اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
هل ينبغي أن نقرأ الشاهنامة من أولها إلى آخرها كي نفخر بها؟ يبيّن هذا المقال، في نقده لتصريحات مصطفى ملكيان الأخيرة، أن الشاهنامة تتجاوز كونها كتابا، فهي نص ثقافي جامع ظلت شخصياته وحكاياته حاضرة على مدى قرون في الذاكرة الجمعية والفن وحياة الإيرانيين.

تصريحات مصطفى ملكيان الأخيرة بشأن علاقة الإيرانيين بالشاهنامة جديرة بالتأمل من جوانب مختلفة. ويمكن الاتفاق معه على أن عدد الذين قرؤوا الشاهنامة من أولها إلى آخرها قليل. ومع أن القول بأنه من بين ثمانين مليون إيراني لا يوجد حتى ألف شخص قرؤوا الشاهنامة كاملة يبدو مبالغا فيه؛ فإن أصل المسألة لا يمكن إنكاره، وهو أن الذين قرؤوا الشاهنامة في مجتمعنا اليوم من بدايتها إلى نهايتها السعيدة محدودون وقليلون، لأسباب مختلفة.
ومع ذلك، لا أظن أنه يمكن أن نستنتج على عجل من هذه الحقيقة أن افتخار الإيرانيين بالفردوسي، ما داموا لم يقرؤوا كتابه كاملا، هو افتخار بشيء موهوم. ويبدو لي أن موطن الخلل في هذا الاستدلال هو أنه لا يميز بين قراءة الشاهنامة وبين حضور هذا الكتاب في جسد الثقافة الإيرانية ونسيجها، وفي ذاكرتها ولاوعيها الجمعي، وهو حضور تشكل على مدى قرون متعاقبة.
ويمكن أن نسأل: هل قرأ جميع الناطقين بالإنجليزية مسرحيات شكسبير الخمس والثلاثين كلها، فضلا عن أشعاره ومسرحياته التاريخية؟ ومع ذلك، يعرف كثير منهم هاملت وماكبث، وربما مسرحيتين أو ثلاثا أخريات له. وعلى القياس نفسه، فإن كثيرا من الإيرانيين، حتى إن لم يكونوا قد قرؤوا الشاهنامة، يعرفون رستم وسهراب وإسفنديار وسياوش وكاوه والضحاك وزال والسيمرغ، بل لعلهم عاشوا بين حين وآخر مع بعض هذه الحكايات.
وأظن أن هذه السمة ليست خاصة بعصرنا. فقد كان الأمر، إلى حد ما، كذلك في الماضي أيضا. ولنترك عامة الناس جانبا ولننظر إلى أعلام القوم. فعلى سبيل المثال، أستبعد أن يكون مولانا جلال الدين الرومي، الذي وظف في أشعاره كثيرا من أشهر شخصيات الشاهنامة للتعبير عن مقاصده العرفانية، قد قرأ هذا الكتاب كاملا. ولعل استغراقه في عوالمه الروحية والباطنية لم يكن يتيح له، في أغلب الظن، مثل هذا المتسع من الوقت. ومع ذلك، كان المناخ الثقافي للناطقين بالفارسية مشبعا إلى حد بعيد بذكرى شخصيات القصص القومية الإيرانية، بحيث لم يكن لشاعر مثل مولانا أن يظل بمنأى عن تأثيرها.
ولنتذكر أن حكايات الشاهنامة قد صورت على هذا النطاق الواسع في فنون شتى، من صناعة البلاط ونسج السجاد والمنمنمات والعمارة وغيرها. فأي نص في الأدب الفارسي، وكم من نص شبيه بالشاهنامة في آداب العالم، يمكن أن نجد وقد ارتبط إلى هذا الحد بنسيج حياة الناس والثقافة الشعبية لأمة؟ وقد جمع كتاب «الشاهنامة والناس» لأبي القاسم أنجوي الشيرازي نماذج كثيرة من هذا القبيل. فقد عاش كثير من اللر والبختياريين والأكراد واللك، وسكان مناطق أخرى كثيرة، حتى سنغسر وأفتر، مع أجزاء من هذا النص.
وإلى جانب حياتها الأدبية الحية والخصبة، وتأثيرها الذي لا نظير له في الشعراء والأدباء الذين جاؤوا بعدها، وهو تأثير أسهم في مزيد من ترسيخ اللغة الفارسية، ظلت الشاهنامة، بوصفها نصا ثقافيا كليا، موضع اهتمام أهل الفن ومصدر إلهام لهم في مجالات شتى من الفنون غير اللفظية والبصرية، من فن التصوير والرسم والمنمنمات إلى نسج السجاد والعمارة والفنون الزخرفية. حتى لو افترضنا أن كثيرا من هؤلاء الفنانين، سواء كانوا معروفين أم مجهولين، لم يقرؤوا الشاهنامة كاملة، بل ربما لم يقرؤوا منها صفحة واحدة. كما أن تأثير الشاهنامة في الفنون الحديثة والمعاصرة، مثل الكتابة المسرحية، كما يتجلى في أعمال أمثال بهرام بيضائي، لا يخفى على محبي الأدب والثقافة والفن.
وعلى الرغم من جميع الأعمال الإبداعية القيمة التي أنجزت بإلهام من الشاهنامة، يبدو أن ألف كأس من الخمر لم تذق بعد عند أصل هذه الكرمة العتيقة، المتجددة النضرة، في أرض إيران، ولا تزال بكرًا لم تمس. ويمكن للمرء أن يتخيل بحسرة كم من الأعمال الباعثة على الحياة كان يمكن أن تبدع بإلهام من الشاهنامة في مختلف الفنون، ولا سيما الموسيقى والأوبرا والمسرح والسينما، لكنها، للأسف، لم تجد فرصة للتجلي بسبب مزاج العصر المعوج.
وعلى أي حال، وفي الختام، وبصرف النظر عن أي تحفظ أو تساؤل بشأن كلام الأستاذ ملكيان، آمل أن تكون كلماته هذه، التي نشرت في صورة حوار مرئي على صفحته في تلغرام، دافعا للإيرانيين إلى ألا يكتفوا بما بقي في ذاكرتهم من حكايات هذا الكتاب، وأن يعودوا بجدية إلى قراءة هذا الأثر العظيم العزيز النفيس. ويمكنهم، للدخول إلى عالم هذا الكتاب، أن يبدأوا بحكاياته الأشهر، مثل قصة رستم وسهراب، ورستم وإسفنديار، أو قصة سياوش، التي تعد من أرفع القطع الأدبية والفنية في آداب العالم. ولحسن الحظ، صدرت هذه الحكايات الشهيرة مستقلة ومنفصلة بجهود باحثين مرموقين، مصحوبة بشروح وعروض مفيدة وهادية، وهي متاحة للمهتمين.
إيرج رضائي
الثاني عشر من شهريور ۱۴۰۵
الفن
الأدب
العلوم السياسية
الأدب
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.