اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مسعود زنجاني أن الفلسفة هي مَلَكة الشك التي تُعدّ جوهر الشباب ومنظوراً مناصراً للسلام. وعلى هذا الأساس، فإن الشكوكية هي الترياق المضاد للدغمائية والحرب، وأن السلام العالمي بحاجة إلى صُنّاع قرار شكّاكين؛ يتحرّون الحقيقة كما فعل سقراط.

«البهجة والشباب في الفلسفة القديمة» و«صلة الفلسفة بالسلام» عنوان محاضرتين (مجموعهما 60 دقيقة) لمسعود زنجاني، أُلقيتا في شهر نوفمبر من العام الماضي بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة، وفي العشرين من أبريل من هذا العام في ورشة عمل منظومة ثقافة السلام، باللجنة الوطنية لليونسكو. هاتان المحاضرتان ـ كما يُؤكَّد في مستهل المحاضرة الثانية ـ مترابطتان. في الواقع، يبدأ الحديث الثاني استكمالاً للنقاش الختامي للحديث الأول وبالإشارة إلى مفهوم «نظربازي» (التأمل الجمالي) في شعر حافظ وفكره. هذه المذكرة المقتضبة بقلمه بمناسبة نشر الملف الصوتي لهاتين المحاضرتين في صدانت.
يمكن تفسير «نظربازي» فلسفياً بـ«المنظورية» (perspectivism) التي تضرب بجذورها في «الشكوكية» (scepticism). وعلى هذا الأساس، يمكن اعتبار «الشكوكية»، في تحليل فلسفي، عيار الشباب ومعياره (المحاضرة الأولى)؛ كما يمكن، في تحليل آخر، اعتبارها النظرة الداعمة والحاملة للسلام. (المحاضرة الثانية) وفي هذا الإطار التحليلي والأفق التأويلي نفسه، إلى جانب «فن الشك» يمكن بل ينبغي الحديث عن «فضيلة الخوف» أيضاً وعلاقتها بثقافة السلام. (نهاية المحاضرة الثانية)
لكن مع التذكير بأن «الشكوكية» مكوِّن من مكونات «التفكير النقدي» أو «التفكير الفلسفي»، حينئذ يمكن الكشف عن الصلة الباطنية بين «الشباب» و«السلام» و«الفلسفة». من هذا المنظور، السلام هو قدرة الشباب، أي شباب الفكر، (أصحاب التأمل الجمالي / الشكاك)؛ قدرة أناس كسقراط الذين حتى في الساعات الأخيرة من حياتهم كانوا يتحرون الحقيقة، وشكوا في أكثر معتقداتهم رسوخاً ـ كالإيمان بالحياة بعد الموت ـ وجلسوا للحوار مع المخالفين بحثاً عن الحقيقة. يمكن القول إن سقراط، بفضل الفلسفة (القدرة على الشك)، كان شاباً على الدوام، وبهذا المعنى، فارق الحياة في أوج شبابه. (محاورة فيدون لأفلاطون)
من جهة أخرى، الحرب أيضاً، على الدوام، جناية الشيوخ، أي جامدي الفكر، (المدّعين / الدوغمائيين)؛ أناس ككريون الذين لا يملكون القدرة على الاعتراف بالاختلافات والتضادات، وبتعبير ابنه هايمون، لا يستطيعون القبول بأن شخصين (مجموعتين / ثقافتين) قد يكونان، في آنٍ واحد، على حق ويملكان نصيباً من الحقيقة. لكن التاريخ يخبرنا أن أمثال كريون، الأسرى للجهل والغرور، دولتهم الباطنة زائلة، وعاقبتهم أن يحكموا على الصحراء والقفر. (تراجيديا أنتيغوني لسوفوكليس)
إذا أمعنّا النظر، فإن أهم عائق أمام السلام والصداقة والتسامح في عالمنا ليس سوى الدوغمائية (dogmatism). يخبرنا التاريخ أن الدوغمائية وأشكال التصلب والتعصب المختلفة هي التي أضرمت دائماً نار الحرب والعنف في العالم. وهو نفسه يخبرنا أن الشكوكية هي الترياق الوحيد للدوغمائية، لأن نار الجمود والدوغمائية لا تخمد إلا بمطر الشك والتساؤل.
أما أحقية الفلسفة وضرورتها لعالمنا، فتكمن في دورها المؤثر في إمداد التعايش السلمي بالعون من خلال تنمية القدرة على الشك والعيش رغم الشك. الفلسفة هي «حب الحكمة»، لكن لا يستحق هذا الحب إلا أولئك الذين امتلكوا أولاً القدرة على الشك في «معلوماتهم». والحق أن الشك سمة البشر الحكماء والشرفاء. الشجاعات الجليلة والجرآت القيّمة للبشر العظام تضرب بجذورها في قدرتهم على الشك وخوفهم من الحقيقة. من هنا، ينبغي القول: «السلام العالمي، أكثر من أي شيء وقبل أي شيء، بحاجة إلى مدبرين شكاكين»
الأجـرامُ التي سُكّانُ هذا الإيوانِ هـي أسـبـابُ تـردّدِ ذوي العقلِ الرّاجحْ هيـا لا تُضِـعْ خيـطَ الرشـادِ فإنّـما أولـو التـدبيـرِ حـائرونَ طـوائحْ
.
.
نعم، حُكم على أكثر من عشرين ألف جندي بالإعدام في المحاكم العسكرية. أعني الجنود الألمان الفارّين من الحرب الذين ما زالوا يُذكرون كبشر جبناء وخائفين. ألم يكونوا هم الأبطال الحقيقيين للحرب؟ لقد امتلكوا الشجاعة كي لا يتحولوا إلى بشر أشرار. أظهروا نُبلهم في قالب «الخوف». لم يذعنوا للطاعة العمياء. كان تمردهم وعصيانهم دليلاً على صدقهم واستقامتهم. ولهذا السبب، يمكن بل ويجب، حتى بعد تأخير خمسين عاماً، رد الاعتبار لأولئك الذين قالوا «لا» في تلك الأيام. إذا تجاوزنا المراسم التشريفية (مراسم الذكرى الخمسين لانتهاء الحرب) الجارية الآن في بلداننا وبلدانكم، فإن الظروف في الواقع لم تتحسن كثيراً. بصفتي شاباً نجا من الحرب، فإن ذكريات الأسابيع الأخيرة للحرب لا تبرح ذهني أبداً. عندما اخترق الجيش السوفييتي جبهة الأودر وبدأ معركة احتلال برلين، رأيت بأم عيني ضحايا المحاكم العسكرية الألمانية في زمن الحرب: جثثاً معلقة على صفوف لا نهائية من أغصان الأشجار في الشارع الرئيسي لكل بلدة، والذي كان يُسمى عادةً شارع «أدولف هتلر». كان من بينهم جنود قدامى من الجبهة وفتية في مثل عمري حُكم عليهم بالإعدام في محاكم فورية. على صدر كل واحد منهم لافتة ورقية كُتب عليها: «أنا إنسان جبان!» ... أريد أن أقول هذا: لقد مرت الآن خمسون عاماً على تلك الأيام ولكن كأنها البارحة فقط. المرء إن لم يرد أن يتعامى عن الحقيقة، تنحفر الذكريات في ذهنه كالحجر. مهنتنا تقتضي ألا نتعامى عن الحقيقة وأن نحمل عبء المسؤولية على أكتافنا. هذا هو ميثاقنا. أعرف جيداً، ويبدو بعيد الاحتمال، أن تقوم حكوماتنا وحكوماتكم مرة أخرى برد الاعتبار لهؤلاء البشر المتمردين، البشر الذين قالوا «لا» بشجاعة. لكن يجب أن يُقال: إنهم، الجنود الفارون الذين حوكموا في محاكم الحرب الفورية وأُعدموا رمياً بالرصاص أو شنقاً على الفور، لهم مكان في قلب كل حماة السلام.
مع أطيب التحيات غونتر غراس
ثماني رسائل (غونتر غراس - كنزابورو أوي)، ترجمة علي شفيعي، نشر جشمه، 1378، الصفحتان 24 و25.
.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.