اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
مُنح الفيلسوف داريوش شايغان وسام جوقة الشرف من رتبة ضابط كبير؛ فيلسوفٌ تنتمي أعماله انتماءً لا يتجزأ إلى الثقافة الفرنسية. وأشار في كلمة الحفل إلى تجربة العيش في «زمنين مختلفين» وأثر ما تلقّاه في طفولته من تعاليم على فكره.

في ليلة الأحد العشرين من تير عام 1395 هـ.ش، في مقر السفارة الفرنسية، تم منح وسام الدولة الرفيع لفرنسا (‍Chevalier dans l’Ordre National de la Légion d’honneur) للدكتور داريوش شايغان. أُقيم هذا الحفل بحضور سفير فرنسا السيد إسنمو والمستشار الثقافي جمال أوبشو ومجموعة من أعضاء السفارة الفرنسية وشخصيات ثقافية وأكاديمية إيرانية وفرنسية. وسام ليجيون دونور هو أعلى وسام شرف في فرنسا، وهو مُدرّج إلى خمسة مستويات تشمل ثلاث رتب ومقامين، أدنى رتبها هو "شوفالييه" وهي الأكثر شهرة في إيران، وكان الدكتور شايغان قد حصل على وسام شوفالييه عام 2002، ونال هذه المرة وسام الدولة الرفيع لفرنسا. ومن بين الفنانين الآخرين الذين حصلوا على وسام ليجيون دونور يمكن الإشارة إلى محمود دولت آبادي، وليلى حاتمي، وجلال ستاري، ورضا سيد حسيني، ومحمد رضا شجريان، وعباس كيارستمي، وبري صابري، ومحمد علي سبانلو وغيرهم.
اسم داريوش شايغان اسم مألوف لدى أهل الثقافة والفكر. إنه الشخص الذي يعتبر هانس كولر فكره تجسيداً لفلسفة تؤسس لمُثُل وآمال البحوث بين الثقافات وتطبيقها في ظروف نموذجية. وهو يرى شايغان من الدلالات الضمنية للتنوع الثقافي لفهم العالم، وقد وقف متقدماً على زمانه، وقبل أن يصبح الحوار بين الثقافات عنواناً رائجاً بوقت طويل، كان قد وضع معايير له. وكما أقرّ المتحدثون في هذا الحفل أيضاً، فإن شايغان من الإيرانيين القلائل الذين تنتمي أعمالهم، أكثر مما هي مطروحة باللغة الفارسية، إلى هذا الثقافة باللغة الفرنسية كجزء لا يتجزأ منها، وقد وجدت جمهورها الناطق بالفرنسية. وبسبب هذه الأنشطة تحديداً قررت الحكومة الفرنسية منح الوسام الرفيع لهذا البلد لأستاذ الفلسفة في بلدنا. في مساء يوم الأحد، اليوم الذي كان شايغان قادماً فيه من مراسم توديع صديقه القديم عباس كيارستمي إلى مثواه الأبدي.
حضر هذا الحفل وجوه ثقافية وأدبية مثل داريوش مهرجويي، وجاله آموزغار، وجهانغير نادرزاد، وداريوش طلايي، ومحمد إحسايي، ونير طهوري، ومريم عسغري، وحامد فولادوند، وعلي دهباشي وعدد من أساتذة اللغة والأدب الفرنسي. في بداية هذا الحفل، أشاد سفير فرنسا في كلمته بمكانة داريوش شايغان في الأدب والثقافة الفرنسية وقال: لقد امتلك شايغان هذه الميزة بأنه أجرى حواراً ومراودة ثقافية مع أكبر مفكري فرنسا خلال الخمسين عاماً الماضية. ربما يكون شايغان من الكتّاب الإيرانيين القلائل الذين وجدوا جمهورهم الرئيسي في اللغة الفرنسية. ثم قام السفير بمنح وسام الدولة الرفيع لفرنسا لداريوش شايغان، وبعد ذلك وقف داريوش شايغان في مكان الخطابة وألقى كلمته باللغة الفرنسية. وبعده قرأ علي دهباشي النص الفارسي لكلمة شايغان.
ثم قال حامد فولادوند في كلمة له: شايغان من مفكرينا القلائل الذين لاقت أعمالهم صدى دولياً. لقد أولى في أعماله اهتماماً لحرية الفكر وحوار الثقافات. وإلى جانب معرفته بمفكرين كبار مثل كارل غوستاف يونغ وهنري كوربَن وغيرهم من كبار المفكرين السويسريين والفرنسيين، فقد حقق إنجازات مهمة. لقد استطاع شايغان أن يحافظ على جذوره الشرقية وأن يواصل الإرث الثقافي والتاريخي لإيران في مجال الفكر.
جدير بالذكر أنه في وقت سابق من عام 2002 كان قد مُنح وسام Officier de l'Ordre des Arts et des Lettres <<شوفالييه الفنون والآداب الفرنسية>>. أما الجائزة الثانية فكانت في عام 2005 من قِبَل
<<رابطة الكتّاب الناطقين بالفرنسية>> Association des Écrivains de Langue Française المعروفة بـ <<أدلف>> عن رواية أرض السراب
(Terre de mirages) في باريس. أما الجائزة الثالثة فهي جائزة الحوار العالمي (Global Dialogue Prize) المسماة <<حوار الثقافات والحضارات>> التي مُنحت له عام 2010 في كلية العلوم الإنسانية بجامعة آرهوس في الدنمارك، وترافق ذلك مع محاضرة للأستاذ هانس كولر. أما الجائزتان الرابعة والخامسة فمُنحتا من الأكاديمية الفرنسية. ولهذه الأكاديمية جائزتان في مجال اللغة والأدب الفرنسيين، وكان الدكتور داريوش شايغان أول إيراني ينال هاتين الجائزتين على التوالي خلال عامين متتاليين. الجائزة الأولى من الأكاديمية الفرنسية بعنوان <<الميدالية الكبرى للغة والأدب الفرنسيين>> :
La Grande Médaille de la Francophonie Médaille de Vermeil والجائزة الثانية - أرفع جوائز الأكاديمية الفرنسية - بعنوان <<الجائزة الكبرى للغة والأدب الفرنسيين>>:
Le Grand Prix de la Francophonie
مُنحت له في عامي 2011 و2012 خلال مراسم خاصة حضرها الأعضاء الدائمون في الأكاديمية الفرنسية بمقر الأكاديمية في مدينة باريس.
أما نص خطاب شايغان الذي تلاه باللغة الفارسية علي دهباشي فهو كالتالي:
أعيش في زمنين مختلفين
سعادة السفير، سيداتي سادتي، أود أن أعبر عن خالص شكري لمنحي هذا الوسام الذي هو أرفع وسام فرنسي. وآمل أن أكون على قدر هذا الشرف.
تعود علاقتي باللغة والثقافة الفرنسيتين إلى أزمنة بعيدة، إلى طفولتي حين دخلت في السادسة من عمري ليسيه سان لوي، تلك المؤسسة البالغة الأهمية التي تأسست في نهاية القرن التاسع عشر وكان يديرها الآباء اللعازريون. ومن أشهر تلاميذ هذه المؤسسة يمكن ذكر صادق هدايت، نيما يوشيج وعلي أكبر سياسي. وهكذا، تعلمت اللغة والأدب الفرنسيين منذ الطفولة بالتزامن مع لغتي الأم.
لقنتني المدرسة الفرنسية مفهوماً شكل فيما بعد طبيعتي الثانية. فللمرة الأولى، كان هناك مفهوم ملموس يستحوذ على كياني ويقسمه: <<مفهوم التاريخ.>>
منذ طفولتي كنت أشعر بأنني أعيش في زمنين مختلفين: أحدهما متألق في الماضي لكنه متحجر يتكيف بصعوبة مع عالم اليوم؛ والآخر ديناميكي، متغير وشديد التقلقل. وبقدر ما كان الأساتذة القدامى يرووننا بكلامهم الفخم ويحددون طريقة وجودنا، كان الأساتذة الغربيون بنفس القدر يناقض بعضهم بعضاً، يبتدعون، لا يتورعون عن نفي أفكار بعضهم البعض ويطرحون فرضيات جريئة.
وهكذا وجدت نفسي عند تقاطع زمنين متضادين، ومن هنا نشأت التوترات الحتمية والتناقضات الخاطفة، دون أن أتمكن من فصل هذين الزمنين عن بعضهما. والآن حين أراجع الماضي وأقيم مسيرة حياتي الحافلة من جديد، أعتقد أن هذا كان أول شرخ شطر كياني إلى نصفين.
إن الأعمال التي كتبتها لاحقاً، لولا هذه التجربة المزلزلة، لما كانت لتوجد أبداً على الأرجح. لقد كان هذا الشرخ بمثابة قوة محركة ألقت بظلالها على مجمل أبحاثي اللاحقة، وجعلتني واعياً بوضعي البيني، وهيأت لي الإمكانية - في الكتب التي كتبتها بالفرنسية - إن كنا نعتبر رأي جيل دولوز هذا صحيحاً بأن الفلسفة هي <<خلق المفاهيم>>، فقد كنت إذن، دون أن أدري، منشغلاً في هذه الكتابات بعمل الفلسفة.
بالطبع، في بداية مسيرتي الأكاديمية، كنت أكتب باللغة الفارسية، ولو لم أهاجر بمحض إرادتي إلى فرنسا بعد الثورة، وهي هجرة دامت أكثر من اثنتي عشرة سنة، لما أصبحت كاتباً باللغة الفرنسية أبداً. عدد الكتب التي ألفتها بالفرنسية يفوق كتبي بالفارسية. كانت اللغة الفرنسية تفتح أمامي درب النزعة الإنسانية، وتُشرفني على قواعد عقل متوازن ومتحرر من وصاية القوى غير المعقولة، وتُعلمني ذائقة القياس، والمنهج التحليلي، والنظرة النقدية. إن الانتقال من اللغة التمثيلية والعرفانية للمفكرين الإيرانيين إلى أفكار ديكارت الواضحة والمتعينة، وإلى فطنة أخلاقيي القرن السابع عشر المذهلة، وإلى إبهامات ديدرو الجميلة، وإلى جنون يقظة بودلير هذا الشاعر الملعون، وإلى عالم الذاكرة اللاإرادية السحري عند بروست، كان أبعد من مجرد تغيير في المنظور ونوع النظرة؛ كانت هذه اللغة في الحقيقة مدخلاً إلى مجرة ومنظومة فكرية من نوع آخر. بقدر ما كان الأساتذة الإيرانيون يغرقونني في الهوة السحرية لعالم اللامتناهي المستحيل والمستغرق، كان المفكرون الفرنسيون يسوقونني إلى قلب الأمور الملموسة، ويعلمونني حدود الخيال، والإيجاز في الطرح الدقيق، ومدى التحليل النقدي الثاقب، والحذر في استخلاص النتائج، وتجنب الفهم المتسرع.
هنا أفتح قوساً صغيراً لأضيف هذا التوضيح، وهو أنني قضيت المرحلة الثانوية من سن 15 إلى 19 عاماً في إنجلترا، وحصلت على الشهادة الثانوية الإنجليزية، ثم توجهت إلى جنيف لمتابعة دراستي الجامعية. تزامنت إقامتي في جنيف مع ازدهار مدرسة جنيف، مع نقاد أدبيين لا نظير لهم مثل ألبير بيغان، ومارسيل ريمون، وجان روسيه، وجان ستاروبنسكي.
قصدي من هذا التوضيح هو التأكيد على أنه لو كان لي أن أختار لغة غير لغتي الأم للكتابة، لكانت هذه اللغة هي الإنجليزية منطقياً، والتي كنت قد أتقنتها أكثر خلال فترة دراستي. لكن، ولدهشتي البالغة، لم يحدث هذا، فقد أصبحت اللغة الفرنسية جزءاً لا يتجزأ من كياني لدرجة أنه كلما طُرحت مسألة اتخاذ لغة غير الفارسية، كانت اللغة الفرنسية تظهر فوراً وتفرض نفسها عليّ بالكامل. من هنا بدأت مسألة كوني ثنائي اللغة، والتي لها محاسن كثيرة وعيوب لا مفر منها.
ربما لا بأس أن أشير هنا إلى أمثلة مشابهة لكتاب ثنائيي اللغة: بالنسبة لخورخي سمبرون، الكاتب الإسباني الذي يكتب بالفرنسية، فإن «اللغة الفرنسية وطن جديد، متحرر من التعصبات القومية، إنها نوع من التجذر في قيم كونية تتجاوز حدود تراب معين وتنفتح نحو السماء لا نحو برج الكنيسة؛ لغة تُجلي صفاء الجمال في أسمى تجلياته». إذا كان سمبرون قد كتب كتابه الأول لا بالإسبانية بل بالفرنسية، فإنه يعزو السبب إلى حب لا غرض له، وإلى جاذبية ولذة محضة. أما عند إميل سيوران، الذي كنت أعرفه شخصياً وكنت مأخوذاً أشد الأخذ بشخصيته ومفتوناً بسخريته اللاذعة وتشاؤمه المرح، فالمسألة من نوع آخر. كان قد ألف عدة كتب باللغة الرومانية من قبل، وها هو يجد تغيير اللغة مؤلماً. بهذا التغيير، كما يقول هو نفسه، قايض حياته الماضية دفعة واحدة: «حتى اليوم أعتقد أنني أكتب بلغة لا ترتبط بأي شيء، لا جذور لها، وكأنها لغة دفيئة». يكتب سيوران في مذكراته عن أسلوبه في الكتابة، الذي يشبهه البعض بحد السيف: «لو كنت أتحدث الفرنسية كما يتحدثها أبناء هذا البلد، لما فكرت قط في التجويد الجمالي، ولما انشغلت بالأسلوب المتأنق والغنج اللغوي العبثي».
كان وضعي مختلفاً عن هذين الكاتبين. فلم أكن أمتلك لا أناقة أسلوب سيوران وعبقريته، ولا مهارة سمبرون وموهبته الأدبية. صحيح أن كوني ثنائي اللغة خلق بعض أوجه الشبه مع سيوران، فقد كنتُ مثله قد ألّفتُ عدة كتب بلغتي الأم سابقاً، ورغم معرفتي باللغة الفرنسية وكتابة أطروحتي بها، ورغم أنني كنتُ أعتبرها إحدى أجمل لغات العالم، إلا أنني ما كنتُ لأصبح ناطقاً بالفرنسية أبداً لو لم أهاجر إلى فرنسا في منفاي الاختياري. ومع أنني كنتُ أعرف الأدب الفرنسي وقرأتُ أعماله الكلاسيكية، وكنتُ مطّلعاً على أخلاقيي القرن السابع عشر، وموسوعيي القرن الثامن عشر، وأعمال جيد وفاليري وبروست، إلا أنه كان عليّ أن أجد أسلوب كتابة كاتب مقال (essayiste)، ولم يكن ذلك بالأمر الهيّن. فاللغة الفارسية، رغم كونها لغة شاعرية بعمق، تمتلك نثراً مرناً، لأنها لم تتبلور بعد ويمكن الإتيان بإبداعات فيها، وبفضل قدرتها التركيبية يمكن صياغة مصطلحات جديدة في الكلمات. أما اللغة الفرنسية، قياساً بهذه اللغة، ففيها من الانضباط ما يجعلها وكأنها متحجرة. لقد كنتُ معتاداً على الفضاءات المفتوحة، لا على أحوال اللغة المشبّهة بالبيوت الزجاجية التي كان عليّ الإذعان لها، وأن أقول بوضوح وبداهة مطلباً يختلف عن ذلك الاسترسال الحرّ للغة الفارسية. في اللغة الفارسية يمكن للمرء أن يكتب صفحات حافلة بنكهة الكلمات القصار والأشعار الحكيمة، دون أن يقول شيئاً ملموساً، لأن البلاغة السردية المهيمنة على النص تسحر القارئ بسحر الكلام. اللغة الفرنسية، على العكس من ذلك، هي نوع من التلمذة على الإيجاز والوضوح والدقة في صياغة الصيغ. معظم المفاهيم التي ابتكرتها في اللغة الفرنسية، كنتُ أجد صعوبة بالغة في وضعها في لغتي الأم، لأن هذه المفاهيم لم تكن لها أي خلفية ثقافية في إيران، وبالتالي في اللغة الفارسية. من ناحية أخرى، للانتقال من لغة إلى أخرى، يجب تغيير أوتار الذهن وتطويعه وفقاً للسلم الجديد للإحساس وأسلوب الكتابة الجديد.
بعد 30 عاماً، عدتُ مجدداً إلى الكتابة بالفارسية، لكن علاقتي العاطفية باللغة الفرنسية لا تزال قائمة بقوتها. لطالما تمنيتُ أن أقدّم للقراء الإيرانيين ثلاثة كتّاب فرنسيين أحببتهم منذ شبابي: مونتيني، بودلير، وبروست. الكتاب المتعلق ببودلير صدر منذ سبعة أو ثمانية أشهر، وإذا ما بقي من العمر بقية، فقد أتمكن من إكمال الكتابين الآخرين. على كل حال، لم أقصّر قدر استطاعتي، ونترك المستقبل بين يدي القدر.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الأدب
الفلسفة
علم الاجتماع
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.