اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
استند توما الأكويني في طرقه الخمسة الشهيرة لإثبات وجود الله، في أربعة من حججه على الأقل، إلى جهود الفلاسفة المسلمين. إن استدانة هذا اللاهوتي المسيحي من المفكرين الإسلاميين في تقديم أدلة وجود الله واضحة كل الوضوح.

يتناول هذا المقال، بإيجاز، دراسة تأثر توما الأكويني بالمفكرين المسلمين، في أحد أهم آرائه الأساسية، ألا وهو أدلة إثبات وجود الله، ويُظهر مديونيته للفلاسفة المسلمين. أولاً، يرى الأكويني أن إثبات وجود الله بالاستدلال أمر ضروري...
ملخص
يتناول هذا المقال، بإيجاز، دراسة تأثر توما الأكويني بالمفكرين المسلمين، في أحد أهم آرائه الأساسية، ألا وهو أدلة إثبات وجود الله، ويُظهر مديونيته للفلاسفة المسلمين. أولاً، يرى الأكويني أن إثبات وجود الله بالاستدلال أمر ضروري. ثانياً، قدم خمس طرق واستدلالات في هذا المجال، وقد استفاد في أربعة منها على الأقل من جهود الفلاسفة المسلمين. أما استدلاله الخامس فلا يتمتع بالقوة الكافية.
كلمات مفتاحية: توما الأكويني، الاستدلال بالحركة، الاستدلال بالعلة الفاعلة، الاستدلال بالوجود الواجب والوجود الممكن، الاستدلال بالمراتب، والاستدلال بالعلة الغائية.
مقدمة
يُعد توما الأكويني، بلا شك، أحد أعظم اللاهوتيين المسيحيين، وخاصة في المسيحية الكاثوليكية. ولا تزال آثاره وأفكاره تجري بينهم في قالب الفكر التوماوي، وتحظى باهتمام اللاهوتيين المسيحيين بوصفها تياراً فكرياً قوياً. إن جهده في تقديم آراء استدلالية في شتى المجالات ومديونيته للمفكرين المسلمين واضحة كل الوضوح. وما يُدرس الآن في هذا المقال هو النظر في أحد أهم الموضوعات التي عالجها الأكويني، وبيان تأثره بالفلاسفة والمتكلمين المسلمين.
لقد طرح الأكويني براهين إثبات وجود الله في قالب خمسة استدلالات، اشتهرت بالطرق الخمس للأكويني. وهذه الطرق والاستدلالات الخمسة هي: الاستدلال بالحركة، والاستدلال بالعلة الفاعلة، والاستدلال بالوجود الواجب والوجود الممكن، والاستدلال بالمراتب، والاستدلال بالعلة الغائية. ومن باب المقدمة، لبيان تأثره بالمفكرين المسلمين، يلزمنا أن ننظر في حياته وآثاره.
الحياة وبعض الآثار1
وُلد القديس توما الأكويني،2 في أوائل عام 1225م في روكاسيكا3، الواقعة بالقرب من مدينة نابولي. كان الابن السابع لـكونت أكوينو. عندما بلغ الخامسة من عمره، وبسبب تعلق أسرته المفرط به وتطلعاتهم العالية جداً، أُرسل للدراسة في دير "البندكتيين"4 في "مونتي كاسينو5".6 بعد تسع سنوات من الدراسة في هذا الدير، اضطر لمغادرته7 والعودة إلى أسرته بسبب احتلال الجنود الإمبراطوريين للدير. بعد فترة وجيزة، ذهب لمواصلة دراسته في جامعة نابولي التي أسسها الإمبراطور في مواجهة المدارس البابوية، حيث تلقى العلوم السبعة: المنطق، وعلم المعاني والبيان، والرياضيات، والهندسة، والنحو، والموسيقى، والفلك. وفي هذه الفترة ذاتها، تعرف على الفلسفة والمباحث الفلسفية، ودرس الرسائل المنطقية لأرسطو على يد أستاذ يُدعى بيتر الإيرلندي، واطلع على أعمال أرسطو في شتى المجالات. في التاسعة عشرة من عمره (1244م)، أثار غضب أسرته بانضمامه إلى جماعة الإخوة الرهبان الدومينيكان، التي كانت آنذاك أقل حظوة لدى الناس؛ ذلك أن أسرته كانت ترغب في أن يرتدي ابنهم رداء الرهبنة لدى الطائفة البندكتية.8 ولمساعدته على الهروب من استياء أسرته، أرسله الرهبان الدومينيكان إلى باريس؛ لكنه اختُطف في الطريق على يد إخوته وسُجن في منزله لأكثر من عام. في هذه الفترة، التي كان والده قد توفي فيها، بذلت والدته وسائر أفراد الأسرة جهداً كبيراً لثنيه عن قراره؛ لكنهم لم يفلحوا. ظل ثابتاً راسخاً على اختياره، ولم يقبل أن يتخلى عن ولائه لطائفة الدومينيكان؛ وأخيراً، سمحت له أسرته بالعودة إلى طائفته واستئناف دراسته.9 بعد تحرره من روكاسيكا، ذهب توما إلى مدينة كولونيا في ألمانيا، واشتغل بالدراسة من عام 1248م حتى 1252م تحت إشراف أستاذه الشهير، ألبيرت الكبير.10 استطاع ألبيرت، الذي كان يتمتع بنبوغ خاص، أن يتعرف على موهبة الأكويني، وأقنع بإلحاح رؤساء الطائفة الدومينيكانية بإرساله إلى جامعة باريس لنيل درجة الدكتوراه والأستاذية. لم يحظ الأكويني بشعبية كبيرة بين زملائه، حتى إنهم كانوا يلقبونه بالثور الأبكم بسبب ضخامة جسمه وبطء حركته. وكان ألبيرت الكبير يرد على ذلك قائلاً إن هذا الثور الأبكم سيملأ العالم كله يوماً ما بخواره.
دخل الأكويني جامعة باريس عام 1252م ليبلغ مرتبة الأستاذية فيها عبر إلقاء سلسلة من المحاضرات. وفي سن الثلاثين، صار مدرساً في جامعة باريس. في ذلك العصر، وبسبب الانتقادات الكثيرة التي كانت توجه إلى الطائفة الدومينيكانية، كرس معظم وقته لكتابة تفنيدات لتلك الانتقادات: ومع ذلك، لم يغفل عن الكتابة في المجالات الأخرى. سطر بقلمه أثرين قصيرين بعنواني في مبادئ الطبيعة وفي الوجود والماهية، واللذين يشرحان الآراء الأرسطية وآراء أتباع أرسطو وشراحه. حاز هذان الأثران، ولا سيما الثاني منهما، اعتباراً واسع الانتشار، واستُخدما ككتابين دراسيين. من عام 1256م حتى 1259م، اشتغل بتفسير الكتاب المقدس، وكانت حصيلة هذه الفترة كتباً تفسيرية بقيت من بعده. وخلال هذه الحقبة ذاتها، طرح الأكويني وجهة نظره حول النظرية التمثيلية، التي تقضي بضرورة أن تخضع المفاهيم الواردة في الكتاب المقدس لتفسير تمثيلي.11
في عام 1259م، وبسبب أن راهبًا دومنيكانيًا إنجليزيًا يُدعى ويليام آلتوني قد خلف توماس في كرسي اللاهوت، غادر باريس متجهًا إلى إيطاليا حيث أمضى السنوات الست التالية. وخلال هذه الفترة، استُدعي لخدمة باباوات عصره، وهما ألكسندر الرابع وأوربان الرابع. وفي أورفيتو وروما وفيتيربو، تحادث مع علماء وسياسيين ولاهوتيي ذلك الزمان. وأهم ما أنتجه في هذه الحقبة هو أحد أشهر مؤلفَيه، وهو الخلاصة أو رد الأمم الضالة12. وقد كُتب هذا الكتاب ضد المسلمين واليهود وغيرهم من غير المسيحيين.13 ومن الجدير بالذكر أن هذا الكتاب قد تُرجم ونُشر إلى الإنجليزية بعنوان في صدق الإيمان الكاثوليكي14. وقد عيّن البابا أوربان الرابع الأكويني كمؤلف للعبادات والتراتيل الدينية. وفي هذا السبيل، خلّف أيضًا بعض الآثار. وبعد وفاة البابا، ذهب إلى مدينة روما ودرّس اللاهوت فيها لمدة عامين. ومن المرجح أنه كان في روما وإيطاليا حين كتب الجزء الأول من تحفته الفنية، أي خلاصة العلوم الإلهية15.
وفي عام 1268م، أُرسل مرة أخرى إلى باريس لتولي كرسي التدريس. وفي تلك الفترة، واصل كتابة خلاصة العلوم الإلهية بإملاء مواده على أمنائه؛ ومع ذلك لم ينجح في إتمامها؛ لأنه أصيب في هذه الفترة بنوع من تشتت الذهن ولم يعد لديه صبر على الكتابة والقول، وفي عام 1273م، أثناء مراسم القربان المقدس، دخل في حال جعله يرى جميع أعماله السابقة غير مجدية، حتى أنه كان يقول لأمنائه، ردًا على طلبهم مواصلة الكتابة، إن كل ما قاله وكتبه في الماضي كان تافهًا وأجوف.
في أوائل العام التالي (1274م)، دعا البابا غريغوري العاشر إلى عقد مجمع عام للكنيسة في مدينة ليون. وكان الأمر الرئيسي لجلسة المجمع هو المصالحة بين الكنيستين اليونانية واللاتينية. وقد استُدعي توماس بصفته خبيرًا في المذهب اليوناني للمشاركة في الجلسة. وعلى الرغم من ضعف بنيته، بدأ الرحلة شمالًا؛ لكنه إثر إصابة عرضية في رأسه، اضطر للتوقف في قصر أحد أقربائه بالقرب من فوسانوفا16. وبعد بضعة أسابيع، نُقل إلى الدير المسيحي المجاور، وهناك توفي في السابع من مارس عام 1274م.17
خلّف الأكويني خلال حياته مجموعة واسعة جدًا من المعارف المسيحية والفلسفية، وبذلك أعطى شكلًا ونسقًا جديدًا للاهوت الكاثوليكي، الذي لا يزال محط اهتمام حتى اليوم، وقد تعرض للنقض والإبرام مرارًا. ويكفي أن نشير إلى أن أكثر المدارس والتيارات الفكرية جاذبية في اللاهوت الكاثوليكي هي لتوما الأكويني، والتي اشتهرت باسم «التوماوية»18.
(الأكويني) على الرغم من أنه لم يعش أكثر من 53 عامًا، فإن آثاره، فضلًا عن كيفيتها، لافتة للنظر من حيث الكم أيضًا. وهذه النقطة بالذات تدل في الواقع على مثابرته وهمته الفائقة ونشاطه المستمر والدائم، وقد جعلته مشهورًا، سواء في حياته أو بعدها، كواحد من أكثر أفراد الرهبنة الدومينيكانية إنتاجًا في خدمة الكنيسة الرومانية الرسمية. ويمكن اعتبار كتابات توما وحدها مجموعة كاملة واستثنائية حقًا من دائرة معارف فلسفية وكلامية، عقلية كانت أو نقلية، في التقليد المشائي المسيحي.19
يسعى هذا المقال إلى تناول تأثير المفكرين المسلمين على أفكار الأكويني، وأن يبين أن لاهوت المسيحية الكاثوليكية مدين للمقاربات المشائية والإسلامية؛ على الرغم من أنه قد بُذلت خلال تاريخ هذا التقليد جهود كثيرة لتجاهل هذا التأثير، ولتصوير الإسلام والمفكرين المسلمين على أنهم أشخاص لا يُعتد بهم.
كان الأكويني مدينًا لأساتذة الفلسفة واللاهوت السابقين الذين كانت كتاباتهم في متناول يده. وكان مدينًا بشكل خاص لأسلافه المباشرين الذين درّسوا في مدارس وجامعات القرن الثالث عشر؛ وبالأخص ألبرت الذي روّج لمنهج التدريس وقوته الدافعة، وتناول المنهج الدراسي القائم على الأسئلة والمناقشات، وكذلك المنهج المدرسي الذي يقوم على الأسئلة وتنظيم النصوص المستخلصة من الحجج ـ المسيحية والوثنية والإسلامية واليهودية ـ والنظر في الاعتراضات وحل جميع البراهين، مع وضد، في قرار نهائي. لقد اعتمد بشكل انتقائي ونقدي على العرب (المسلمين). وفي أواخر حياته، حوالي عام 1272م، بيّن لأسباب فلسفية أن كتاب العلل، الذي كتب تفسيرًا بناءً عليه، هو في معظمه جزء من كتابة فيلسوف عربي (مسلم)، وليس من أرسطو.20
وكما أشير، فإن دين الأكويني لأمثال ابن سينا، وفخر الرازي، وابن رشد، والغزالي، وعدد آخر من المفكرين المسلمين، يبلغ حدًا يستلزم فحصه الكامل كتابةً أوسع من هذه المقالة؛ لذا، سنقتصر هنا على دراسة أدلة إثبات وجود الله في أعماله.
ولبيان مكانة الأكويني بين المسيحيين، سنشير إشارة موجزة إلى تيار التوماوية، لكي تتضح في ضوئها أهمية تأثير المفكرين المسلمين عليه بشكل أكبر.
التوماوية
جاء في موسوعة روتليدج، في تعريف التوماوية، ما يلي:
التوماوية هي نسق من المفاهيم الفلسفية واللاهوتية نشأ عن توما الأكويني في القرن الثالث عشر الميلادي، وتسعى إلى شرح وتبيان المحتوى العقلاني للكنيسة الكاثوليكية بدقة.21
لقد تناول هذا التوجه أبعادًا مختلفة وفروعًا متنوعة بالدراسة، ويسعى إلى إعداد نسق كامل وشامل للمسيحية. وقد مر هذا التوجه حتى الآن بثلاث مراحل مهمة، وأطلق ثلاث موجات في العالم الغربي.
بدأت الموجة الأولى من التوماوية مع الأكويني نفسه. فقد واجه في حياته تيارين فكريين: أحدهما النهج الأفلاطوني المحدث – الأوغسطيني22 الذي كان أتباع الرهبنة الفرنسيسكانية23 من أشد أنصاره آنذاك. والآخر الطبيعانيون الأرسطيون المتطرفون24 الذين اشتهروا للأسف خطأً باسم الرشديين اللاتين25؛26 وعلى أية حال، فقد بذل في بداية الأمر جهوداً كبيرة للتصدي لهذين التيارين؛ لكنه تعرض مراراً وتكراراً لهجمات من أفراد شتى، وخرج من ضغط هذه الهجمات مراراً بمساندة أستاذه ألبير الكبير. واستمر هذا الوضع حتى بعد وفاته، وهو أمر طبيعي تماماً؛ لأنه كان يقدم تحليلاً جديداً ويسعى إلى تقديم أساس جديد للفلسفة واللاهوت المسيحي؛ فعلى سبيل المثال، في عام 1270م وفي أواخر عمره، أدان أسقف باريس إتيان تمبييه27 معتقداتٍ قامت على الآراء الأرسطية، وفي عام 1277م بعد وفاة الأكويني، أدان صراحةً بعض تعاليمه دون أن يذكره بالاسم. وفي العام نفسه، أدان أسقف أكسفورد، وهو نفسه دومينيكاني، تعاليم توما. وفي هذا الوقت، تركزت جهود أفراد الرهبنة الدومينيكانية كلها على الدفاع عن آراء الأكويني في وجه الهجمات التي كانت تشن عليهم من داخل رهبنتهم ومن خارجها. وقد نجحوا في عام 1288م في جعل دراسة آراء الأكويني إجبارية في جامعة باريس (وهي المكان الذي بلغ فيه درجة الأستاذية والاجتهاد). وبهذا الإجراء، حازت هذه الآراء شيئاً فشيئاً على مكانة لائقة، وفيما بعد أقدمت جامعات أخرى على جعل دراسة هذه المؤلفات إجبارية؛ فعلى سبيل المثال، في عام 1309م في جامعة سرقسطة، وفي عام 1314م في جامعة لندن، وفي عام 1315م في جامعة بولونيا، اعتُبرت أفكاره آراءً رسمية. وبهذا الشكل، لم يعد يُنظر إليه كمفكر مبتدع؛ بل بفضل النفوذ والقوة اللذين حظي بهما توما في الكنيسة، سُعي إلى تقديسه، وقد نال هذا المطلب في عام 1323م؛ علاوة على أن أفكاره احتلت المرتبة الأولى في لاهوت المسيحية. وحصل هو نفسه على لقب القديس الأكويني28، وفي عام 1325م أُلغيت حتى الإدانة التي كان أسقف باريس قد أصدرها ضده. وامتدت حركة الأكويني هذه شيئاً فشيئاً إلى العالم المسيحي بأسره. واعتُبرت مؤلفاته في جميع الجامعات بمثابة النهج المعتبر للكنيسة. وتشكل في كل جامعة قسم خاص لدراسة الأكويني. وتُرجمت مؤلفات الأكويني في هذا الزمان إلى لغات شتى كاليونانية والألمانية. وتأكد الدومينيكان من أنهم أوصلوا صوت الأكويني إلى كل مكان. كانت هذه هي الموجة الأولى من التوماوية التي اجتاحت العالم المسيحي بأسره في القرون الثالث عشر إلى الخامس عشر.
كان القرن السادس عشر أسوأ حقبة مرت بها المسيحية بعد العصور الوسطى. فقد قسّمت حركة الإصلاح الديني،29 العالم المسيحي فعلياً إلى شطرين: كاثوليكي30 وبروتستانتي31؛ ومع أن البروتستانتية في إنجلترا اتخذت طابعاً سياسياً، فإن هذه الحركة في سائر أنحاء العالم الغربي انصرفت إلى صميم مباحث التقليد الكاثوليكي، ونازعت أصل العقائد والمعتقدات الكاثوليكية وجوهرها؛ وهكذا سعت الكنيسة الكاثوليكية إلى إعادة بناء نفسها، ومقاومة هذا التيار، بل ووقف حركته الهجومية. وفي هذا السياق انعقد مجمع ترنت،32 بين عامَي 1545 و1563. وصدرت أول مجموعة من التعليم المسيحي33 (كتاب عقائد الكنيسة الكاثوليكية) في العام التالي (1566م)، وكان لأفكار الأكويني فيها الدور المحوري. وقد شجّع قانون إيمان مجمع ترنت على قراءة الفلسفة؛ وهذا ما أدى إلى تأليف متون فلسفية جديدة، كانت تصوغ المبادئ الفلسفية الكاثوليكية في مسعىً لوقف البروتستانتية. وفي إثر هذه الجهود، شهدت المسيحية تأسيس رهبانيات جديدة أولت هذا الأمر أهمية أكبر. وأشهر هذه الرهبانيات «اليسوعيون»34 الذين كان مؤسسهم المدعو إغناطيوس.35 وكان مقره الرئيسي في إسبانيا. شجّع إغناطيوس على قراءة كتب أرسطو والأكويني، وطلب من علماء زمانه تحديث أفكارهما والاستعانة بها في الدفاع عن الكنيسة الكاثوليكية؛ وعلى كل حال، عاد الأكويني وأفكاره إلى الذيوع في أوروبا. ولما كانت الرهبنة الدومينيكانية توماوية منذ البداية، فقد جرى في تلك الحقبة تياران من التوماوية: أحدهما تابع لليسوعيين، والآخر تابع للدومينيكان، واختُتمت توماوية القرن السادس عشر بهذه السمة والبروز، وأدت فعلياً إلى تماسك الكنيسة الكاثوليكية من جديد، ونجحت في كبح حركة البروتستانتية. ويُعد هذا الذيوع المتجدد والمتزايد للأكويني الموجة الثانية من التوماوية.
في القرنين السابع عشر والثامن عشر، هاجمت النزعة التجريبية من جهة، والنزعة العقلانية من جهة أخرى، الكنيسةَ من جديد وأقصتها إلى العزلة. وفي مواجهة هاتين الحركتين، صار فريق من الناس تقليديين36 وامتنعوا عن الدفاع العقلاني عن المسيحية، وتحولوا إلى ما يُصطلح عليه بالإيمانيين. ومال فريق آخر إلى الوجودية؛37 محاولين بذلك الدفاع عن المسيحية. وفي غضون ذلك، قام فريق ظل وفياً للأكويني، بنقد كلا المقاربتين، وأطلق الموجة الثالثة من التوماوية باسم «التوماوية الجديدة».38 ولا تزال هذه المقاربة مهيمنة إلى حد كبير على الكنيسة الكاثوليكية حتى اليوم. وهذا التيار هو التيار الغالب على الكنيسة الكاثوليكية في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ ومع أن البعض يرى أن التوماوية آخذة في الأفول من جديد، فإن التجربة أثبتت أن التوماوية هي أخطر تيار فكري في الكنيسة الكاثوليكية. وليس لهم مناص من أن يلوذوا بها عند الشدائد.
وبالطبع، يمكن للمسيحيين أن يتجهوا من جديد صوب المفكرين والفلاسفة المسلمين، أمثال الملا صدرا، وأن يستعينوا بهم في إعادة بناء عقائدهم.
وهنا، إذ نستعرض وجهة نظر الأكويني بشأن قابلية إثبات وجود الله للبرهنة، نشير إلى طرقه الخمس في هذا الشأن.
الأكويني وإثبات وجود الله
قبل أن نتناول أدلة الأكويني على إثبات وجود الله، نجيب عن سؤال: هل يحتاج إثبات وجود الله، من وجهة نظر الأكويني، إلى استدلال أم لا؟ يرى توما، في مواجهة من يعتبرون وجود الله بديهياً وفي غنىً عن الاستدلال، أنه من الضروري إقامة استدلالات مناسبة لإثبات وجود الله. وقد طُرحت في ذلك الزمان ثلاثة استدلالات على استغناء وجود الله عن الإثبات:
أ. كان يوحنا الدمشقي39 يقول في مستهل كتابه المسمى الإيمان الأرثوذكسي والحنيف40: «إن معرفة وجود الله مغروسة بالطبع في كيان الجميع»؛41 وبناءً على ذلك لا حاجة إلى إثبات وجود الله، والإنسان بمقتضى فطرته يعرف الله.
ويشير الأكويني في نقده لهذه الرؤية إلى أنه بمجرد وجود نزوع باطني إلى شيء، لا يمكن اعتبار وجوده بديهياً، بل لا بد من الإتيان بدليل لإثباته.
«إن إدراك وجود الله بطريقة عامة ومبهمة بواسطة الطبيعة (بشكل فطري)، قد غُرس في داخلنا، حتى إننا نعرّف الله بأنه سعادة الإنسان: ونتيجة لذلك، فبما أن السعادة مطلوبة للإنسان، والشيء المطلوب منه يجب أن يكون معروفاً لديه، إذن فوجود الله يجب أن يكون معروفاً لديه ولا يحتاج إلى استدلال. بينما بمجرد أن لدينا اهتماماً وميلاً نحو الله، لا يمكننا أن نقول بشكل قاطع إن الله موجود؛ لأنه بمجرد أن يأتي شخص من طريق، لا يمكن الحكم بأن ذلك الشخص هو بيتر؛ رغم أن ذلك الشخص الآتي قد يكون حقاً هو بيتر. وفي مقابل هذا التصور بأن الله هو سعادة الإنسان، يعتقد كثير من الأفراد أن الخير الكامل الذي هو السعادة، يتمثل في الثراء، وآخرون يرونه اللذة، وآخرون شيئاً غير ذلك؛ لذا فبمجرد إدراك أن في داخل الإنسان ميلاً إلى السعادة، لا يمكن القول إن السعادة هي الله؛ وبالتالي لا يمكن من هذا الوجدان الوصول إلى وجود الله».42
يقول إتيين جيلسون في بيان هذا المطلب:
النقد الذي يوجهه الأكويني لهذا الاستدلال هو أن هذه المعرفة الفطرية، هي مجرد معلول لله وصورة ارتسمت منه على صفحة ضميرنا؛ ولكن بنظر الأكويني، لكي نتوصل من هذا المطلب إلى وجود الله، يلزم أن يكون أصل وجود الله، بغض النظر عن هذا المعلول، موضع تدقيق واستدلال؛43 وبعبارة أوضح، لا يمكننا بمجرد وجود إدراك داخلي، أن نعرّف الله بأنه مصداقه ونعتبر وجود الله في غنى عن الإثبات؛ وبالطبع يمكن أن يكون هذا المطلب مقدمة للاستدلال، وبسلوك طريق عقلاني منه، نصل إلى إثبات وجود الله، لكن حينها، لا يمكن الحكم بفطرية إدراك وجود الله؛
ب. الاستدلال الثاني الذي يشير إلى عدم الحاجة إلى إثبات وجود الله بالاستدلال، بحسب الأكويني، هو البرهان الوجودي لـ«القديس أنسلم». هذا الاستدلال قائم على أنه إذا كان صدق قضية ما، متوقفاً على صدق موضوعها ومحمولها؛ أي إذا توصلنا إلى صدق القضية بالتدقيق في الموضوع والمحمول، ففي هذه الحالة تكون القضية بديهية ولا تحتاج إلى إثبات؛ وعلى هذا الأساس يدّعي القديس أنسلم في هذا البرهان أن الجميع يعرّفون الله بأنه أكمل موجود يمكن تصوره. وعندما يُقال إن الله، الذي هو أكمل موجود يمكن تصوره، موجود، فإنهم يقرّون بأمر بديهي؛ لأن أكمل وأعظم موجود يمكن تصوره، إذا أراد أن يكون أكمل وأعظم موجود يمكن تصوره، فيجب أن يكون متحققاً في العالم الخارجي بالإضافة إلى الذهن؛ إذن فبمجرد التصور الدقيق للموضوع والمحمول في قضية «الله موجود»، نصل إلى صدقها ولا حاجة بعد ذلك إلى إثباتها.44
لهذا البرهان عيبان أساسيان: الأول أنه يفترض أن كل إنسان، بهذه الكلمة وهذا الاصطلاح «الله»، يريد بالضرورة أن يصور وجوداً لا يمكن إدراك ما هو أعظم منه في نطاق الإدراك. لقد اعتقد كثير من القدماء أن العالم هو الله، ويمكن بسهولة تصور وجود أسمى من العالم. ... والعيب الثاني لهذا البرهان هو أنه حتى لو قبلنا أن جميع الناس يقصدون بكلمة الله وجوداً لا يمكن تصور ما هو أعظم منه، فإن الوجود الواقعي والخارجي لمثل هذا التصور، لا ينتج بالضرورة أبداً عن هذه القضية. وبما أننا نفهم هذا التعريف، فهو لا ينتج عنه سوى أن الله موجود لفهمنا، لا أنه موجود في الواقع، ولإثبات وجود الله يجب أن نسعى لإثبات وجوده الخارجي.45
وبعبارة أخرى، يمكن القول «الله موجود»؛ لكن وجوده في الذهن فقط، وهذا يعني، عدم وجود الله الخارجي. يقول الأكويني في نقده لأنسلم إن التصور والوجود الذهني لا يعنيان أبداً الوجود الخارجي، ولا ينبغي أن نتوقع من تصور ما، تحققاً خارجياً؛ حتى لو كان هذا التصور، تصور أعظم وأكمل موجود يمكن تصوره؛46
ج. الاستدلال الثالث الذي يسعى الأكويني إلى إبطاله، طرحه القديس أوغسطين. يقول أوغسطين:
من البديهي أنَّ الحقيقة موجودة؛ لأنَّ كلَّ من يُنكر وجود الحقيقة، ومن جهة أخرى لا تكون الحقيقة موجودة، ففي هذه الحال تكون مقولةُ «الحقيقة غير موجودة» حقيقةً وصادقة؛ وعليه، لا بدَّ من القول: إنَّ ثمَّة شيئاً اسمه الحقيقة موجود. لكن من جهة أخرى، فإنَّ الله هو الصدق والحقيقة عينُه؛ إذ ورد في إنجيل يوحنا: «أنا هو الطريق والحق والحياة».47 وبناءً على ذلك، فإنَّ مقولة «الله موجود» هي مقولةٌ بديهية لا تحتاج إلى برهان.48
في منظور أوغسطين وأتباعه، فإنَّ الله قابلٌ للمعرفة من قِبَل عقلنا بشكل مباشر بوصفه نوراً؛ أي كما أنَّ نور المصباح قابلٌ للرؤية من قِبَل حاسة بصرنا، فإنَّ نور وجود الله يسطع على عقلنا ويُمكن إدراكه وتلقّيه من دون أيَّة مشكلة؛ ومن هنا، لا ضرورة لإثبات وجود الله ولا حاجة إليه.
في نظر الأكويني، وجودُ الحقيقة أمرٌ بديهي؛ ولكن من بداهة الحقيقة، لا يمكن الاستنتاج بأنَّ ثمة حقيقة أولى وأساسية49 تُدعى «الله» موجودة فينا؛50 لذلك يلزم من أجل إثبات وجود هذه الحقيقة الأولية الأساسية، أن نلجأ إلى استدلالات عقلية ونُثبتها بالاستدلال العقلي؛ أما في نقده لكون الله يُدرَك مباشرةً، فيقول الأكويني إنَّ الموجودات المادية والمحسوسة وحدها هي التي تُتَلقَّى وتُدرَك مباشرةً؛ وإلا، فإذا أردنا أن ننال معرفةً بوجود الله، فعلينا بالضرورة أن نستعين بالاستدلالات العقلية.51 ومن الواضح أنَّه لا يلتفت إلى العلم الحضوري والباطني للإنسان، وكيف يمكن للإنسان أن ينال معرفةً وإشرافاً على الأمور غير المادية من داخل ذاته، وأن يحصل على معرفة حضورية بها من دون أن يُحيل تلك الحقائق، في هذا المسار، إلى أمور مادية ومحسوسة.
براهين إثبات وجود الله من منظور الأكويني
كما لوحظ، يرى الأكويني أنَّ إثبات وجود الله بحاجة إلى دليل وبرهان. وهو لا يعتبر مقولة «الله موجود» بديهية. وقد أقام على هذا المطلب برهانَين في كتابه الخَلاصة ضد الأمم، وخمسة براهين في كتابه خلاصة اللاهوت، اشتهرت بـ«الطرق الخمس».52 وسنتناول هنا طرقه الخمس.
يُشير الأكويني في البداية إلى أنَّ الاستدلال لكشف مجهول يمكن طرحه بطريقين: الطريق الأول هو من طريق العلة ويُسمى «الاستدلال القَبْلي أو اللِّمِّي»،53 أي الاستدلال على المعلول من طريق العلة. وهذا النوع من الاستدلال يأتينا بمعرفة قَبْلية؛ أي قبل أن نُجرِّب المعلول، يحصل لنا العلم به من طريق علته. والطريق الآخر هو الاستدلال وكشف المجهول من طريق المعلول. ويُشار إلى هذا الاستدلال باسم «الاستدلال البَعْدي أو الإِنِّي».54 إذا كان المعلولُ بالنسبة إلينا أعرفَ من علته، فإننا نصل من المعرفة بالمعلول إلى المعرفة بالعلة. ومن أيِّ معلول يمكننا أن نستدلَّ على وجود علته المناسبة واللائقة به؛ شرط أن تكون معلولاتُ تلك العلة أعرفَ إلينا من العلة نفسها؛ لأنَّ كل معلول مرتبط بوجود علته؛ وعليه، إذا كان المعلول موجوداً، فلا بدَّ أن تكون علته سابقة عليه في الوجود. ومن هنا، ما دام وجود الله غير بديهي بالنسبة إلينا، فإنَّ هذا الوجود يمكن الاستدلال عليه وإثباته من طريق معلولات تكون معروفة ومعلومة لدينا.55
وبعد هذه المقدمة، يشرع الأكويني في استدلالاته لإثبات وجود الله ويذكرها في قالب خمس طرق ويُسميها بالطرق الخمس. ويُصوِّر جون هيك خلاصة هذه الطرق الخمس على النحو التالي:
المحاولة المهمة التالية في إثبات وجود الله، تعود إلى توما الأكويني (1224ـ1274م) الذي يقترح خمس طرق لإثبات وجود الله؛56 فعلى خلاف البرهان الوجودي، الذي ينصبّ تأكيده على تصوّر الله وتتضح نتائجه الضمنية مع تقدّم البرهان، فإن براهين الأكويني تبدأ بوصف بعض خصائص العالم من حولنا وتستدلّ على أن العالم بهذه السمات الخاصة لا يمكن أن يوجد ما لم توجد حقيقة غائية نسميها الله. الطريقة الأولى تسلك من موضوع الحركة إلى المحرّك الأول،[57 والطريقة الثانية من علاقة العلّة والمعلول إلى العلّة الأولى،58 والطريقة الثالثة من كون الموجودات ممكنة أو محتملة الوجود إلى واجب الوجود،59 والطريقة الرابعة من مراتب القيم إلى القيمة المطلقة،[60 والطريقة الخامسة من شواهد وقرائن غائية الطبيعة إلى المدبّر الإلهي.61و62
الاستدلال القائم على الحركة
أول استدلالات الأكويني، هو «الاستدلال القائم على الحركة». ففي رأيه أن الاستدلال القائم على الحركة، هو أوضح استدلال على وجود الله. وتقرير هذا الاستدلال كما يلي:
أ. استناداً إلى معرفتنا الحسّية، من البديهي والقطعي أن بعض أمور العالم متحرّكة؛
ب. كل ما هو متحرّك، فقد أُفيدت له الحركة من جانب محرّك؛ لأن تلك الحركة كانت في البدء أمراً بالقوّة، والمحرّك هو الذي أخرج تلك الحركة بالقوّة إلى الفعل؛
ج. هذا المحرّك إما أنه قد تحرّك هو نفسه بواسطة محرّك آخر، وإما أن حركته صادرة عن ذاته.
د. لو كان المحرّك يستمد حركته من ذاته وكان دائم الحركة، لما كانت له حالة بالقوّة كي تخرج إلى الفعل بفعل إفادة الحركة من محرّك. وهذا المحرّك غير المتحرّك يثبت مطلوبنا الذي هو الله. وإذا كان محرّكنا هذا يحتاج بدوره إلى محرّك، وذلك المحرّك يحتاج كذلك...، فلا بد في النهاية، لاستحالة التسلسل، أن تنتهي هذه السلسلة وتقف عند حدّ لا يحتاج معه ذلك الحدّ إلى محرّك، وهو المحرّك الأول الذي لا يحتاج إلى محرّك، وتلك النقطة الختامية هي مطلوبنا والكل يعبّر عنها بالله. وبهذا يثبت وجود الله.63
يذكر أرسطو في كتابه ما بعد الطبيعة، في الباب الثاني عشر والفصل السادس، في إثبات وجود المحرّك الأول:
بما أننا رأينا أن هناك ثلاثة أنواع من الجوهر، اثنان منها طبيعيان وواحد هو الجوهر غير المتحرّك، فيجب علينا الآن أن نتناول هذا الجوهر الثالث ونقول إن وجود جوهر سرمدي غير متحرّك ضروري. ...
إذا كان هناك شيء يمكنه أن يحرّك الأشياء أو أن ينفعل بها، لكنه لا يفعل ذلك بالفعل، فلا يمكن أن تكون الحركة ضرورية؛ لأن ما له قوّة ليس من الضروري أن يخرج من حالة القوّة إلى حالة الفعل؛ فافتراض وجود مثل هذا الجوهر لا فائدة منه؛ بل إن وجود الجواهر السرمدية لا فائدة منه، إذا لم تكن لهذه الجواهر مبدأ يوجد الحركة والتغيّر. ولكن حتى هذا لا يكفي، ووجود جوهر آخر، بالإضافة إلى المُثُل، لا فائدة منه؛ لأنه إذا لم يكن هذا الجوهر في حالة فعل، فلن توجد حركة؛ بل حتى لو كان هذا الجوهر في حالة فعل، فإن ذلك لا يكفي إذا كانت ماهيته قوّة؛ لأنه في هذه الحال أيضاً لن توجد حركة سرمدية؛ لأن ما هو موجود بالقوّة، من الممكن أيضاً ألا يصير موجوداً؛ لذلك لا بد من وجود مبدأ تكون ذاته وماهيته فعلاً؛ وفضلاً عن ذلك، يجب أن تكون الجواهر المعنية فاقدة للمادة؛ لأنه إذا كان لا بد لشيء من أن يكون سرمدياً، فهذه الجواهر هي التي يجب أن تكون سرمدية؛ لذلك يجب أن تكون هذه الجواهر في حالة فعل.64
يمكن التعبير عن برهان أرسطو بالشكل التالي:
كل ما هو متحرك فإنما يتحرك بشيء آخر. ومن المحسوس أن الحركة موجودة؛ فالشمس مثلاً تتحرك، والقمر يتحرك... إلخ؛ ولكن ما يجعل الشيء يتحرك إما أن يكون هو نفسه متحركاً وإما ألا يكون كذلك. فإن لم يكن متحركاً في ذاته، ثبت مطلوبنا ووصلنا إلى محرك غير متحرك، وإن كان ذلك الشيء نفسه متحركاً، فقد أخذ هذه الحركة قطعاً من غيره. والآن، في هذا الفرض، إما أن نرتقي إلى ما لا نهاية له فنقع في التسلسل المحال، وإما أن نقر بوجود محرك غير متحرك هو الله؛ فلا مناص إذن من الاعتقاد بوجود محرك غير متحرك.
والنقطة الجديرة بالملاحظة أن ابن رشد يذكر هذا الاستدلال في تفسيره لكتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو ويقوم بتبيينه حتى يتضح مراد أرسطو وقصده من هذا الاستدلال.
قوله «الا انه إن كان جوهر محرك او فاعل و لیس یفعل شیئاً لا یكون تحریك»؛ یرید: أنه اذا كانت هاهنا حركه سرمدیه و كان كل حركه لها محرك علی ما تبین فی علوم الطبیعیه فواجب ان یكون لهذه الحركه محرك هو فعل محض لیس یشوبه قوه اصلاً ای لیس یوجد فی وقت من الاوقات محركاً بالقوه... .65
لا ريب أن تعرف الغربيين على هذا الاستدلال تم عن طريق المفسرين الذين تُرجمت أعمالهم من العربية إلى اللاتينية، ولولا هذه التفاسير والترجمات لما أمكن لأمثال الأكويني الاستفادة من هذه الاستدلالات.
والنقطة الثانية أن الأكويني لم يأخذ هذا الاستدلال عن أرسطو مباشرة؛ بل أجرى فيه تغييرات مستعيناً بأفكار المفكرين المسلمين؛ ذلك أن الله في منظور أرسطو يختلف عن إله العالم المسيحي: فأول وجوه الاختلاف أن المقاربة الأرسطية لا تقتضي بالضرورة إلهاً واحداً يُعرف بوصفه المحرك غير المتحرك؛ بل من الممكن أن تكون هنالك آلهة متعددة تتمتع بهذه الصفة؛ وفي الحقيقة يسود العالمَ نوعٌ من الشرك وتعدد الآلهة. ويشير أرسطو لهذا في كتابه ما بعد الطبيعة إلى أن عدد الأفلاك بوصفها محركات غير متحركة يبلغ 47.66
يكتب إتيين جيلسون في بيان تأثير ابن سينا على تفسير المقاربة الأرسطية في برهان الحركة:
ما الذي كان في فلسفة أرسطو مما استرعى انتباه توما إلى هذا الحد؟ السبب بسيط. فبالنسبة لمسيحي، لا شيء يهم حقاً سوى الله، والله كما فهمه توما هو الكمال المطلق، لا مجرد الكمال المطلق للحقيقة أو المعقولية، بل الكمال المطلق، الوجود المحض. ولما كان لاهوت توما نفسه ينبغي أن يكون بالضرورة نسقاً من النسب ـ لا بين المبادئ المعقولة والأمور المستفيدة منها (كالأمور الجزئية)، بل بين الموجودات (الله والمخلوقات) ـ فقد انجذب توما بحكم طبيعته إلى العالم الأرسطي واختاره؛ غير أنه أَخضعه في الآن ذاته لتعديلين أساسيين. فقد قام أولاً، بالاتفاق مع ابن سينا، بتفسير العلل المحركة الأرسطية بوصفها نسقاً من علاقات العلل الفاعلة والمعلولات. وقد أتاح له هذا التغيير، على نحو فعال، أن يستبدل بالمحرك الأول الأرسطي إلهَ الكتاب المقدس.67
وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الأكويني مدين للفلاسفة المسلمين في استدلاله القائم على الحركة من جهتين: فلولا تفاسير هؤلاء المفكرين أولاً، لما تعرف أساساً على الرؤى الأرسطية. وثانياً، لولا تدخلات وتصرفات أمثال ابن سينا في هذا الاستدلال، لما وجد منه سبيلاً إلا إلى الشرك.
الاستدلال القائم على العلة الفاعلية
الاستدلال الثاني للأكويني هو «الاستدلال القائم على العلة الفاعلية». وهو يصور هذا الاستدلال على النحو التالي:
أ. نجد في عالم المحسوسات نظاماً وترتيباً من سلسلة العلل الفاعلية؛
ب. لا نرى في العالم، ولا يمكن أن نرى، موجوداً يكون هو نفسه علة نفسه؛ لأن لازم ذلك أن يتقدم الشيء على نفسه وهو أمر محال؛
ج. من جهة أخرى، فإن استمرار سلسلة العلل الفاعلية إلى ما لا نهاية له أمر مستحيل. ففي هذه السلسلة، يكون المعلول معلولاً للعلة الأولى، وهي بدورها معلولة للعلة الوسطى، وهذه معلولة للعلة الأولى التي لا تُعتبر هي نفسها معلولة لعلة. والآن، إذا ما استبعدنا العلة في أية مرحلة، نكون في الحقيقة قد استبعدنا المعلول وتحقق المعلول؛ وبالتالي، إذا لم توجد العلة الأولى، فلا علة وسطى، ولا تتحقق العلة المباشرة، ولا يصل المعلول إلى غايته؛ لذا، لو تحققت سلسلة غير متناهية من العلل المترتبة على هذا النحو، لما وجدت العلل الفاعلية الوسطى ولا المعلول الأخير؛
د. لكننا نشاهد في عالم المحسوسات أن مثل هذه العلل والمعلولات موجودة؛
هـ. إذن، لا بد أن نعتقد بوجود علة فاعلية أولى يسميها جميع الناس الله.68
والآن، قارن استدلال الأكويني باستدلال ابن سينا:
أول نقطة ينبغي أخذها بعين الاعتبار والاستدلال على إثباتها، هي أن جميع أنواع العلل (الفاعلية، والغائية، والمادية، والصورية) متناهية. فكل طبقة من طبقات العلل لها مبدأ وبداية، ومبدأ جميع مراتب وطبقات العلل واحد، وهو مباين لجميع الموجودات، ويُطلق عليه اسم واجب الوجود. فمن ذلك الموجود استمدت جميع الموجودات وجودها، ومنه كان مبدأ وجودها.
وعلى هذا الأساس، لإثبات العلة التي هي رأس سلسلة جميع العلل، ينبغي القول:
أ. لقد ثبت سابقاً أن علة وجود الشيء موجودة مع الشيء نفسه؛69
ب. إذا افترضنا وجود معلول تحققت له علة، وكان لهذه العلة علة أيضاً، فإن سلسلة العلل هذه لا يمكنها أن تستمر إلى ما لا نهاية؛ لأن المعلول وعلته وعلة علته، إذا ما قورنت ببعضها، فإن علة العلة هي العلة الأولى، وهي بالنسبة إلى الاثنين الآخرين، أي المعلول وعلة المعلول، مطلقة ولا تحتاج إليهما، بطبيعة الحال، فهذان الاثنان يُعتبران معلولين لها ومحتاجين إليها، وإن كان أحدهما يُعتبر معلولاً مباشراً لتلك العلة الأولى، والآخر معلولاً بالواسطة: لكن هذين الاثنين ليسا كذلك بالنسبة إلى الاثنين الآخرين بحيث يكونان علة لهما؛ وبالتالي، يوجد موجود هو علة فقط، ويوجد موجود هو معلول فقط. وهناك موجود ثالث هو علة ومعلول معاً؛
ج. بالنظر إلى هذا التبيين، لدينا طرفان ووسط: طرف هو علة العلة، وهي العلة المحضة، وطرف هو المعلول المحض. وبين هذين، يوجد موجود يُعتبر معلولاً بالنسبة إلى علته، ويُسمى علة بالنسبة إلى معلوله؛ وبالطبع، لكل واحد من هذه الثلاثة خاصية. فخاصية الأول أنه علة دون أن يكون معلولاً. وخاصية الثاني أنه علة ومعلول معاً، وخاصية الثالث أنه معلول فقط وليس له أية علية بالنسبة إلى الموجودات الأخرى؛
د. ما هو وسط، قد يكون واحداً وقد يكون أكثر من واحد. المهم أن الوسط له هذه الخاصية، وهي أنه علة ومعلول معاً. معلول للعلة التي فوقه، وعلة للمعلول الذي دونه؛
هـ. إذا كان من المفترض ألا يكون لدينا، بين الموجودات، شيء يكون طرفاً، فيجب أن تكون لدينا دائماً موجودات هي أوساط؛ أي أن تكون لها خاصية الوسط، فمن جهة تكون معلولة لموجود، ومن جهة أخرى علة لموجود آخر؛
و. والآن، ضع يدك على أية مرتبة من هذه الموجودات، فهو يحتاج في تحقق وجوده إلى العلة التي فوقه، وهي تحتاج إلى علة أعلى، وإذا استمرت هذه السلسلة إلى ما لا نهاية، فلن نصل إلى موضع يكون مبدأ لوجود المعلولات والأوساط. وعلى هذا الأساس، لا يتحقق وجود، وتحقق الوسط بدون الطرف محال؛
ز. ذلك الطرف الذي يُعتبر طرفاً، هو نفس العلة الأولى والطرف في العلية70 الذي يُعبَّر عنه بـ «الله».
والسؤال الأساسي الآن هو: هل يمكن فحص استدلال الأكويني دون الاستعانة بابن سينا واستدلاله وبرهان الوسط والطرف عنده؟! ألم يستخدم الأكويني استدلال ابن سينا نفسه؟ هذا الاستدلال ورد أول مرة في المقالة الأولى من ما بعد الطبيعة لأرسطو. ثم أورده الفارابي لاحقًا في بداية رسالته في باب إثبات المفارقات، وذكره ابن سينا في إلهيات الشفاء نقلًا عنهما معًا، وإن كان دور الفارابي في تبيين هذا البرهان لا نظير له. وقد سمى ملاصدرا هذا البرهان في الأسفار بأحكم البراهين.71 كما شرح ابن رشد هذا المطلب نفسه في كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو وعبّر عنه بصورة أوضح؛ وعليه فإن هذا الاستدلال أيضًا متأثر بالمفكرين المسلمين من الجهتين اللتين أشير إليهما في الاستدلال السابق، ولم يقدم الأكويني عملًا جديدًا.
الاستدلال القائم على الوجود الواجب والوجود الممكن
الاستدلال الثالث هو الاستدلال القائم على «الوجود الواجب» و«الوجود الممكن». وقد أورد الأكويني هذا الاستدلال على النحو التالي:
أ. نلاحظ في العالم أمورًا يمكن أن تكون موجودة ويمكن ألا تكون موجودة؛ لأنها يمكن أن توجد ويمكن أن تنعدم في زمان ما. ونتيجة لذلك، يمكن أن تكون موجودة ويمكن ألا تكون موجودة أيضًا؛ وبعبارة أخرى، هذه الأمور ممكنة الوجود والعدم؛
ب. وبناءً على ذلك، فمن المحال أن تكون هذه الأشياء موجودة دائمًا؛ لأن الشيء الذي يكون عدمه ممكنًا، يعرض له هذا العدم في زمان ما فينعدم. والآن، لو كانت جميع أمور العالم ممكنة الوجود بحيث يُعتبر عدمها ممكنًا، فعندئذٍ في زمان ما، يمكن ألا يتحقق شيء في عالم الوجود؛
ج. إذا كان هذا الزمان ـ الزمان الذي لا تتحقق فيه أي من الأمور الممكنة وتنعدم جميعها ـ صادقًا وواقعًا، فلا ينبغي أن يكون هناك موجود متحقق حتى الآن؛ لأن ما لا وجود له، لا يتحقق ويوجد إلا بعد أن يوجد شيء قبله؛ وبناءً على ذلك، إذا وُجدت لحظة واحدة لا يوجد فيها أي موجود، يصبح من المستحيل أن يبدأ الوجود لأي موجود. وهذا المطلب ـ أنه لا موجود متحقق في العالم ـ يبدو باطلًا؛ لأننا نلاحظ تحقق موجودات كثيرة في العالم.
د. لذلك، لا ينبغي أن تكون جميع الموجودات ممكنة الوجود والعدم؛ لأن ممكن العدم سينعدم في لحظة ما: ونتيجة لذلك، من الضروري أن يكون بين الموجودات موجود وجوده واجب؛
هـ. ولكن هذا الموجود الضروري الواجب، إما أن يكون قد أخذ وجوبه من موجود آخر، وإما أن يكون الوجوب من ذاته؛
و. أما كونه قد أخذ وجوبه من آخر، وذلك الآخر من موجود آخر، والثالث من تالٍ وهكذا...، فكما أشير إليه، لا يمكن لهذه السلسلة أن تمتد إلى ما لا نهاية. يجب أن تتوقف عند موجود لم يأخذ وجوده ووجوبه من آخر (أي يكون واجب الوجود)؛
ز. إذن، لا بد أن نصل إلى موجود لم يأخذ وجوبه من موجود آخر فحسب، بل أفاد الأمور الأخرى الوجوب أيضًا. يُعتبر واجب الوجود بالذات؛
ح. جميع الناس يسمون ذلك الموجود الذي وجوب وجوده من ذاته «الله».72
وقد قدم مؤلفو كتاب العقل والاعتقاد الديني هذا الاستدلال على النحو التالي:
والآن، انظر أيضًا إلى هذا الاستدلال:
أ. لا شك أن في العالم موجوداً ما (كوجودنا نحن مثلاً)؛
ب. كل موجود وكل وجود إما واجب وإما ممكن؛
ج. إن كان ذلك الوجود واجباً، فقد ثبت مطلوبنا وثبت وجود الواجب تعالى؛
د. إن كان ذلك الموجود والوجود ممكناً، فلا بد أن ينتهي وجوده إلى وجود واجب؛ وذلك لأن الظاهرة الممكنة الوجود لا يمكن أن تكون لها في زمان واحد علل لا متناهية تكون جميعها ممكنة بالذات؛ إذ إن تلك العلل إما أن تكون موجودة معاً، وإما ألا تكون موجودة معاً.
فإذا افترضنا أن تلك العلل غير المتناهية ليست موجودة معاً في زمان واحد، بل وجدت الواحدة تلو الأخرى، فإنها إن لم تنته إلى وجود واجب، تؤول إلى الدور أو التسلسل، وكلاهما محال.
أما إذا افترضنا أن جميع العلل موجودة معاً، ولكن سلسلة العلل هذه لا يصحبها أي علة واجبة الوجود، فحينئذ لا تخلو هذه المجموعة من حالين: إما أن تكون هذه المجموعة – سواء أكانت متناهية أم غير متناهية – واجبة الوجود بالذات، وإما أن تكون ممكنة الوجود.
فإن كانت هذه المجموعة واجبة الوجود بالذات، مع أن جميع أفرادها ممكنة الوجود، فيلزم من ذلك أن حقيقة واجبة (أي المجموعة) قد تقومت بحقائق ممكنة (أفراد المجموعة)، وهذا خُلف ومحال.
وأما إذا اعتبرنا تلك المجموعة ممكنة الوجود، فالمجموعة جملةً تحتاج إلى علة توجدها. وهذه العلة إما أن تكون خارجة عن المجموعة، وإما أن تكون داخلة فيها.
فإذا افترضنا هذه العلة جزءاً من المجموعة، بمعنى أننا افترضنا أحد أفراد هذه المجموعة واجباً، فهذا الفرد الواجب لا يمكن أن يكون جزءاً من مجموعة افتُرض أن جميع أفرادها ممكنة؛ أي أن هذا الفرض يناقض الفرض السابق وهو خُلف.
وإذا افترضنا هذا الفرد – الداخل في المجموعة والذي هو في الوقت نفسه علة المجموعة – ممكناً، فحينئذ ينبغي لهذا الفرد – وهو علة المجموعة أيضاً – أن يكون أولاً علةً لكل فرد من أفراد المجموعة وأجزائها؛ وبما أنه هو نفسه أحد أفراد المجموعة، فالنتيجة أنه يصير علة لنفسه. وهذا الفرض – وهو أن يكون الشيء علة لنفسه – وإن كان محالاً، لكنه لو صح لكان من جهة ما هو مطلوبنا؛ وذلك لأن كل ما لا يتوقف في وجوده على غيره فهو في الحقيقة واجب الوجود بعينه؛ في حين أننا في الفرض المذكور لم نفترض هذا الجزء واجباً، وهذا خُلف.
إذن لم يبق إلا صورة واحدة، وهي أن تكون هذه العلة حقيقة خارجة عن تلك المجموعة. وهذه الحقيقة الخارجة عن المجموعة لا يمكن أن تكون ممكنة الوجود؛ لأننا افترضنا جميع العلل الممكنة داخل تلك المجموعة؛ وعليه فهذه العلة الخارجة عن المجموعة هي علة واجبة الوجود بالذات.
هـ. إذن نستنتج أن الظواهر الممكنة تنتهي في النهاية إلى علة واجبة الوجود، وليس الأمر أن كل ظاهرة ممكنة تمتلك سلسلة غير متناهية من العلل الممكنة.74
أليس من المنطقي الآن أن نقول إن الاستدلال الذي اشتهر في العالم الغربي باسم «البرهان الكوسمولوجي التوماوي»75،76 هو عين برهان الوجوب والإمكان لابن سينا، لم يُزد فيه شيئاً ولم يُنقص منه؟ وبالطبع يعترف الغربيون أنفسهم بأن هذا الاستدلال تضرب جذوره في أرسطو والفلاسفة المسلمين؛77 لكن الإنصاف يقتضي القول إن هذا المأخذ مأخوذ من ابن سينا.
الاستدلال القائم على مراتب الوجود
الدليل والاستدلال الرابع للأكويني هو «الاستدلال القائم على المراتب78 الوجودية». وبيان الاستدلال من كلامه جاء على النحو التالي:
أ. يُشاهد بين أشياء العالم نوع من الترتيب والدرجات؛ فعلى سبيل المثال، شيء ما أكثر خيراً وآخر أقل؛ شيء ما أكثر صدقاً وآخر أقل حقيقة؛ شيء ما يتمتع بشرف أكثر وآخر بشرف أقل؛
ب. أما الأقل أو الأكثر ودرجات التمايز المذكورة في الأمور المختلفة، فإنها تُنسب إلى الأشياء المختلفة فقط لأن هذه الأمور، بدرجات متفاوتة، تقترب من المرتبة العليا79 لذلك النوع أو تبتعد عنها؛ فمثلاً، يُوصف الشيء بأنه «أكثر حرارة» إذا اقترب من الشيء الذي يمتلك أعلى درجة من الحرارة؛
ج. إذن يوجد شيء هو صادق وحقيقي بأعلى درجة، وهو خيّر بأعلى درجة، وبالتالي يوجد شيء هو موجود وكائن بأعلى درجة؛ لأن ما هو صادق وحقيقي وخيّر بأعلى درجة، يكون في الوجود أيضاً موجوداً بأعلى درجة. وقد ذكر أرسطو هذا المطلب في كتابه ما بعد الطبيعة؛
د. والآن، فإن أعلى مرتبة في كل نوع هي علة جميع مصاديق ذلك النوع؛ فالنار مثلاً، التي تمتلك أعلى درجة من الحرارة، هي علة حدوث جميع الحرارات، كما أنها معيار ومقياس لسبرها؛
ه. وعلى هذا الأساس، لا بد أن يوجد شيء يمتلك أعلى درجة من الوجود والخير والكمال، يكون علة لجميع الخيرات والكمالات والوجودات، ويُعثر عليه في جميع الموجودات، ويُسمى «الله».80
جذور هذا الاستدلال تعود إلى استدلال أرسطو في كتاب ما بعد الطبيعة. فهناك، يشير أرسطو إلى أن كل ما هو أكمل من سائر متشابهاته في الاسم، تكون له أيضاً نوع من العلاقة العلية معها؛ بل هو في الواقع علتها. وفي نظره، إذا كان هناك موجود أزلي، فإن هذا الموجود الأزلي يُعتبر علة للموجودات غير الأزلية.81 ولا شك أن هذا الاستدلال لا يتضح كثيراً بدون تفسير ابن رشد لكلام أرسطو. فقد أنعش ابن رشد هذا الاستدلال في تفسير ما بعد الطبيعة لأرسطو، وجعله متناسباً مع إله لاهوت الأديان الإبراهيمية. وهو يقول في هذا الصدد: «الشيء الذي يتمتع بمرتبة أعلى من حيث درجة الوجود والكيفية، يكون أجدر بأن يُطلق عليه اسم تلك الكيفية والوجود؛ وفي هذه الحال، يُعتبر ذلك الشيء علة لما دونه؛ وعلى هذا الأساس، فإن الموجود الذي له أكمل وجود، تكون له الأولوية في أخذ اسم الوجود، وهو رأس سلسلة جميع الموجودات وعلة جميع الموجودات الأدنى».82 وهكذا يُلاحظ أن الأكويني قد أخذ هذا الاستدلال أيضاً من الآخرين، ولم يقم فيه بأي إبداع أو ابتكار خاص. وفي عبارة سبق أن نقلناها عن إتيين جيلسون، أشار إلى هذه النقطة نفسها بأن تفسير الفلاسفة المسلمين كان مؤثراً أيضاً في هذا الاستدلال، وجعل إله أرسطو متوافقاً مع إله الأديان الإلهية.
ما الذي كان في فلسفة أرسطو ليجذب انتباه توما إلى هذا الحد؟ السبب بسيط. فكما فهم توما، إنه الكمال المطلق، ليس مجرد الكمال المطلق للحقيقة أو المعقولية، بل الكمال المطلق للوجود المحض. ولأن عالم اللاهوت الخاص بتوما نفسه كان ينبغي بالضرورة أن يكون نظاماً من النسب – لا بين المبادئ المعقولة والأمور التي تنتفع بها (مثل الأمور الجزئية)، بل بين الموجودات (الله والمخلوقات) – فقد انجذب توما بالطبع إلى العالم الأرسطي واختاره؛ وفي الوقت نفسه، أخضعه لتعديلين وتصحيحين أساسيين. أولاً، قام، بالاتفاق مع ابن سينا، بتفسير العلل المحركة الأرسطية بوصفها نظاماً من علاقات العلل الفاعلة والمعلولات؛ وقد سمح له هذا التغيير، بشكل فعال، بأن يستبدل بالمحرك الأول لأرسطو إله الكتاب المقدس. ثانياً، مكّن هذا التغيير توما من أن يمنح أهمية ونفوذاً كاملين للمبدأ الذي وضعه أرسطو. ذلك المبدأ هو: حيثما توجد في جنس خاص درجات من الكمال، فإن الأكمل في ذلك الجنس هو سبب كمالات ما دونه. ما كان أرسطو يقصده هو التسلسل الهرمي للجواهر أو الكيفيات المتعينة بصورها. وفي ذهن توما، كان ينبغي تصور درجات الكمال الأرسطية عيناً على وفق العلية الفاعلة والصورية.83
وهكذا يتضح أن الأكويني في هذا الاستدلال أيضاً متأثر بالفلاسفة المسلمين لسببين على الأقل. أولهما، أنه لولا ترجمة آثار هؤلاء الفلاسفة، لما كان الغرب في ذلك الزمان ليتعرف على أفكار أرسطو. وثانيهما، أنه لولا تفاسير المسلمين، لما كان كلام أرسطو ليتوافق مع الأفكار اللاهوتية للمسيحية، ولما كان قابلاً للاستخدام من قبل الغربيين.
الاستدلال القائم على العلة الغائية (التدبير الإلهي للعالم)
البرهان الخامس عند الأكويني على وجود الله هو «البرهان القائم على العلة الغائية»84. وهذا الدليل مستمد من الحاكمية الإلهية على ظواهر العالم. وقد عرض الأكويني هذا البرهان على النحو التالي:
أ. نلاحظ أن الأشياء الفاقدة للعقل والذكاء في العالم، كالأشياء الجامدة في الطبيعة، تعمل في سبيل بلوغ غاية ما. وهذا الأمر يتضح دائمًا أو غالبًا من خلال عمل وسلوك تلك الأشياء المتشابه في سبيل تحقيق أفضل نتيجة؛
ب. من الواضح أن هذه الأشياء لا تنظم أعمالها هذه في سبيل بلوغ غايتها بشكل عَرَضي، بل وفق خطة وتصميم محددين؛
ج. لا يمكن لموجود فاقد للشعور أن يؤدي عمله للوصول إلى مقصد وغاية ما؛ إلا إذا كان واقعًا تحت هداية موجود حيٍّ ذي علم ووعي وذكاء؛ على غرار ما يُرمى به السهم والنبل نحو هدفهما بوساطة رامي القوس؛
د. ونتيجة لذلك، يوجد في العالم موجود ذكي تهتدي به جميع الأشياء الطبيعية نحو غايتها وهدفها النهائي. وهذا الموجود نسميه «الله».85
ويرى إتيين جيلسون أنه لا ينبغي لنا أن نبحث عن جذر فلسفي لهذا البرهان بين مفكري وفلاسفة اليونان والمسلمين؛ لأن هذا الاستدلال قائم على نصوص الكتاب المقدس ولم يُستعر من المباحث الفلسفية: بيد أن الأكويني نفسه يدّعي أنه أخذ هذا الاستدلال عن يوحنا الدمشقي.86
هذا الاستدلال قابل للنقض من وجوه، وهو موضع تأمل في محله. وأهم إشكال فيه هو أن هذا البرهان يصل إلى وجود الله انطلاقًا من مجرد وجود مدبِّر للعالم؛ مع أن هناك احتمالًا بأن يُفترض أن الموجود الذي ليس واجب الوجود هو مدبر هذا العالم؛ وبعبارة أخرى، إن التدبير ليس مساويًا لكونه إلهًا؛ ولهذا السبب، يُنتقل في الفلسفة وعلم الكلام الإسلاميين من وصف الخالقية لله إلى وصف المدبرية له، ويُعتبر التدبير استمرارًا لخالقيته؛87 وخلاصة القول إنه لا يمكن الوصول إلى الله من وجود مدبر للعالم، فربما يكون العالم قد خُلق تلقائيًا، ثم يتولى تدبير هذا العالم شخصٌ له من القوة أكثر قليلًا من سائر الموجودات؛ وعلى أية حال، فإن هذا البرهان عاجز عن إثبات وجود الإله الذي تسعى المسيحية إليه، ولا يحل لهم مشكلة.
ومن سوء حظ الأكويني أن البرهان الوحيد الذي له جذر غير فلسفي والذي يطرحه بشكل منفصل عن مفكري المسلمين، هو الذي يعاني من مشكلة ولا يمكن الاعتماد عليه. ولا مناص من الرجوع إلى سائر البراهين، التي لها أساس فلسفي كما يُقال، والتي مرت في الواقع عبر منخل فكري لدى الفلاسفة المسلمين، واستخدامها لإثبات وجود الله.
خلاصة
كما مرّ بنا، طرح الأكويني خمس طرق لإثبات وجود الله في كتابه خلاصة العلوم الإلهية، وكان في أربع منها مدينًا بشكل مباشر أو غير مباشر لمفكري وفلاسفة المسلمين؛ ومن هنا، إذا أردنا أن نحدد أهم قسم بين تعاليم دين ما، فإن معتقدات ذلك الدين تسترعي الانتباه. ومن بين المعتقدات، فإن أهم قسم هو المباحث المتعلقة بمعرفة الله، وأهم مبحث في معرفة الله هو إثبات وجود الله؛ إذن، فالأكويني، باستخدامه الأصول التي وضعها المفكرون المسلمون بين يديه، كان مدينًا للمسلمين ومتغذيًا من آثارهم العلمية فيما يخص أهم المباحث الاعتقادية والدينية؛ وبالطبع، فإن الأكويني هو أيضًا أهم شخصية في اللاهوت المسيحي، وخاصة الكاثوليكي. وبهذا، فإن الغربيين يعتمدون بشدة على أفكار المسلمين؛ رغم أنهم هم أنفسهم يدّعون أن أفكارهم أرسطية. ومع ذلك، حتى لو اعتبرنا المفكرين المسلمين وسيطًا بين أرسطو والغرب، فإن هذا الدور لا يزال يتمتع بأهمية بالغة:
وصلت كتابات أرسطو إلى الغرب أولاً من إسبانيا على هيئة ترجمات عن الترجمة العربية، ثم على هيئة ترجمات مباشرة من اليونانية ـ خلال القرن الثالث عشر أو ربما حوالي أواخر القرن الثاني عشر.88
على أية حال، سواء اعتبرنا المفكرين المسلمين وسيطًا لأرسطو، أو اعتبرناهم هم أنفسهم من شرّاح أرسطو أو حتى مؤسسي فلسفة جديدة، فإن الأكويني وأمثاله لم يكونوا ليملكوا شيئًا يبنون عليه لاهوتهم لولا هؤلاء المفكرين، تمامًا كما اكتفى العالم المسيحي لعدة قرون، بسبب افتقاده لهذه الأفكار وعدم معرفة الغربيين بها، بأفكار أوغسطين وحده، في خواء وكآبة؛ ومن الجدير بالذكر بالطبع أن الأكويني نفسه لم يراعِ أخلاقيات البحث كثيرًا، فبعد أن استفاد من أعمال المفكرين المسلمين في أهم أبعاده اللاهوتية، وقف ضدهم ووصف المسلمين بالضالين بتأليفه كتاب رد الأمم الضالة.89
خلاصة
تناولنا في هذه المقالة بإيجاز ضرورة واحدة فقط من أهم آراء الأكويني، ألا وهي أدلة إثبات وجود الله. ونظرًا للإلمام به وبآثاره الباقية، وكذلك لفهم مكانته في التقليد الكاثوليكي، لم يكن بد من إضافة بعض المباحث إلى هذه المقالة: على أية حال، حاولنا في هذه المقالة أن نبين مديونيته للفلاسفة المسلمين في بحث واحد فقط؛ ومن هنا، أولاً، يرى الأكويني أن إثبات وجود الله بالاستدلال أمر ضروري. ثانيًا، قدم في هذا المجال خمس طرق واستدلالات، استفاد في أربعة منها على الأقل من جهود الفلاسفة المسلمين. ومن ناحية أخرى، فإن استدلاله الخامس لا يتمتع بمتانة كبيرة.
ابن سينا، الإلهيات من كتاب الشفاء، تحقيق آية الله حسن زاده آملي، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1376.
ـــــ ، النجاة، مطبعة السعادة، ط. الثانية، القاهرة، مصر، د.ن.، 1938.
ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، طهران، حكمت، 1377.
إتيين جيلسون، التومية (مدخل إلى فلسفة القديس توما الأكويني)، سيد ضياء الدين دهشيري، طهران، حكمت، 1384.
ـــــ ، روح الفلسفة في القرون الوسطى، ع. داوودي، طهران، مؤسسة الدراسات والأبحاث الثقافية وشركة النشر العلمي والثقافي، 1370.
ـــــ ، مباني فلسفة المسيحية، محمد محمد رضائي ـ سيد محمود موسوي، قم، مكتب الإعلام الإسلامي للحوزة العلمية، 1375.
أرسطو، ما بعد الطبيعة، محمد حسن لطفي، طهران، طرح نو، 1378، الكتاب الثاني عشر (لامبدا).
أنتوني كيني، الأكويني، المترجمان: حسن موفق ود. فاطمة زيبا كلام، هرمزكان، جامعة هرمزكان، 1377.
برتراند راسل، تاريخ الفلسفة الغربية، نجف دريابندري، طهران، برواز، 1373.
جون هيك، فلسفة الدين، بهزاد سالكي، طهران، منشورات الهدى الدولية، 1376.
ديفيد لاسكوم، الفكر في العصر الوسيط، محمد سعيد حنائي كاشاني، طهران، قصيدة، 1380.
فردريك كوبلستون، تاريخ الفلسفة، سيد جلال الدين مجتبوي، طهران، مركز النشر العلمي والثقافي، 1362.
كريم مجتهدي، الفلسفة في القرون الوسطى (مجموعة مقالات)، طهران، أمير كبير، 1375.
ألكسندر كويريه، المدرسة الأرسطية والمدرسة الأفلاطونية في فلسفة القرون الوسطى، المترجمان: داريوش آشوري وهمایون فولادبور، في: معارف، الدورة الحادية عشرة، العدد 1 و2، فروردين ـ آبان 1373.
مايكل بيترسون وآخرون، العقل والاعتقاد الديني، إبراهيم سلطاني وأحمد نراقي، طهران، طرح نو، 1377.
محمد سعيدي مهر،آموزش كلام اسلامی، قم، طه، 1381.
ويل دورانت، تاريخ الفلسفة، عباس زرياب، شركت تهران، علمي وفرهنگي، 1374.
Alvin Plantinga, “God, arguments for the existence of”, in: Routledge Encyclopedia of Philosophy.
Aristotle, Metaphysics.
John Haldane, “Thomism”, in: : Routledge Encyclopedia of Philosophy.
Norman Kretzmann and Elenore Stump, “Aquinas, Thomas” in: Routledge Encyclopedia of Philosophy.
Norman Kretzmann; Elenore Stump, “Aquinas, thomas”, in: in: Routledge Encyclopedia of Philosophy, Routledge Inc. New York, 1988.
Thomas Aquinas, Summa Theologiae, (Benziger Bros. edition, 1947) Translated by Fathers of the English Dominican Province
Vernon J. Bourke, “Thomas Aquinas, St.”, in: The Encyclopedia of Philosophy, ed. by: Paul Edwards, Macmillan Publishing Co., New York, 1972.
* أستاذ مساعد في مؤسسة الإمام الخميني (ره) التعليمية والبحثية [email protected]
تاريخ الاستلام: 8/4/90 ـ تاريخ القبول: 20/6/90
أنتوني كيني، الأكويني، ترجمة حسن موفق ود. فاطمة زيباكلام، ص 2 ـ43.
د. كريم مجتهدي، الفلسفة في العصور الوسطى، ص 231ـ235.
C.f: W. A. Wallace; J. A. Weisheipl, “Thomas Aquinas, St”, in: New Catholic Encyclopedia , V14; Norman Kretzmann; Elenore Stump, “Aquinas, thomas”, Routledge Encyclopedia of Philosophy; Vernon J. Bourke, “Thomas Aquinas, St.”, The Encyclopedia of Philosophy.
26.به این دلیل که اساساً ابن رشد فیلسوفی مسلمان و خداباور است و نسبت دادن طبیعتگرائی و انکار عالم ماورا به وی ناموجه میباشد.
Thomas Aquinas, Summa Theologiae, (Benziger Bros. edition, 1947) Translated by Fathers of the English Dominican Province; Ia, 3, 1, obj.1.
45 Summa Theologiae, Ia, 3, 1 reply, 2.
55 . Summa Theologiae, Ia, 3, 2, an.
62 . جون هيك، فلسفة الدين، بهزاد سالكي، ص 51 ـ 52.
المصدر: مجلة معرفة الأديان، السنة الثانية، العدد ۱ (التسلسلي ۵)، شتاء ۱۳۸۹
.
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.