اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
حوارٌ بين رؤيا صدر وياسر ميردامادي يبحث في العلاقة بين الفكاهة وعلم الكلام الإسلامي. ترفض صدر رأي العلامة الجعفري القائل بأن الإهانة جوهرية في الفكاهة، وتحتج بأن غاية الفكاهة هي الإصلاح، وأن الإهانة ليست جزءاً لا يتجزأ منها.

ما تقرؤونه الآن هو حوار بين رؤيا صدر، الكاتبة والباحثة الإيرانية في مجال السخرية، وياسر ميردامادي حول العلاقة بين السخرية واللاهوت الإسلامي. نُشر هذا الحوار إلى جانب اثني عشر حواراً آخر في كتاب بعنوان «ثلاثة عشر حواراً: التفكير بالسخرية» عن دار مرواريد للنشر عام ۱۳۹۵ شمسي في طهران.
1- يرى بعض العلماء كالعلامة الجعفري أن السخرية، بما أنها خلاف الواقع وتقوم على الانتقاص والإهانة للمخاطَب، فهي غير جائزة. لأن الإهانة كامنة في جوهر السخرية، وإلا لما أصبحت سخرية. فهل يمكن بناءً على هذا اعتبار السخرية بشكل عام غير أخلاقية وبالتالي غير دينية؟
هذا الحكم أبداه المرحوم محمد تقي جعفري في مقابلة واردة في هذا الكتاب: بحث حول السخرية في الشريعة والأخلاق، مجموعة المعارف في مركز البحوث الإسلامية للإذاعة والتلفزيون، قم: بوستان كتاب، ۱۳۸۱. ذلك الجزء من كلامه الذي ربما قصدتموه في سؤالكم، هو هذا الجزء: «برأيي الأصل في السخرية هو المنع، أي أن الأصل الأولي في السخرية هو وجود المانع والحرمة؛ لأنها خلاف الواقع وتقوم على الانتقاص والإهانة للطرف الآخر. يريد الساخر إبراز عيوب الآخر، وسواء أراد أم لم يرد، ففي هذه الظاهرة إهانة وتحقير وإيذاء، لأن كل سخرية بحكم القاعدة وبغض النظر عن العوارض، هي إهانة. الإهانة في جوهرها وإلا لما أصبحت سخرية.»
يجب أن أقول إن صدور هكذا حكم من رجل دين لطيف، مفعم بالسخرية والدعابة، وعالم مثل المرحوم الجعفري كان مستبعداً. خاصة أن الفقهاء الآخرين الذين أُجريت معهم مقابلات في الكتاب المذكور (مكارم شيرازي، معرفت، سيد كاظم حائري وآخرون) كانت أحكامهم جميعاً حول السخرية غير جوهرانية، أي أنهم قالوا باختصار إن السخرية إذا توفر فيها شرط كذا وكذا فهي جائزة وإلا فلا، والشخص الوحيد في هذه المجموعة الذي أبدى حكماً جوهرانياً حول السخرية -وهذا الأمر لم يخفَ على من أجرى المقابلة في الكتاب نفسه- هو المرحوم محمد تقي جعفري.
سأشرح في إجابتي على السؤال الثالث أن السخرية لا جوهر لها، ولن أكرر ذلك الجواب هنا. ولكن حتى لو لم يكن للسخرية جوهر، فقد تظل لها سمة رئيسية. ولكن إن كان للسخرية سمة رئيسية، فادعائي هو أن تلك السمة الرئيسية ليست الإهانة حتى نستطيع القول إن الأصل الأولي في السخرية هو عدم جوازها. ولأبيّن لماذا لا تعد الإهانة السمة الرئيسية للسخرية (ناهيك عن الجوهر الافتراضي للسخرية)، من الجيد أن نحدد المقصود من «السخرية» و«الإهانة».
السخرية، وفقاً لتعريف وتوصيف مقبول، هي «شكل وتعبير فني، غالباً ما يكون أدبياً ودرامياً، تُنقد فيه الحماقات والرذائل والتجاوزات والنقائص البشرية وتُوبخ، وذلك بأساليب مثل الاستهزاء، والهجاء، والمحاكاة الساخرة (parody)، والقول بالعكس، والتعريض والتلميح، والكاريكاتير أو أساليب أخرى من هذا القبيل؛ وقد يكون الهدف من هذا العمل الإلهام نحو الإصلاح الاجتماعي».[1] يتبين من هذا التعريف أن في السخرية ثلاثة عوامل: ۱- الإبداع الظريف، ۲- النقد و ۳- الدعابة، ذات أهمية محورية. وهذه النقطة جديرة بالاهتمام أيضاً وهي أن البعض اعتبر السخرية والدعابة مترادفين، لكن يبدو أن السخرية ليست هي الدعابة، فرغم أن السخرية ربما تتضمن دائماً شكلاً من الدعابة، إلا أن الدعابة ليست دائماً ذات جانب نقدي وإصلاحي، وبناءً على هذا فليست كل دعابة سخرية.
ويمكن كذلك أن يتضح منظورنا بشكل أفضل من خلال التمييز بين الهجاء (satire) والكوميديا (comedy). في الكوميديا يمكن أن يكون الهدف هو الإضحاك فحسب (وإن لم يكن الأمر كذلك دائمًا)، أما في الهجاء فإن الإضحاك وسيلة لـ«أمر آخر» وليس غاية في حد ذاته،[2] وهذا الأمر الآخر، كما أشير، يمكن أن يكون الإصلاح الاجتماعي. يوضح هذا أن الهدف من الهجاء هو إظهار النقائص ربما بغية إصلاحها، وأن الإهانة ليست جزءًا لا يتجزأ من الهجاء. ومع أن الهجاء يمكن أن يكون مهينًا أيضًا، إلا أن كون بعض ضروب الهجاء مهينة لا يستلزم البتة أن يكون الهجاء مهينًا أساسًا وبالكامل.
ولكن ما هي الإهانة؟ لمزيد من التوضيح لماهية الإهانة، اسمحوا لي أن أورد هنا جزءًا من إجابتي في مقابلة أخرى حول تعريف الإهانة وخصائصها: «الإهانة هي ضرب من القمع حيث لا يكون القمع جائزًا، حتى لو صدرت كرد فعل على قمع: حينما يُقال لشخص ما، عن قصد وعمد (عالمًا-عامدًا) «اخرس أيها القذر!» (وليس أن تفلت هذه الكلمة من فم قائلها دون قصد)، حتى لو كان الشخص الذي أُهين قد ارتكب إهانة فعلًا، فإن قائل هذا الكلام، في رد فعله على القمع، يكون قد لجأ إلى قمع متبادل. حينما يهين شخص آخر، يُقال أحيانًا في التعبير العامي لوصف هذا الفعل: «أرأيت كيف سحق الطرف الآخر!؟».
هذا يعني أن حدسنا اللغوي يربط الإهانة ارتباطًا عميقًا بالقمع (السحق). ليس كل قمع إهانة بالطبع، لأن القمع إذا كان جائزًا لا يُعد مصداقًا للإهانة. فمثلًا، إذا كان شخص ما ينوي احتجاز طفل كرهينة وكان السبيل الوحيد لمنعه هو الصراخ وطلب النجدة من الناس، ففي هذه الحالة يكون الشخص المحتجز للرهينة -من خلال الصرخات التي أُطلقت لطلب المساعدة لمنعه من فعله- قد تعرض للقمع، ولكن بما أن هذا القمع كان جائزًا، فلم تقع إهانة بحق محتجز الرهينة. وغني عن البيان أن العثور على الحد الفاصل بين القمع الجائز والقمع غير الجائز، إن كان ممكنًا، ليس بالأمر اليسير دائمًا. ومع ذلك، فإن الصعوبة العملية في العثور على الحد الفاصل بين القمع الجائز وغير الجائز لا تضر بالتفريق النظري-المفهومي بينهما. الإهانة، بما أنها من جنس القمع غير الجائز، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعدم التسامح. فالمتسامح لا يصبح مهينًا، لأنه لا يلجأ إلى القمع غير الجائز.»[3] إذا اعتبرنا الإهانة قمعًا غير جائز، واعتبرنا الهجاء تعبيرًا فنيًا عن النقائص بأسلوب هزلي لطيف بنية إصلاح تلك النقائص، يتضح أن الإهانة ليست ذاتية في الهجاء -إن كان للهجاء ذاتية أصلًا.
كان بحثي حتى هذه النقطة عقلياً، أي أنني كنت أستدل على أن السخرية، من منظور عقلي، لا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالإهانة، بحيث لا يمكن لأحد أن يستنتج من الطبيعة المهينة لبعض نماذج السخرية أن السخرية مهينة بذاتها -إذا كان للسخرية ذات جوهرية أصلاً-. لكن سؤالكم تضمن جانباً دينياً أيضاً (لا سيما عندما اقتبستم من المرحوم محمد تقي جعفري وأوردتم في نهاية السؤال أنه إذا كان أمر ما غير أخلاقي، فإنه يصبح غير ديني أيضاً). ولكن، هل يكفي وجود دليل عقلي مقنع على أمر ما لنقول إن لدينا دليلاً شرعياً على ذلك الأمر أيضاً؟ بعبارة أخرى، هل الدليل العقلي وحده كافٍ لاعتبار أمر ما شرعياً؟ هناك رأي شائع يقول: نعم، كل ما يحكم به العقل يحكم به الشرع (وهو ما يسمى في أصول الفقه بـ«قاعدة الملازمة»، أي ملازمة العقل والشرع). لكن هذه القاعدة محفوفة بقيود وشروط تجعل من غير الممكن عملياً استخلاص أي شيء بخصوص الشرع من حكم العقل وحده، لأن الفقهاء يقولون إنه يجب أن يكون ذلك الأمر العقلي موضع اتفاق جميع أهل العقل وألا يكون هناك أي استثناء في هذا الشأن (أي أنه حتى لو كان لواحد من أهل العقل رأي مختلف، فإن هذا لم يعد حكماً مطلقاً للعقل من وجهة نظر الفقهاء)، وأيضاً أن يتفق عليه أهل العقل من حيث هم عقلاء فقط، لا بدافع المشاعر والعواطف وما شابه ذلك (وعلى هذا الأساس، فحتى لو اتفق جميع أهل العقول على شيء ما، لكن تبين أن ذلك كان نتيجة تواطؤ وتحزب وليس حكماً عقلياً محضاً، فإنه لا يعد حكماً مطلقاً للعقل). وبهذا المعيار اليقيني الصارم، لا يمكن عملياً إثبات أي حكم شرعي، بذاته، بحكم العقل، وبهذا التشدد في معيار الحكم العقلي المحض في الأمور الشرعية، يُدخل الفقهاء دائماً النقل (القرآن، والسنة، وأقوال الفقهاء الآخرين -لا سيما إذا بلغت أقوال الفقهاء في موضوع ما حد الإجماع) للفصل في شرعية أمر ما، حتى لو كانوا يؤمنون نظرياً بقاعدة الملازمة.[4] ولهذا السبب يكتب محمد باقر الصدر (1359-1313 هـ.ش)، الفقيه والأصولي والمفسر والمتكلم العراقي الراحل: «نحن نعتقد أنه يمكن العمل بما يسمى بـ«الدليل العقلي» -الذي يختلف المجتهدون والمحدثون في العمل به-، لكننا لم نعثر على حكم [فقهي] واحد يثبت [فقط] بالدليل العقلي...»[5] (الإضافات بين المعقوفتين منا).
أوردت هذه النقطة، بشيء من التفصيل، لكي ندرك منذ بداية هذا النقاش المحدوديات اللاهوتية لحوارنا. أقصى ما قد نستطيع إثباته هنا هو أن السخرية، من منظور عقلي، ليست هي الإهانة، أو أنه يمكن تناول «المقدسات» بطريقة ساخرة، لكن الكثير من المتدينين، بناءً على الروح النقلية السائدة في الفكر اللاهوتي-الفقهي، حتى لو وجدوا استدلالاتنا مقنعة، سيعودون ليقولوا: حسن جداً، ولكن لنرَ ماذا يقول الفقهاء أو الكتاب والسنة، فحكم العقل وحده لا يكفي لاعتبار أمر ما شرعياً أو عدم اعتباره كذلك. ومع أن هذه النظرة النقلية لا يمكن الدفاع عنها، إلا أنها شائعة ومتجذرة لدرجة أنه يجب الانتباه إليها كمحدودية في هذا النقاش طوال الحوار، ولهذا فإننا إذا أوردنا مستندات نقلية (لا سيما من القرآن أو الروايات) في هذا النقاش، فإنها جميعاً تأخذ جانب «المؤيد» لا «الدليل»، فالدليل هو الدليل العقلي ولا غير، و«الدليل» النقلي يشير فقط إلى الحكم العقلي دون أن يحل محله.
2-هل تنطوي السخرية والمزاح والطرفة والضحك، في ذاتها ولذاتها من منظور ديني، على آثار ضارة؟ (أي حتى لو أجازها البعض، فهل يرون لها آثاراً ضارة أيضاً؟)
من الجيد قبل الإجابة عن هذا السؤال أن أطرح سؤالاً مرتبطاً به لكنه أكثر جوهرية: من الذي سيُعبّر عن النظرة الدينية؟ من الواضح أنه لو كان من المفترض، من وجهة نظركم، أن الفقهاء وحدهم هم من يُعبّرون عن النظرة الدينية، لما كنتم تطرحون هذه الأسئلة على شخص غير فقيه، ولما كنتم -على غرار ما فعلته مجموعة المعارف الإسلامية في الإذاعة والتلفزيون بشأن الفكاهة، في الكتاب المذكور آنفاً، حيث أجرت مقابلات مع عدد من الفقهاء فحسب- لتقتصروا على إجراء مقابلات مع الفقهاء ورجال الدين المنشغلين بالفقه. يبدو أن الفقهاء ليسوا وحدهم من يمكنهم التعبير عن النظرة الدينية، بل إن الفلاسفة والمتكلمين والمحدثين وأهل التصوف والمعنويين، وكذلك المتخصصين في الدراسات الإسلامية (غربيين كانوا أم شرقيين)، هم أيضاً من بين أولئك الذين يمكنهم التعبير عن النظرة الدينية.
لكن دعوني الآن أتطرق إلى سؤالكم. يبدو من المنظور الديني (أي الفهم المعقول الذي يمكن استخلاصه من الآيات والروايات الإسلامية وسيرة عظماء الدين -بمن فيهم العرفاء والمعنويون-) أن الفكاهة والمزاح والطرفة والضحك، في حد ذاتها (وهذا القيد مهم)، لم توصف بأنها ضارة. هناك العديد من الاقتباسات عن مزاح النبي والأئمة (حتى عن الإمام السجاد، المشهور في الأجواء الشيعية بالبكاء والحزن) لا أنوي تكرارها هنا. ومع ذلك، ولكسر جفاف الكلام، أورد نموذجاً من الطرافة والمزاح المنسوب إلى الإمام السجاد (عليه السلام):
«جاء أعرابي ذات يوم إلى مسجد رسول الله فصلى ركعتين في غاية العجلة، لم يراعِ التعديل في أي ركن، ولم يأتِ بالترتيل في القراءة، وكان الإمام السجاد عليه السلام ينظر إليه. فلما سلّم الأعرابي رفع يديه بالدعاء وقال: اللهم ارزقني أعلى درجات الجنة، وأعطني قصراً من ذهب وأربع حور عين في الجنة. فقال الإمام: يا أعرابي، لقد أتيت بمهر حقير وطمعت في نكاح كبير».[6]
من جهة أخرى، وردت روايات تنهى عن المزاح والضحك (الضحك الكثير والقهقهة). وللتوفيق بين هاتين المجموعتين من الروايات المتعارضة ظاهرياً (من جهة مزاح النبي والأئمة أنفسهم، ومن جهة أخرى نهيهم عن المزاح والضحك)، يُقال عموماً إن أصل الضحك والمزاح حسن، لكن ينبغي ألا يؤدي ذلك إلى الغفلة عن الله، أو إهانة الآخرين، أو قلب الحقائق، أو الاستهزاء بالمقدسات، أو الإفراط في المزاح والضحك وما شابه ذلك.
وعندما نرجع إلى القرآن، بوصفه أهم مصدر نقلي للمسلمين، نجده يصور الضحك في مواقف مختلفة، وبالتالي بدلالات مختلفة:
١- الضحك في موقف يسخر فيه الكافرون والمنافقون من آيات الله، مثلاً: «فَلَمَّا جَاءَهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ» (الزخرف: ٤٧). هذا المعنى من الضحك سلبي تماماً؛
٢- الضحك في موقف يرد فيه أهل الجنة على ضحك الكافرين الساخر في الدنيا: «فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ» (المطففين: ٣٤)؛
٣- الضحك الناتج عن الفرح أو التعجب، والذي يشير إلى ضحك النبي سليمان من قول النملة، مثلاً: «فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا...» (النمل: جزء من ١٩)؛
٤- أن الله هو الذي يُضحك ويُبكي: «وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ» (النجم: ٤٣). هذه الآية مهمة بشكل خاص لأنها تنسب الإضحاك إلى الله مباشرة، وبالتالي فهي ذات قيمة لاهوتية أكبر في بحث الضحك. واجه المفسرون في تفسير هذه الآية سؤالاً: هل يثير الله الضحك في الإنسان بالمعنى الحقيقي للكلمة، أم أنه يوفر فقط أرضية الضحك في الإنسان، أي أنه يمنح الإنسان الفرح والصحة مما يؤدي إلى الانشراح والضحك في الإنسان، لكن الضحك يصدر عن الإنسان نفسه مباشرة؟ أخذ المعتزلة بالرأي الأخير، أي أن الله هو مسبب الضحك فقط، لكن الضحك يصدر في النهاية عن الإنسان نفسه، وقد أخذ المعتزلة بهذا الرأي بشكل خاص لكي لا يسلبوا الاختيار من البشر (كان الحفاظ على اختيار الإنسان مهماً جداً لدى المعتزلة). ومع ذلك، استثنى بعض المفسرين حالة: الضحك الذي لا يستطيع الإنسان أن يمنع نفسه منه، هو ضحك أنزله الله مباشرة.[7]
حتى الآن، يبدو أن الضحك في حد ذاته ليس مدانًا في القرآن، بل إنه يُلمح إليه كرد فعل طبيعي (في حالة سليمان مثلاً)، أو حتى كفعل يفعله أهل الجنة (مع بقاء السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان ضحك أهل الجنة على الكفار هو سخرية أم لا، وسأتناول هذا الموضوع في إجابتي على السؤال ١٣)، بل وأكثر من ذلك، هو فعل يهيئ الله سبحانه وتعالى أسبابه، وفي بعض الحالات يرسل الضحك مباشرة.
٥- ولكن هناك آية واحدة فقط في القرآن قد يُستشف منها أن الضحك في حد ذاته مدان، والبكاء محمود. ففي نهاية سورة النجم، عندما يتحدث الله عن اقتراب القيامة، ثم يوبخ الذين لا يأخذون هذا الخبر على محمل الجد قائلاً: أمن هذا الحديث تعجبون و: «تَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ» (النجم: ٦٠)؟ غير أن معظم المفسرين القدامى والمحدثين قد فسروا الضحك في هذه الآية بمعنى السخرية، وليس إدانة للفرح والضحك بشكل عام، أي أنهم عدّوها مثالاً من آيات الفئة الأولى. وقلة قليلة من المفسرين (مثل فخر الرازي في "التفسير الكبير" أو الماوردي في "النكت والعيون")، بالإضافة إلى طرحهم احتمال أن يكون المقصود بالضحك في هذه الآية هو الاستهزاء، طرحوا أيضًا احتمال أن يكون المقصود بالآية هو عدم صواب الفرح بشكل كامل عند سماع خبر اقتراب القيامة، وإن لم يرجحوه على الاحتمال الآخر. ومع ذلك، في الأوساط الزاهدة والصوفية، كان الميل إلى ترك الفرح والضحك بشكل عام مدعومًا بتفسير متشدد لآيات مثل هذه الآية.
٦- موضع آخر يرد فيه ذكر الضحك في القرآن، وهو موضع مثير للاهتمام بشكل خاص، وبقدر ما بحث صاحب هذا القلم، لم يُلتفت إليه كثيرًا في الأدبيات المتعلقة بعلاقة القرآن بالفكاهة والضحك. ففي سورة التوبة، في معرض الإشارة إلى الذين لم يرافقوا النبي في الحرب وتخلفوا في بيوتهم، بالإضافة إلى التهديد بنار جهنم، يُقال: «فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» (التوبة: ٨٢). إن كون جزاء المرء على فعله غير اللائق هو أن يضحك قليلاً ويبكي كثيرًا، يدل على أن قلة الضحك (وكثرة البكاء) ليست أمرًا محمودًا، لأن الإنسان يُعذب بالأمر غير المستحب لا بالأمر المستحب. ويتعزز هذا الفهم للآية عندما نتبنى نظرية معينة في سبب ضحك البشر ومزاحهم، تسمى في الأدبيات الفلسفية المعاصرة "نظرية الراحة النفسية في الضحك والفكاهة" (relief theory of laughter and humor): فالبشر يضحكون ويمزحون لأن الضحك والمزاح مدعاة لراحة النفس وانشراح البال.[8] ومن ثم، فالضحك من منظور قرآني نعمة، وحرمان المذنبين من هذه النعمة هو عذاب لهم.
كما جمع الباحثون مجموعة من "المفارقات القرآنية"، وهي تعابير تهكمية وردت في صورة تشبيهات سلبية بحق الكفار والمنافقين والفاسقين في القرآن، وبعضها كنايات وطعنات تهكمية.[9] ويوجز جورج تامر (Georges Tamer)، الباحث الألماني في الدراسات الإسلامية، حكمه على علاقة القرآن بالفكاهة على النحو التالي:
«يحتوي القرآن على عبارات ومواقف تعكس جوانب مختلفة من الفكاهة، بمعناها الواسع. في معظم الحالات، ترتبط الفكاهة في القرآن بالقوة وتُستخدم في قالب تعبيري متعالي وعدواني؛ وفي هذه الحالات، يمكن ربط الفكاهة بالسخرية (sarcasm). ومن هنا، ومن أجل الحفاظ على وحدة المجتمع، [من وجهة نظر القرآن] لا يُسمح للمؤمنين باستخدام هذا الأسلوب تجاه بعضهم البعض. في المقابل، يستخدم القرآن تعابير ساخرة في النزاع بين الأديان وكذلك ضد المشركين. وبالنظر إلى حقيقة أن الفكاهة تستهدف دائمًا عيوب الناس ونقائصهم، فإن الله وحده هو من يحق له في النهاية أن يسخر من الأعداء. إن الله، الذي يتحدث القرآن بلسانه، حتى في النقاش الكلامي (theological) الجاد، يجادل بأسلوب ساخر لدحض فكرة أن له بنات. إن إله القرآن لا يجيز الفكاهة فحسب، بل يستخدم الأسلوب الفكاهي البسيط البشري في التعامل مع البشر. وهكذا، تبدو الفكاهة [في القرآن] أسلوبًا تواصليًا لنقل الأفكار المهمة، بطريقة قوية ومن موقع أسمى.»[10]
لا يشير تيمر بالطبع إلى المحاولات الدؤوبة للمفسرين المسلمين لتأويل الآيات التي يُظهر ظاهرها سخرية إله القرآن من معتقدات المشركين، ولا يقدم شرحًا لمساعيهم لإظهار أن المقصود من هذه الآيات ليس السخرية. سأتناول هذه النقطة بمزيد من التفصيل في إجابتي عن السؤال 13.
3- هل هذه الآثار الضارة ذاتية للفكاهة، أم يمكنها فقط أن تظهر وتتجلى في بعض الأعمال الفكاهية؟
إذا اعتبرنا السمة الذاتية بمعنى سمة خاصة تمتلكها الظاهرة بالضرورة،[11] فلا يمكن عندئذ اعتبار ذات للفكاهة. نعم، قد يكون للأشياء الطبيعية فقط ذات (بمعنى أمر له سمة خاصة ضرورية). لنأخذ الماء كمثال على ظاهرة طبيعية. قد يكون H2O ذاتيًا للماء، أي إذا أزلنا هذا التركيب الكيميائي من الماء فلن يعود الماء ماءً، لكن المفاهيم -اصطلاحًا- «المبنية اجتماعيًا» (socially constructed concepts) ليس لها ذات بهذا المعنى. المفاهيم المبنية اجتماعيًا هي مفاهيم لو لم يوجد المجتمع البشري، لما كان هناك وجود للشيء الذي تشير إليه هذه المفاهيم؛ فمثلًا لو لم يكن هناك مجتمع بشري، لما كان هناك وجود للورق أو قطعة المعدن المستخدمة في التبادلات التجارية والتي تسمى نقودًا، على عكس المفاهيم الطبيعية مثل الماء التي حتى لو لم يوجد مجتمع بشري، لكان الشيء الذي يشير إليه مفهوم الماء موجودًا. يمكن للفكاهة في اليونان القديمة أن تكون مختلفة جذريًا عن الفكاهة في القرن الحادي والعشرين، ومع ذلك يمكن تسمية كلتيهما فكاهة عن جدارة. نعم، قد يمكن اعتبار سمة أو سمات غالبة وشائعة للفكاهة، بشكل عام، ولكن شتان بين السمة الرئيسية والذات. الفرق بين السمة الرئيسية والسمة الذاتية هو أنه لا ضرورة في الأولى بينما توجد في الثانية. فمثلًا قد تكون الحلاوة سمة غالبة للماء، لكنها ليست سمة ذاتية، لأن الماء غير الحلو لا يزال ماءً، ولكن «امتلاك التركيب الكيميائي H2O» هو على الأرجح سمة ذاتية للماء. بناءً على هذا التوضيح يتضح أن الفكاهة ليس لها ذات، وبالتالي ليس لها سمة ذاتية، ولكن يمكن أن تكون لها سمة رئيسية أو غالبة، ولكن كما أوردت في إجابة السؤال الأول، فإن السمة الرئيسية والغالبة للفكاهة ليست أيضًا آثارًا ضارة مثل الإهانة وعدم احترام الآخرين.
4- هل يمكن رسم حدود بين الإهانة والمزاح من منظور إسلامي؟
سأجيب على هذا السؤال ضمن إجابة السؤال 7.
5-من وجهة نظر علماء مسيحيين في تاريخ المسيحية، كان الضحك أمرًا غير صائب ممتزجًا بالسخرية والعنف، وعوقب عليه في فترات في الكنيسة الكاثوليكية، وأُعلن حظره في فترة كرومويل. ما هو العامل في الضحك الذي لا يطيق المؤمنون تحمله؟
لقد كان هناك متدينون على مر التاريخ (سواء في اليهودية أو المسيحية أو الإسلام أو غيرها من الأديان) يرون أن «الإيمان» و«الفرح» لا يلتقيان. لكن في المقابل، كان هناك عارف مرح كجلال الدين الرومي يقول إن الخبز المصنوع من القمح النابت على تراب قبري يزيد آكله فرحًا ونشوة، بل ويوصي قائلاً: «لا تأتِ إلى قبري بلا دف يا أخي / ففي مجلس الله لا يليق الحزن».[12] أما المتدينون الذين، بتعبيركم، «لم تكن لديهم القدرة على تحمل الضحك»، فكانوا عمومًا يعتبرون الضحك بمعنى السخرية من المقدسات، أو على الأقل عدم أخذ أمر الدين والآخرة على محمل الجد، ومن ثم لم يكونوا على وفاق مع الضحك. أشرتُ سابقًا في معرض الإجابة عن السؤال الثاني إلى آية من القرآن في أواخر سورة النجم تقول: إن القيامة قريبة، فلماذا تضحكون ولا تبكون؟ في نظر المؤمنين ذوي النزعة الزهدية الجافة، فإن أمر الدين جليل ومهيب إلى درجة لا تترك مجالاً للضحك. ولهذا السبب يرى عموم الفقهاء أن الضحك الشديد (القهقهة) إذا صدر عن عمد يبطل الصلاة، بينما لا يبطلها البكاء الشديد.
تحدثنا سابقًا عن تاريخ الضحك والدعابة في الثقافة الإسلامية، وأشرتُ إلى أن الإدانة المطلقة للضحك والمزاح لم تلقَ قبولاً عامًا قط في تاريخ الثقافة الإسلامية، ولم تتجاوز هذه الإدانة الحلقات الزهدية الجافة. ولكن حتى في المسيحية، لم تكن إدانة الضحك هي الثقافة السائدة، أو أنها لم تبقَ على هذا النحو. وبناءً على ذلك، إذا كان قصدكم من عبارة «من وجهة نظر علماء المسيحية في تاريخ المسيحية كان الضحك أمرًا غير صواب» هو جميع العلماء المسيحيين، فأنا لا أوافق على هذا الحكم. فعلى سبيل المثال، كان توما الأكويني، الذي يُعتبر أعظم عالم لاهوت مسيحي في القرون الوسطى بأسرها، يعتقد أن المزاح والتسلية جائزان لإنعاش الروح. وبناءً على ذلك، كانت نظرته للضحك أكثر إيجابية من آباء الكنيسة الكاثوليكية السابقين.
ومن الأحداث المهمة الأخرى، ظهور احتفال تحت عنوان «عيد الحمقى» (the Feast of Fools) بين القساوسة ذوي الرتب الدنيا في أواخر العصور الوسطى في أوروبا، وخاصة في شمال فرنسا. وقد أدى هذا العيد دورًا بالغ الأهمية في تطور ثقافة الضحك والدعابة (وعلاقتها بـ«المقدسات») في أواخر أوروبا العصور الوسطى، لا سيما وأن المناصب الكنسية كانت تتعرض فيه للنقد الساخر من قبل القساوسة أنفسهم، وكان الفرح والجسد يحتلان فيه مكانة مركزية. وقد اكتسب هذا العيد فيما بعد طابعًا شعبيًا واستقل عن الكنيسة.[13]
6- ما هو الضحك المرفوض من وجهة نظر الإسلام؟
سأجيب على هذا السؤال في سياق الإجابة عن السؤال 7.
7- ما هي المعايير والمقاييس الموجودة للتمييز بين الهزل الحلال والحرام، والممدوح والمذموم؟
لقد قدّم الباحثون الذين كتبوا في حدود الفكاهة والضحك والمزاح المشروع في الآيات والروايات الإسلامية قائمةً وشروطًا للمزاح والفكاهة المشروعة. فمثلاً، لا يجوز الضحك على سبيل السخرية. ينهى القرآن صراحةً عن السخرية: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ» (الحجرات: جزء من 11). ينبغي ألا يكون المزاح والفكاهة ممزوجين بالكذب أو بأي إضرار بالشخص، والكذب الذي يوقع المخاطب في خديعة ضارة هو الممنوع فحسب، وإلا فإن كثيرًا من المواقف الفكاهية التي يُصوَّر فيها خلاف الواقع، لكن المخاطب يعلم بخلاف واقعية ذلك الموقف، أو حتى لو لم يعلم فلا يلحقه ضرر، لا تُعد من مصاديق الكذب الممنوع. كذلك لا يجوز في المزاح والفكاهة اغتياب أحد، طبعًا اغتياب من لا تجوز غيبته، فمثلاً غيبة الظالم الذي لا يقلع عن ظلمه بالنهي عن المنكر، ما دامت الفكاهة والمزاح تستهدفان ظلمه (وليس سائر جوانب حياته الخاصة)، جائزة. لا يجوز إطلاق الألقاب القبيحة على الأفراد، وفي هذا الباب ربما لا يمكن استثناء الظالم أيضًا. كما لا تجوز الفكاهات البذيئة والفاحشة، وإن كان الخلاف يقع دائمًا في تشخيص مصداق الفكاهة البذيئة والفاحشة. فمثلاً، قصة مولوي الشهيرة في المثنوي (الجارية وحمار الخاتون) قد تبدو لبعضهم قصة بذيئة، لكن آخرين قد يقولون إن مولوي حتى من قصة ذات تفاصيل إباحية يستخدمها استخدامًا باطنيًا ومعنويًا.[14]
8- هل قبح الفكاهة قبح اقتضائي يزول بوجود مصالح ثانوية، أم هو قبح ذاتي؟
في معرض الإجابة عن السؤالين 1 و3 أجبتُ عن هذا السؤال.
9- هل لدينا من منظور الإسلام ضحك وفكاهة مرغوبان وموصى بهما أيضًا؟ وما شروطهما؟
في ذيل الإجابة عن السؤال 7 أجبتُ عن هذا السؤال.
10- هل الفكاهة الناقدة مصداق من مصاديق الإهانة والسخرية؟
الفكاهة الناقدة من أسمى أنواع الفكاهة، ومن أرقى أنواع النقد، بل ربما إذا لم تكن الفكاهة ناقدة فلا تدخل أصلًا في التعريف الشائع للفكاهة. لا يمكن للفكاهة الناقدة، بحد ذاتها، أن تُعتبر مصداقًا للإهانة والسخرية، إلا إذا اعتبر أحدهم أي نقد لعقيدة أو شخصية معينة إهانة وسخرية، وبالتالي اعتبر الفكاهة الناقدة في هذا المجال مصداقًا للإهانة والسخرية أيضًا؛ لكن لا يمكن لأي عقيدة أو شخصية، دون أي استثناء، مهما كانت مقدسة حقًا (ناهيك عن أن تكون مقدسة في الظاهر فحسب)، أن تكون بمنأى عن النقد والتمحيص -بما في ذلك التمحيص الفكاهي-. قد يبدو هذا الحكم راديكاليًا بل وهرطوقيًا، لكنه ليس كذلك. في هذا الباب ثمة آية قرآنية جديرة بالتأمل:
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (البقرة: 30)، (الأقواس من ترجمة فولادوند).
الملائكة في الواقع ينتقدون الله سبحانه وتعالى قائلين: لماذا تخلق مخلوقًا يُفسد في الأرض ويسفك الدماء، ويقدمون اقتراحًا نقديًا لله قائلين: نحن الملائكة، بصفتنا مخلوقاتك الطاهرة النقية، كافون، ولا حاجة لخلق مخلوق لديه استعداد لسفك الدماء وإثارة الفساد. والله أولاً يجيب على هذا النقد ولا يتركه دون جواب، وثانيًا لا يقول في رده مثلاً: «ما ينبغي لكم أن تدخلوا في أمر الله بـ"لكن" و"إذا"»، وثالثًا لا يعذب الملائكة المنتقدين، بل يؤكد في رده فقط على محدودية علم الملائكة في هذا الموضوع قائلاً: «إني أعلم ما لا تعلمون». يُستفاد من هذه الآية أن توجيه النقد من أي شخص لأي شخص، دون أي استثناء، جائز ومباح من حيث المبدأ، ومع ذلك ينبغي لنا في توجيه النقد، من جملة أمور، أن ننتبه إلى محدودياتنا المعرفية. ولكن إذا ساد الظن بأن هذا فهم تنويري وحداثي وذوقي واستحساني للقرآن وليس له جذور في التاريخ الإسلامي العريق، فانظر إلى هذه القطعة في وصف أبي سعيد أبي الخير (357-440 هـ)، العارف البارز وشاعر الرباعيات الإيراني: «كان شيخنا يقرأ القرآن، فكلما وصل إلى آية فيها قسم، قال: إلهي! إلى متى يكون هذا عجزك».[15] أو اقرأ هذه الرباعية للخيام (439-526 هـ) أو المنسوبة إليه، والتي تنطوي على تلميح ساخر (وربما كان نادر الحدوث في التاريخ الإسلامي):
القرآنُ الذي يُقالُ لهُ أفضَلُ الكَلامِ / لا يُقرَأُ دَوامًا بَلْ حينًا بَعدَ حِينْ
حَولَ الكأسِ آيَةٌ مُقيمَةٌ دائِمًا / تُقرَأُ في كُلِّ مَكانٍ بِاستِمرارٍ مُبينْ
وعلى هذا الأساس، لا يوجد أي مجال معفى ومصون من النقد، وأحد أنواع النقد هو بالطبع الفكاهة النقدية التي تُعد أحد الأجناس الأدبية للنقد والتقييم، وهي في بعض الحالات أنسب جنس أدبي لمثل هذا الأمر.
11- المزاح الذي ورد في الروايات، والذي يوجد بخصوصه باب في بحار الأنوار مثلاً تحت عنوان "مزاح النبي"، ما هي الأهداف التي يسعى إليها؟
يوجد في بحار الأنوار باب قصير أيضًا بعنوان عام «في باب الدعابة والمزاح والضحك» (باب 106). يُستخلص من مجموع هذه الروايات والأبواب عدة نقاط عامة:
1- أصل المزاح والدعابة والضحك ليس ممنوعًا.
2- ليس المزاح والدعابة والضحك ممنوعًا فحسب، بل إنه ذُكر في بعض المواضع إلى جانب صلاة الليل كأمر يبعث على فرح المؤمن وسروره.
3- ومع ذلك، نُهي عن كثرة الضحك والمزاح، وكذلك عن الضحك العالي (القهقهة).
4- وُضعت للضحك والمزاح قيود وشروط، قيود مثل ألا يؤدي المزاح والدعابة إلى الاستهزاء بالدين والمقدسات، وألا يؤدي إلى الكذب والبهتان والغيبة أو أذية المؤمن، وأمور من هذا القبيل.
12- هل نواجه في المصادر الدينية والنصوص الإسلامية، من حيث المبدأ، شيئًا يُسمى الفكاهة؟ هل يوجد تأييد أو ربما منع لها؟
لقد أجبت على هذا السؤال تحت إجابتي على السؤالين 7 و11. وتحت السؤال الثاني أيضاً نقلت عن تيمر حيث يقول: «الله، الذي يتحدث القرآن بلسانه، حتى في النقاش اللاهوتي الجاد أيضاً، يحتج بطريقة ساخرة لرفض هذا الاعتقاد بأن لله بنات.» وعلى هذا الأساس، الإجابة - مرة أخرى - هي أن نعم، نواجه في الروايات كلاً من الفكاهة والسخرية (مع الفارق بين «السخرية» و«الفكاهة» - في السخرية يختلط الانتقاد بالفكاهة، بينما في الفكاهة لا يكون النقد بالضرورة موجوداً). ولكي أظهر أن إله القرآن، حتى في وسط نقاش لاهوتي شرس، يستخدم أسلوب السخرية للنقاش والانتقاد، دعني أفتح الإشارة التي أوردها تيمر في الاقتباس أعلاه. في سورة النجم، يشرع إله القرآن في نقد معتقد المشركين، وكانوا يعتقدون أن الملائكة هن بنات الله: «أَلَكُمُ الذّكَرُ وَلَهُ الأُنثى» (النجم: 21، القوسان من ترجمة خرمشاهي). ثم بدلاً من التصريح بأن الله ليس له أطفال على الإطلاق، لا ذكور ولا إناث، يقول بأسلوب كنائي وساخر: ألم تأخذوا لأنفسكم الذكر - الذي تعتبرونه النسل الأفضل - وتركتم الإناث - التي تعتبرونها النسل الأدنى - لله؟ «إذاً هذا تقسيم ظالم» (النجم، 22).
ومع ذلك، فإن الجانب الساخر من هذه الآية والآيات المشابهة لا ينعكس في نبرة الترجمات القرآنية (باللغة الفارسية والإنجليزية - وربما لغات أخرى). ترجمة خرمشاهي التي أوردتها هنا هي نفسها مثال على هذه الظاهرة، وهذا بينما خرمشاهي نفسه أديب ساخر ويتمتع شخصياً بقدر كبير من السخرية والمطايبة. مستنصر مير (المولود عام 1948 ميلادي)، الباحث القرآني الباكستاني، قد ناقش أيضاً عجز الترجمات الإنجليزية عن نقل النبرة الكنائية والساخرة لآيات مثل هذه.[16] يشير مير إلى هذه الملاحظة المهمة: أنه عندما يعتقد المترجم أنه لا مكان للسخرية في القرآن، فمن الطبيعي إذاً أنه لن يسعى بأي حال من الأحوال إلى نقل النبرة الساخرة للآيات في ترجمته الخاصة عندما تحمل تلك الآيات طابعاً فيه سخرية. هذا يظهر كيف أن معرفة المترجم بعلوم القرآن يمكن أن تترك تأثيراً حاسماً على ترجمته للقرآن.
13- في القرآن والروايات، تأتي العبارات المرتبطة بالسخرية في الغالب في شكل استهزاء: "سورة المطففين الآيات 29 إلى 36 التي تضع المجرمين والمؤمنين في حالة "يضحكون" بعضهم من بعض. هل السخرية في الآيات والروايات تأخذ في الغالب شكل السخف؟
دعني أتناول الآيات التي أشرتم إليها بشكل خاص. تشير هذه الآيات في البداية إلى أن المشركين في الدنيا سخروا من المؤمنين وضحكوا عليهم وغمزوا إليهم (يتغامزون). ثم يشير القرآن إلى يوم القيامة ويقول: «وَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ / عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ» (المطففين: 34-35، القوسان من ترجمة فولادوند). هناك عدة نقاط جديرة بالطرح بشأن هذه الآيات: 1- لم يقم المؤمنون في الدنيا بالسخرية من الكافرين. في آيات أخرى تم الإشارة إليها سابقاً، ينهى القرآن بوضوح عن سب الأصنام. 2- جميع المفسرين من المذاهب الإسلامية المختلفة (السني السلفي، السني الصوفي، المعتزلي أو الأشعري، الشيعي الاثنا عشري أو الزيدي وكذلك الإباضية)، بقدر ما رجعت إليه المصادر، يعتقدون في تفاسيرهم أن المؤمنين في القيامة يضحكون على الكافرين في الثأر من سخريتهم بهم في الدنيا. حتى أن بعض التفاسير ينقل قصصاً حيث تفتح أبواب الجنة أمام الكافرين، وعندما يريدون الدخول تغلق، وتتكرر هذه العملية ثلاث مرات، ثم يضحك المؤمنون على الكافرين - كما هي عادة الروايات والتفاسير الدينية في التأكيد على الرقم ثلاثة (انظر تفسير الكشاف للزمخشري تحت الآية 34 للحصول على مثال).
هذا التفسير يبدو لي غير مقبول. لأن القرآن يصور الجنة بأنها مكان يُراعى فيه الخلق كاملاً: «لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً» (النبأ: 35، ترجمة الصادقي التهراني). لذلك لا ينبغي أن نفهم ضحك المؤمنين على الكافرين في هذه الآيات من سورة المطففين على أنه سخرية، فضلاً عن أن نعتبره تصنعاً وكذباً بحجم فتح باب الجنة وإدارة شؤون الكافرين! لأن شهادتنا الأخلاقية تحكم بأن السخرية مطلقاً ظلم، وإذا كانت ظلماً في الدنيا، فهي بطريق أولى ظلم في الجنة. يمكن أن نفهم ضحك المؤمنين في هذه الآية، ربما، على أنه ضحكة مرة من رؤية عاقبة الكافرين. يتعزز هذا الفهم خاصة لأن الآية التالية من هذه السورة تقول: «هل ثوب الكفارُ بما كانوا يعملون؟» (المطففين: 36). هذه الآية تتضمن كناية في ذاتها (سميت سخرية الكافرين للمؤمنين في الدنيا كناية «عمل حسن») وتبين أن المؤمنين يرون عاقبة الكافرين بضحكة مرة، دون أن يكون، خلافاً لما يقول أكثر المفسرين، قد برد خاطرهم من عذاب الكافرين بالمعنى الدارج!
لكن المشكلة لا تنتهي هنا. توجد آية أخرى في القرآن جاء فيها صراحة أن الله يسخر من الكافرين: «الله يستهزئ بهم» (البقرة: جزء من 15، القوس لنا). هذه المرة، خلافاً للحالة السابقة، كان المفسرون حذرين في أن لا ينسبوا السخرية إلى الله، لأن «سبحانه الله عما يصفون»: «تنزه الله عما يصفون» (الصافات: 159 وفي أماكن أخرى من القرآن). تطبيق هذه الآية في نقاشنا يصبح: الله منزه عن أن يكون ساخراً.
لكن المفسرين غفلوا عن نقطة: إذا كان لا يمكن نسب السخرية إلى الله (حتى وإن كان القرآن يقول صراحة أن الله يسخر من الكافرين) فكيف ينسبونها في تفسيرهم لضحك المؤمنين على الكافرين إلى المؤمنين (بل في الجنة)، خاصة وأن القرآن لا يقول شيئاً صريحاً في هذا الشأن، والمؤمنون أيضاً من المفروض أن يتخلقوا بأخلاق الله؟ إذا كان الله منزهاً عن السخرية، فيجب أن يكون المؤمنون كذلك، خاصة في الجنة. القرآن يعتبر السخرية علامة على الجهل ويقول على لسان موسى: «قالوا أتسخر بنا؟ قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين» (البقرة: 67، ترجمة فولادوند، القوس الأول لنا). لذلك يسعى المفسرون إلى تفسير الآية 15 من سورة البقرة بطريقة تحافظ على ظاهر الآية (الذي نسب السخرية إلى الله) وفي الوقت ذاته تنفي السخرية عن الله. هنا لا أريد حتى أن أقدم قائمة بكل تفسيرات المفسرين في هذا الشأن، أو أحكم على كون هذه التفسيرات دفاعية أو لا، نقطتي الأساسية فقط أن المفسرين حاولوا بطرق مختلفة نفي السخرية عن الله، فقالوا مثلاً إن المقصود من السخرية هنا أن الله يعاقب الكافرين وهذا العقاب يعتبر بمثابة السخرية منهم. أو قالوا إن ضرر السخرية يعود على الكافرين أنفسهم وهذا يعتبر بمثابة أن الله يسخر منهم بطريقة ما (انظر لقائمة من هذه النوعية من التفسيرات في «التفسير الكبير» للفخر الرازي، تحت هذه الآية). الخلاصة، أن تقريباً جميع المفسرين أخذوا سخرية الله بمعنى مجازي وليس حقيقي. في ردي على السؤال 19، سأتطرق أكثر إلى موضوع عدم الشرعية المطلقة للسخرية وطرق التوافق مع النصوص الدينية.
14- ألا تشير الروايات والآيات الكثيرة التي جاءت في مقام النهي عن القهقهة والضحك «القهقهة من الشيطان» إلى ادعاء بعض المؤمنين بأنهم يعتبرون الضحك أمراً تافهاً وشيطانياً؟
أصل الضحك في الروايات الإسلامية لم يُقرأ بـ «خفيف وشيطاني» أو إذا كانت الضحك بلا قيد وشرط مذمومة في بعض الروايات، فإننا نستدل من روايات أخرى أن المقصود ليس مطلق الضحك، بل ضحك يصاحب أموراً مذمومة، وقد ذُكرت بعض تلك الأمور ــ من وجهة النظر الإسلامية ــ في الجواب على الأسئلة 7 و 11. علاوة على ذلك، فإن تاريخ الحضارة والفكر والثقافة الإسلامية يحتوي على كلا الجانبين: جانب ذم الضحك والمزاح وجانب تكريمه (أو على الأقل التعامل معه)، وإدانة الضحك والمزاح بأي حال ليست الخاصية التاريخية الفريدة للإسلام، بل لا يمكن حتى القول إنها كانت جانباً سائداً من تاريخ الإسلام. فرانتس روزنتال (1914-2003)، المستشرق الألماني الراحل، وأحد أوائل المتخصصين الغربيين الذين نشروا سنة 1956 ميلادية عملاً أصبح الآن كلاسيكياً وبارزاً عن تاريخ الفكاهة والمزاح في الإسلام، يعبّر عن حكمه في هذا الشأن على النحو التالي:
«في مقابل الاستمتاع الحقيقي بالفكاهة والمزاح والتقدير الأدبي لها، لم يُحقق الآخروية (otherworldliness) في الإسلام إنجازاً كبيراً. النبي الإسلامي، رغم كل جديته وخوفه من عذاب وشيك، كان شخصية مرحة جداً، وأتباعه على مدى قرون احتفظوا دائماً بميلهم الطبيعي الودود إلى المزاح والفكاهة. بالطبع، كان هناك متكلمون، وخاصة عارفون، رأوا الضحك بعيداً عن الوقار وحتى عدّوه معصية، واعتبروا عدم الميل الطبيعي للطفل إلى اللعب والضحك وميله إلى الجدية علامة على مستقبله المتقي. غير أن الجدية المتطرفة لبعض الرجال الطيبي النية، للحسن، ظلت مثالية ولم تحظ بقبول عام. في القرون الأربعة الأولى للإسلام، كان ممثلو التقوى الزاهدة قلة نسبية ولم تثر انتباهاً. في المقابل، كان هناك ميل شديد إلى الفكاهة والمرح (gaiety) الذي لا يعرف حدوداً.»[17]
لهذا السبب برزت شخصيات فكاهية مثل جحا والأشعب وبهلول وملا نصر الدين في أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي، وظهرت كتب كثيرة في النكات والفكاهة والمطايبة ــ بالطبع في الغالب مع تبريرات دينية، بمعنى أن هذه الفكاهات موجودة للتعلم ودخول السرور. غير أن المزاح وكتابة الفكاهة في الأدب العربي لهما جذور منذ أوائل الإسلام. فالجاحظ (160-255 هـ) الأديب والمتكلم المعتزلي لم يجمع فقط فكاهات كثيرة في كتاباته، بل كان أسلوبه بنفسه ساخراً وعذباً.
غير أنه يبدو أنه في النهاية، وسط بين المرح وكثرة المتع والفكاهة والضحك والمزاح من جهة، والزهد وأهل البكاء والجدية الصارمة والامتناع الكامل عن الضحك من جهة أخرى، تشكل رأي وسط في الثقافة الإسلامية كان يرسم حدوداً للضحك والفرح ويمزج المزاح بالحلم، ثم دخل هذا الحد الوسط بنفسه إلى الروايات الإسلامية وتثبت فيها.[18]
لكن يمكن حتى أن ندّعي أعلى من ذلك. ليس فقط أن المزاح والضحك نُسبا إلى النبي والأئمة وأن في الثقافة الإسلامية طريقة ونهج مرح وأهل مزاح وابتسامة وفرح وفكاهة، بل حتى، بطريقة عجيبة، في بعض الروايات الإسلامية صُوّرت ذات الله تعالى في يوم القيامة مبتسمة وضاحكة. إنه يبتسم للمؤمنين وللكافرين أيضاً يضحك ــ ربما عن استعلاء. أحمد بن حنبل
(164-241 هـ) الفقيه والمحدّث وأحد الأئمة الأربعة من أهل السنة، في كتابه «العقيدة»، تحت تأثير هذه الروايات، يحكم بصراحة أن الله تعالى يضحك.[19] وإن كان القائلون بضحك الله لا يعتبرون ضحكه ضحكاً إنسانياً (حفاظاً على تعالي الله)، غير أنه لما كان القول بضحك الله يستلزم التشبيه (anthropomorphism)، أي تشبيه الله بالبشر، وكان الله ليس مثل البشر، فإن مثل هذا القول لم ينل قبولاً عاماً خارج دائرة أهل الحديث، بل كان مثار بحث وجدل حتى داخل أهل الحديث. مع ذلك، «فمنذ القرن التاسع [الميلادي] أصبح القول بضحك الله جزءاً لا يتجزأ من عقيدة أهل الحديث».[20]
15-هل يعتبر توفير فرصة لضحك الآخرين عملاً شرعياً؟
إن كان المقصود بـ «الآخرين» في سؤالك المؤمنين، فالجواب من منظور الروايات الإسلامية إيجابي. إدخال السرور على المؤمن -وقد يكون الضحك أو بشاشة وجهه علامة عليه- قد وردت فيه روايات متعددة باعتباره من أحب الأعمال إلى الله تعالى. في إحدى هذه الروايات، عد الإمام الصادق (عليه السلام) إدخال السرور على المؤمن في صف إطعام الجائع ورفع البلاء والديون عن المؤمن من أحب الأعمال إلى الله تعالى. وفي حديث آخر جاء أن من أدخل السرور على مؤمن فقد أدخل السرور على الله تعالى. يمكن أن نشاهد كثيراً من هذه الأحاديث كنماذج في باب «إدخال السرور على المؤمنين» في أصول الكافي.
16-هل الإهانة أمر بينذاتي وليس للقصد والنية دور في كون العمل مهيناً أم لا؟
اسمح لي أن أستعين بنقاش سابق في هذا الموضوع ذاته مع بعض التصحيح والتعديل: «القصد والنية، لا يلعبان دوراً أساسياً في كون الفعل والقول المقصود والمعروف من الفرد مهيناً أم لا. بعبارة أخرى، الإهانة ليست أمراً «ذاتياً» (subjective) أو بتعبير علماء الأصول ليست من «العناوين القصدية»، بل هي أمر «بينذاتي» (intersubjective). أي أن مجرد عدم قصدك للإهانة لا يكفي لعدم كون فعلك مهيناً، ومجرد قصدك للإهانة لا يكفي لكون فعلك مهيناً. قد يحدث أن لا ينوي الفرد الإهانة، لكن الفعل أو القول الذي يقصده ويعيه يكون مهيناً (تذكر مثال التثاؤب أثناء الدرس).
من جهة أخرى، تصور شخصاً معزولاً تماماً على جزيرة ولا يوجد أي إنسان آخر هناك، وهذا الشخص ينوي أن يسب العالم والناس. طالما لم يكن هناك من يسمعه ليوجه إليه السب، فلا إهانة قد حدثت. نعم، للنية دور مهم في تحديد مدى (وما إذا كان) يمكن لوم الفرد على فعله وقوله المقصود والمعروف، لكن القصد والنية لا يلعبان دوراً محورياً في كون الفعل والقول المقصود والمعروف من الفرد مهيناً أم لا. بل هناك حالات يكون فيها عدم قصد الإهانة غير كافٍ لتبرئة الفرد حتى من الملامة (فكيف من الإهانة): طالب دراسات عليا أو دكتوراه أو طالب السنة الأخيرة من الليسانس، إذا تثاءب علناً وبتكرار أثناء الدرس وتمدد، فإن فعله يبدو مهيناً حتى لو لم يقصد الإهانة، بل قد يستحق الملامة، لأنه بحسب قول الفقهاء يعتبر «جاهلاً مقصراً»؛ أي أنه كان يجب عليه بحكم القاعدة أن يعرف كيف يتصرف في مثل هذه الحالة.»
17- الهجاء كان أحد الوسائل الشائعة لتقوية معنويات جيش الإسلام في الحروب الإسلامية الأولى. بناء على ذلك، هل يمكن القول بأن السخرية جائزة في ظروف معينة ولا تشكل مشكلة، بل يمكن حتى اعتبار الضحك الخصومي في الظروف التي يؤخذ الموضوع فيها بسخرية وينطبق على أعداء الإسلام جائزاً؟
لقد أجبت على هذا السؤال في إجابتي على السؤالين 13 و19.
18-هل الفكاهة والسخرية بين أنصار مذهب أو ملة واحدة أو بين مذهبين مختلفين جائزة؟ (على سبيل المثال بين أعضاء مذهب وآخرين، أو بين أتباع المذهب الواحد، أو بين أتباع أديان مختلفة) وهل احترام الحرمة يقتصر على الشخص غير المتدين أو المرتاب فقط؟
ليس صحيحاً أن الفكاهة والتهكم يتنافيان دائماً مع احترام كرامة الأفراد؛ بل يمكن التوفيق بينهما، بل إن احترام كرامة الأشخاص في بعض الحالات يتطلب الخروج من الصرامة والجدية والدخول في المرح والفكاهة. فلنفترض مثلاً أن شخصاً فقد زوجته، وبعد أشهر من انقطاع الأخبار عنها، يجد فجأة أثراً لها. إذا ما عادت بعد ذلك، وظلت تحدثه بطريقة جافة وجدية بشكل دائم، وتفتقد الدفء والفكاهة السابقة، فمن حقه أن يشعر بأنها لا تحترم كرامته، وأنها لم تعد تلك الشخصية السابقة. بناءً على هذا، فإن الحكم الشائع بأن احترام كرامة الأفراد يقتضي الصرامة والجدية في الكلام والتعامل ليس حكماً صادقاً دائماً.
19- في بعض آيات القرآن الكريم تم السخرية من معتقدات المشركين وعبدة الأصنام والكافرين، أو تم التحدث إليهم بأسلوب كنائي وتهكمي (كما في الحوار مع أهل النار مثلاً). ألا يمكن أن يعني هذا أن الإهانة والسخرية ليست دائماً غير أخلاقية، وأنها قد تكون مباحة من الناحية الدينية في بعض الحالات؟
لقد أجبت على هذا السؤال أيضاً في مقابلة أشرت إليها سابقاً، وأطلب الإذن بأن أكرر تلك الإجابة هنا مع بعض التعديلات والإضافات: "بما أن حدسنا الأخلاقي يحكم بعدم جواز الإهانة والسخرية على الإطلاق، فإذا كان ظاهر بعض آيات القرآن الكريم (أو أي نص ديني آخر) بحيث يدل على الإهانة والسخرية (بما يعني أن النص بطريقة ضمنية يجيز الإهانة والسخرية)، وإذا كان يبدو للوهلة الأولى أن هذا النص لا ينبغي له من حيث المبدأ أن يجيز السخرية والإهانة، فإننا بالنظر في كل هذه الاعتبارات نكون قد واجهنا تعارضاً (ظاهرياً أو حقيقياً)، وفي مثل هذه الحالة تقضي منطق رفع التعارض بأن ننجز أحد الأمور التالية:
1- أن نحكم بأن القرآن قد أفتى بأمر غير أخلاقي (أي أن نحكم بأن التعارض حقيقي)
أو أن:
2- نغيّر تفسيرنا للقرآن ونقدم تفسيراً جديداً بحيث يكون الحكم الناشئ عن حدسنا الأخلاقي متسقاً مع فهمنا للقرآن، أو على الأقل لا يكون هناك تعارض صريح (أي أن نحكم بأن التعارض ظاهري فقط).
وبالحصر المنطقي، توجد طرق أخرى أيضاً. مثل:
3- أن نتوقف عن الحكم (أي ألا نصدر حكماً في هذا الشأن)
أو أن:
4- نرتاب في حدسنا الأخلاقي (أي أن نحكم بأن التعارض ظاهري، لكن هذه المرة لأن حدسنا الأخلاقي لم يعمل بشكل صحيح، وليس لأن تفسيرنا للنص الديني يحتاج إلى إعادة نظر)، وهذا هو ما أشارت إليه سؤالك بالإشارة إلى الحل الرابع.
بخصوص الحل الرابع، يمكن القول إنه وإن كان حدسنا الأخلاقي معرضاً للخطأ (fallible) وبالتالي قابلاً للمراجعة، إلا أنه يبدو أن هذا الحدس الأخلاقي المعرض للخطأ يجب أن يكون حاكماً وأولى من فهمنا للنصوص الدينية. لأن حدسنا الأخلاقي لا يتم تصحيحه ومراجعته وإعادة بناؤه بناءً على فهمنا للنصوص الدينية، بل يتم تصحيحه ومراجعته وإعادة بناؤه بناءً على حدس أخلاقي آخر لنا - وهذا بطبيعة الحال معرض للخطأ أيضاً. نعم، قد يأتي شخص بتأييد من النصوص الدينية لحدسه الأخلاقي المصحح، لكن هذا الحدس الأخلاقي لا يصبح حدساً مصححاً بسبب التأييد الذي تم إحضاره من النصوص الدينية لصالحه. عندما نكون أمام حدس أخلاقي متعارض مع حدس أخلاقي آخر، وكانت قوة الحدس المتعارض مساوية أو أقوى من الحدس الأول، فإن الحدس الأخلاقي الثاني سيكون حدساً مصححاً، سواء كان هناك تأييد له في النصوص الدينية أم لم يكن، أم حتى كان هناك دليل ضده في النصوص الدينية."[21]
وفوق كل ذلك، إذا كان لدينا في القرآن آيات يُستفاد من ظاهرها السخرية والاستهزاء بحال الكافرين والمنافقين وعبّاد الأوثان وكذلك بمعتقداتهم، فإننا نملك أيضاً آيات لا تجيز الإساءة حتى إلى الأوثان ذاتها: «[يا أيها الذين آمنوا] لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواناً بغير علم» (الأنعام: جزء من 108). يمكن اعتبار هذه الآية ناسخة للآيات التي يُستفاد من ظاهرها السخرية والاستهزاء بمعتقدات وحال المشركين، وبناءً على هذا الفهم للقرآن، لا يمكننا الحكم بجواز الإساءة والسخرية من معتقدات الكافرين والمنافقين والمشركين. ومن البديهي أن الإساءة والسخرية شيء والنقد والتقويم شيء آخر، وعدم جواز الإساءة والسخرية بمعتقدات الآخرين لا يستتبع عدم جواز النقد والتقويم لتلك المعتقدات، إلا في الحالة التي يكون فيها نقد وتقويم معتقدات هؤلاء الناس سبباً في تهيئة المجال للسخرية والاستهزاء الشديد ومن ثم ضياع حقهم، وفي مثل هذه الحالة يكون عدم نقد تلك المعتقدات جائزاً مؤقتاً بل حتماً ضرورياً.
20-وبناءً على هذا، هل يمكن اعتبار السخرية من الكافرين والمنافقين وأعداء الإسلام جائزة وأخلاقية؟
لقد أجبت على هذا السؤال في إجابتي على السؤال 19.
21-هل يمكن لكل عمل ساخر عندما يدخل مجال الإلهيات أن يُعتبر إساءة إلى المقدسات وانتقاصاً من المعتقدات؟
إنه سؤال مهم وخطير. الميل العام بين المتدينين هو أنهم حتى لو أجازوا السخرية في المجالات الأخرى، فإنهم لا يجيزونها في مجال الإلهيات ويستثنون مجال الشؤون الدينية من السخرية. يبدو لي أن هذا الاستثناء له سببان: حكمهم على طبيعة الأمر المقدس من جهة وحكمهم على طبيعة السخرية والفكاهة والضحك من جهة أخرى، يساهمان في تشكيل هذا الحكم. لقد تحدثت عن ماهية السخرية في إجابتي على السؤال الأول. وهناك بالذات أشرت إلى الصلة التي لا تنقطع بين السخرية والنقد والتقويم. من يأخذ التقويم والتفكير الناقد على محمل الجد، لا يمكنه أن يأخذ السخرية على محمل الجد، لأن من الأشكال التي لا تنفصل عن النقد السخرية الناقدة. والفهم السلبي والماهوي للسخرية، الذي أبداه المرحوم الشريف المرتضى وقمنا بنقده في إجابتنا على السؤال الأول، بالطبع يغلق باب دخولها إلى مجال الإلهيات. إذا كانت السخرية ليست سوى مخالفة للواقع والإساءة والتحقير والاستهزاء، فمن الواضح أن مثل هذه الأمور ليس لها مكان في مجال الإلهيات ولا يجب أن يكون. لكن إذا اعتبرنا السخرية تقويماً ظريفاً، فلماذا يكون مجال الإلهيات بمعزل عنها؟ لا ننسَ أن مجال الإلهيات مجال إنساني، فالله لا يُنزّل الإلهيات، بل الله ينزّل الدين لا الإلهيات، وهم الناس الذين يطورون على مدار الزمن صيغاً من الإلهيات لفهم الدين والخروج من الأمر المقدس وربطه بتطورات حياتهم وزمانهم. من هنا فإن تقويم صيغ الإلهيات يستدعي تقويم العقل البشري.
هناك من يعتبرون فهماً من الدين (أي صيغة خاصة من الإلهيات المطورة) مقدساً، وينظرون إلى القداسة بالمعنى أعلاه على أنها تعني عدم الخضوع للسؤال والنقد، لكن كلا الفهمين خاطئ، لأن الدين ليس مطابقاً لفهم الدين، والقداسة لا تستلزم عدم الخضوع للسؤال والنقد والتقويم. هؤلاء الناس يعتبرون أي تقويم إلهياتي (ساخر أو غير ساخر) كفراً أو بدعة.
لكن يمكن لشخص ما أن يقبل أهمية وضرورة المراجعة الساخرة لكن يقول إن السخرية، حتى لو كان لها أهمية عقلية، فليس لها أهمية دينية. أريد أن أحتج بأن السخرية لها أيضاً أهمية باطنية وروحية وقد تكون مصداقاً للحكمة العملية (practical wisdom). إن إحدى أهم — وربما الأهم — تعاليم الأديان هي أن هذا العالم، بكل جماله وسعته، ليس كل شيء موجود، وأن هناك حقلاً آخر من الواقع موجود، وبرغم كونه غيباً، فإن أهمية الدنيا بالمقابل في ذلك العالم الغيبي محدودة فقط في كونها مقدمة لذلك. أن تُسمّى الدنيا مزرعة الآخرة يشير إلى هذه النقطة بالذات. من جهة أخرى، البشر دائماً عرضة لأن يصوّروا أنفسهم والأفكار والناس والمذاهب بمثل هذا الفخامة والجلال بحيث تكتسب لهم صورة مطلقة. القرآن يشير إلى هؤلاء الناس إشارة لطيفة: «أرأيت من اتخذ إلهه هواه» (الجاثية: جزء من 23). من اتخذ هواه مطلقاً ويتخيل نفسه يعبده، تنفعه السخرية الحادة في نقده. تذكّر قصة الملك العاري حيث كان لطفل وحده الجرأة (وفي الواقع كان وحده من أدرك) أن يقول إنه عارٍ. في اللحظة التي صرخ فيها الطفل من أعلى الشجرة أن الملك عارٍ، إنها لحظة ساخرة بالفعل. يصعب ألا تضحك من قلبك في تلك اللحظة. لكن بالضبط في هذه اللحظة نواجه الحكمة العملية: فأحياناً فقط الموقف الساخر يستطيع أن يظهر زوال وعدم دوام وتفاهة هذا العالم وامتلاؤه بالتناقضات والثغرات، وتفاهة أهوائنا نحن البشر وميولنا، ويظهر لنا من جديد: لا تعلّق الدل بالدنيا (أي بالرغبات السريعة والأنانية)! للسخرية بهذا المعنى جانب باطني (وبالتالي جانب ديني عميق)، لأنها تظهر تفاهة الأشياء.
من جهة أخرى، السخرية يمكنها أن تظهر بحسن أن المقدسات ليست مطلقة، وفي الواقع السخرية يمكنها أن تظهر بحسن أن المقدسات ليست بمعزل عن السؤال والنقاد ومعفية من المراجعة. الله وحده هو المطلق والله يجلس فوق جميع المقدسات وفوق كل عقيدة عنه. كل لاهوت ناجح يشير إلى محدوديته في معرفة الإله أو الأمر المقدس. بعبارة أخرى، كل لاهوت ناجح يعترف بفشله. لنتذكر التعبير المنسوب إلى الإمام علي (عليه السلام) الذي يقول إنك مهما تصورت الله، فالله ليس مطابقاً لذلك التصور بل يجلس فوقه وماوراءه: «كمال الإخلاص نفي الصفات عنه» (نهج البلاغة، الخطبة الأولى). نفي الصفات يعني نفي أي صفة تُنسب للإله، حتى صفة الوجود. لأن تصورنا للوجود مصحوب دائماً بمحدوديات إدراكنا المعرفية، أي أننا نفهم الوجود دائماً كوجود شيء، بينما الله ليس شيئاً. على هذا الأساس فإن وجود الله يتجاوز أيضاً إدراكنا للألوهية والوجود. لأن «ليس كمثله شيء» (الشورى: جزء من 11).
إننا نعتقد أننا نعرف الله فقط طالما لم يسأل أحد منا عن الله. لكن بمجرد أن يبدأ السؤال، ندرك أننا لا نعرف الله (ومن هنا فإن السؤال — الذي له صلة عميقة بالمراجعة — شرط ضروري لمعرفة الله وبشكل عام للتقوى). هذا عدم المعرفة بالطبع لا يتحقق مرة واحدة للأبد. لكي نمتلك عدم المعرفة (أو بتعبير أدق، الجهل البسيط بشيء ما)، يجب أن نأتي بالأمر غير المعروف، بمجهود لا ينتهي، إلى الفهم. لكن هذه الفهومات تواجه دائماً المراجعة والنقض والإبطال وتفشل. مرة أخرى يجب أن نبني نموذجاً جديداً لفهم الأمر غير المعروف ونقترحه. هذه العملية لا نهاية لها ومن ثم فإن المراجعة أيضاً لا نهاية لها. كلما أنهينا دورة مراجعة الصور المبنية عن الأمر المقدس وجعلنا صورة من الله مطلقة وأوقفنا دورة المراجعة، ما يصير نصيبنا ليس صورة الله بل جعل صورة ميتة ومنحطة من الله مطلقة؛ في مثل هذه الحالة ما يصير نصيبنا ليس صورة الله بل صناعة الأصنام.[22] دعني أختم جوابي: المراجعة الساخرة في مجال اللاهوت ليست فقط بالضرورة إساءة إلى المقدسات وتضعيفاً للعقائد، بل إن تعالي الأمر المقدس يستلزم أن تخضع كل صورة من الأمر المقدس للمراجعة، وبالتالي للمراجعة الساخرة.
22- إذا أراد فرد أن ينقد معتقداً دينياً يراه خاطئاً برأيه، فهل يمكنه أن يستعين بالسخرية في هذا النقد؟
ليس فقط أن اللجوء إلى السخرية لنقد المعتقدات الدينية غير القابلة للدفاع جائز في الأصل، بل إن السخرية في بعض الحالات تكون من أفضل الطرق لهذا الغرض. دعونا نستشهد بالقرآن مجدداً. إبراهيم المصوّر في القرآن يلجأ في بعض الأحيان إلى نقد ساخر لنقد عبادة الأصنام لدى معاصريه. فهو يكسّر الأصنام ويضع الفأس على كتف الصنم الكبير، وعندما يعود الناس يقول لهم: اسألوا الصنم الكبير من الذي كسّر الأصنام! (سورة الصافات، الآيات 83-96 وكذلك تفاسير هذه الآيات). فمن خلال هذه النقطة الساخرة يريد إظهار عجز الأصنام.
لكن ليس هناك مشكلة حتى هذه النقطة. كثير من المتدينين التقليديين قد يقبلون استخدام السخرية الناقدة في نقد معتقدات الأديان الأخرى، لكنهم لا يعتبرون مثل هذا الفعل جائزاً بشأن معتقداتهم الدينية. غير أنه إذا كان نقد معتقدات الآخرين الدينية جائزاً، فإن نقد معتقداتنا الدينية جائز أيضاً، وإذا لم يكن هذا جائزاً فإن ذاك ليس جائزاً أيضاً. فما الدليل الذي يمكن تقديمه لصالح هذا المساواة؟ أحد الأدلة لصالح هذه المساواة هو أن أخلاقيات نقد المعتقد، وخاصة القاعدة الذهبية (Golden Rule)، تقتضي ذلك. تقول القاعدة الذهبية: أن تحب لغيرك ما تحب لنفسك وأن تكره لغيرك ما تكره لنفسك. يقال إن هذا المبدأ موجود لدى جميع الأديان الكبرى في العالم ويعتبر أساساً مشتركاً بين أخلاقيات الأديان والأخلاقيات العلمانية.[23] وفي الإسلام أيضاً وردت هذه القاعدة صراحة في أحاديث مختلفة منقولة عن النبي أو الأئمة الشيعة، وبعض آيات القرآن تشير إليها تلميحاً.[24] والآن تطبيق هذه القاعدة هنا يوصلنا إلى المساواة المذكورة آنفاً: إذا كان المسلمون يعتبرون جائزاً لهم أن ينقدوا معتقدات الأديان الأخرى، فيجب أن يسمحوا للآخرين أيضاً بأن ينقدوا معتقدات المسلمين (بما في ذلك النقد الساخر).
دعونا نفصل هذا الاستدلال وننشره. تصوروا متدينين يعتقدون أنه يمكن نقد معتقدات الأديان الأخرى (أو المذاهب الإسلامية الأخرى) (بما في ذلك النقد الساخر) لكن لا يمكن نقد المعتقدات الإسلامية (أو معتقد المذهب الإسلامي الذي اختاروه). الآن معتقد هؤلاء المتدينين لا يخرج عن حالتين: إما أنهم يستثنون أنفسهم من هذه القاعدة بدون دليل، أو أنهم يستندون إلى دليل ما لفعلهم. إذا كانوا يدعون ذلك بدون دليل فللآخرين أيضاً الحق في عدم قبول ذلك، لأننا لا نلزم بقبول شيء لم يقم عليه دليل. لكن إذا كانوا يقدمون دليلاً لاستثناء أنفسهم، فإن طبيعة تقديم الدليل تقتضي أن يكون الدليل المقدم عرضة للنقد والنقض والإبرام. بعبارة أخرى، بمجرد أنك أتيت بدليل لمعتقد ما، يجب أن تقبل أنه تماماً كما قد يقبل الآخرون دليلك، فإنهم قد ينقدون دليلك أيضاً وقد يأتون بدليل ضده أو على الأقل قد يطرحون عليه أسئلة: "كل ما يصححه دليل / يصير من دليل كاذب عند العاقل". على هذا الأساس، فإن كل من يقبل بقواعد لعبة تقديم الدليل لا يستطيع أن يغلق الطريق على الآخرين لفحص ذلك الدليل، وإذا لم يستطع أن يغلق طريق فحص الأدلة، فلا يستطيع أن يقول: إنني أملك الحق في نقد أدلة الآخرين لكن الآخرين ليس لهم الحق في نقد أدلتي. دعني أختم كلامي: يمكن نقد المعتقدات الدينية، وبما في ذلك نقدها بسخرية ناقدة، وليس هناك أي معتقد ديني مستثنى من هذه القاعدة.
23- هل يجوز السخرية من الله والمقدسات؟
لا يستطيع أحد -حتى لو أراد- أن يسخر من الله، كل سخرية من الله هي سخرية من صورة وتصور من الله وليس من الله ذاته (إن كانت السخرية من الذات وليس الصورة أو التصور لشخص ما لها معنى أصلاً)، وتلك صورة وتصور من الله الذي هو فوقها وبعيد عنها. الله لا يدخل في أي صورة وتصور، لا تعكس أي صورة وتلقٍّ الله بأمانة -حتى هذا التلقي ذاته بأن «الله فوق التصور» يندرج تحت هذه القاعدة أيضاً. وإن كانت بعض الصور والتلقيات من الله أكثر نضجاً واستحكاماً من البقية، إلا أن الله متعال حتى فوق أنضج تلقياتنا، وبطريقة متعالية وفوق محدودة بحيث لا يوجد تلقٍّ نهائي من الله، ومن المستحيل أن يكون كذلك. بتعبير مولانا في المثنوي: «من لم يدركه الفكر فذاك هو الله». لكن بشأن السخرية من المقدسات فقد وضحت ذلك سابقاً. المقدسات أمور تحظى بحب وهيبة لدى المؤمنين بحيث تشكل همهم الأساسي. لكن المقدسات لا تستطيع أن تحل محل ما يفترض أن تحكي عنه هذه المقدسات. مثلاً المقدسات الإسلامية من المفروض أن تكون حكاية عن الله، لكن لأن الله لا يدخل في أي حكاية فإن مقدسات أي دين، بما فيه الإسلام، ليست مطلقة وفوق الجدل. وتاريخ الأديان يُظهر أن مقدسات الأديان قابلة للتطور وحتى داخل دين واحد، كان تلقي مجموعة من الله يُعتبر من وجهة نظر مجموعة أخرى كفراً محضاً.
24-في سيرة النبي لدينا أنه كان يسخر من أصحابه. هل يجوز متبادلاً أن يسخر أصحابه منه ومن سائر الأئمة المعصومين؟
معظم السخريات المسجلة في النصوص الروائية هي سخريات النبي من أصحابه. مع ذلك، وردت في النصوص الروائية عدة نماذج من سخريات الأصحاب من النبي. دعني أذكر نموذجاً طريفاً: «أبو هريرة رفع حذاء النبي واشترى بها تمراً، ودخل مجلس النبي وجلس أمامه وبدأ بأكل التمر. فسأله النبي: ماذا تأكل يا أبا هريرة؟ فأجاب أبو هريرة: أكل حذاءك»![25] على فرض صحة سند هذه الرواية، فإن هذه السخرية (التي قد تبدو -بالتعبير العامي- كنوع من «السخرية الفجة»! وتذكر الإنسان بالألفة والمحبة في معسكرات الطلاب) تُظهر أن النبي كان يتمتع بشخصية قابلة للسخرية، حيث كان يمكن -مع قداسته وجلاله واحترامه- أن يتم السخرية منه حتى بهذا الحد. هذا النموذج أيضاً طريف وشهير: «يروي ابن عباس أن النبي كان يحمل الحسن على كتفه، فقال رجل [بسخرية]: يا بني ما أجمل الدابة التي اخترتها! فرد النبي [بسخرية]: وما أجمل الراكب».[26]
25-إذا كنا نقول بالإلهيات السلبية، فهل كون وصفنا للإله والأمر المقدس بشرياً يمكنه أن يكون دليلاً على أننا، في الواقع، سخرنا من تصورنا نحن لا من ذات الله؟
نعم، أتفق تماماً مع هذا التصور. في الواقع، التلقي الإلهي الخاص الذي رسمته في الإجابة على الأسئلة 21 و22 و23، يتأثر تماماً بالإلهيات السلبية. دعني الآن، حيث ذُكرت الإلهيات السلبية، أن أشرح المزيد حولها. مرة أخرى، لرسم الصورة الحسنة للإلهيات السلبية، أطلب الإذن بأن أرجع إلى نفسي ببعض التصحيحات والإضافات البسيطة: «الإلهيات السلبية أو الإلهيات التنزيهية هي نهج إلهي معين بين النهج الإلهية المتنوعة في الأديان التوحيدية (فروع من الهندوسية واليهودية والزرادشتية والمسيحية والإسلام وديانة السيخ والبهائية وغيرها). في اللغة الإنجليزية يُطلق عليها «negative theology» أو باللاتينية «via negativa» (بمعنى حرفي: الطريقة السلبية) أو «apophatic theology». الإلهيات السلبية تقابل الإلهيات الإيجابية أو الإثباتية أو التشبيهية. يُطلق على الإلهيات الإيجابية في الإنجليزية «positive theology» أو «cataphatic theology» أو باللاتينية «via positiva» (بمعنى حرفي: الطريقة الإيجابية).
اللاهوت الإيجابي واللاهوت السلبي، جوابان متناقضان لهذا السؤال: هل يمكن التعرّف على الله والتحدّث عنه بطريقة معرفية، وإذا كان الجواب بنعم، فكيف؟ إن جواب اللاهوت الإيجابي هو بنعم، يمكن إلى حد ما التعرّف على الله والتحدّث عنه بطريقة إثباتية. في رأي اللاهوتيين الإيجابيين، كل كلمة في اللغة البشرية تدلّ على أمر إيجابي يمكن أن تُسند إلى الله على نحو تمثيلي: «الله جميل»، «الله خير»، «الله محبة» وغير ذلك. هذا اللاهوت يجيب عموماً على السؤال: كيف يمكن التحدّث عن الله؟ بأن النصوص المركزية لكل دين هي التي تحدّد كيفية هذا التحدّث (مع ذلك فإن الذي يؤمن باللاهوت الإيجابي قد لا يكون ملتزماً بدين معيّن وقد يكون «موحّداً» (deist)، أي مؤمناً بالله مستقلاً عن الأديان، مثل الرازي وفولتير).
اللاهوت الإيجابي الديني، معتمداً على النصوص المركزية للدين (مثل التوراة والإنجيل والقرآن وغيرها) يصوّر الله عموماً على أنه: واجب الوجود، قادر مطلق (كلي القدرة)، عالم مطلق (كلي العلم)، محض الخير، خالق العالم من العدم، مدبّر العالم، شارع البشر (عن طريق إرسال الأنبياء)، مجيب دعاء البشر والحاكم فيهم في يوم القيامة (والمقصود بهذا التصوّر للإله سأسميه اختصاراً الإله المطلق). في اللاهوت الإيجابي -على الأقل في صيغته الدينية الغالبة والشائعة- الله يشبه الإنسان، أي أن له صفات شبيهة بصفات البشر، بفارق أنه ليس محدوداً بالحدود البشرية لتلك الصفات، فمثلاً، وفقاً للقرآن، الله يغضب (غير المغضوب عليهم)، يُقرض (تقرضوا الله قرضاً حسناً)، بل حتى يرمي (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، ويسخر (الله يستهزئ بهم). وإن كان في القرآن، بطريقة متناقضة الظاهر (paradoxical)، آيات أيضاً قريبة من اللاهوت السلبي، مثل: ليس كمثله شيء، إلا أن الجانب الغالب في الآيات القرآنية هو الجانب الإيجابي.
أما اللاهوت السلبي فيجيب على السؤال أعلاه بنفي. في رأي اللاهوتيين السلبيين، لا يمكن التحدّث عن الله بطريقة إيجابية معرفية، أي لا يمكن القول ما الله «هو»، بل يمكن فقط القول ما الله «ليس»: الله ليس ناقصاً، الله ليس محدوداً، الله ليس جاهلاً، (وربما يمكن القول أيضاً) الله ليس موجوداً (بمعنى الوجود المحدود الذي نثبته للأشياء في العالم، مثل ما نقول جبل معيّن موجود). من أهم الحجج التي يسوقها اللاهوتيون السلبيون للدفاع عن اللاهوت السلبي وردّ اللاهوت الإيجابي أن الإنسان لكي يصف الله إيجابياً يجب أن يستخدم مفاهيم بشرية، وهذه المفاهيم مصنوعة أساساً للإشارة إلى الأمور البشرية والتحدّث عنها، لكن الله -وفقاً للتعريف- متعالٍ وفوق هذا العالم وكل ما فيه، لذلك، في رأي اللاهوتي السلبي، هذه المفاهيم لا تصلح لتوصيف الله إيجابياً وهي تُحرّف المعنى. في رأيهم لا يمكن استخدام اللغة إلا لإظهار عجزنا عن التحدّث عن الله. وبتعبير مارتين بوبر (1878-1965)، اللاهوتي والفيلسوف اليهودي، «يمكن بطريقة صحيحة وملائمة فقط أن نتحدّث «مع» الله، لكن لا يمكن أن نتحدّث "عنه". في الصيغ الأكثر جذرية من اللاهوت السلبي لا يمكن حتى التحدّث عن الله بطريقة سلبية. هذا النوع من اللاهوت يوصي بالسكوت. وبتعبير مايستر إكهارت (1260-1327) الصوفي الألماني، «أقرب شيء إلى الله هو الصمت».»[27]
إذا كان كل تحدّث عن الله، في الواقع، تحدّثاً عن عجزنا عن التحدّث عن الله، فإن نكاتنا وسخريتنا في مجال اللاهوت هي أيضاً سخرية من فهمنا العاجز عن الله وليست سخرية من صورة الله.
26-في الأدب والفن المعاصر في العالم، تم إنشاء آثار متعددة في مجال الفنون التشكيلية (الكاريكاتير) أو الفنون الأدائية وغيرها، دخلت بطريقة ما نطاق السخرية من المقدس، وعلى سبيل المثال في مجال معجزات الأنبياء مثل نوح وعيسى وموسى، تم إنشاء آثار ساخرة كثيرة لم تواجه ردود فعل حادة. هذا الأمر ليس شائعاً فيما يتعلق بالسخرية من المقدسات الإسلامية، وأصغر عمل ساخر واجه ردود فعل حادة وغاضبة وأحياناً غير متوقعة من المسلمين. لماذا يكون الحال كذلك، وتكون تسامح المجتمعات الإسلامية تجاه مثل هذه السخريات أقل بكثير عند مقارنته بأتباع الديانات الأخرى؟
هذا سؤال مهم، والإجابة الدقيقة والمقنعة عليه تتطلب بحثاً واسعاً. يمكنني هنا فقط أن أقدم رأياً غير محقق من جانبي، وحتى لو كان قابلاً للدفاع عنه، فإن إثباته يتطلب الكثير من البحث والدراسة، لذلك في هذه المرحلة فقط فرضية أولية. في مواجهة هذا السؤال الذي طرحته والأسئلة من هذا النوع، توجد فئتان من الميل العام: من جهة يقال إن «كل عيب موجود هو من الإسلام المسلم» والإسلام برئ من الوحشية والعنف والاستبداد الذي يرتكب باسمه، وفي الجهة المقابلة يقال «كل عيب موجود هو من الإسلام» والمسلمون هم ضحايا دينهم في تخلف وانحطاط ومتخلفية مجتمعاتهم.
لكن يبدو أن كلا هذين الاتجاهين يتجاهلان واقعة مهمة. بخصوص الاتجاه الأول يجب أن يقال: إن لم يكن يمكن نسبة كل ما فعله المسلمون عبر التاريخ باسم الإسلام إلى الإسلام، فمن الصعب من جهة أخرى أن نزعم أن تاريخ المسلمين لا علاقة له بالإسلام. فمثلاً إذا كان أهل الكتاب من الناحية التاريخية قد تمتعوا بوضع أدنى نسبياً في الدول الإسلامية، وإذا رأينا من جهة أخرى أن القرآن أيضاً خطط لهم وضعاً من هذا النوع (من جملتها، التوبة: نهاية 29)، فلا يمكن عندئذ اعتبار دنو وضع أهل الكتاب في التاريخ الإسلامي غير متعلق تماماً بالإسلام. لكن من جهة أخرى لا يجب تجاهل جانب الفاعلية والإرادة لدى المسلمين عبر التاريخ وكذلك العوامل التاريخية في تشكيل السلوك الجماعي والفردي للمسلمين. النص الديني نص معقد وغامض وتناقضي الظهور، وحتى ذلك الجزء منه الذي يبدو صريحاً وذا معنى واحد (النص بمصطلح علماء أصول الفقه) لا يزال قابلاً للتفسير، وذلك الجزء من النص الديني الذي يعتبر نصاً لدى جماعة لا يعتبر كذلك لدى جماعة أخرى. من جهة لا يمكن نسبة الجوانب المظلمة من تاريخ المسلمين كلياً إلى النص الديني، ولا الجوانب المضيئة منه، ومن جهة أخرى لا يمكن نسبة الجوانب المظلمة من تاريخ المسلمين كلياً إلى الظروف التاريخية، ولا الجوانب المضيئة منه. الجوانب المظلمة والمضيئة من تاريخ الإسلام هي ثمرة التفاعل بين النص الديني والظرف التاريخي. المسلمون من جهة يملكون النص الديني، ومن جهة أخرى يملكون الأوضاع الاجتماعية والتاريخية المحددة، وجهود المسلمين لتوفيق النص الديني مع الواقع (أو الواقع مع النص الديني) أنتجت نسيجاً معقداً يصعب فيه فصل دور النص عن الظرف التاريخي بسهولة. لذلك يجب أخذ دور النص والظرف التاريخي معاً في الاعتبار، وعدم تجاهل دور أي منهما مسبقاً في تشكيل الهوية والسلوك الفردي والجماعي للمسلمين عبر التاريخ.
دعني إذاً أترجم هذه الملاحظة، التي طرحتها بطريقة مجردة ومختصرة، إلى واقع ملموس وخاص بسؤالك. نعم، حكمك صحيح. جزء من المسلمين لا يتعاملون بتسامح مع الأعمال الأدبية والفنية (من الرواية إلى الكاريكاتير) التي يرونها تحمل نظرة نقدية تجاه الإسلام، إلى درجة أن هذا عدم التسامح أفضى إلى كوارث نحن جميعاً على علم بها، ولا حاجة لذكر أمثلة تاريخية محددة. لكن هل يمكن تفسير هذا عدم التسامح بالكامل بالرجوع إلى النص الديني؟ رأيي أن الإجابة بالنفي. لفهم أفضل لما حدث للعالم الإسلامي حتى يستطيع أقلية صاخبة وغير متسامحة السيطرة، وتجر بقية المسلمين إلى الصمت أو الموافقة الضمنية أو معارضة غير فعالة، يتوجب علينا أن نلقي نظرة على تاريخ الإسلام من فترة الاستعمار إلى الآن. ترك الاستعمار آثاراً دائمة على المجتمعات الإسلامية، حتى الدول الإسلامية مثل إيران التي لم تُستعمَّر بشكل مباشر لم تسلم من بلاياه. بعد الحرب العالمية الثانية، التي أنهت الاستعمار التقليدي، بدأت شكل من أشكال الاستعمار الجديد. تشكل هذا الواقع في الدول الإسلامية المستقلة من خلال تنصيب حكام علمانيين يمليهم الاستعماريون السابقون. أغلق هؤلاء الحكام العسكريون جميع طرق صنع القرار أمام الشعب، وظلت فقط مؤسسة الأسرة والمؤسسة الدينية المسيّسة تجد مجالاً للنشاط. لذلك ارتبط الدين والأسرة، وهما مؤسستان محافظتان في العالم الإسلامي الخاضع للاستعمار الجديد، ببعضهما في إطار الأصولية الإسلامية، وواجها الاستعمار الجديد. اكتسبت الأصولية الإسلامية شهرتها من خلال المقاومة ضد الاستعمار والاستعمار الجديد.[28]
أسفرت حرب الاتحاد السوفييتي في أفغانستان عن تشكل مجاهدين استفادوا من الدعم الأمريكي في الجهاد ضد السوفييت، وشكلوا لاحقاً حركة طالبان. كانوا في البداية يقاتلون بدعم أمريكي ضد المحتلين السوفييت، ثم أصبحوا فيما بعد آفة على أفغانستان، وهذه الآفة لا تزال مستمرة. ساهمت النزاعات الحزينة والواسعة بين فلسطين وإسرائيل أيضاً في تشكل التطرف في العالم الإسلامي. دعم دول غربية كبرى بلا حدود لإسرائيل، الذي استمر حتى الآن وساعد على استمرار احتلالها، أدى إلى ريبة راسخة في العالم الإسلامي تجاه مفاهيم مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان. الحرب على العراق، التي كانت تماماً غير ضرورية وفي الواقع جريمة حرب، خلقت فراغ قوة في الشرق الأوسط ولدت منه تنظيم القاعدة وداعش. الآن يسعى كثير من الجمهوريين الأمريكيين وحتى بعض الديمقراطيين إلى رفض الاتفاق النووي مع إيران في الكونغرس لتمهيد الطريق لحرب أخرى في الشرق الأوسط. في مثل هذا الوضع الاستعماري الجديد، حال المسلمين حال غريب شعر وجد نفسه في مدينة غير مألوفة لكن سُرقت محفظته، واعتُدي عليه، مزّقوا ملابسه، ضربوه، وكلما استغاث بأحد خرج الغادر. مثل هذا الشخص أصبح الآن يشك في كل شيء، يرفض يد الصداقة من الجميع. كل من يسخر منه يعتبره إهانة، وحتى نظرة طيبة من عابر سبيل يفسرها سخرية، وقد ينقضّ على أي شخص في أي لحظة ليأخذ ثأره.
العالم الإسلامي مريض، لكن في هذا المرض، للأسف، لعبت القوى الغربية - التي ظهرت إما بزي الاستعمار أو الاستعمار الجديد - دوراً أساسياً في تشكل هذا المرض واستمراره. في مثل هذا الوضع، من الواضح أن قراءة عنيفة للنص الديني تتشكل أيضاً، وبالطبع النص الديني مستعد لمثل هذه القراءة ويفسح المجال لها. لكن عدم رؤية الخلفيات التاريخية لتشكل القراءة العنيفة للنص الديني والتركيز فقط وحسب على قابلية النص الديني للعنف، لا يوصلنا إلى فهم عميق للمسألة المعقدة لواقع العالم الإسلامي اليوم.
.
.
[1] Robert C. Elliot, "Satire," Encyclopedia Britannica, accessed August 15, 2015, http://www.britannica.com/art/satire.
في هذا الباب، حول تعريف السخرية، انظر أيضاً هذه المقالة القصيرة والواضحة بالفارسية: عالية کرد زعفرانلو کامبوزيا، تعريف السخرية من وجهة نظر علم اللغة، بخارا، أيلول وتشرين الأول 1386، العدد 63، ص 7-205. لكن حتى إذا لم تكن لديك صبر لقراءة مقالة من ثلاث صفحات، فهذه المقالة من صفحة واحدة جديرة جداً بالقراءة وواضحة في تعريف السخرية: كوروش صفوي، مقدمة على السخرية من منظور علم اللغة، آزما، 1384، العدد 36، ص 16.
[2] Geoffrey Galt Harpham and M. H. Abrams, "Glossary of Literary Terms," Satire (Boston: Wadsworth, 2009), p. 320.
[3] «إحدى حقوق الإنسان هي حق السخرية والاستهزاء»، حوار مع خبر بامداد، 1391/8/8
[4] لرواية -فنية ومعقدة بالطبع- عن قاعدة الملازمة، انظر: محمد حسين الاصفهاني، الحسن والقبح العقلي وقاعدة الملازمة، ترجمة وتعليق صادق لاريجاني، نقد ونظر، شتاء وربيع 1376 و 1377، العدد 13 و 14، ص 165-129.
[5] محمد باقر الصدر، الفتاوى الواضحة وفقاً لمذهب أهل البيت، مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر، ج 1، 1422 ق.، ص 111.
[6] فخر الدين علي صفي، لطائف الطوائف، طهران، إقبال، 1371، ص 41؛ نقلاً عن: قاسم كرباسيان، الإسلام والسخرية، معهد الأبحاث باقر العلوم:
http://www.pajoohe.com/fa/index.php?Page=definition&UID=45746#_ftn8
[7] Ludwig Amman. "Laughter." Encyclopaedia of the Qurʾān. edited by J. D. McAuliffe. Brill, http://referenceworks.brillonline.com/entries/encyclopaedia-of-the-quran/laughter-EQSIM_00257?s.num=0&s.rows=20&s.f.s2_parent=s.f.book.encyclopaedia-of-the-quran&s.q=laughter.
[8] John Morreall. "Philosophy of Humor." In The Stanford Encyclopedia of Philosophy, edited by Edward N. Zalta, Spring 2013., 2013. http://plato.stanford.edu/archives/spr2013/entries/humor/.
[9] في هذا الصدد، بالفارسية، انظر من جملة ذلك هاتين المقالتين: محمد جواد حيدري، السخرية في القرآن الكريم، صحيفة مبين، صيف 1379، العدد 23، ص 97-86. وهذه المقالة، التي تتمتع بوضع بحثي أفضل نسبياً -وإن كان إطارها التحليلي لا يختلف عن المقالة الأولى: سهراب مرتضي وقدرة ذو الفقاري، السخرية في القرآن الكريم، الأبحاث العلمية في علوم القرآن والحديث، خريف وشتاء 1392، العدد 20، ص 204-177.
[10] Georges Tamer. "The Qur'ān and humor." In Humor in der arabischen Kultur / Humor in Arabic Culture, edited by Georges Tamer. Berlin: Walter de Gruyter, 2009, pp. 23-4.
[11] Teresa Robertson and Philip Atkins, "Essential vs. Accidental Properties," ed. Edward N. Zalta, The Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2013, http://plato.stanford.edu/archives/win2013/entries/essential-accidental/.
[12] كل غزل مشار إليه (الغزل 683، ديوان الشمس)، وهو غزل مشهور، بالرغم من أنه يتناول الموت والقبر وآداب زيارة القبور والبعث، لكنه معالج بطريقة متناقضة الظاهر بحيث يكون مبهجًا وملونًا ومليئًا بالنشوة بحيث يستحضر السرور في النفس ويقدم صورة مختلفة عن الموت أمام الإنسان. إذا استمعت إلى هذا الغزل بصوت شهرام ناظري الممتلئ حماسة وشرارة في الألبوم الشهير «مطرب مهتاب الوجه» فإنه يكون نورًا على نور.
[13] Ingvild Saelid Gilhus. Laughing Gods, Weeping Virgins: Laughter in the History of Religion. London: Routledge, 2009, Ch. 5.
[14] للتفاصيل عن حدود وحدود الفكاهة والسخرية المشروعة انظر: بحث في السخرية في الشريعة والأخلاق، مجموعة معارف مركز أبحاث الإسلام
ي الإذاعة والتلفزيون، قم: بستان الكتاب، 1381.
[15] أسرار التوحيد في مقامات الشيخ أبي سعيد، تصحيح شفيعي كدكني، دار نشر آگاه، طهران، الطبعة الرابعة، 1376، صفحة 311.
[16] Mustansir Mir. "Humor in the Qurān." The Muslim World 81, no. 3–4 (October 1991): 192-3.
[17] Franz Rosenthal. Humor in Early Islam. Leiden: Brill, 2011, pp. 3-4.
[18] Ch Pellat. "Seriousness and Humour in Early Islam." Islamic Studies, vol. 2, no. 3 (1963), pp. 361-2.
[19] W. Montgomery,Watt. ed. Islamic Creeds: A Selection. Edinburgh: Edinburgh University Press, 1994, p. 37.
[20] Livant Holtzman. "'Does God Really Laugh?' –Appropriate and Inappropriate Descriptions of God in Islamic Traditionalist Theology." In Laughter in the Middle Ages and Early Modern Times: Epistemology of a Fundamental Human Behavior, Its Meaning, and Consequences, edited by Albrecht Classen. Berlin: Walter de Gruyter, 2010, P. 200.
[21] «من حقوق الإنسان الحق في السخرية منه»، حوار مع بامداد خبر، 1391/8/8
[22] يمكنك أن تجد رواية قصيرة وموحية عن إله وراء العقيدة في: مصطفى ملكيان، عبادة العقيدة وثنية
[23] Jeffrey Wattles. The Golden Rule. New York: Oxford University Press, 1996, p. 4.
[24] Ibid, pp. 191-2, n. 2.
[25] بحار الأنوار، المجلسي، المجلد 16، ص 296.
[26] المجالس لأبي بكر العنبري (المتوفى: 324 هـ)، الحديث 16.
[27] حول الإلاهيات السلبية، حوار مع إذاعة زمانة
[28] J.J.G. Jansen (2012), Usuliyya In Modern Islamic Theologico-Political Parlance, Encyclopaedia of Islam, Second Edition, Brill Online.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.