اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
البحث عن سياسيٍّ مُضحٍّ عبثٌ ولا وجود للسياسي الصالح؛ الخيار هو بين العقلاني والغريزي. العقلاني هو من يسعى لمصالحه بطرقٍ تجعل مصلحته مشروطةً بمصلحة الجماعة.

هذا سؤال جدي: لمن نعطي صوتنا؟ ليس عدد الذين منحناهم أصواتنا سابقًا بآمال عريضة، ثم نكثوا بحرمة الوفاء وانجذبوا إلى أقطاب السلطة ومنعرجات الثروة، بقليل. وليست الشعارات الجميلة التي أسرت القلوب يومًا، لكن سرعان ما تبين بعد فرز الأصوات أنها كانت حبات ملونة للشرك والخداع، بقليلة. حتى إن بعض اللوحات الإعلانية الآن توحي لناظريها غير البسطاء بنوع من الشعور بأنهم سخرية. تمامًا كمشعوذ، حتى لو لم يستطع مشاهدوه أن يفهموا أو يُفهموا كيف يقوم بحيلته، فبمجرد أن يدعي أنه يخفي غولًا اسمه مشاكل الناس داخل قبعة واسعة، يدركون ببديهة العقل أنه ينسج الأباطيل. ولعل هذا المأزق هو ما يجعل كثيرًا من الناس، ممن لا ينكرون هويتهم الدنيا كمواطنين أصحاب صوت، ينظرون بريبة إلى السياسيين المحترفين. أحد الأهداف المهمة للثورات ليس مجرد التغيير فحسب، بل إعادة تعريف الطبقة السياسية. تسعى الثورات عمومًا إلى تقويض بساط السياسيين المحترفين الذين رُسمت ملامحهم في بيان «الأمير»، وتنصيب من يكونون سياسيين صالحين بدلًا عنهم. السياسي الصالح في هذه الرؤية هو من لا يحوم حول السلطة والثروة، ويشعر بالدين تجاه جماهير الناس، خصوصًا الطبقات المهمشة، ويخلص نيته لخدمة الناس، ولا يمنح الأقارب والأصدقاء رفعة المقام، ولا يطرد المستحقين بجريمة الغربة عنه... ولكن، من سخرية الأقدار، أنه كلما غذت الثورات هذا الشعور أكثر، كان جوابها عليه أكثر إحباطًا. إذا تجاوزنا الشواذ من الأمثلة التي لها حكم النادر الذي هو كالمعدوم، فإن الشخصيات الثورية، حتى لو لم تكن في سجلها أية نقطة ضعف من نوع الفساد المالي أو الجنسي وما شابه، كما هو الحال مع روبسبيير، فإن هذا يكفي لأنها لم تجد مفرًا من قبضة السلطة والشهرة والعصابة، حتى لو كان ذلك تحت قناع الأيديولوجيا. فما هو التكليف إذن؟ الطبقة السياسية الكلاسيكية التي أعلنت في بيانها أن السياسي تارة يرتدي جلد الأسد، وتارة جلد الثعلب، إما أن يفتك أو يخدع، وعلى كل حال بقصد التمتع الذاتي؛ وأبطال التاريخ العظام الذين ثاروا بقصد إعادة خلق الإنسان وطرح تصميم جديد وتغيير مضمون السياسة من السلطة إلى الخدمة، باءوا بالفشل. أليست هذه النظرة القائلة بأن المواقف السياسية للجماعات المتنافسة هي طرق مختلفة للوصول إلى أهداف مشتركة، تجربة متكررة؟ وفي هذه الحال، أليس أقرب إلى الصواب أن نطرد السياسيين من أي جبهة أو جناح كانوا، ونعتبر السياسة منطقة محظورة ينبغي الاحتياط في التعامل معها، حتى لو كان الدخول إليها بمقدار كتابة ورقة اقتراع؟ برأيي، جواب السؤال الأول إيجابي، لكن إيجابية جواب السؤال الثاني لا تنتج عن ذلك. لأن الإشكال في مثل هذا الاستدلال يكمن في البراديغم الذي لا أساس له للسياسي الصالح. السياسي الصالح غير موجود. السياسي، حتى لو لم يكن محترفًا، حتى لو كان من المهمشين، حتى لو كان قد انطلق من منصة الفكر أو الثورة أو الإصلاح... في النهاية، عاجلًا أم آجلًا، حتى لو لم يحم حول التجليات الفاضحة للأنا، فسيطوف حول تجلياتها المقنعة. لذلك لا يوجد خيار بين سياسي صالح وسياسي طالح؛ الخيار هو بين سياسي عقلاني وسياسي غريزي. السياسيون الغريزيون هم أولئك الذين، لجلب اللذة والمنفعة والسلطة، باختيارهم الغريزي وغير المحسوب لأقصر الطرق، لا يراعون أبدًا مقدار تدمير البيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية. لا يهمهم مقدار الخسائر البشرية والمالية والشخصية التي يخلفها نهمهم. قصته قصة ابن آوى في كليلة ودمنة الذي كان يأكل من العنب ما كان حلوًا، وما كان حامضًا أفسده. أما السياسي العقلاني فهو من يبحث دائمًا عن توازن تكون نقطته الدنيا تحقيق أكبر قدر من المنافع لنفسه وأقل قدر من المضار للآخرين. نيته الأساسية جلب السلطة والثروة والمكانة الشخصية، لكنه يختار لهذا الغرض طرقًا تكون منفعته فيها مشروطة قدر الإمكان بمنفعة الجماعة، أو على الأقل، غير مرتبطة بخسارتها. هذا كل ما في الأمر. البحث عن سياسيين يدوسون على رغباتهم سعيًا للتضحية من أجل الناس، والتقليل من ذواتهم والإضافة إليهم، هو من ذلك النوع من البحث الذي لا يجد طالبه ضالته في النهاية، أو إن وجدها فلا يجدها بقدر كافٍ؛ بقدر يمكن معه تشكيل الطبقة السياسية. يكفي أن نسعى لاختيار سياسيين يسلكون، بقوة الحساب العقلاني، لإشباع رغباتهم، طرقًا تسبب أقل قدر من الآفات والخسائر.
لبقائهم، لا يسلكون طريق تدمير الآخرين، وليصبحوا أثرياء، لا يسلكون طريق نهب الآخرين، وليحظوا بالاحترام، لا يسلكون طريق إذلال الآخرين... بحكم التجربة والعقل، لا مناص لنا من الحكومة. الحكومة شر كثير لدفع شر أكبر، تستتبع الحكومة السياسة، والسياسة شئنا أم أبينا تستتبع الطبقة السياسية. في أكثر الأنظمة السياسية ديمقراطية، يسعى أولئك الذين يُنتخبون، بأي شكل من الأشكال، إلى تحقيق مصالحهم الخاصة. وبالتمسك بهذا السبب، لا يمكن مقاطعة السياسة. لا مناص لنا من الاختيار. عقرب هذا الاختيار المحتوم سيدور باتجاه أولئك الأكثر عقلانية والذين يسعون لخلق أكبر قدر من الانسجام بين أكبر قدر من المصالح..
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.