يُعدّ ميشيل ويلبيك، الروائي الفرنسي المثير للجدل، أحد أدقّ المصوّرين للوحدة وأزمة المعنى لدى الإنسان الحديث. وتتناول رواياته، على وجه الخصوص، حال الرجل الذي يواجه صعوبة في العثور على الحب والانتماء والمعنى في عالم يفيض بالحرية والخيارات. تلقي هذه المقالة نظرة على عالم ويلبيك الفكري، وأزمة الرجل المعاصر، وأبرز أعماله.

لماذا يظلّ الرجل الذي لم يعد يأمره تقليد ولا دين ولا سلطة، والحرّ في أن يختار أي علاقة أو يتركها، يشعر مع ذلك بالوحدة والفشل وانعدام المعنى؟ هذا سؤال قلّما تناوله كاتب بمثل ما تناوله به ميشيل ويلبك، الروائي الفرنسي المثير للجدل، من صراحة وبرود. فرواياته مليئة برجال ليسوا أبطالًا ولا أضداد أبطال بالمعنى الكلاسيكي؛ رجال رماديون متعبون، غالبًا ما يكونون موظفين أو مهندسين أو علماء في منتصف العمر، أصابهم الخواء من الداخل في قلب الرخاء النسبي للمجتمعات الغربية. وهذه الصورة تحديدًا هي التي جعلت أعمال ويلبك، في فرنسا وعلى المستوى العالمي، تثير الإعجاب والغضب في آن واحد.
وُلد ميشيل ويلبك، واسمه الأصلي ميشيل توما، عام 1956 في جزيرة لا ريونيون، وأصبح منذ تسعينيات القرن الماضي أحد أكثر الكتّاب الفرنسيين تأثيرًا، وأكثرهم إثارة للجدل في الوقت نفسه. وقد قدّمت روايته الطويلة الأولى «توسيع نطاق الصراع» (1994) صورة مريرة لمهندس حاسوب وحيد يتخبّط في عالم صاخب في ظاهره، خاوٍ في باطنه. ومن هناك وجد ويلبك لغته وموضوعه الخاصَّين: نثرًا جافًّا بلا مجاملة، يميل أحيانًا إلى لغة الطب والإحصاء، ويستخرج، من غير أي زخرفة أدبية، أزمة وجودية من صميم الحياة اليومية للطبقة الوسطى.
ما يميّز ويلبك عن كثير من نقّاد الحداثة أنه لا ينقدها من موقع ديني أو محافظ، بل من داخل التجربة الحديثة نفسها. فهو ابن العالم ذاته الذي ينتقده؛ لا يقف خارجه، ولا يتحسّر على ماضٍ ذهبي. وهمّه الأساس هو هذا السؤال: حين يحرّر المجتمع الفرد من قيود التقاليد والأسرة والدين والالتزام، ويَعِده بأن يبني بحرّية أي حياة يشاؤها، فهل تجعله هذه الحرية أسعد حقًّا؟ أم أنها، على العكس، تتركه وحيدًا أمام سوق قاسية من الخيارات، سوق يربح فيها بعضهم ويخسر كثيرون، كما في أي سوق أخرى؟
الشخصيات الرجالية في روايات ويلبك في الغالب في منتصف العمر، ناجحة نسبيًّا في مهنها أو على الأقل لا تعاني فيها من متاعب، لكنها من الناحية العاطفية تنهار في هدوء. وهي لا تشكو الفقر ولا القمع السياسي؛ فمعاناتها من جنس آخر: الشعور بالزيادة والفائض، وفقدان المكانة في سوق الرغبة والعلاقات، والعجز عن بناء رابطة تدوم. وهنا يتجاوز ويلبك موضوعًا فرنسيًّا أو غربيًّا خالصًا ليقترب من تجربة يستطيع قارئ من أي ثقافة، ومنهم القارئ الإيراني، أن يلمس آثارها في مجتمعه أيضًا: اتّساع الفردانية، وتراجع المؤسسات التقليدية الرابطة كالأسرة الممتدة أو الحيّ، والإحلال التدريجي لعلاقات مؤقتة قابلة للفسخ محلّ الالتزامات الراسخة.
يفسّر ويلبك هذا الوضع عادةً باستعارة اقتصادية: فكما أذكت الثورة الصناعية واقتصاد السوق التفاوت الاقتصادي، أوجدت الثورة الجنسية في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، بدل التحرر الشامل، نوعًا جديدًا من التفاوت في مجال الرغبة والعلاقات. ففي عالم اختفت فيه الزيجات المرتَّبة والالتزامات القسرية، أصبحت الجاذبية والشباب ورأس المال الاجتماعي المعايير الرئيسة لـ«النجاح العاطفي»؛ وكما أن في الاقتصاد أغنياء وفقراء، ففي هذه السوق الجديدة أيضًا فئة محبوبة دائمًا وفئة مرفوضة دائمًا.
ربما كانت صورة «سوق الحب» هذه أقسى جوانب رؤية ويلبك وأدقّها في آن واحد. فهو لم يعد يرى العلاقة العاطفية والجنسية شأنًا خاصًّا أو وجدانيًّا محضًا، بل يحلّلها في إطار شبه اقتصادي: العرض والطلب، والمنافسة، والتقييم، والإقصاء. وفي هذه الرؤية، عملت الحرية الجنسية، التي كان يُفترض أن تحرّر الجميع، عمليًّا على غرار التحرير الاقتصادي؛ فأذكت منافسة يستحوذ فيها بعض الأفراد - وهم عادةً الأصغر سنًّا أو الأكثر جاذبية أو الأوفر رأسَ مال اجتماعي - على حصة أكبر من رغبة الآخرين واهتمامهم، ويبقى كثيرون غيرهم على الهامش.
والنقطة المهمة أن ويلبك لا يحتفي بهذا الوضع ولا يدافع عنه؛ إنه يكتفي بوصفه بدقة شبه سريرية. فشخصياته عالقة في الغالب بين قطبين: فمن جهة لديها شوق عميق إلى الحب والحميمية والانتماء - وهو ما كان في الأجيال السابقة مضمونًا إلى حد ما عبر الزواج والأسرة - ومن جهة أخرى تعيش في نظام لم يُبقِ أي ضمانة للوصول إليه. لم يعد الحب قدَرًا بل إنجازًا؛ وكأي إنجاز آخر، قد لا يتحقق أبدًا.

لا يمكن رد فشل شخصيات ويلبك الرجالية إلى ضعفها الفردي وحده. فهو يصوّرها ضحايا لتحوّل تاريخي أكثر مما هي المسؤولة عنه. فالأجيال التي سبقتها عاشت في أطر أضيق لكنها أكثر قابلية للتنبؤ؛ كان الزواج والعمل والمكانة الاجتماعية محدَّدة سلفًا إلى حد بعيد. أما شخصيات ويلبك فقد نشأت في عالم ينبغي فيه أن يكون كل شيء موضع «اختيار»، وهذه الكثرة في الخيارات بالذات هي التي تشلّها. فهي لا تملك الأدوات اللازمة للنجاح في هذه اللعبة الجديدة - الجاذبية، والثقة الاجتماعية بالنفس، ومهارة الظهور - ولا الإطار التقليدي الذي يمكنها اللجوء إليه.
ومن هذه الزاوية، فإن فشلها بنيوي أكثر منه أخلاقي. فهي في الغالب ليست شخصيات سيئة؛ إنها لامبالية ومتعبة وتعاني قليلًا من النرجسية، لكنها ليست شريرة. ومأساتها أنها تعيش في نظام يقول لها «تستطيع أن تنال كل ما تريد»، بينما لم يضع في متناولها عمليًّا أي أداة للوصول إليه. وبدقة مزعجة أحيانًا، يبيّن ويلبك أن المجتمع حين يرفع جميع القيود دون أن يعالج التفاوتات الكامنة تحتها، فليست النتيجة بالضرورة تحررًا شاملًا؛ بل قد تكون وحدة واسعة الانتشار.
صدرت: 1998
تروي هذه الرواية، التي أوصلت ويلبك إلى الشهرة العالمية، قصة أخوين غير شقيقين يواجه كلٌّ منهما، على طريقته، تبعات التحولات الثقافية في النصف الثاني من القرن العشرين. أحدهما انغمس في عالم العلم والعزلة الشخصية، والآخر، وهو يبحث عن الحب والرغبة، وقع في الوحدة والإخفاق.
«الجسيمات الأولية » من أكثر أعمال ويلبك صراحةً في الحديث عن تفكّك الروابط التقليدية، والفردانية الحديثة، وصعوبة العثور على علاقة مستقرة في العالم المعاصر. وتبيّن الرواية أن اتساع الحرية في مجال العلاقات الإنسانية لا يفضي بالضرورة إلى مزيد من الرضا والسعادة، وقد يولّد أشكالًا جديدة من الوحدة والاغتراب.
صدرت: 2010؛ حائزة جائزة غونكور
تروي هذه الرواية، التي تُعدّ من أنضج أعمال ويلبك، قصة فنان اسمه جيد مارتن؛ رجل وحيد يواجه، في مسار حياته المهنية والشخصية، مسألة المعنى والوحدة والتآكل التدريجي للروابط الإنسانية.
وخلافًا لبعض أعمال ويلبك السابقة ذات النبرة الأحدّ، فإن «الخريطة والإقليم» أهدأ وأميل إلى التأمل. ويقدّم الكتاب صورة لإنسان لا تدفعه إلى العزلة كارثة كبرى، بل تراكم المسافات والفقدان والانقطاعات الصغيرة في الحياة الحديثة.
صدرت: 2019
«سيروتونين» - التي صدرت بالفارسية بعنوان «القرص الصغير الأبيض» - هي قصة فلوران كلود لابروست، مهندس زراعي في منتصف العمر وقع في أزمة عاطفية ونفسية عميقة. وهو يحاول، بتناول دواء مضاد للاكتئاب، أن يتصالح مع الانهيار التدريجي لحياته الشخصية، ويعود في هذا المسار إلى الماضي، وإلى الحبّ الضائع، وإلى عالم لم يعد يشعر بالانتماء إليه.
ويمكن عدّ هذه الرواية من أكثر أعمال ويلبك مباشرةً في تناول أزمة رجل الطبقة الوسطى في العالم المعاصر: رجل لا يتآكل بالفقر والحرمان، بل بفقدان المعنى والحميمية والأمل.
السؤال الذي يُطرح دائمًا بشأن ويلبك هو: هل هو مجرد متشائم من الإنسان، أم ناقد جادّ للحداثة حقًّا؟ لقد اتّهمه نقّاده بالتسويد والنظرة القاتمة، وبمعاداة النساء، بل وبالإسلاموفوبيا؛ ولا سيما في أعمال مثل «استسلام» التي تتناول الإسلام والسياسة الفرنسية مباشرة. وهذه الانتقادات ليست بلا أساس، وهي جديرة بالاهتمام؛ فنظرة ويلبك إلى النساء وإلى بعض المجتمعات والمعتقدات جرى التشكيك فيها مرارًا ومن زوايا شتى.
لكن إلى جانب هذه الانتقادات، يرى كثير من المفسّرين الأدبيين أنه لا يمكن وصف ويلبك بأنه مجرد كاتب متشائم. فهو أشبه بالمشخِّص منه بالواعظ؛ يصف داءً اجتماعيًّا من غير أن يقدّم بالضرورة وصفة لعلاجه. وربما أمكن القول إنه لا يرفض الحداثة رفضًا تامًّا ولا يمتدحها دون قيد أو شرط، بل يطرح سؤالًا صادقًا عن كلفتها الخفية: كلفة قلّما يتوقف عندها الخطاب الرسمي للتقدّم والحرية.
ميشيل ويلبك كاتب يصوّر بعضًا من أعمق جراح الإنسان المعاصر وأقلّها تداولًا في الكلام؛ ولا سيما الجراح التي تكبّدها الرجال في زمن الانتقال من النظم التقليدية إلى الحريات الفردية. وتذكّرنا أعماله بأن الحرية، وحدها، ليست ضمانًا للرضا أو للمعنى؛ وبأن اتساع الخيارات الفردية، إذا اقترن بتفاوتات خفية، قد يفضي إلى العزلة بدل الارتباط. وقد لا يقدّم ويلبك جوابًا قاطعًا عن هذه الأزمة، لكنه بصدق بارد وقاسٍ يضع على الطاولة أسئلة واجهها كل قارئ - من أي ثقافة ولغة - في ركن من حياته: الشوق إلى الحب، والخوف من الوحدة، والبحث عن معنى يزداد العثور عليه صعوبة يومًا بعد يوم في عالم اليوم المتسارع.
علم النفس
علم الاجتماع
الدين
الدين
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.