولت تحليل هذه الموضوعات أكثر، وكيف أن وضع مؤسساتنا يتسبب في أن سلسلة من السلوكيات من هذا القبيل، مثل العمل الجماعي في إيران، لا تكون ناجحة جدًا، حتى العمل التشاركي، بل ولدى الإيرانيين أمثال في هذا الشأن.
هذه المسائل موجودة لأن رؤوس أموالنا الاجتماعية ضعيفة، وهناك تشتت إقليمي، وقد أوليت اهتمامًا كبيرًا بالمؤسسات في هذا الصدد. أي أنني رأيت علاقة بين البنية والسلوك. إذا تحسنت البنية يتحسن السلوك أيضًا. على سبيل المثال، استخدام أكشاك البنوك، منذ أن وُضع جهاز إصدار الأرقام للناس، تغير سلوك الناس في البنك. وكذلك كاميرات المراقبة الموجودة في الشوارع ألغت بشكل عام العديد من السلوكيات كالمخالفات والرشوة وما إلى ذلك. حاولت في هذا الكتاب أن أتناول من منظور سوسيولوجي مسألة أننا إذا طورنا مؤسساتنا وأنظمتنا، فإن الكثير من سلوكيات الناس تتحسن بشكل عام وترتقي، وهذا الارتقاء في السلوكيات يخلق تحسنًا أكبر، وهذه حلقة تؤثر بشكل متبادل على بعضها البعض، وأعتقد أن التنمية في العالم حدثت لهذا السبب.
*هل كان للمستشرقين دور في نشوء هذا النقاش بين الإيرانيين؟
نعم، هناك خطاب استشراقي في هذا الشأن، هذا الخطاب يعتبر الشرق موضوعًا (موضوع دراسة) والغرب ذاتًا عارفة. الغرب هو الذات التي تفحص الشرق وتتصوره كماضيه التاريخي هو، ويقول إن الشرقيين كجماعة هم كذا وكذا. هناك افتراضات غير مختبرة في الاستشراق، وعادة ما تمت مقاربة البلدان والأمم غير الغربية وسكان المناطق الأخرى الأصليين بنوع من الافتراضات الخاصة.
دخلت هذه الافتراضات كتب علم الشعوب وأثرت في كتب الأنثروبولوجيا. يعود هذا الموضوع إلى عقود مضت، وهناك من عمل عليه مثل «إدوارد سعيد». في هذا الكتاب أيضًا تم توضيح أن نظرية التخلف ليست نظرية فعالة لتفسير أمم العالم، لأنها تبني افتراضها على تخلف الأمم غير الأوروبية، في حين أن مثل هذا الافتراض ليس صحيحًا، والسبب هو الاكتفاء في هذا الشأن بالشواهد الميدانية وليس بالافتراضات المطروحة في نقاش التخلف.
*إلى أي مدى ترى دور الجغرافيا مؤثرًا في هذا السياق؟
يمكن للجغرافيا أن تكون متغيرًا، لكنها ليست متغيرًا ثابتًا ومطلقًا. على سبيل المثال، تمت دراسة أن قامة البشر تتغير بناءً على التغذية. الإدارة الجيدة، الظروف الاجتماعية الجيدة، أو الفقر، أو الاستقرار، أو العلاقات الاجتماعية، أو التحضر يمكن أن تؤثر في سلوك الناس، وكذلك الناس الذين هاجروا من آسيا إلى الدول الأوروبية وعاشوا في أمريكا الشمالية كانوا أشخاصًا ناجحين في أوساطهم العلمية والاقتصادية. لا ينبغي لهذا الافتراض الاستشراقي أن يلقي بظلاله لدرجة أن ننسى تغير الأمم وتنوعاتها. في رأيي أن هناك شيئًا من المبالغة في هذا المجال، وعلى أي حال فقد انتقدت نظرية التخلف أيضًا في كتاب «نحن الإيرانيين».
*يبدو أن الالتفات إلى قضية الخلاق الإيرانية يتم للتعويض عن التخلف وبلوغ التنمية، إلى أي مدى تتفق مع نظرية التخلف في هذا الشأن وطرح سؤال «لماذا تخلفنا؟»
إذا افترضنا أننا متخلفون وسألنا عن سبب تخلفنا، فهذا يعني تبني نظرية التخلف مسبقًا. أنا كباحث لا أقبل هذا، ولكن أن نمحو صورة المسألة ونقول إنه لا توجد لدينا مشكلة وإننا بخير، فهذه في رأيي ردود فعل قومية وعنصرية على الموضوع. مقولة «الفن عند الفرس وحدهم» ليست صحيحة، لكن ينبغي ألا نمحو صورة مسائلنا، بل أن ندرس مسائلنا ونحللها ونقدم تقريرًا بأننا أمة ذات خلفية تاريخية طويلة، وأن ثمة قيمًا حضارية أصيلة جدًا في إيران.
أعتقد أنه ربما قلما توجد أمة في أساطيرها أسطورة اسمها «تشيستا»، وتشيستا تعني «التساؤل» وهو جزء من أساطيرنا. ونتيجة لذلك، أتصور أنه ينبغي أن نقوم بنظرة علمية وبشواهد تجريبية بأعمال ميدانية، وأن ندرس بشكل طولي بيانات كبيرة في أزمنة مختلفة. على سبيل المثال، يمكن دراسة تغييرات مثل الثورة الهادئة للنساء. لقد ارتقت النساء حقًا في هذه السنوات وتغيرن. ينبغي أن نرى ما سبب ذلك؛ هل هو بفعل التعليم، أم التواصل مع العالم، أم... لقد دخلت النساء بطبيعة الحال في المشاركة الاجتماعية، رغم أن نسبة مشاركتهن الاقتصادية لا تزال منخفضة ومتدنية، والسبب في ذلك هو وجود بنى غير مناسبة.
بشكل عام، أعتقد أن عالم العيش الإيراني ديناميكي وميال إلى التقدم، ولا يزال جاريًا في هذه الأرض، والناس لا يريدون الانصراف عن العيش، لكن للأسف أنظمتنا ليست ذكية. أنظمتنا ليست مناسبة للتقدم ولا مواتية للازدهار، ولهذا تسود الآن في مجتمعنا قيم البقاء. هذا يعني أن الجميع يريدون الحفاظ على أنفسهم والبقاء واقفين. قيم البقاء تقف في مقابل قيم تحقيق الذات. للأسف، صارت الظروف بحيث صار الناس يفكرون في الحفاظ على أنفسهم أكثر مما يفكرون في إظهار ذواتهم وازدهارها. ونتيجة لذلك، يبدو أنه ينبغي أن نؤسس المبنى على تحسين المؤسسات وتطوير مؤسسات الحوكمة والتوزيع العادل للحظوظ الاجتماعية والجدارة. في هذه الحال، تصور كم يمكن للناس أن يتغيروا.
لقد لوحظ في إحدى المنظمات أنه بتغيير أسلوب الإدارة في المنظمة، تغيرت سلوكيات نفس الناس. ونتيجة لذلك، يمكن للناس أن يكتسبوا شخصية جديدة ويزدهروا بهذه الشخصية، وما يتطلبه ذلك هو توفير الظروف الاجتماعية والمؤسسية والإدارية المناسبة لهم. إجمالاً، توصلت في هذا الكتاب إلى أن التنمية المؤسسية لها معنيان؛ أحدهما التعلم الاجتماعي، أي أن الناس يمكنهم أن يتعلموا كيف يعملون بشكل أفضل. خذ هذا التعلم من التعليم والتربية إلى التعليم غير الرسمي والجامعات و... فكلها يمكنها أن تكون مؤثرة في تحسين الناس وتغييراتهم. والآخر هو الفعل الاجتماعي وتطوير المؤسسات. ولهذا السبب، أرى أن تغير الشخصية الإيرانية يأتي من خلال الأنشطة المدنية والتطوعية. فكلما أتيحت فرص هذه المشاركات والمشاركات المحلية والاجتماعية وإدارة الحي وإدارة المدينة للناس، في ميدان الفعل الاجتماعي، تتطور شخصية الناس. إذا أوكلت الأعمال إلى الناس وأتيحت لهم فرص المبادرات الاجتماعية، التي يتطلب ذلك قبول التنوع والتعدد والنظرة الخلاقة إلى الموضوعات المختلفة، فسوف تتحسن الأوضاع. أنماط الحياة في إيران متنوعة، وما لم نقبل هذا، فلن يشارك الناس. يشعر الناس أنه يطلب منهم حد أدنى من المشاركة، فإذا ما شعروا بالمشاركة الكاملة وتفويض الاختيار حتى إلى المستويات الاجتماعية الدنيا، حينها سيشاركون هم أنفسهم بنشاط. الناس لا يتعلمون ركوب الدراجة ما لم يضغطوا على الدواسات، لكن للأسف لم نستطع أن نوفر هذه الفرصة كثيرًا للناس.

*ما هو دور النخب ورجال الدولة في هذا الشأن، ألا ينبغي عليهم قيادة هذه السلوكيات؟
في الواقع، أعتقد أن مشكلة الناس تكمن في نخبنا ومديرينا أكثر من أي شيء آخر. ثمة دورات معيبة في هذا الشأن. عندما تراجع النخب وتسألهم لماذا لا تدخلون الساحة ولا تشركون الناس في المشاركة، يجيبون بأن هناك قيوداً سياسية علينا، ولا تُمنح لنا الثقة أو لا نحظى بالدعم الكافي، أو أن هناك قوانين مناهضة للدعم في هذا الخصوص. لدينا مؤسسات وقوانين مناهضة للمشاركة، ولدينا جملة من المعتقدات التي تأتي على نحو يعيق المشاركة. كما يشتكي بعض النخب من البنى ذات المستويات العليا التي تتسم بالمركزية، وأن السياسات الحكومية هي الأهم بالنسبة لها، ونتيجة لذلك فهم يشتكون أكثر من المشاركات التي أدت إلى العقاب.
لو تمكنتم من الوصول إلى الصندوق الأسود لعقل جزء من النخب، لعرفتم أنهم توصلوا إلى نتيجة مفادها أن الذين شاركوا دفعوا أثماناً باهظة، بل وتعرضوا أحياناً للعقاب والقمع، أو فُرضت عليهم شتى أنواع القيود الاجتماعية، ونتيجة لذلك يصابون هم أيضاً بالإحباط. في رأيي، إذا تطورت بنانا السياسية وتوفرت هياكل التنمية الاقتصادية، فستنشأ إمكانية تتعزز من خلال إصلاح القوانين وتقوية القطاعات غير الحكومية والقطاعات المدنية والمهنية. وكذلك إذا تعززت المهن وتحددت معاييرها، فإن قسماً من الخلقيات الإيرانية سيتم إصلاحه من خلال العمل والمشاركة المهنية، أي عبر توفير منصات النمو. وقد أظهرت التجربة في كل أنحاء العالم أن الناس اكتسبوا شخصيات جديدة من خلال التنمية، وحين تطوروا تغيرت شخصياتهم أيضاً.
الفقر وانعدام المشاركة وسائر القيود تحول دون تفتح المواهب المتعالية للإنسان. ونتيجة لذلك، أوافق على أن النخب في المجتمع مسؤولة؛ فنخب الحكم والنخب المثقفة والنخب الاجتماعية جميعها تتحمل المسؤولية في هذا الشأن. وقد انتقدت في كتابي «نحن الإيرانيون» القدرية أكثر من غيرها. أنا أؤمن بالتغيير والتحول. حتى الأوروبيون لم تكن لديهم هذه السلوكيات منذ البداية، بل تغيروا في فترات مختلفة من التاريخ. إجمالاً، فإن النقاشات المتعلقة بالخلقيات الإيرانية هي نقاشات خفيفة وتفتقر إلى الأساس العلمي والشواهد الواقعية.
*هل يمكننا تعميم أي سلوك خاطئ في المجتمع على كوننا إيرانيين؟
أولاً، لا يمكننا التعميم، فالشخصية الوطنية تتحقق عندما يُشاهد سلوك ما لدى الأفراد من سن 15 عاماً فما فوق بشكل دائم في فترات مختلفة. بينما نحن نرى شيئاً في المجتمع ونعممه على المجتمع بأسره دون تحليل أو تدقيق. وعادة ما يكون لدينا تصور خيالي عن الأوروبيين في هذا الخصوص. لقد جربت بنفسي أنه إذا انقطع التيار الكهربائي للحظة في إحدى محطات المترو في ذلك المجتمع الغربي نفسه، فإن سلوك الناس أنفسهم يتغير تماماً. أي أن سلوك الناس أنفسهم يتغير بتغير الموقف، ونتيجة لذلك أعتقد أن الدعاوى والادعاءات التي تُقال عن الشعب الإيراني غير مختبرة. كما ينبغي فحص مشاعرنا وردود أفعالنا المباشرة بدقة، وعلينا أن نؤمن بالتغيير في هذا الشأن، وأن كثيراً من سلوكيات الناس قابلة للتغيير.
*كيف يمكن إحداث تغيير في هذه الخلقيات؟
السنتان الأوليان من حياة البشر مهمتان جداً. إذا عقلنت المؤسسات التربوية في إيران، فإن تعليمنا وتربيتنا يمكن أن يلعبا دوراً كبيراً في هذا الشأن. تعليمنا وتربيتنا لا يرتكزان على المدرسة، ولا تستطيع المدارس أن تبدع. في المدرسة، لا يجد التلاميذ فرصة للمشاركة. في تركيا يدخر الأطفال في المدرسة، وفي اليابان يرتب الأطفال صفهم ثم يذهبون إلى البيت، والمدرسة أصلاً هي مؤسسة تربيتهم وفيها يتربون. هل تحقق حتى الآن أن تُعطى العلامة للمجموعة في مدارسنا؟ نحن نعطي العلامة للفرد دائماً. أي أننا نعلمهم العلاقات الفردية منذ بداية المدرسة، ونعلمهم نوعاً من التمحور حول الذات. إعطاء العلامة الجماعية وإتاحة مشاركة الأطفال في المدرسة وعدم التمييز اللغوي بين القوميات المختلفة أمور بالغة الأهمية في هذا الخصوص.
ونتيجة لذلك، يمكن من خلال تعزيز مهنة المعلم والنظر إلى المعلم ليس كوظيفة، بل كمهنة، تغيير أساليب التعليم بالإبداع واستبدالها بأساليب الحوار والنقاش. وبهذه الطريقة، يتحول هؤلاء الأطفال أنفسهم إلى مواطنين مشاركين ونقاد وذوي تفكير نقدي وحواريين. إن مجرد أن يتعلم التلميذ الحوار ويتعلم أنه عندما يتحدث شخص ما أن يصغي إليه أولاً وألا يفرض شيئاً من افتراضاته المسبقة وأن يقبل بالتحاور بصبر في هذا الشأن، هو أمر بالغ الأهمية، وكل هذه الأمور يمكن تعليمها للأطفال.
يجب تهيئة الظروف في الأحياء بحيث يجتمع الجيران ويديرون الحي بأنفسهم ليكونوا مصدر أثر في حيّهم وينقلوا مشكلاتهم عبر ممثليهم إلى المجالس. أي إذا استطعنا توفير إمكانيات المشاركة ونقد وبحث المسائل بشكل جماعي، فإن الناس يمكنهم أن يتطوروا كثيراً في أثناء الممارسة الاجتماعية. وكما كان هذا المشروع ناجحاً جداً في بلدان أخرى. يمكن للحي أن يكون مجالاً جيداً جداً للمشاركة في المدينة، ومن ثم المشاركة على المستوى الوطني للمواطنين. للأمل الاجتماعي دور مهم في هذا الخصوص. إن جزءاً كبيراً من التحول في الشخصية الاجتماعية مرهون بأن يكون الناس متفائلين، يجب أن يشعر الناس بأنهم قادرون على متابعة أهدافهم، وهذا هو تعريف الأمل في الأساس. عندما نتمكن من متابعة أهداف صغيرة في المجتمعات، والبيت، والمدرسة، والحي، وفي منظمات العمل بشكل نقابي وتخصصي، الأمر الذي يستلزم إحداث تغييرات في مؤسساتنا، أي يجب التفكير كثيراً في التنمية السياسية والاجتماعية في هذا الخصوص، وإذا ما توفرت هذه الأمور، تصبح التنمية الثقافية ممكنة في سياقها.
*ألم يؤثر دخول تيار الحداثة إلى إيران وعملية التحديث في تشكيل هذه الخُلُقيات الإيرانية وتوجيهها؟
يجب أن يكون التحديث والحداثة تجربة حياتية اجتماعية داخلية المنشأ. بدأ التحديث في العهدين البهلويين الأول والثاني، ومنذ 200 عام والأمة الإيرانية تسعى إلى التغيير، ويمكن القول إن الأمة الإيرانية بدأت نهضة منذ 200 عام. وكما تعلمون، فمنذ عهد عباس ميرزا، أي منذ عام 1200، نشأت هذه النهضة بإنشاء دور الفنون ودور المعلمين والصحافة وغيرها، وكل هذه الأمور جزء من تلك الحداثة الإيرانية، لكن للأسف، قبل الثورة، حاولت حكومة بهلوي في الغالب اختزال هذه الحداثة إلى تحديث هو مشروع حكومي يريد من الأعلى تغيير المجتمع وتحديثه بشكل إداري، وبالطبع يمكن للحكومة أن تساعد في هذا الأمر من خلال منظمات إدارية حديثة جداً ودعم التحديث، لكن إذا لم يسِر استبطان الحداثة والتحديث والفكر الجديد بشكل داخلي المنشأ وأردنا دفع المجتمع من الأعلى، فهذا ما يؤدي إلى اختلال هذا البرنامج، لأننا ننزع عنه صفة الداخلية المنشأ. بالطبع يمكن للحكومة أن تتدخل في هذا الأمر، لكن يجب أن تدعمه بمشاركة الناس وبشكل داخلي المنشأ، لا أن تفرضه فقط من الأعلى.
للأسف، بعد الثورة، طالت المساءلة الحداثة برمتها، ومن الأعلى أيضاً أردنا هذه المرة أسلمة المجتمع، أي بدلاً من التحديث اتجهنا هذه المرة نحو الأسلمة. على أية حال، لم تتحقق الحداثة الإيرانية وتضررت لأن التحديث الحكومي لا يمكن أن يكون مستداماً جداً، كما أن الأسلمة الحكومية لا يمكن أن تكون مستدامة أيضاً. أعتقد أن جزءاً من التغيرات السلوكية للناس يمكن تحسينه عبر التحديث، فالناس يتعلمون من هذا الطريق المشاركة والتواصل مع العالم، والتفكير بعقلانية، وامتلاك التفكير النقدي. الحداثة هي بلوغ هذه الأمور التي يمكن أن تؤثر أيضاً في الخُلُقيات الاجتماعية، لكن لا يمكن اعتبار هذا أيضاً أمراً كلياً. أعتقد أن هناك نوعاً من الحداثة في إيران، رغم أن الحداثة الإيرانية معوجة ومتخشبة، أي سطحية ومائعة، ولا تزال سلوكيات غير حديثة كثيرة موجودة بين الناس. هذا الموضوع يمكن أن يتحقق في عملية طويلة ولا يمكن بلوغه دفعة واحدة. أعتقد أنه يجب التفكير أكثر في التغييرات البطيئة والمستمرة. لا يمكن لأمة أن تتغير فجأة، ويجب النظر إلى مشروع طويل الأمد لإيران، ولا يمكن تغيير كل هذه المسائل بين ليلة وضحاها، ويمكن تغيير روحيات وخُلُقيات الناس تدريجياً.
عندما يشارك الناس في شؤونهم، تتغير أفعالهم وأنماط سلوكهم أيضًا. حل مشكلة إيران هو أسلوب طويل الأمد ويمضي قدمًا عبر منهج الإصلاحات. يجب إصلاح الأسس والبنى وجعلها شفافة. ينبغي أن يكون الناس على اطلاع بكل شيء، والعدالة الاجتماعية في هذا السياق مسألة بالغة الأهمية. أي أن يتمتع الناس بفرص الحياة بشكل متساوٍ. وما لم تتوفر هذه الإمكانية، فسيظل الاغتراب الاجتماعي قائمًا. الآن، إذا ما فحصتم الكثير من الخصال السلوكية، تجدون أن جزءًا منها نشأ بسبب التفاوتات الاجتماعية التي أدت إلى فقدان الناس الثقة في النظام وفي بعضهم البعض. المشاركة بالنسبة للناس في هذا النوع من البنى هي نوع من الخداع، لأنهم يشعرون بعدم المساواة. ثمة نقاش في علم الاجتماع يقول إن التفاوت سيئ، لكن الشعور بالتفاوت أسوأ من التفاوت نفسه؛ أي حتى لو لم يكن التفاوت موجودًا، لكن الناس شعروا بأنهم غير متساوين، فإن ذلك يؤثر بعمق في سلوكهم. ينبغي العمل على إزالة هذا الشعور بعدم المساواة، والشعور بالفساد، والشعور بالحرمان النسبي لدى الناس، وهذا الأمر لا يزول بالموعظة، بل يجب إزالة بواعث الفساد المنهجي. ما دام الفساد موجودًا، فلن تستقيم الخصال الإيرانية، والفساد هو أيضًا ذو طابع منهجي، أي أن هناك ظروفًا تخلق الفساد. لا يمكن القضاء على الفساد بالتعاميم وبالإمساك بهم وعقد الصفقات، بل يجب التعامل معه بشكل منهجي. يجب استئصال جذور القوانين التي تولد الفساد في المجتمع والظروف التي تشكل منشأ الفساد؛ مثل انعدام الشفافية، والريوع وما إلى ذلك. إن توفير الامتيازات والفرص في المجتمع لأفراد معينين يؤدي إلى إضعاف المؤسسات العامة في المجتمع.
إذا طُرحت المسائل الصغيرة للنقاش والنقد عبر وسائل الإعلام، وأُثيرت وقُيّمت في الشبكات الاجتماعية وغيرها، فبطبيعة الحال لن تتشكل الفسادات الكبيرة، بل ستُرى وتُنقد في تلك المسائل الأولية. إذا شعر الأطفال في البيت بأنه لا يُلتفت إليهم، فإنهم يصابون بالعنف، في حين أن العنف ليس طبيعة ذاتية فينا. عندما لا يكون هناك رأفة في المجتمع، يكون هناك عنف وكراهية، وسبب ذلك هو تلك المفاسد والتفاوتات. إنه نفس انعدام إمكانية المشاركة والتواصل الرحيم الذي يتوفر للناس من خلال إمكانية المشاركة، ونتيجة لذلك ما زلت أعتقد أنه ينبغي أن نفكر في إصلاح البنى والمؤسسات، وهذا لا يحدث دفعة واحدة، بل يتوفر ويتجمع تدريجيًا عبر إمكانيات المشاركة الصغيرة، ويأتي بنتائج مثمرة للمجتمع.
*إلى أي مدى يمكن للتعليم أن يؤدي دورًا في تشكيل الخصال الإيرانية، وهل لديكم أبحاث في هذا الشأن؟
أعمل حالياً على دراسات أقوم فيها بإجراء استبيانات على المستوى الوطني في هذا الشأن، وسيتم نشر نتائجها إن شاء الله. كما أعمل في مجال التغيرات الثقافية. أعتقد أن الشعب الإيراني في حالة تغير، وأن الأنظمة هي التي تخلفت عن المجتمع الإيراني، وهناك تزامن مفقود بين الناس والأنظمة. الأنظمة أيضاً نشأت من معتقداتنا وذهنياتنا، وهي متخلفة كثيراً عن التغيرات الاجتماعية في المجتمع التي تشكلت بفعل الاتصالات العالمية الواسعة. أدرس حالياً في هذا السياق ما هي التغيرات الموجودة في المجتمع والتي لا تواكبها الأنظمة. جزء من أعمالي أيضاً في مجال التعليم العالي والجامعة، وفي مجال التغيرات الموجودة في هذا الحقل، والتي للأسف، وبسبب تلك الأنظمة ذاتها، لا تستطيع المدرسة ولا الجامعة توفير تعليم نوعي مناسب لأربعة ملايين طالب في البلاد. من السمات المهمة للأمة الإيرانية القابلية للتعلم. آباؤنا وأمهاتنا على استعداد لإنفاق الكثير لتعليم أبنائهم، وهناك مثال مشهور يقول: يبيع السجادة من تحت قدميه ليدرس ابنه، وهذا يدل على أن الأسرة الإيرانية لديها رغبة في الاستثمار البشري. في المجتمع الإيراني، الاهتمام بالتحصيل العلمي عالٍ جداً، والناس عموماً قابلون للتعلم، لكن التعليم الذي تقدمه الجامعة لا يتمتع بالجودة اللازمة، أي أن الجامعة ليست معنية بمشكلات الحياة الواقعية، ولم تضع برامجها الجامعية بناءً على الاحتياجات الحقيقية للحياة. المدرسة كذلك، فلا توجد علاقة حقيقية بين المدرسة والحي، والمدرسة والبيت، وقضايا الناس. تُقال في الكتب أشياء لا يستطيع الأطفال أن يصبحوا مثلها في الحياة، وهناك فجوة بين المدرسة والحياة الواقعية. جزء من أبحاثي في هذا المجال؛ لأنني أعتبر التعليم معياراً كبيراً لتغيير الخلقيات الإيرانية، ومن فرضياتي التي توصلت إليها من دراساتي أنني على يقين كبير بالتعليم، التعليم، التعليم. أعتقد أننا إذا قدمنا تعليماً فعالاً وتعليماً مرتبطاً بالمعاناة الاجتماعية ومشكلات الناس، فإن الأمة الإيرانية ستتغير. لهذا فإن أحد أبحاثي المحورية في مجال الدراسات الجامعية، وتحليل التعليم والتربية، وقضايا التعليم والتربية، وأساليب التعليم والتدريس، وإدارة المدرسة وغيرها... وقد نشرت كتباً في هذا المجال.
*بالنظر إلى أنكم تم تكريمكم في المهرجان الدولي العاشر للفارابي، كفائز بجائزة «الدراسات البينية»، هلا شرحتم قليلاً كيف اتجهتم نحو البينية؟
من سمات عملي، كونه بينيّاً. لقد اتجه العالم الآن نحو تجاوز التخصصات إلى البينيات. في وقت ما، كانت هناك فترة التخصص في العلم، وكان لكل شخص تخصص يعمل من خلاله، لكن منذ عقدين أو ثلاثة، اتجه المجتمع والعالم نحو ما بين التخصصات وبينية العلم. وأنا من الأشخاص الذين أجروا تغييرات بينية منذ سنوات، ونتيجة لذلك اتجهت أعمالي نحو هذا المنحى.
.
.
علم الاجتماع
علم الاجتماع
علم الاجتماع
علم الاجتماع
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سلام. استفاده کردم. بسیار ممنونم از بازنشر این مصاحبهی ارزنده. اشارههای کلیدی به سرنخهای: - مشارکت عامه - شرکت در پروژههای کوچکِ مشارکت موثر بر آموزشِ نهادینه ( و نه الزاما شرکتِ گذرا در سیرکهای بزرگ انتخاباتی) - آموزش، آموزش، آموزش - خودگردانی محلهای - درونزا نبودن الگوهای شکوفاییِِ برگرفته از جهان غربی- شمالی، و لذا ضرورتِ درونزا کردن شکوفایی - فقدان اعتماد و اطمینان به عنوان شاخصهی اصلیِ ترمزکنندهی رشد - اشاره به خانواده و جامعهی بقا در برابر خانواده و جامعهی خودشکوفا (خود بیانگر) و .... بعضی از نکاتی اند که در نظرات جناب آقای فراستخواه پر رنگ و در عینِ حال مشکلگشا هستند. در سایتِ عدم خشونت، در دو نوشته به بسیاری از همین نکات مهم به شکل مفصل و نیز مختصر پرداخته شده است: نمایی از توسعهی انسانی: https://bit.ly/2WAX428 - کتاب سارودایا: https://bit.ly/2ECgfOR