أوضح إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» أن المعرفة بالشرق لا يمكن فصلها عن علاقات القوة وتاريخ الاستعمار. وتتناول هذه المقالة الأسس النظرية لأطروحته والانتقادات الموجهة إليها، وتبيّن لماذا تظل إعادة النظر في مشروع الاستشراق، والاهتمام بالتجارب المعيشة للبشر، وتنوع الثقافات، والوعي النقدي، أمورًا ضرورية.

لم يكن إدوارد سعيد يرى في كتابه «الاستشراق» (1978) أن مشروع الاستشراق مجرد خطأ أو حكم مسبق في أعمال بضعة باحثين، بل عدّه جزءًا من بنية جعلت المعرفة الغربية بالشرق متساوقة مع الاستعمار وهيمنة الغرب. فقد صنعت اللغة العلمية والمفاهيم والمؤسسات الأكاديمية والتجربة الاستعمارية صورةً عن «الشرق» كانت في الوقت نفسه صورة الغرب عن ذاته. ولهذا النقد الراديكالي اليوم أهمية جديدة. ففي الإسلاموفوبيا في الغرب، وفي الروايات المسوِّغة للحرب في كثير من وسائل الإعلام المهيمنة، وفي مشاريع مراكز الأبحاث الأمريكية الداعية إلى الحرب بشأن الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وفي التغطية على الإبادة الجماعية في غزة، عادت التمثيلات نفسها وعاد الارتباط نفسه بين المعرفة والسلطة إلى العمل. تبدأ هذه المقالة بتوضيح أسس نظرية سعيد: المعاني الثلاثة للاستشراق، والتمثيل، والخطاب، والتمييز بين الاستشراق الظاهر والاستشراق الكامن. ثم تفحص الانتقادات الموجهة إليها: توحيد تقاليد متباينة، واتساع مفهوم الخطاب، ومسألة الحقيقة، وخطر إعادة إنتاج ثنائية الشرق والغرب. ولا تقوّض هذه الانتقادات النواة النقدية لعمل سعيد؛ ولأن صلة الاستشراق بالهيمنة ما زالت حية، تغدو إعادة النظر الجذرية في مشروع الاستشراق ضرورة. وقد أشار سعيد نفسه، في المقدمة الجديدة لكتابه عام 2003، إلى بعض وجوه هذه المراجعة: الانتباه إلى التجربة الإنسانية الملموسة، والوعي النقدي، والنزعة الإنسانية، وتنوع الثقافات وعدم تجانسها، ومعارضة «صدام» الحضارات.
مضى قرابة نصف قرن على صدور كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد، وما زال السؤال الذي طرحه الكتاب يتردد في نقاشاتنا اليومية عن الإسلام والشرق الأوسط وعلاقتنا بالغرب. ولم تكن أهمية الكتاب في أجوبته وحدها؛ فقد غيّر كذلك نوع الأسئلة المطروحة في هذا الحقل. أما أن الأوروبيين صنعوا على مدى قرون صورًا ازدرائية عن المسلمين والعرب وشعوب آسيا فكان معروفًا قبل سعيد، وكانت ثمة نقاشات جارية عن الصلة بين المعرفة والاستعمار. وقد جمع سعيد هذه العناصر في إطار أوسع. فالمسألة عنده لم تكن أن هذا الكاتب أو ذاك قدّم صورة خاطئة عن الشرق؛ بل أراد أن يبيّن كيف شكّلت الروايات والدراسات اللغوية والتاريخية والمؤسسات الأكاديمية والخطابات السياسية والتجربة الاستعمارية، على مر الزمن، منظومة من التمثيل (representation) صار فيها «الشرق» موضوعًا للمعرفة والتصنيف والحكم والسيطرة.
ومن هنا يتجاوز بحثه نقد الأحكام المسبقة الفردية. فلو كنا أمام خطأ هذا الكاتب أو ذاك فحسب، لكان الحل واضحًا: نستبدل بالمعلومات الخاطئة معلومات صحيحة، ونُبعد التعصب الشخصي عن البحث. لكن سعيدًا يتساءل: أليست اللغة العلمية نفسها، والمفاهيم التي نستخدمها، وحدود التخصصات الأكاديمية، وسلطة الخبير، والعلاقة التاريخية بين الباحث وموضوع بحثه، مشاركة أيضًا في تشكيل المعرفة؟ أيمكن لبحث أن يكون مليئًا بالمعلومات الصحيحة ومع ذلك يعرّف شعبًا ما بحفنة من الصفات الثابتة؟ وإذا أُنتجت صورة كهذه في مجتمع يملك قوة سياسية وعسكرية، فهل يبقى أثرها محصورًا في الجامعة؟ وفي كل مرة تتحدث فيها وسيلة إعلامية عن «العقلية الإسلامية» أو «طباع الإيرانيين»، تعود هذه الأسئلة إلى الظهور.
وبعد سعيد، لم تعد الدراسات الأدبية والتاريخ والأنثروبولوجيا ودراسات الشرق الأوسط قادرة على عدّ المعرفة ميدانًا منفصلًا عن السلطة، وزاد اهتمامها بموقع الباحث ولغة التمثيل والشروط التاريخية لإنتاج المعرفة. غير أن الاتساع الذي منح نظريته قوتها كان أيضًا منبع كثير من الانتقادات. فإذا انضوى النص الأدبي والبحث اللغوي والسياسة الاستعمارية والثقافة العامة كلها تحت مفهوم واحد، ضاعت الفروق المهمة بينها. وإذا كان الاستشراق خطابًا عمره قرون، فأين نضع تنوع البلدان والعصور والباحثين؟ وإذا كانت المعرفة ممتزجة بالسلطة، فماذا يبقى من الحقيقة والمعرفة المعتبرة؟ ولذلك لا يجوز اختزال النقاش في الاختيار بين سعيد ومنتقديه. وأحاول في هذه المقالة أن أوضح أولًا المنطق الداخلي لنظريته، ثم أفحص الانتقادات الجدية الموجهة إليها، وأبيّن في الختام ما الذي ما يزال مهمًا في هذا المشروع وما الذي يمكنه، ويجب عليه، أن يستمر.
لا يستخدم سعيد الاستشراق بمعنى واحد. ففي مطلع الكتاب يقدّم ثلاثة تعريفات، يكشف كل منها طبقةً من المسألة، ولا يتضح منطق الكتاب إلا بربطها معًا. الأول هو المعنى الأكاديمي المتداول: كل من يدرّس الشرق أو يكتب عنه أو يبحث فيه، سواء أكان أنثروبولوجيًا أم عالم اجتماع، مؤرخًا أم لغويًا تاريخيًا، فهو مستشرق وعمله استشراق.1 وقد اعتمد المستشرقون المحترفون على هذا المعنى أكثر من غيره، وينبع رد فعل كثيرين منهم الحاد على سعيد من خوفهم من أن يُعدّ البحث العلمي والاستعمار أو الدعاية السياسية شيئًا واحدًا. أما سعيد فلا يرى في النشاط الأكاديمي نقطة النهاية في التعريف، ويسأل: أي تقسيم ذهني يمنح هذا الحقل الواسع تماسكه؟
ويجيب التعريف الثاني عن هذا السؤال. فالاستشراق أسلوب في التفكير يقوم على تمييز جوهري بين «الشرق» و«الغرب». ويستطيع الشاعر والروائي، والفيلسوف والمنظّر السياسي، والاقتصادي وعمّال الإمبراطورية، جميعًا، أن يجعلوا هذا التمييز نقطة انطلاق لنظرياتهم وملاحمهم وروايتهم وتقاريرهم عن الشرق وشعبه وعاداته وعقله وحياته. وبهذا المعنى لا يعود الاستشراق اسمًا لتخصص، بل طريقةً للتعبير عن الاختلاف. فيتحول «الشرق» و«الغرب» من جهتين جغرافيتين إلى مجموعتين من الخصائص الإنسانية والثقافية: شرق لاعقلاني منفعل شهواني ساكن، أو محتاج إلى التوجيه؛ وغرب عقلاني فاعل تاريخي قادر على حكم نفسه. وما يهم سعيدًا ليس كون هذه الصفات إيجابية أو سلبية وحسب، بل تحويل اختلافات تاريخية واجتماعية لا تحصى إلى مواجهة بين ماهيتين كليّتين.
وللتعريف نتيجة أخرى لا تحظى بالاهتمام الكافي: إن تمثيل الشرق هو في الوقت نفسه تمثيل للغرب. فإذا كان الشرق «الآخر»، فإن الغرب يبني ذاته بالتمايز عن هذا الآخر. والمجتمع الذي يصف الآخر باللاعقلاني أو الساكن يعرّف نفسه في اللحظة ذاتها بأنه عقلاني ودينامي. فالشرق في هذه الرؤية ليس موضوعًا للمعرفة فحسب، بل هو جزء من الفهم الثقافي والتاريخي الذي يملكه الغرب عن نفسه.
ويربط التعريف الثالث هذين المستويين بعلاقات القوة المادية. فسعيد، وهو يتخذ أواخر القرن الثامن عشر نقطة تقريبية، يرى في الاستشراق مؤسسة منظَّمة للتعامل مع الشرق، تعمل عن طريق الإدلاء بالتصريحات بشأنه، وإضفاء الاعتبار على آراء عنه، ووصفه وتدريسه والاستقرار فيه والحكم عليه؛ وباختصار، هو أسلوب غربي للسيطرة على الشرق وممارسة السلطة عليه.2 ومع اتساع القوة الاستعمارية الأوروبية، استقرت معرفة الشرق في شبكة من الجامعات والدول والبعثات العسكرية والرحلات. فالشرق يُدرس ويُعرف، وهذه المعرفة نفسها قد تزيد القدرة على الإدارة والسيطرة. ولا يقول سعيد إن كل متخصص في لغة الشرق أو تاريخه مستعمِر؛ بل يقول إن التخصص الأكاديمي المسمى الاستشراق، وأسلوب التفكير الأعم في الشرق، وعلاقات القوة التاريخية، لم تكن منفصلة تمام الانفصال. فالمفاهيم التي تُصاغ في المعرفة التخصصية تجد طريقها إلى الثقافة الشعبية والسياسة، والظروف السياسية تؤثر بدورها في اختيار المسائل البحثية. وإذا فككنا هذه التعريفات الثلاثة بعضها عن بعض، فقدنا معظم أفكاره وقوة حجته.
ومن هنا يكتسب مفهوم «التمثيل» أهميته. فسعيد يعارض التصور القائل إن النص العلمي أو الأدبي مرآة محايدة أمام الواقع الخارجي. فالتمثيل يجري دائمًا عبر اللغة: ينتقي الكاتب من الواقع الواسع أمامه أشياء، ويضعها في تصنيفات، ويفسّرها بمفاهيم وتمييزات معينة. وهذا لا يعني بذاته أن التمثيل كاذب، لكنه يضع بين العالم ووصفه مسافة هي نفسها موضوع النقد. وسؤال سعيد: ما الذي يبرز في هذه الصياغة وما الذي يُحذف؟ فحين تُجمع مجتمعات شديدة التباين تحت عنوان «العقل الشرقي» أو «طبع العرب»، ينتقل التمثيل من وصف ظاهرة محددة إلى حكم على ماهية شعب، وتنجرف المعرفة من تقرير وقائع محددة إلى صنع «نمط» ثقافي.
ولتوضيح هذه العملية، يستعين سعيد بمفهوم الخطاب عند ميشيل فوكو: منظومة من المفاهيم والقواعد تحدد ما الكلام المقبول، ومن له حق الكلام، وأي الأسئلة تكتسب قيمة علمية. والسلطة بهذا المعنى ليست سلطة الدولة وحدها. فاللقب الأكاديمي، والإلمام باللغة، والانتماء إلى تخصص بعينه، وسند مؤسسة معتبرة، كلها تمنح كلام الباحث سلطة لا يملكها الشخص العادي، وهذا في ذاته ليس غير مشروع، إذ لا تكون المعرفة التخصصية ممكنة بلا معيار للكفاءة. ونقد سعيد يتصل بتحوّل هذه السلطة العلمية المحدودة إلى سلطة شاملة، سلطة للكلام عن ماهية مجتمع وعقله ومصيره. فحين تؤكد أبحاث كثيرة جمود مجتمع ما أو تعصبه أو غياب العقلانية فيه أو عجزه السياسي، تتحول هذه الصفات من قضايا بشأن حالات خاصة إلى جزء من التصور العام عن ذلك المجتمع؛ ومن ثم يستطيع الخطاب السياسي أن يحيل إلى اللغة نفسها، فيوظّف في السياسة صورةً سبق أن نالت اعتبارًا علميًا.
تحتل حملة نابليون على مصر مكانة خاصة في رواية سعيد، لأنها تُظهر المعرفة والسلطة جنبًا إلى جنب بجلاء. فلم تكن الحملة عملًا عسكريًا خالصًا؛ إذ رافقها علماء ومتخصصون جمعوا معلومات وافرة عن جغرافيا مصر وتاريخها وآثارها ولغتها ومجتمعها. ولم تكن هذه المعرفة بلا قيمة ولا خاطئة بالضرورة. ونقطة سعيد أن هذه المعرفة نفسها، في ظروف الاحتلال، كانت تتحول إلى قدرة على إدارة المجتمع المدروس والتحكم فيه. وهذا نموذج للاستشراق الحديث: يجلس الغرب موقع الذات التي ترى وتصنّف وتشرح، ويصير الشرق موضوعًا للملاحظة والوصف. فالقوة العسكرية تتيح الحضور وجمع المعرفة، والمعرفة تتيح فهمًا أدق للإقليم الخاضع؛ وحين تنتهي الحملة أو يتغير شكل السلطة، تُعاد النصوص والتصنيفات الباقية إنتاجها في الجامعات والتقاليد الفكرية.
ويبين سعيد كيف تأسست هذه التقاليد واستقرت في جامعات أوروبا. والمهم ليس عنصرية بعض مفكري القرن التاسع عشر مثل إرنست رينان والكونت دو غوبينو وحدها؛ فقد صاروا بفضل مكانتهم الفكرية جزءًا من تقليد كان على الأعمال اللاحقة أن توضح علاقتها به. ويتحدث سعيد عن «مكتبة عظيمة وقوية» لا يخرج منها بسهولة حتى الكتّاب المتمردون.3 فالخطاب بهذا المعنى ليس مجموعة أوامر صريحة، بل إرث من المفاهيم والأسئلة والسلطات الفكرية يبدأ الباحثون اللاحقون عملهم من داخله. وهنا يتميز تحليل الخطاب عن نظرية المؤامرة: فلا يلزم أن يكون الكتّاب أعضاء في برنامج واعٍ للهيمنة. إذ يمكن لتقليد معرفي أن يعيد إنتاج فرضياته دون أي تنسيق واعٍ. فالباحث الذي يؤدي عمله التخصصي وحسب، إذا كانت المفاهيم الموجودة لديه سلفًا قد صوّرت الشرق واحدًا وثابتًا ومضادًا للغرب، فإنه يواصل الحد نفسه من غير أن يقصد.
ولتفسير هذا الاستمرار، يميّز سعيد بين «الاستشراق الظاهر» و«الاستشراق الكامن». فالاستشراق الكامن نوع من اليقين شبه اللاواعي الذي لا يمسّه التغيير، والاستشراق الظاهر هو الآراء المتنوعة والصريحة عن مجتمع الشرق ولغته وآدابه وتاريخه.4 ففي المستوى الظاهر تتبدل النظريات والأحكام؛ ويختلف الباحثون في الإسلام أو اللغة العربية أو التاريخ العثماني، وثمة اختلاف وتحول وقطيعة كثيرة. ودعوى سعيد أن تحت هذه الاختلافات تبقى مجموعة من اليقينيات الأعمق حول الطبيعة الأساسية للشرق، وعلى حد تعبير أحد شرّاحه، تُعد العنصرية والمركزية العرقية والتمييز الجنسي من الأجزاء المهمة في هذه الطبقة.5 وميزة هذا التمييز واضحة: فهو يفسر لماذا تبقى بعض الصور عن الشرق قائمة بعد أن يزول لسان الاستعمار الصريح أو نظريات العنصرية القديمة. فليس على أي باحث أن يقول مباشرة إن أهل الشرق أدنى عرقيًا حتى يظل الشرق مُتصوَّرًا بطبيعته ساكنًا لاعقلانيًا محتاجًا إلى التوجيه. وتبدّل المفردات الظاهرة ليس بعدُ تبدلًا في البنية العميقة للتمثيل.
غير أن هذا المفهوم نفسه صار لاحقًا أحد الانتقادات الأساسية الموجهة إلى سعيد. فإذا عُرّف الاستشراق الكامن تعريفًا عامًا أكثر مما ينبغي، صار من العسير تحديد أي نص واقع فعلًا تحت تأثيره. وحين تُفترض صفاته واسعة وثابتة، فكيف يمكن إثبات أن نصًا بعينه يتبع هذه البنية؟ وقد وُجّه هذا الاعتراض إلى منهجية سعيد، لأن نظرية تريد كشف استمرار خفي لا بد أن تقدم أيضًا معايير لتحديد غياب هذا الاستمرار أو انقطاعه.
ومع ذلك، لا يحصر سعيد الخطاب الاستشراقي في عهد الاستعمار الكلاسيكي. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، مع تراجع الدور الاستعماري لبريطانيا وفرنسا وتزايد قوة الولايات المتحدة، يتحول شكله الكلاسيكي، ويتحدث عن تغيّر «من موقف أكاديمي إلى موقف أداتي».6 فصارت معرفة الشرق الأوسط ترتبط أكثر فأكثر بالسياسة الخارجية والأمن والموارد، وقد يُستخدم تحليل الخبير مباشرة في الإعلام أو مراكز الأبحاث أو مؤسسات صنع السياسات. فالاستشراق عنده ليس إرثًا من ماضٍ استعماري: تتغير الصور المؤسسية وتبقى العلاقة بين المعرفة والسلطة، ويصل النقاش إلى طريقة تمثيل الإسلام والشرق الأوسط في اللغة العامة والسياسية، وهي اللغة التي ما زال يمكن تتبع أثرها في التغطية الإخبارية للحروب والأزمات في المنطقة. ومع ذلك لا ينبغي القول إن كل خبير في الشرق الأوسط عامل مباشر في سياسة حكومته. فللتأثير لا يلزم أن يكون الباحث نفسه صانع سياسة؛ إذ تستطيع المصطلحات والتصنيفات التخصصية أن تشكّل إطار النقاش العام وتُستخدم لاحقًا في سياقات أخرى.
وهذا يقودنا إلى مسألة الأهلية أو المرجعية. من له حق الكلام عن الشرق؟ هل المجتمعات المدروسة مجرد موضوعات للبحث أم لها نصيب في تحديد معنى تجربتها هي؟ يحتج سعيد على بنية يصير فيها الاختصاص الغربي حقًّا حصريًا في تفسير الآخر؛ وهذا ليس نفيًا للاختصاص، بل احتجاج على اختصاص يُسقط اعتبار وجهات النظر المنافسة أو تجربة البشر المدروسين أنفسهم.
ومن هذا المنظور، يرتبط صنع «الشرق» بصنع «الغرب». فالغرب في نظر سعيد ليس هوية معطاة سلفًا وثابتة تواجه الشرق بعد ذلك؛ بل يتشكل جزء من معناه التاريخي في هذه المواجهة نفسها. فإذا كان الشرق لاعقلانيًا، حلّ الغرب محل العقلانية؛ وإذا كان الشرق ساكنًا، فالغرب تاريخي ودينامي؛ وإذا كان الشرق محتاجًا إلى الإدارة والضبط، فالغرب جدير بالحكم. وتمثيل الآخر هو دائمًا جزء من تمثيل الذات أيضًا. ويمكن طرح سؤال سعيد عن أي وضع تجعل فيه جماعة أقوى جماعةً أخرى موضوعًا للمعرفة والتعريف. لكن ينبغي الحذر في تعميم هذه النقطة. فإذا فُهم مفهوم الاستشراق على نحو واسع بحيث يشمل كل وصف غربي للمجتمعات غير الغربية، فلن يعود ممكنًا التمييز بين البحث الدقيق والحكم المسبق والدعاية السياسية والأدب التخييلي. ومن هذه النقطة تبدأ الانتقادات التي وُجّهت إلى نظرية سعيد في العقود اللاحقة.
يتصل النقد الأول بكتابة سعيد للتاريخ. فهل يمكن حشر تقاليد الاستشراق المتباينة جدًا في رواية واحدة؟ إن الاستشراق الفرنسي والبريطاني، ودراسات الهند والصين والشرق الأوسط، والأبحاث اللغوية وعمل الإدارات الاستعمارية، لا تتبع بالضرورة منطقًا واحدًا. ويبين ديفيد كوبف أن الاستشراق البريطاني في الهند في مطلع القرن التاسع عشر لم يكن مجرد حامل للمركزية الأوروبية، بل أسهم أيضًا في إعادة بناء الدين الهندوسي ونشأة الوعي القومي الهندي،7 ويذكّر دانيال واريسكو بأن غاندي أفاد في مقاومته للحكم الاستعماري من إنجازات بعض المستشرقين.8 والمسألة ليست تاريخية فحسب: فإذا انضوت هذه الحالات كلها سلفًا تحت خطاب واحد، صارت النظرية عصيّة على النقد أمام الحالة المناقِضة. فبحسب نظرية سعيد، الباحث الذي يخدم الدولة الاستعمارية أسير الصلة بين الاستشراق والسلطة، لكن الباحث المناهض للاستعمار يمكن أيضًا عدّه واقعًا في الاستشراق الكامن. والنظرية التي تتصرف هكذا تفقد قدرتها التفسيرية.
ويتصل النقد الثاني بمدى مفهوم «الخطاب». فبحسب واريسكو، تصبح نظرية سعيد أحيانًا شاملة إلى حد تضيع معه فردية النصوص والكتّاب.9 ويؤكد سعيد نفسه ضرورة القراءة الدقيقة للأعمال المفردة، ومع ذلك يبقى التوتر قائمًا: فإذا كان على كل نص أن يُقرأ بحسب خصائصه، وجب في كل حالة بيان نسبته إلى الخطاب العام؛ وإذا كان الخطاب قد حدد كل شيء سلفًا، لم تكن قراءة النصوص سوى البحث عن أمثلة للنظرية. وتظهر المشكلة نفسها في التمييز بين «المستشرق الجيد» و«المستشرق السيئ». فإذا كان معيار الانتماء إلى الاستشراق واسعًا هكذا، فكيف نفسّر الأبحاث التي ابتعدت عن الصور النمطية؟ وقد ذكر سعيد في كتاباته اللاحقة عددًا من هذه الحالات، كليفورد غيرتز وجاك بيرك ومكسيم رودنسون، الذين ابتعدوا عن بعض المبادئ الجامدة للاستشراق بفضل تحديد عملهم ووعيهم بالمنهج وبفرضياتهم.10 فالخطاب إذن، في رأي سعيد نفسه، ليس سجنًا لا مهرب منه.
ويتعلق النقد الثالث بالحقيقة والتمثيل. فإذا كانت كل معرفة تمثيلًا، وكان التمثيل مرتبطًا دائمًا بالسلطة والموقع التاريخي، فهل ما زال ممكنًا التمييز بين التمثيل الصحيح والخاطئ؟ يقول مايكل ريتشاردسون إنه إذا عُدّ «الشرق» بناءً خياليًا محضًا، صارت الحقائق التي اكتشفها المستشرقون عنه موضع شك أيضًا.11 وهذا الاعتراض من أخطر التحديات لبعض قراءات سعيد. فمن يعدّ تمثيلًا ما محرِّفًا، فقد افترض بالضرورة أنه يمكن قياسه بشيء خارج ذاته، أي بالشواهد والتجربة الواقعية. وإذا لم يكن ثمة معيار غير الخطاب، فإن الحديث عن التحريف يفقد معناه أيضًا. فالنظريات تؤثر في انتقاء الوقائع، والوقائع لا «تتكلم بنفسها» أبدًا بحياد تام، لكن البحث الأدق والحجاج النقدي والمناهج الأكثر تمحيصًا قادرة على تقليل التحيز والمعلومات الخاطئة. ونقد الحياد المطلق لا يفضي إلى نفي القيمة المعرفية للبحث.
والنقد الرابع، ولعله أهمها، أن المشروع الذي يريد كسر ثنائية الشرق والغرب قد يعيد إنتاجها. وقد أبرز صادق جلال العظم هذا الخطر في بحثه عن «الاستشراق معكوسًا»: فإذا صار الغرب في نظرية سعيد كلًّا متجانسًا ومهيمنًا على الدوام، أمكن لنقد الاستشراق أن يستخدم البنية الجوهرانية نفسها هذه المرة ضد الغرب.12 وهذا الاعتراض ليس مجرد دفاع عن الغرب في وجه سعيد؛ بل يتصل بانسجام المشروع ذاته. فإذا كانت الجوهرانية خاطئة، فلا يجوز نقدها فقط حين يكون موضوعها الشرق. بل يجب بيان لماذا تصبح كليات مثل «الشرق» و«الغرب» إشكالية حين تحل محل التواريخ المحددة والاختلافات الداخلية.
ومع ذلك، لا يمكن تنحية سعيد بمجرد الإشارة إلى هذه الانتقادات والأخطاء التاريخية. فالسؤال الذي طرحه ما زال قائمًا: هل الاختصاص الأكاديمي واللغة العلمية مستقلان دائمًا عن الفرضيات التاريخية والنتائج السياسية؟ وإن لم يكونا كذلك، فلا تعود المسألة الأساسية إثبات برنامج سياسي خفي في ذهن جميع المستشرقين، بل الفحص الأدق للطرق التي تؤثر بها المفاهيم والمناهج العلمية في التصور العام والسياسي للمجتمعات.
والسؤال الأساسي الآن: هل يمكن للبحث في الشرق الأوسط أن ينفصل تمامًا عن سياقه السياسي؟ والجواب ليس القبول الكامل لتحليل سعيد، ولا العودة إلى دفاع بسيط عن حياد الاستشراق. فتحليل سعيد يميل إلى اختزال فرضيات الاستشراق كلها في أحكام سلبية على أهل المنطقة، ثم في علاقات القوة؛ وبعض المدافعين عن الاستشراق يفصلون معرفته التخصصية عن أي نتيجة سياسية، ويعدّون النماذج الجلية للعنصرية أو التسييس خارج النواة المركزية لهذا الحقل. والطريق الأدق أن تُفحص الفرضيات نفسها واحدةً واحدة قبل إصدار الحكم، ثم يُسأل هل تؤدي إلى تحيز أو نتيجة سياسية وكيف. وهذا النهج ينقل النقد من الحكم على نوايا الأفراد إلى مستوى منهج البحث.
وتوضح هذه المسألة بضعة أمثلة. فمن الفرضيات الفيلولوجية القديمة ما يمكن تسميته «الاشتقاق بوصفه قدرًا»: ومعناه أن المعنى الأول للكلمة يبرز إلى حد يبدو معه كأنه حدد معناها «الحقيقي» إلى الأبد، وتُعد الطبقات التي أضافتها قرون من الاستعمال التاريخي ثانوية. وهذه الطريقة لا تفضي بالضرورة إلى حكم سلبي على العرب أو المسلمين، ولا يجوز عدّ كل اهتمام فيلولوجي استشراقًا بالمعنى الذي قصده سعيد. لكنها قد تصنع مرجعية خاصة للمتخصص، لأن الباحث يظن أنه بمعرفته أصل الكلمة يعرف معنى كلام المتكلم المعاصر أفضل منه. والمسألة هنا ليست «عنصرية كامنة»، بل هي أقرب إلى تصور خاص للعلاقة بين النص والتاريخ والمتكلم الحي.
النموذج الثاني يتعلق بفهم التغيّر التاريخي. ففي جانب من الدراسات الكلاسيكية عن المجتمعات الإسلامية، صارت العصور الأولى معيارًا للأصالة، وعُدّت التحولات اللاحقة في معظمها انحطاطًا. ففي دراسات الفقه الإسلامي مثلًا، قد يحجب التركيز الكلي على النصوص الكلاسيكية الحياة القانونية المعاصرة عن النظر: فقد يمتلك الباحث معرفة دقيقة بالتكوّن التاريخي للشريعة والفقه، ولا يكون قد رأى محكمة معاصرة قط. وهذا ليس بالضبط الهيمنة الاستعمارية التي يتحدث عنها سعيد؛ فقد يكون نتاج عادات تخصص ما وتقدّم النص على تاريخ المجتمعات، لكنه يرسم صورة للمجتمعات يبهت فيها التغيّر والابتكار والتجربة الحية.
وثمة فرضية أخرى هي التصور القائل إن «الوقائع تتكلم بنفسها». غير أن تراكم المعلومات لا يزيل مشكلة انتقائها وتنظيمها: فالباحث يقرر دائمًا ما الذي يسجّله وفي أي مقولات يضع المعطيات. وهذه هي بصيرة سعيد نفسها، ولكن مع قدر أكبر من الحذر: فمن وساطة اللغة والنظرية لا يمكن أن نستنتج أن الواقع يتعذر بلوغه؛ إنما المطلوب نقد المنهج نفسه ومفاهيمه وفرضياته. وتزداد هذه المسألة جلاءً في تعامل بعض المتخصصين مع النصوص الإسلامية، حين يبدون كأنهم يعرفون التفسير الصحيح أفضل من المؤمنين. وهذا علامة على مشكلة منهجية، أي النسبة بين الخبرة النصية وتجربة الناس الذين تشكّل تلك النصوص جزءًا من تقليدهم الحي. ودراسة نص دراسة تاريخية دون محاورة العربي والإيراني والتركي اليوم مسوَّغة في موضوعات كثيرة. أما حين يكون الموضوع حياة ذلك التقليد ومعناه، فإن إقصاء التجربة الحية للناس لا يضيّق نطاق المعرفة وحسب؛ بل يقود المنهج إلى سوء فهم تلك الحقيقة الحية نفسها، لأنه يختزل المعنى الحي للتقليد في معنى النص في الماضي.
وإلى هنا يمكن التعبير عن النتيجة في حكمين. فقد أنتج المستشرقون معلومات دقيقة وفيرة لا يجوز إغفال قيمتها؛ ولمناهج أي تقليد علمي حدود ينبغي فحصها. وقد يكون سعيد بدوره أخطأ أو بالغ في أحكام جزئية، غير أن منهجه في دراسة الخطاب في صلته بالظروف التاريخية لإنتاجه له اعتباره. وهذا لا يعني قبول الاستشراق قبولًا كاملًا ولا رفضه رفضًا كاملًا. فينبغي أن يبقى السؤال عن السياق والفرضيات والمنهج، لكن لا يجوز أن نفترض سلفًا أن الجواب واحد دائمًا وينتهي في آخر المطاف إلى إثبات هيمنة الغرب. فبدلًا من عدّ كل خطأ شاهدًا على خطاب الهيمنة، يمكن أن نبيّن لماذا يكون منهج ما محدودًا؛ وبدلًا من عدّ كل إنجاز علمي دفاعًا ضد سعيد، يمكن أن نقرّ بأن المعلومات الصحيحة قد تُنتقى هي أيضًا ضمن أطر قابلة للنقد.
ولا تقتصر إعادة النظر في مشروع الاستشراق على هذا النقد المنهجي، لأن كتابات سعيد اللاحقة، ولا سيما مقدمة طبعة 2003، تبيّن أنه هو أيضًا لم يشأ أن يتحول كتابه إلى دفاع عن التقابل بين كليتين ثقافيتين هما الشرق والغرب. وقد اكتسب هذا الأمر أهمية في زمن عادت فيه الصور التقابلية للإسلام والغرب إلى الاشتداد بعد الحرب الباردة وحرب الخليج، وبخاصة بعد الحادي عشر من سبتمبر. ويصرّح سعيد بأن غايته من الاستشراق لم تكن إدامة «العداء بين كتلتين سياسيتين وثقافيتين متنافستين متماسكتين»، بل الحدّ من أثر الخطابات التي تعيد إنتاج تقابلات كهذه.13 ويمكن تسمية بديله، قبل أي شيء، «الوعي النقدي» (critical consciousness): فعلى المستشرق والمثقف وكل باحث يتكلم عن مجتمع آخر أن يضع موضع التساؤل سلطته هو والتقليد الذي يفيد منه. ومن ثمّ فإن هدف سعيد ليس التخلي عن البحث والاختصاص، بل مقاومة تحويل المرجعية العلمية إلى مرجعية محصَّنة من النقد. ويرى سعيد في مقدمة طبعة 2003 أن مهمة البحث والنقد تكمن في تفكيك «الصياغات الاختزالية» وذلك النمط «المجرد لكنه قوي» من التفكير الذي يُبعد الذهن عن «التاريخ والتجربة الإنسانية الملموسة» ويجرّه إلى «الحكاية الأيديولوجية والتقابل الميتافيزيقي والانفعال الجمعي».14 وليس الإشكالي في الاستشراق مجرد الاختلاف أو التصنيف؛ بل أن يحل التصنيف محل التاريخ والتجربة الملموسة، فيصير «الشرق» كيانًا مجردًا نعرف سلفًا كيف يفكر وكيف يعمل.
ويعلم سعيد أن إزالة الحدود إزالة تامة غير ممكنة؛ فإذا زال «نحن وهم» ظهرت تمايزات أخرى مثل الشمال والجنوب أو المتمتعين والمحرومين. والمسألة في كيفية استخدام التمايزات: أتبقى أدوات تحليلية قابلة للمراجعة أم تتحول إلى هويات مطلقة متعادية؟ وفي مواجهة كل نظرية تتحدث عن «صدام الحضارات»، تكتسب نزعة سعيد الإنسانية المتأخرة أهميتها، لأنها تعيد الانتباه من الكليات المجردة إلى بشر يعيشون في تواريخ محددة: فأهل الشرق الأوسط ليسوا «الشرق» فحسب، كما أن أهل أوروبا وأمريكا ليسوا «غربًا» واحدًا لا يتغير. والثقافات أيضًا هجينة وغير متجانسة، ومتداخلة إلى حد يتعذر معه وصفها وصفًا موحدًا أو رسم حدود بسيطة بينها؛15 فقد اقترض بعضها من بعض، ولم يتشكل أي منها في عزلة. ولهذا يضع سعيد «الصدام المصطنع بين الحضارات» في مقابل «التعاون التدريجي بين ثقافات» متداخلة تستطيع أن تعيش جنبًا إلى جنب في سلام بطرق أشد تعقيدًا بكثير من التصورات الحضارية البسيطة.
وبوضع هذه الانتقادات وأجوبة سعيد جنبًا إلى جنب، تصبح إعادة النظر في مشروع الاستشراق نفسه ضرورية. فيجب أن تُمتحن فرضيات البحث الاستشراقي في تخصصات وموضوعات محددة، إذ لا يمكن أن نسلّم سلفًا بأنها كلها نتاج للهيمنة أو أداة لها. فقد يكون المنهج قيّمًا وفي الوقت نفسه ذا حدود جدية؛ وقد يقع باحث في الكليشيه في موضوع ويقدّم عملًا دقيقًا في موضوع آخر؛ وقد تترتب على فرضية أكاديمية، دون أي دافع سياسي، نتيجة سياسية في الفضاء العام. والنظرية الشديدة العمومية تفقد هذه الفروق. ويحتاج هذا الامتحان أيضًا إلى معيار من خارج الخطاب: الشواهد، وتجربة الناس الأحياء الذين هم موضوع البحث، والمناهج التي تُبقي إمكان اكتشاف الخطأ مفتوحًا. فالبحث الدقيق وحده لا يزيل كل الأضرار، لكنه يستطيع أن يقلل من التحيز والمعلومات الخاطئة. وما ينبغي أن يبقى من مشروع سعيد هو نواته النقدية؛ وما ينبغي أن يُترك هو الافتراض بأن كل نص استشراقي هو سلفًا نموذج من خطاب الهيمنة، وأن عمل الباحث ليس إلا العثور على آثار ذلك في النص.
إن نقد سعيد للاستشراق، بهذا المعنى، لم يكتمل. فقد جاء إلى العلوم الإنسانية بسؤال صائب وبقوة قلّ نظيرها: كيف تُصنع المعرفة عن الآخر، وما نسبتها إلى السلطة؟ لكن جوابه كان أحيانًا شديد الشمول، فوضع الفروق بين المناهج العلمية والفرضيات الفكرية والدوافع السياسية والنتائج التاريخية في قالب واحد. وليست متابعة مشروعه تخليًا عن هذا السؤال، بل تدقيقًا له. وفي زمن ما تزال فيه وسائل الإعلام والخطابات السياسية تتصور «الشرق» و«الغرب» بسهولة كليتين متعاديتين متجانستين، فإن هذا الدرس من سعيد المتأخر هو الأنفع لأيامنا أكثر من أي جزء آخر من كتابه: مقاومة الصياغات الاختزالية، والعودة إلى التجربة الملموسة للناس، وفهم الثقافات في تعقيدها وعدم تجانسها وترابطها التاريخي.
وهذا الدرس لا يقتصر اليوم على الجامعة. فقد بيّن سعيد في «الاستشراق» أن الإسلام كان بالنسبة إلى أوروبا «صدمة دائمة»، وأنه ارتبط في المخيلة الغربية بالرعب والخراب والهمجية.16 والإسلاموفوبيا اليوم في الغرب، التي تعرّف المسلمين بعدد من الصفات الثابتة، تواصل هذا التقليد نفسه. فكثير من وسائل الإعلام الغربية المهيمنة، في الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران، تصنع روايةً تضفي المشروعية على الحرب وتبرر قتل المدنيين، وترسم عن غزة صورة تحوّل أهلها إلى «آخر منزوع الإنسانية» وتغطي على الإبادة الجماعية؛ وتمنح مشاريع مراكز الأبحاث الداعية إلى الحرب مثل هذه الروايات سندًا «علميًا». وهذا هو الارتباط نفسه بين المعرفة والتمثيل والسلطة الذي درسه سعيد. ونقده من هذه الجهة ما يزال حيًا، وهذا الوضع بعينه يجعل إعادة النظر الجذرية في مشروع الاستشراق ضرورية: فحص دقيق لفرضيات المستشرقين والباحثين في الشرق الأوسط، والسؤال عن التصورات والسياسات التي تفتح هذه الفرضيات الباب لها. ويمكن تسمية نتيجة هذه المراجعة الاستشراق النقدي: بحثًا يحتفظ بالمعرفة اللغوية والنصية الدقيقة، لكنه يضع مرجعيته وفرضياته موضع التساؤل، ولا يتصور «الشرق» كيانًا ثابتًا منفصلًا عن التاريخ، ويحاور تجربة الناس الذين يكتب عنهم. وقد أشار سعيد نفسه في مقدمة 2003 إلى اتجاه هذه المراجعة: النزعة الإنسانية والوعي النقدي في مواجهة «صدام» الحضارات.
1. Edward W. Said, Orientalism, 25th Anniversary ed. (New York: Vintage Books, 2003), 2.
2. Said, Orientalism, 3.
3. Said, Orientalism, 157.
4. Said, Orientalism, 354–355.
5. Daniel Martin Varisco, Reading Orientalism: Said and the Unsaid (Seattle: University of Washington Press, 2007), 57–58.
6. Said, Orientalism, 246.
7. A. L. Macfie, ed., Orientalism: A Reader (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2000), 194.
8. Varisco, Reading Orientalism, 152.
9. Varisco, Reading Orientalism, 45–46.
10. Said, Orientalism, 326.
11. Michael Richardson, “Enough Said: Reflections on Orientalism,” in Macfie, Orientalism: A Reader, 211.
12. Sadik Jalal al-Azm, “Orientalism and Orientalism in Reverse,” in Macfie, Orientalism: A Reader, 217, 231.
13. Said, Orientalism, 334–335.
14. Said, Orientalism, xxiii.
15. Said, Orientalism, 347.
16. Said, Orientalism, 59–60.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.