اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الرسالة الجامعية في إيران اقتصادية أكثر منها علمية. وفي حوار مع صحيفة اقتصاد، يشخّص هدايت علويتبار مواطن الخلل: نقص الإمكانات البحثية، ومعوقات السفر الدراسي، والتساهلات التي تميز الخريج عن المتخصص.

صحيفة اقتصاد: النظام التعليمي هو عملية محددة مسبقًا، وكثيرون منا، دون أن يكون لنا دور فيها، نكون أشبه بقطع الشطرنج التي تدخل مراحلها المختلفة. يتم التخطيط ووضع السياسات المتعلقة بنا من أعلى، ولذلك فإننا في معظم الأحيان لا ندرك واجباتنا وتكاليفنا في هذا النظام على النحو الصحيح، ولا نملك وعيًا بضرورة الأفعال التي نقوم بها. هذا الجهل بالواجبات والتكاليف وأسباب القيام بالأمور، إلى جانب النواقص البنيوية، أدى إلى عجز النظام التعليمي عن امتلاك عناصر فاعلة وإلى عدم تمكنه من بلوغ الأهداف التي حددها لنفسه مسبقًا. في هذا الحوار، يجيب الدكتور هدايت علوي تبار على أسئلة «دنياي اقتصاد» حول ظروف كتابة الأطروحة أو الرسالة في إيران، ويتناول تبيين الأدوار والتوقعات والأفعال والنواقص الموجودة في هذا الصدد. الدكتور علوي تبار هو أستاذ مشارك في قسم الفلسفة بجامعة العلامة الطباطبائي، وقد سبق له أن تناول في مقالة له تشخيص مواطن الخلل في أداء الأساتذة في مجال كتابة الأطروحات.
قبل أن ندخل في نقاش تشخيص مواطن الخلل، ربما يكون من الأفضل أن نتساءل عن ماهية الأطروحة. أساسًا، أين يكمن دور ومكانة وأهمية كتابة الأطروحة في نظام التعليم العالي؟
ينبغي أن أشير بدايةً إلى أن تناول صحيفة «دنياي اقتصاد» لموضوع الأطروحة هو أمر مناسب تمامًا وفي محله، لأن الأطروحة في بلدنا اليوم هي نشاط اقتصادي أكثر منها نشاطًا علميًا. لكن في الإجابة على هذا السؤال، يجب أن أقول إن جزءًا من نظامنا الجامعي مخصص للتعليم. في هذا الجزء، يقوم الأساتذة بتعليم الطلاب موادًا في الصف، ولكن نظرًا لأن الوحدات الجامعية محدودة، وهذه الوحدات تُقدم في فصول دراسية محدودة من حيث الوقت، فإن الطالب إذا ما اكتفى بما يُدرّس في الصف فلن يحصل على الكثير. ولهذا السبب، يكلف الأساتذة طلابهم بإجراء بحوث في صفوفهم، ويُلزم طلاب الدراسات العليا بكتابة أطروحة للتخرج. إذن، الهدف من كتابة البحث أو الأطروحة هو أن يتعرف الطلاب على المصادر ويكتسبوا تدريجيًا القدرة على استنباط المطالب من مصادر متنوعة. وفي هذه الحالة، يمكنهم أن يضيفوا عبر البحث إلى ما تعلموه في قاعة الدرس.
ما هو التوقع الموجود عادةً من الطالب داخل النظام التعليمي فيما يتعلق بكتابة الأطروحة، وما هي الإمكانيات التي توفرها له الجامعة في هذا الصدد؟
توقعات النظام التعليمي واضحة. فالنظام التعليمي يرغب في أن يقدم الطالب أطروحة بجودة مقبولة. لكن ينبغي النظر فيما إذا كانت الإمكانات التي نوفرها للطالب متناسبة مع التوقعات التي نعقدها عليه أم لا. الإمكانات المتاحة للطالب في إيران محدودة حقاً. فهي تقتصر على استخدام مكتبة الجامعة، ومن خلال مشروع الغدير، استخدام مكتبات الجامعات الأخرى. وبالنظر إلى أن معظم مصادر كتابة الأطروحة (خاصة أطروحة الدكتوراه) باللغات الأجنبية، وأن الكثير منها غير متوفر في المكتبات داخل البلاد، يعاني الطلاب من مشكلة في هذا الجانب. إمكانات جامعاتنا لا تقارن من هذه الناحية بالجامعات المرموقة في العالم. فهذه الجامعات تبرم عقوداً مع بعض المواقع البحثية. فعندما يشرع الطالب في كتابة أطروحته أو أي بحث آخر، يتوجه أولاً إلى أحد هذه المواقع ويبحث عن موضوع بحثه. فيقوم الموقع بفهرسة جميع المصادر المتعلقة بذلك الموضوع، من كتب ومقالات وأفلام وأطروحات ومقابلات وغيرها، وهي قائمة قابلة لإعادة الترتيب بأشكال مختلفة وبناءً على حاجة الطالب. في المرحلة التالية، يطلب الطالب أي مصدر يحتاجه من مكتبة الجامعة، وتكون الجامعة ملزمة بتوفير جميع تلك المصادر له مجاناً. وإذا لم تكن بعض هذه المصادر متوفرة داخل البلاد، فعلى الجامعة تأمينها من الخارج. كنت قد ذهبت إلى جامعة مكغيل في كندا لكتابة أطروحة الدكتوراه، لكن هذه الجامعة وفرت لي العديد من المصادر التي كنت أحتاجها من جامعات أمريكية. النقطة المثيرة للاهتمام هي سرعة توفير المصادر. فالمصادر الموجودة داخل ذلك البلد توضع بتصرف الطالب في غضون أيام قليلة، والمصادر من خارج البلاد في غضون أسبوعين كحد أقصى. مثل هذه الجامعات تعد جنة لأي باحث، لأن كل ما يحتاجه للبحث يوضع بتصرفه.
من التسهيلات الأخرى المتاحة لطلاب الدكتوراه في البلدان المتقدمة هي الرحلة الدراسية إلى بلد آخر. في بلدنا أيضاً، كانت هذه الإمكانية متاحة لطلاب الدكتوراه منذ سنوات بعيدة، ولكن بدلاً من أن تتيسر هذه الرحلات كلما تقدمنا لكي يتمكن عدد أكبر من الطلاب من الاستفادة منها، نحن نسير في اتجاه معاكس، وقد سُنَّت في السنوات الأخيرة قوانين معرقلة في هذا المجال. كما أن الدعم المالي الذي تقدمه الجامعات المرموقة في العالم للطلاب، خاصة في مرحلة الدكتوراه، يفوق بكثير ما تقدمه جامعاتنا.
ما الفارق بين الخريج من تخصص دراسي والمتخصص، ومن أين ينشأ هذا الفراغ المحتمل؟
إذا حصرنا النقاش في مجال العلوم الإنسانية، ينبغي القول إن معظم خريجي هذا المجال ليسوا متخصصين في تخصصاتهم. لهذا الأمر أسباب متعددة، ونظراً لضيق وقت هذه المقابلة، سأشير فقط إلى أحد أهمها، وهو التساهل في النظام التعليمي في البلاد. كان يقال في الماضي إن جامعاتنا تشبه القمع، فأحد طرفيه، أي الدخول إلى الجامعة، ضيق، وطرفه الآخر، أي الخروج من الجامعة، واسع. أما اليوم، وبسبب القبول الجماعي للطلاب، فقد تحول هذا القمع إلى أسطوانة طرفاها واسعان. في جامعاتنا، وعلى عكس الجامعات المرموقة في البلدان المتقدمة، لا توجد الصرامة اللازمة لكي يتحول الطالب إلى متخصص. عملنا في الجامعة أشبه بـ "الحياكة السريعة"، ونتصور أن علينا تحويل التلميذ إلى طالب، والطالب إلى خريج بأسرع وقت ممكن. في البلدان المتقدمة، لا يستطيع كثير ممن يلتحقون بالجامعة إكمال المسار الدراسي الصعب، أما في بلدنا فيمكن للطالب ألا يتعلم شيئاً تقريباً ويتخرج أيضاً. بالطبع، كثير من الطلاب لا ينزعجون من هذا الأمر، لأنهم لم يأتوا إلى الجامعة ليتعلموا شيئاً ويصبحوا متخصصين، بل أتوا ليتخرجوا.
إلى أي مدى تعتبر العلاقة بين الأستاذ والطالب في عملية كتابة الأطروحة تابعة للجهد المبذول من أجل تطوير المعرفة؟
الطلاب الذين دخلوا الجامعة بدافع علمي يكون معيارهم في اختيار المشرف على الأطروحة هو مدى تمكن الأستاذ العلمي. ويمكن توقع أن تساهم مثل هذه الأطروحات في تطوير المعرفة. أما الطلاب الذين هدفهم مجرد الحصول على الشهادة – ويجب الاعتراف للأسف أنهم يشكلون الأغلبية – فينجذبون إلى الأساتذة الذين لا يتشددون، وحيث يمكن للطالب بسهولة أن يجتاز أطروحة هزيلة بدرجة عالية. ولهذا السبب فإن سوق الأساتذة المتساهلين رائجة، وهم منهمكون في خط إنتاج الخريجين.
برأيكم، هل الظروف الراهنة لكتابة الأطروحة ناتجة أكثر عن قصور القانون وضعف مؤسسات صنع القرار أم عن أداء الأكاديميين؟
كلا العاملين مؤثر. لقد قمت بتشخيص مواطن الخلل في أداء الأساتذة في مجال الأطروحة في مقال نُشر في مثل هذه الأيام من العام الماضي. وسأتطرق هنا بإيجاز لبعض القوانين الخاطئة:
1- في الماضي، كان مجموع التدريس الإلزامي والتدريس الإضافي والإشراف والاستشارة على الأطروحات لكل أستاذ في كل فصل دراسي 20 ساعة كحد أقصى، لكن في الحكومة السابقة ارتفع هذا المقدار إلى 30 ساعة، وإذا أضفنا 9 ساعات في الصيف يصبح المجموع في السنة الواحدة 69 ساعة. هذا رقم كبير ويسمح للأستاذ بتولي الإشراف والاستشارة على عدد كبير من الأطروحات. هذا مع العلم أن تحكيم الأطروحات لا يُحتسب ضمن هذه الساعات الـ 69 وله حساب منفصل. ويجب أن نضيف إلى ذلك الأطروحات التي يأخذها الأستاذ من خارج جامعته. إذا كانت الجامعة تريد أطروحات ذات جودة مرغوبة، فعليها إعادة هذا القانون إلى وضعه السابق كي لا يتمكن الأساتذة من أن يكونوا مشرفين ومستشارين لعدد كبير من الأطروحات في آن واحد. في العام الماضي قرأت في النشرة الإخبارية لإحدى الجامعات أن أحد أعضاء هيئة التدريس فيها اختير كأستاذ نموذجي على مستوى الدولة. كتبت النشرة أن الأستاذ المذكور، بالإضافة إلى عدد كبير من الكتب والمشاريع البحثية و541 مقالة علمية بحثية داخلية وخارجية، «لديه 1500 حالة إشراف على أطروحة ورسالة طلابية في سجله». أعتقد أن هذه الأرقام معبرة ولا تحتاج إلى شرح.
2- مؤخراً، سُمح للأساتذة المتقاعدين الحاصلين على رتبة الأستاذية الكاملة، بالإضافة إلى 10 ساعات تدريس، أن يكون لديهم المقدار نفسه من الإشراف على الأطروحات. وبالنظر إلى أن هذا المقدار من التدريس والأطروحات هو بمستوى الأساتذة العاملين، بل وفي بعض الحالات أكثر منه، يُطرح هذا السؤال: ما معنى التقاعد في هذه الحالة؟ أليس من الأفضل، بدلاً من سن هذه القوانين وتشجيع الأساتذة المتقاعدين على أخذ التدريس والأطروحات، أن نسمح لهم باستثمار ما تبقى من أعمارهم في كتابة آخر نظرياتهم وتركها ذكرى للجيل الحالي والأجيال القادمة؟ حسب علمي، لا يُسمح للأساتذة المتقاعدين في الجامعات المرموقة في العالم بأخذ أطروحات.
3- بناءً على القوانين الحالية، من أصل 20 درجة لأطروحة الماجستير، تُخصص درجة واحدة للمقال، وتُمنح درجة المقال للطالب شريطة أن تتم المناقشة في الفصل الدراسي الرابع كحد أقصى. وبالنظر إلى أن على الطالب في الفصول الثلاثة الأولى أن ينهي وحداته الدراسية، فكيف نتوقع منه أن يكتب في الفصل الرابع الأطروحة والمقال معاً؟ هذا توقع في غير محله، وكانت نتيجته أن عدداً قليلاً جداً من الطلاب تمكنوا من الحصول على درجة المقال.
4- في العام الماضي صدر قانون يُلزم طلاب الدكتوراه بتحديد المشرف في الفصل الدراسي الأول وموضوع الأطروحة في الفصل الدراسي الثاني. ثمة عدة إشكاليات في هذا القانون: أولاً، لا معنى لتعيين المشرف دون تحديد الموضوع، فكيف للطالب أن يحدد المشرف قبل أن يتفق مع الأستاذ على الموضوع؟ ثانياً، لا يدرس الطالب في الفصل الأول إلا مع عدد قليل من الأساتذة، ومن المحتمل ألا يكون على معرفة بالأساتذة الذين سيدرّسونه في الفصول اللاحقة. لذا فإن معرفته بأساتذة القسم ليست كافية لاختيار المشرف، ويرتفع احتمال أن يغير رأيه في الفصول التالية. ثالثاً، سيؤدي هذا القانون إلى نشوب نزاعات بين الأساتذة. فإذا تم اختيار المشرف في الفصل الأول، فإن فرصة الأساتذة الذين يدرّسون في الفصل الأول في أن يتم اختيارهم ستكون أكبر بكثير، بينما الأساتذة الذين يدرّسون في الفصول اللاحقة قد لا ينالون نصيباً من أطروحات الدكتوراه. وقد سمعت أنه لهذا السبب بالذات نشبت خلافات بين الأساتذة في بعض الأقسام العلمية حول التدريس في الفصل الأول، ويمكن التوقع بأننا سنشهد المزيد من النزاعات في المستقبل إذا استمر العمل بهذا القانون. وعليه، فإن غياب القوانين الفعالة هو أحد عوامل الوضع غير المرضي للأطروحات.
تحدثت قبل فترة مع رئيس أحد الأقسام العلمية. وقد استخدم تشبيهاً طريفاً حين قال: كما نواجه في البلاد ظواهر مثل نهب الأراضي ونهب الجبال ونهب الغابات، نواجه في الجامعات ظاهرة تُدعى «نهب الرسائل». الدافع المالي للأساتذة من جهة، وقصور القوانين وضعف المؤسسات الرقابية من جهة ثانية، ونزعة الشهاداتية لدى معظم الطلاب من جهة ثالثة، كل ذلك دفع ببعض الأساتذة إلى أن يصبحوا «آكلي رسائل».
علم الاجتماع
الفلسفة
الفلسفة
علم الاجتماع
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.