اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الفن هو الوجه المتعالي على العقل للإنسان وراوي حقيقة الوجود؛ وفلسفة الفن تتولى، بأدواتها العقلية، تبيين مبدئه وغايته ومكانته. ويقول حسن بلخاري إن هذا التخصص ينبغي ألا يكون مجرد سرد لآراء الفلاسفة، وإن طبيعته تختلف عن خلق العمل الفني.

بما أن تخصص فلسفة الفن الأكاديمي قد أُنشئ حديثاً في إيران، فقد تناول الدكتور حسن بلخاري في حوار نقد وبحث بعض أبعاد هذا التخصص.
● بشكل عام، ما هي موضوعات فلسفة الفن ومسائلها وتعريفها ومجال دراستها؟ وما الذي يميز هذا التخصص عن الفلسفات المضافة الأخرى، وما هو منشؤه أساساً؟ بطبيعة الحال، نحتاج لتبيان فلسفة الفن إلى تعريف الفن ليكون ذلك مقدمة ومدخلاً لمناقشة فلسفته. تعريف الفن ليس بالأمر السهل أو البسيط؛ لا سيما إذا أردنا تقديم هذا التعريف من منظور أفكار فيتغنشتاين وأشخاص مثله ممن يرون أن تعريف الفن محال ومستحيل من الأساس، فإن المسألة تزداد تعقيداً. لكن واقع الأمر هو أنه على مدار الخمسة وعشرين قرناً التي انقضت من أفكار الإنسان وأعماله الفنية، وإلى جانب المباحث النظرية، كانت هناك مثل هذه المباحث حول ماهية الفن وجوهره. طُرحت اليوم أربع أو خمس نظريات حول تعريف الفن ومنشئه؛ فالبعض يرى الفن تقليداً؛ والمصطلح الشهير "تخنه" وهو مصطلح أفلاطوني استُخدم في فلسفة اليونان القديمة على يد أفلاطون وأرسطو في تبيان الفن، يعبّر عن أن الإنسان يقوم بتقليد الطبيعة، ونفس هذا التقليد للطبيعة أو "التخنه" هو الفن ذاته. في بيان مفهوم الفن وتقليد الطبيعة، ثمة اختلاف بين رأي أفلاطون ورأي أرسطو؛ فأفلاطون، لإيمانه بعالم المُثُل، يرى الفنان شخصاً يحجب بين الواقع والحقيقة & الشيء (المُثُل). ولهذا السبب، ليس للفن & الفنان قيمة تُذكر في أفكار أفلاطون إلا في فروع معينة كالموسيقى التي لها فضاؤها الخاص. أما أرسطو فيطرح، بنظرة حكيمة، التقليد في البُعد الشعري (البويطيقا) للإنسان؛ ويرى أرسطو أن لكل إنسان ثلاث ساحات: النظرية (ثيوريكه)، والشعرية (بويطيقا)، والعملية (براغيته). البراغيته هي الوجه العملي لحياة الإنسان؛ والثيوريكه هي الوجه النظري والمعرفي لفكر البشر أو ساحته الإنسانية؛ والبويطيقا هي وجه الإبداع والخلق لدى الإنسان، وهنا يُطرح مبحث الفن بالتحديد. إذن فالنظرية الأولى في مجال تعريف الفن هي نظرية التقليد أو المحاكاة (Mimesis). والنظرية الثانية هي نظرية التعبير التي ترى الفن تعبيراً عن عواطف الإنسان أو أمانيه الداخلية، وهي نظرية حديثة في ماهية الفن. وقد طرح أشخاص مثل تولستوي وكروتشه آراءً في هذا المجال. وفي تعريف آخر، الفن هو الشكل (Form). في هذه النظرية، لا يعود الفنان هو أساس معرفة مفهوم الفن أو تحليل الأثر الفني وتبيانه، بل يصبح الأثر الفني نفسه هو المحور. ومقصودنا بالشكل هو البنية، أو الجوهر والماهية الذاتية للأثر في الفكر الأرسطي. والنظرية التالية في مجال فلسفة الفن هي نظرية الجمال (Beauty). ترى هذه النظرية الفن نوعاً من تصوير الجمال الطبيعي في صميم الوجود. وقد ذُكرت مؤخراً نظرية أخرى تحت عنوان النظرية المؤسِّسة، وتعود إلى حوالي الخمسة عشر عاماً الأخيرة. ترى هذه النظرية أن الفن يشمل جميع تلك المدارس التي طرحت على مر التاريخ ملاحظات حول الشعور وذلك الوجه الشعري والخيالي للإنسان. ثمة مسألة لا شك فيها، وهي أن الفن هو الوجه ما فوق العقلي للإنسان. هناك قول مشهور في هذا السياق: "حين ينتهي الكلام، يبدأ الموسيقى."؛ بعبارة أخرى، الفن هو الوجه الذي يصوّر فيه الإنسان ما لا يُقال من بواطن الحياة. اليوم، يكاد جميع المفكرين يتفقون على أن الفن أمر يروي ما وراء، أو كما يقول هايدغر، يروي شيئاً آخر (an Other Thing) هو من وجهة نظره "الغيب" أو حقيقة الوجود؛ حتى أشخاص مثل أتباع مدرسة فرانكفورت (الذين ناقشوا أفكار ماركس وإنجلز في مجال الفن) أو ماركوزه مثلاً الذي كتب لاحقاً فلسفة الفن الاشتراكية، هم أيضاً في مجال فلسفة الفن متفقون مع هذه المسألة القائلة إن الأثر الفني ليس صورة كاملة للواقع، بل يصوّر ما وراء الواقع.
● حتى الآن، قُدِّمت تعريفات مختصرة ومحدودة للغاية حول الفن. لكن ما هي فلسفة الفن؟ من الضروري لتبيين هذه المسألة، أن أذكر أولاً هذه النقطة وهي أنه في مجال التقسيم الفلسفي، ومن وجهة نظري، فإن الفلسفة المحضة هي تلك الفلسفة التي تعالج مباحث الوجود والماهية وتلك المباحث الفلسفية الأصيلة التي تتكفل الفلسفة بتبيينها وتشريحها والإجابة عنها؛ مثلاً هذا السؤال: ما هو الوجود؟ أو ما هي نسبة الوجود إلى الماهية؟ هل توجد في العالم وحدة تحت عنوان وحدة الوجود (Unity of Being) أم كَثرة؟ أيّهما حقيقي وأيّهما مجازي؟ لكن لدينا فرع فلسفي آخر تحت عنوان الفلسفة المضافة؛ فلسفة تقف إلى جانب موضوع ما وتستخدم الأدوات الفلسفية لتبيين بداية ذلك الموضوع المضاف ونهايته ومبدئه وغايته. على سبيل المثال، أنتم في بحث فلسفة الفيزياء، ليس لديكم فيزياء بما هي فيزياء، أي أنكم لا تناقشون المباحث العلمية للفيزياء. ما يُطرح اليوم تحت عنوان فلسفة الفن هو حقل علمي أو تخصص جامعي يحاول أن يُخضع الوجوه العقلانية أو المبادئ الكلية الحاكمة على الفن للتبيين والتحليل العقلاني، لماذا؟ لأن ساحة الفلسفة هي ساحة العقل، حتى الفلسفة الإشراقية تحتاج للتعبير عن إشراقاتها إلى لغة عقلانية، لأنه لا توجد فلسفة تستغني عن العقلانية. إذن، في مثل هذا الفضاء، تعالج فلسفة الفن مبدأ الفن ومنشأه، وكيفية التنشئة الإبداعية للفن في الذهن والدماغ، وغاية الفن ونسبته إلى الإنسان والمجتمع، وتأثيرات الفن على رؤية الإنسان للعالم أو بالعكس، تأثيرات الرؤى الكونية على الأساليب والتيارات والمناهج الفنية، وأمور من هذا القبيل. بعبارة أخرى، فلسفة الفن هي تبيين مكانة الفن في حياة الإنسان، في حين أن الفنان بما هو فنان لا شأن له بهذه المكانة؛ فعندما يخلق رسّام أو نحّات أثراً، أو يصنع مخرج سينمائي فيلماً، أو يؤلف موسيقي لحناً ويعزفه، لا شأن له بأيٍّ من هذه التعريفات العقلانية؛ حتى لو سألته في تلك اللحظة: ماذا تفعل؟ لا يدري؛ كما لو سُئل مولانا جلال الدين الرومي في منتصف الليل، وبصورة عقلانية، أثناء إنشاد حقيقة المثنوي على روح حسام الدين: ماذا تفعل؟ لما كان يدري. كذلك حال المصلي حين يتعبد في حقيقة صلاته، لأنه غارق في بحر آخر. بناءً على هذا التعريف، وبما أن ساحة الفن بما هو فن هي ساحة الخيال ومجال ما وراء العقل، فلا يستطيع الفنان أن يقدم تبييناً عقلانياً له. التبيين العقلاني من شأن الفيلسوف؛ التبيين العقلاني لذلك المفهوم الذي يحدث في ذات الفنان، هو من شأن من تكون أداته في التفكير والحركة هي العقل، وهذا يعني فلسفة الفن. لكن برأيي، فإن التخصص الذي أُنشئ تحت عنوان فلسفة الفن على مستوى الماجستير والدكتوراه في إيران يختلف عن فلسفة الفن المطروحة في الغرب. وحتى لو وُجدت مثل هذه الرؤية في الغرب، فإن هذا النقد الذي أعرضه الآن يَرِد عليها أيضاً، وهو: ما هو تميُّز فلسفة الفن عن الفلسفات الأخرى؟ أريد أن أجيب على هذا السؤال بهذا النقد. من وجهة نظري، فلسفة الفن ليست هي ذِكر آراء الفلاسفة حول الفن. (هذا خطأ شائع يجب أن نصححه). نحن عندما نتحدث عن فلسفة الفن، تذهب أذهاننا فوراً إلى هذه النقطة، وهي مثلاً: ماذا قال فيلسوف مثل هيغل حول الفن؟ أو لماذا يرى هيغل الفن مدفوناً في واقعه التاريخي؟ إذا قلنا إن فلسفة الفن عند هيغل هي كذا، فلا إشكال، ولكن إذا اعتبرنا أفكار هيغل حول الفن مساوية لفلسفة الفن، فهذا خطأ فادح. هيغل، وهايدغر، وبخاصة كانط في مبحث علم الجمال والفن، يمكن أن تكون لديهم مباحث فلسفية، لكن مجموع أفكار الفلاسفة وآرائهم حول الفن ليست هي فلسفة الفن، لماذا؟ لأن ساحة الفلسفة منفصلة عن ساحة الفن. يمكن لفيلسوف أن يقدم مجموعة من الأفكار النظرية حول الفن، لكن الأفكار الفلسفية لا تعني بالضرورة فلسفة الفن. من وجهة نظري، فلسفة الفن تنبع من جوهر الفن لا من النظرة الفلسفية إليه. دعوني أضرب مثالاً أو مثالين لتوضيح المسألة. اثنان من أبرز فناني وعلماء الفن في عصر النهضة، هما ليوناردو دافنشي وليون باتيستا ألبيرتي، لديهما أفكار لطيفة وجذابة للغاية حول الفن. يعتقد "ليونيلو فنتوري" في كتابه "تاريخ النقد الفني" أن أفكار أشخاص مثل ألبيرتي ودافنشي لا تؤخذ على محمل الجد مطلقاً في تاريخ فلسفة الفن؛ في حين أنني مثلاً، كشخص يبحث في أسس الفن ومطلع على الفن، أرى أن مؤسسي نظرية "التعبير" في الفن هم هؤلاء بالتحديد؛ الأفكار والنكات الدقيقة التي يطرحها دافنشي حول اللون واستخدامه، أين تُناقش في فلسفة الفن عند هيغل؟
أصلًا، ما مدى حيوية دافنشي في فلسفة الفن؟ وأين يقع قول مايكل أنجلو: «حين أنظر إلى الحجر، أحاول استخراج ذلك الجمال الكامن في جوهره واكتشافه وتجليته» في فلسفة الفن؟ أين موقع الهندسة المقدسة في صياغة الفن الشرقي، وخصوصًا الفن الإسلامي، في فلسفة الفن؟ أين موقع اللون والنور في الفن الإسلامي في فلسفة فنية لا همَّ لها سوى نظر الفيلسوف؟ وآلاف المصاديق الأخرى. إنني آخذ هذا السؤال على محمل الجد: هل يمكن لمن ليس على دراية بالروح الفنية أن يقدم تفسيرًا دقيقًا وعقلانيًا للفن؟ أعتقد أنه إن لم تكن لدى المرء روح فنية، فلن يستطيع إبداء الرأي حول الفن. ينبغي أن تُصاغ فلسفة الفن وأن تُكشف أسسها النظرية على يد فنانين هم، بالذات، فنانون وبالعرض مفكرون. أما في فلسفة الفن السائدة، فإن النظرة الفلسفية، وبالتالي الفيلسوف، تُفرض على الفن، ولهذا السبب تحديدًا، لا تُكشف تلك الأسس الجوهرية الكامنة في صميم الفن. أسأل: أين موقع تاركوفسكي في فلسفة الفن التي تُدرَّس في الجامعات؟ تاركوفسكي هو من أولئك الفنانين الذين يحاولون التعبير عن رؤيتهم الأنطولوجية في قالب فني. في فلسفة الفن التي لا يُنظر فيها إلا إلى الأسس النظرية، وفقط بالأدوات الفلسفية أو بالنظرة الفلسفية، لا يكون تاركوفسكي قابلًا للتحليل، بل يُدفع إلى الهامش. لا أقول إن فلسفة الفن لا شأن لها بتاركوفسكي مطلقًا، لماذا؟ لأن بعض الفلاسفة، في الواقع، يمكنهم تقديم نقد فلسفي لتاركوفسكي، لكن حقيقة الأمر هي أن النظرة الفلسفية الخاصة تُفرض هنا أيضًا على أفكار تاركوفسكي. من وجهة نظري، فإن المصطلح المناسب للتعبير عن ماهية الفن هو "حكمة الفن" لا "فلسفة الفن"، لأن الحكمة، بوصفها عقلًا إشراقيًا، تتطابق مع طبيعة الفن الخيالية أكثر مما تتطابق الفلسفة، بوصفها نظرة عقلانية محضة.
● والآن وقد وصل بنا الحديث إلى هنا، تفضلوا ببيان كيف ينفصل طريق فلسفة الفن عن الفلسفة المحضة؟ للفن اختلاف جوهري عن سائر التخصصات العلمية الأخرى؛ الفن بذاته فلسفة؛ الفن بذاته رؤية للعالم، ولذلك لا يمكن وضعه في عرض التخصصات العلمية الأخرى؛ أي لا يمكنكم القول إن لدينا الفيزياء والكيمياء، ولدينا الفن كذلك، بل يمكنكم القول إن لدينا الفلسفة، ولدينا الفن كذلك؛ يمكنكم القول إن لدينا الدين والنظرة الكونية للإنسان والوجود، ولدينا الفن كذلك، لماذا؟ لأن للفن أصالةً هويةً بالذات؛ وعندما تكون الهوية بالذات، لا تعود مضافة. ولهذا السبب أصرّ على أن فلسفة الفن ينبغي أن يُعرّفها الفنان، أو على الأقل أن تُبيَّن فلسفة الفن بالنظر إلى روح الفنان. وهذا هو عين البحث الذي نجده مجدداً في فلسفة الفن بمعناها الاصطلاحي وفي النقد الفني. عند نقد عمل فني، يضع تاريخ الفن أداتين في متناول أيدينا: 1- نقد العمل الفني نفسه، وهو قابل للتحليل في قالبَي «الشكل» و«الجمال». 2- روح الفنان صاحب هذا العمل، وهذا العمل يعكس بطريقة ما روحه وإدراكه وأنطولوجيته. نحن نمتلك هاتين الأداتين، وبوسعنا استخدامهما معاً في نقد العمل الفني وفي تعريف الفن. إذا ما اتخذنا فكر هايدغر أساساً هنا (يرى هايدغر أن الفن هو ذلك الوسيط الخاص بين الفنان والعمل الفني، وهما يعودان إلى بعضهما بشكل دائري). يُطرح هنا السؤال: ما هي أداتنا للتفسير الدقيق للعمل الفني؟ إنها أن نتمكن حقاً من الاقتراب من روح الفنان، لكن الاقتراب من روح الفنان لا يتيسر إلا بنوع من الإحساس الفني. إذا لم تكن لديكم إحساس فني، وإذا لم تسلكوا ذات المسلك الذي سلكه الفنان، فهل يمكنكم أن تكونوا مُفسِّراً وشارحاً حقيقياً للفنان ولذات عمله؟ كيف يمكن عدم الاقتراب من الروح العرفانية لفنان إسلامي يرى الوجود مرآة لتجلي الحق، ومع ذلك السعي إلى تحليل ماهية الفن الإسلامي وتبيينها؟ ما أقول به من أن فلسفة الفن الحقيقية هي التي ينبغي أن تنبع من جوهر الفن وألا تُفرض النظرة الفلسفية على الفن، يتيسر تحديداً بواسطة طبقة علمية جديدة؛ هذه الطبقة العلمية الجديدة تنظر إلى العمل الفني وفقاً لروح صاحب العمل؛ روحٌ جسّدت في الحقيقة جزءاً من رؤيتها ونظرتها الكونية في العمل الفني. بعبارة أخرى، نحن بحاجة في هذا المجال إلى طيف جديد من الأفراد. أشرت في جمل سابقة إلى أن فنتوري مثلاً يقول في كتابه «تاريخ النقد الفني»: «إن تاريخ فلسفة الفن يمر عبر أفكار ليوناردو وألبرتي». هذان الاثنان في مجال فلسفة الفن، ومع تغير نظرة الإنسان إلى الطبيعة، اتخذا الطبيعة مسرحاً لذهن الله؛ وبهذا تحول الإنسان كاشف الطبيعة إلى إنسان ينظر الآن إلى الطبيعة بذهن إلهي، وصارت هذه المسألة عاملاً بالغ الأهمية لخلق نظرية «التعبير» في أوروبا القرنين التاسع عشر والعشرين. والآن، إذا جعل تاريخ الفلسفة محور عمله الفلسفي مواجهة الفلاسفة للفن، فسيتم بالضرورة حذف فكر فنانين أمثال دافنشي. في حين أن التصوير من وجهة نظر دافنشي هو خلق؛ أي أن التصوير في الحقيقة أسلوب يكشف به الفنان سراً من أسرار العالم. هذا مفهوم واضح موجود في فكر أشخاص مثل دافنشي في التصوير وميكيل آنجلو في النحت. (كان هناك خلاف في الرأي بين دافنشي وميكيل آنجلو بالطبع، حيث كان ميكيل آنجلو يرى النحت الأصل الأسمى للفن، بينما رأى دافنشي التصوير كذلك) كان دافنشي يرى الرسم، أو ما تحول لاحقاً إلى لوحة أو تصوير، ليس علماً فحسب بل نوعاً من الربانية. من وجهة نظره، يخلق الفنان في محاكاته لأسرار الطبيعة مفاهيم جديدة. ووفقاً لرأي ألبرتي وليوناردو: «لا ينحل الفنان في الله، بل يتحول هو نفسه إلى إله، وبدلاً من محاكاة الطبيعة، يشرع وفقاً للمبادئ التي خلقها الذهن البشري في معرفة أسرار الطبيعة الجارية في باطنها». وهنا يجب أن تستمعوا إلى فلسفة الفن من لسان الفنانين أنفسهم.
● وفقاً لرأيكم في فلسفة الفن، هل يحتاج الفنان بالضرورة إلى لغة عقلية وفلسفية للتعبير عن أثره، بينما ذكرتم في حديثكم أن ساحة الفن هي ساحة الخيال، وليست ساحة العقل؛ كيف يمكن التعبير عن هذا التعارض ودفعه؟ الجواب بسيط للغاية. انظروا، يُناقش في المباحث العرفانية أن ماهية العرفان ليست الفكر، بل إن ماهية العرفان هي السلوك والشهود، لكن ابن عربي يمنح كشفه وشهوده لغة عقلانية. يذكر ستيس في كتابه «العرفان والفلسفة» مبحثاً شيقاً للغاية: صحيح أن العارف لديه شهود، لكنه حين يريد نقل هذا الشهود إلى الآخرين، يستخدم بالضرورة لغة ليعبر عن مطالبه للمخاطب. اللغة إذا اتسعت، يمكنها أن تحمل هذا المعنى معها، لكن إذا أراد شخص لم يدرك ذلك العالم، أن يحلل العرفان بنظرة فلسفية، فأي صورة يقدمها حقاً؟ ألن تكون هذه الصورة صورة معيبة؟ صورة ستكون، بسبب عدم إدراك ذلك المعنى والإحساس به، مجرد راوٍ ناقص لحقيقة المعنى. نضرب مثالاً آخر؛ قبل بضع سنوات، فاز كاتب أدبي بجائزة بوليتزر المرموقة في إنجلترا، وفي مقابلة معه سألوه: كيف استطعتم الحصول على هذه الجائزة؟ قال في جوابه: سبب نجاحي هو تقديم صورة دقيقة عن حياة عمال المناجم في هذه القصة، وكان ذلك لأنني ككاتب، تركت حياتي الشخصية ولبثت 7 أشهر في أعماق الأرض، أتألم بألم عمال المناجم وأفرح بفرحهم، حتى تمكنت أخيراً من إقامة نسبة ذاتية مع ما كنت أسعى لروايته؛ أي أنني أزلت المسافات بيني وبينه. أعتقد أن الفن أيضاً يمكنه، شأنه شأن العرفان، أن يختار لنفسه لغة وألا يصبح محمولاً للنظرة الغالبة للفلاسفة. الفلسفة منفصلة عن الفن في الموضوع كما في اللغة. الفلسفة، بلغة العقل، همها اكتشاف الوجود؛ وكما يقول أشخاص مثل «فينتوري»، فإن نظرة الفلسفة هي نظرة كمية، أما الفن فهو مختلف في اللغة وفي المحتوى والمضمون معاً. الفن يروي العالم الآخر، عالم الباطن. في الزخرفة الإيرانية، يروي اللون على نحو خاص معنى آخر؛ المفهوم الموجود في هذه الزخرفة هو مفهوم يجري في باطن العالم. مفكر مثل تيتوس بوركهاردت يعتقد أن الزخرفة الإيرانية هي تصوير لتلك الأعيان الثابتة الموجودة في فكر ابن عربي. انتبهوا إلى هذه النقطة: لماذا المنظور في الزخرفة الإيرانية عمودي وليس خطياً أو أفقياً أو عمقياً؟ لماذا في الرسم الصيني، وفقاً لمبادئهم الستة التي من أهمها المراقبة، يكون المنظور عمودياً أيضاً؟ أليست هذه المسألة ناشئة عن التثليث أو الثالوث الأعظم لدى الصينيين (السماء، الإنسان والأرض)؟ من يريد تعريف الفن الصيني وأساطير الصين، عليه أن يذهب إلى تلك الأرض ويقيم علاقة مع المعنى الموجود هناك، حتى يتمكن من تقديم تعريف للفن، ثم يحاكم رساماً مثل بيكاسو: لماذا يقدس قبح الجمال، وبدلاً من تصوير الجمال، يسعى لتصوير جمال القبح. للإجابة عن سؤالكم، يجب أن أقول في المجمل إن فلسفة الفن، برأيي، يجب أن تتدفق من جوهر الفن. صحيح أن الفنانين الذين همهم الخيال ويسيرون في عالم آخر، لا يجدون اللغة العقلانية، لكن إذا أردنا تعليم فلسفة الفن لطلابنا، فيجب أن يتحدث عن هذه الفلسفة أشخاص إما أن يكونوا فنانين بالأصالة وفي البداية، أو أن تكون لديهم روح فنية على الأقل، ثم كما استخدم العرفاء اللغة النظرية لتبيين شهوداتهم، يختاروا لغة لتبيين تلك المعاني؛ تماماً كما فعل أشخاص مثل تاركوفسكي في السينما.
● غير أن الفنانين عادةً لا يفعلون ذلك، تماماً كما لم يفعله سوى عددٍ محدود من العرفاء، ومن هنا قد تنشأ تأويلات مختلفة بل ومتناقضة أحياناً للعمل الفني الواحد، وتبرز مشكلة التفسير بالرأي، لأن الفنانين أنفسهم يطرحون أعمالهم بوصفها لغتهم الفنية، ولا ينشغلون كثيراً بشرحها الكلامي والعقلاني، إلا إذا سُئلوا عن ذلك؟ نعم، أوافق على هذه النقطة، ولكن كما وجد العرفاء - إن عجزوا هم أنفسهم عن بيان شهودهم أو لم يرغبوا في ذلك - أشخاصاً صاروا لسان حالهم، يمكننا أن نشهد هؤلاء الأشخاص في ميدان الفن أيضاً؛ إما أن يوجدوا، كأن نأتي ونكتشف الأفكار النظرية لأشخاص مثل ميكيل أنجلو، ودافنشي، أو في حضارتنا نحن، بهزاد. وكما شرح ليوناردو نفسه، بصفته فناناً، أسس نظرته إلى الفن، يمكننا نحن أيضاً أن نجد فنانين شرحوا هذه النظرة الفنية الخاصة، ثم نعتبر ذلك بعينه فلسفةً للفن. أما ما ذكرتموه حول التفسير بالرأي، فهو يحدث في ساحة العقل أيضاً، أي أن التفسير بالرأي ليس عاملاً يدفع هذا المعنى. أليست الفلسفة الأرسطية فلسفةً عقلانية مئة في المئة؟ أليست الأداة الجادة للفلسفة المحضة هي العقل؟ فلماذا إذن لا تواجهون فهماً واحداً موحداً في كثير من الحالات حتى في ميدان الفلسفة المحضة؟ فعلى سبيل المثال، في ميدان الفلسفة، يُقدِّس أشخاص أفلاطون، بينما في الحقل نفسه، يُكفِّره آخرون، فلدينا إذن تفسير بالرأي في حقل الفلسفة أيضاً؛ وهذا الأمر يعود إلى عوامل مختلفة، لماذا؟ لأن التفسير هو نتاج المُفسِّر، والمُفسِّر مفهوم يُعرَّف بالنظر إلى ارتباطات وعوامل مختلفة؛ وأيُّ عامل كان أبرز، اكتسى التفسير بلونه. وهنا يبرز بحث بالغ الأهمية ينبغي طرحه في ميدان أسس النقد الهرمنيوطيقي. إن التفسير بالرأي لا يوجب ألا تعتبروا الفنان - بحجة أن شهوده يخضع لتأويلات مختلفة - طرفاً فاعلاً في التعبير عن نظرياته الفنية. ينبغي للفنان أن يعبِّر عن آرائه، حتى لو كان لكل شخص تأويله الخاص لفنه. لكن حقيقة الأمر هي أنه كما أن لديكم أصولاً كلية في ميدان العرفان، يمكنكم أن تكون لكم مثل هذه الأصول الكلية في فلسفة الفن، مستقاة من جوهر الفن ذاته.
● بالنظر إلى ما ذكرتموه، يبدو أن تأثير الروح الفنية لدى الفيلسوف هو ما يدفعه إلى الخوض في مبحث فلسفة الفن، ولهذا لم يخض جميع الفلاسفة في هذا المبحث. وبعبارة أخرى، إن كون فيلسوف ما يمتلك آراءً في فلسفة الفن يتوقف على حالاته الروحية وأفكاره. هذا صحيح. برأيي، ينبغي التمييز بين الآراء الفنية لفيلسوف مثل هايدغر، خصوصاً حين يعتبر الفن روايةً لـ«شيء آخر» أو للغيب، وبين الفلاسفة الآخرين. وذلك لأن نظرة هايدغر إلى العالم والوجود نظرة خاصة، إذ يوظف هايدغر في هذا الميدان أسساً أخرى. ففي أفكار هايدغر الفنية، الجوانب الإشراقية أقوى وأكثر من الجوانب العقلانية. بل إن التعقيد والغموض الموجودين في آراء هايدغر، في نظري، ناجمان إلى حد ما عن تغلب البُعد الإشراقي في آرائه على بعدها العقلاني، ومثل هذا الفيلسوف يكون أقرب إلى فلسفة الفن، لأن ساحة الفن هي ساحة الخيال والشهود والإشراق. هذا هو تعريفي العام. فعلى سبيل المثال، ثمة فرق بين نظرة أفلوطين ونظرة أرسطو إلى الفن، وهذا الفرق هو نتاج نوع أداة النظر لدى هذين الشخصين؛ ففي الحقبة التي عاش فيها أفلوطين، كانت الجوانب الإشراقية قد تزايدت، ومن الملفت أنه هو نفسه وفرفوريوس وعموماً حوزة الإسكندرية، صاروا محييين للأفكار الأفلاطونية المثالية والإشراقية. وأفلاطون نفسه، بسبب هذه النظرة الإشراقية، أقرب إلى الفن من أرسطو. مع أن أفلاطون أيضاً، في نظرته الخاصة إلى الفن، يعتبره تقليداً للتقليد أو نسخاً. أفلوطين، في أفكاره حول الفن التي كانت شديدة التأثير في الفن المسيحي، يعتقد أن الفنان، من الملفت، يزيل ذلك الوسيط الذي أوجد مسافة بين عالم المُثُل والأثر الفني، ويُقلِّد انطلاقاً من النموذج الأزلي والأفكار المطلقة. الفنان ليس مقلداً لمجرد الواقع؛ فالفنان، حتى في تصويره لعين الواقع، يُجلِّي شيئاً مضافاً على الواقع نفسه. لكن منشأ تلك الإضافة هو عالم آخر (بتعبير هايدغر)
● هل تسعى فلسفة الفن إلى بحث نظري محض، أم أن لها ثماراً عملية أيضاً؟ إنه سؤال شيق للغاية. يقول برتراند راسل في مستهل كتابه تاريخ الفلسفة: إن الفلاسفة يتعلمون من الماضي والحاضر، أي أنهم أبناء زمانهم ومعاني وأسس الأمس، ويؤثرون في الغد. على طالب الفلسفة بالضرورة أن يجتاز معبر مباحث تاريخ الفلسفة. ولهذا السبب فإن ما بعد الحداثيين الذين يهدمون التاريخ، يهدمون في الحقيقة الغد، لأن التاريخ هو المعبر للوصول إلى الغد؛ يستخدم الفيلسوف أفكار الأمس، لكنه لا يقتصر على اليوم والأمس فحسب، بل إن الغد، في دوامة الزمان، يُحدث تحولات في صميم كل القضايا، حتى القضايا الاجتماعية والسياسية؛ والفن كذلك أيضاً. إذا ما شقّ الفنانون أنفسهم الأسس النظرية للفن، بذلك التعريف الذي عرضته عليكم، فإنها تتحول إلى «أسلوب». فإذا قدم تاركوفسكي مثلاً، في مقابلة ما، شرحه النظري حول فيلم سولاريس، فإن طريقة رؤيته هذه تصبح أسلوباً سينمائياً؛ هذه هي الصورة العملية.
حقاً إن بعض الفنانين يمتلكون لغة فنية، مثل مولانا الذي على الرغم من كل إشراقاته في العشق مع شمس، فإن لغته في المثنوي عقلانية. إذا شرح مولانا أسسه النظرية، فإنه يخلق أسلوباً، وهذا الأسلوب هو ذاته التقنية، أي ذاك الأثر العملي الذي يُترك على شيء ما. يأخذ الفنان الأسس العرفانية وينفذها في عمله، مثل المصورين الإيرانيين. إن أخذ هذا الأساس العرفاني ثم استخدامه في خلق عمل فني، يحول هذا المسار بعد فترة إلى أسلوب، وبهذا الشكل يكتسب الأساس النظري ثمرة عملية أيضاً. هذه الثمار هي تأسيس أساليب وطرائق وتقنيات جديدة في الفن. وهناك نقطة أخرى ينبغي بحثها بتفصيل في موضع آخر، وهي: ما نسبة التقنية إلى المعنى، أو نسبة المحتوى إلى القالب في هذا المجال؟ لأن إحدى أكثر مباحث الأسس النظرية للفن حساسية، هي ذاتها هذه النسبة بين القالب والمعنى.
.
.
.
.
الأدب
الفلسفة
الدين
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.