اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يتحدث مقصود فراستخواه عن مفهوم «الفشل الأخلاقي» والفردانية الأنانية في إيران؛ حيث الأخلاق جميلة لكنها لا تنفع. ويرى أن تحول النظرة إلى الدين من الاجتماعي إلى الفردي ناجم عن عدم الاستقرار ونقص رأس المال الاجتماعي.

شفقنا- هل تعتقدون أنتم أيضًا أن الأخلاق جيدة لكنها غير مجدية ولا تنفع؟ هل ترون أن الصدق والإنصاف جديران بالثناء لكن ساحة اللعب موحلة؟ هل خلصتم من العلاقات الاجتماعية إلى أن القيم المتألقة ينبغي تركها تومض في السماوات، بينما في الأرض ينبغي التحلي بالدهاء والمحاباة والتملق والكذب وسحب بساط المرء من الماء؟
شفقنا - هل تعتقدون أنتم أيضًا أن الأخلاق جيدة لكنها غير مجدية ولا تنفع؟ هل ترون أن الصدق والإنصاف جديران بالثناء لكن ساحة اللعب موحلة؟ هل خلصتم من العلاقات الاجتماعية إلى أن القيم المتألقة ينبغي تركها تومض في السماوات، بينما في الأرض ينبغي التحلي بالدهاء والمحاباة والتملق والكذب وسحب بساط المرء من الماء؟
إذا كان الأمر كذلك، فأنتم تندرجون ضمن فكرة «الفشل الأخلاقي» للدكتور فراستخواه. الدكتور مقصود فراستخواه، وإن كان اسمًا مألوفًا ومؤثرًا في الساحات الفكرية والاجتماعية، إلا أنه خلال العام الماضي كان في بؤرة الاهتمام أكثر من ذي قبل بسبب نشر كتابه «نحن الإيرانيون». هذا الكتاب تجاوز طبعته العاشرة في أقل من عام، وتحول إلى واحد من أكثر الكتب مبيعًا. لقد تحدث مقصود فراستخواه عن طبائع الإيرانيين ونقاط ضعفهم وسبل معالجتها، وهو يؤكد بالطبع أن «ثقافة هذه الأرض، بالمعنى السوسيولوجي والأنثروبولوجي للكلمة، غير قابلة للاختزال جوهريًا إلى الطبائع».
«الفشل الأخلاقي» هو مفهوم تناوله عالم الاجتماع هذا في الطبعة الثانية من الكتاب، ويعني به فشل مؤسسة الأخلاق، وذلك حين تخلص الجماعات الاجتماعية إلى أن الأخلاق حسنة وجميلة، لكنها غير مجدية ولا تنفع، ولا يمكن تطبيقها عمليًا ولا تؤدي إلى نتيجة تذكر.
مراسل شفقنا، في حوار تفصيلي مع الدكتور فراستخواه، ناقش العلاقة بين طبائع الإيرانيين ونمط مواجهتهم للدين، وكيفية تغير أو تطور النظرة إلى الدين والأخلاق.
****
*أنتم تؤكدون في كتاب «نحن الإيرانيون» على أنه لا ينبغي لنا أن نتجاهل منطق التغير والتحول الاجتماعي. إذا أردنا، بناءً على هذا الأساس، أن نتناول نمط مواجهة المجتمع الإيراني للدين والتدين، فما حدث في المجتمع يمكن تفسيره بناءً على أي من المقاربات: الوظيفية أم البنيوية أم الانتشارية أم المؤسساتية الجديدة؟ هل تقبلون بأن المجتمع الإيراني يتحرك من الدين الاجتماعي نحو الفردنة، وأنه يعطي وزنًا أكبر للبعد الفردي للدين؟ وهل هذه الفردنة للدين ناشئة عن طبائع الشعب الإيراني، أم أن التحولات الاجتماعية هي التي تسببت في اختلاف نظرة المجتمع الإيراني إلى الدين والتدين؟
فراستخواه: تظهر نتائج الأبحاث أن ثمة تنامياً للنزعة الفردية في إيران، صحيح أن تنامي الفردية هو «اتجاه كلي» عالمي أيضاً، لكن صور الفردية تختلف من مجتمع لآخر. فالفردية في إيران، بسبب الظروف البنيوية الاجتماعية والثقافية والبيئية وحبكتنا الاجتماعية الخاصة، لم تكن عادةً مؤسسية، أي أنها لم تكن عادةً ذلك النوع من الفردية الذي يرغب فيه الفرد في تعظيم منافعه عبر إيصال الخير العام إلى المجتمع. تارةً تكون لدينا فردية يريد فيها الفرد تعظيم منافعه إلى أقصى حد، وهذه الفردية قاعدية ويعلم أن تعظيم المنافع الفردية هذا له قواعده، وعليه أن يوصل الخير العام إلى الآخرين. يقول آدم سميث في كتابه: «ذلك القصاب الذي يقدم لحماً جيداً، ليس سبب ذلك أنه شخص إيثاري جداً، بل إن العقلانية تملي عليه أنه إن كنت تريد منافع مستدامة، فعليك أن تصل إلى منافعك عبر مساعدة الآخرين على منافعهم». حين توصل الخير إلى الآخرين، حينها تستطيع الارتقاء بمنافعك ومنفعتك بشكل مستدام، وهذه المنافع ليست آنية بل دائمة. تختلف هذه المسألة في إيران بسبب الظروف الخاصة التي كانت سائدة؛ فالمجتمع الإيراني مثلاً قصير الأمد. حين يكون عدم الاستقرار في إيران أمراً غالباً ومزمناً جداً، ففي هذا المجتمع غير المستقر والمتقلب – الذي نظر له باحثون مثل السيد كاتوزيان تحت عنوان المجتمع قصير الأمد – من الطبيعي أن يسعى كل شخص لإنقاذ نفسه. إذن ينشأ هنا نوع من الفردية الذاتية المرجع، أي أن الفرد يسعى ذاتياً وراء منافعه الفردية ويريد فقط أن ينقذ نفسه مؤقتاً، ولا يرى متسعاً كبيراً للاهتمام بالمنافع والقضايا العامة، لأن المجتمع قصير الأمد لدرجة أنه لا يستطيع فيه سوى الحفاظ على منافعه. في الواقع، لا يرى الفرد أن النظم الاجتماعية على قدر من الذكاء يجعلها تهتم به، وهناك أنواع أخرى من العلل أيضاً؛ فمثلاً رأس المال الاجتماعي يعاني من مشكلة إلى حد ما، ولا يستطيع الوثوق به، والترابط والمشاركة ضعيفان أيضاً. ونتيجة لذلك، ينشأ مجتمع متذرر (ذري). في الواقع، كل شخص هو ذرة تتحرك لوحدها، تائهة، ويُطلق على هذا المجتمع «المجتمع المتذرر». وهذه الذرات نفسها تتحول أحياناً إلى حشد، أي تنشأ حالة يصبح فيها المجتمع تارةً «شبيهاً بالذرات» وتارةً «شبيهاً بالحشود». تتجمع الذرات أحياناً معاً وتتحول إلى حشد جماهيري ينجذب كبرادة الحديد بالمغناطيس. ينشأ هذا الحشد الجماهيري بموجة، فيمتطيها البعض ويركبون أمواجها، وأحياناً ينزوي كل شخص في قوقعته ويسوي مسائله الخاصة.
*لماذا اتجهت الفردية الإيرانية نحو الذاتية المرجع؟
فراستخواه: أتصور أن «الفردية» في إيران نادراً ما تحولت إلى فردية مؤسسية؛ أي أنها لم تكن في اتجاه المنافع العامة. وسبب ذلك هو تآكل رؤوس الأموال الاجتماعية، وعدم ذكاء النظم الاجتماعية، وعدم كفاءة النظم الاجتماعية، وأوجه القصور التي كانت موجودة في مؤسساتنا، فالمجتمع ليس ذكياً، ولا يدعم الفرد، ولم توجد نظم دعم كافية للفرد، ونتيجة لذلك يريد الفرد فقط الحفاظ على نفسه بعقلانيته الفردية وخياراته العقلانية المحدودة، وكأن الأفراد لم يروا خياراً آخر أمامهم. ونتيجة لذلك، وطبقاً للأبحاث التي أُجريت، فإن هذه المسألة قد ازدادت في الفترة الأخيرة في إيران، أي أن توجه «الفردية» الذي هو توجه (ترند) عالمي يظهر نفسه في إيران أيضاً، وهو يختلف عن نوع الفردية الموجود في بعض المجتمعات، لأن بعض المجتمعات جمعية، فالثقافة الكونفوشيوسية في آسيا مثلاً ثقافة جمعية غالباً. هناك، للتحرك مع الجماعة والمنافع العامة أهمية، لكن في مجتمعات مثل أمريكا توجد فردية، لكن للفردية هناك منطقها الخاص، حيث يسعى الأفراد وراء منافعهم بمنطق وقواعد مؤسسية. وفي هذا السياق، نرى أحياناً نوعاً من الفردية الذاتية المرجع والفردية غير المؤسسية بتواتر أكبر في إيران، وقد ازدادت في الفترات الأخيرة أيضاً.
طبعاً يمكن أن يكون لنمو هذه الفردانية أسباب مختلفة أخرى؛ فالتكنولوجيا مثلاً يمكن أن تكون أحد أسبابها. لقد أدت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وظهور العالم الافتراضي إلى جعل التكنولوجيا وسيطاً بين البشر. في الماضي كان الناس يجتمعون وجهاً لوجه، أما الآن فقد نشأ تقريباً نوع من التفرق، وأصبح بإمكان كل شخص بمفرده أن يتواصل مع أصدقائه بشكل افتراضي. وهذه المسألة محل نقاش وخاضعة للدراسة في كل أنحاء العالم.
* بالنظر إلى إشارتكم إلى مسألة تكنولوجيا الاتصالات، هل يمكننا في الظروف الراهنة ومع تطور الفضاء الإلكتروني – حيث يطلع الناس في أجزاء من الثانية على أخبار من مختلف أنحاء العالم – أن نتحدث عن أخلاقيات أمة ما؟ في الماضي عندما كنا نتحدث عن أخلاقيات الإيرانيين، كانت هذه الأخلاقيات في إقليم محدد بخصائص وتاريخ وظروف معينة، أما اليوم فبالإضافة إلى ذلك الإقليم والفضاء والتاريخ، هناك مجموعة من المعلومات والاتصالات…
فراستخواه: مثل العولمة…
*نعم. في ظل عملية العولمة هذه والتواصل الوثيق بين شعوب العالم، هل يمكننا القول إنه إذا كان هناك تحول يحدث، فهو يسير في اتجاه العولمة، وأن أخلاقيات الأمم تتشكل تحت تأثير هذه العملية؟
فراستخواه: نعم! من المؤكد أن أحد العوامل المؤثرة في التغيرات الثقافية في إيران، والشخصية الوطنية للإيرانيين، والأخلاقيات الإيرانية، وأنماط السلوك الاجتماعي، هي العولمة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. إن وسائل الإعلام والبيئة متعددة الوسائط مؤثرة في هذا الأمر، وبالنظر إلى عامل الانتشار الذي تمت مناقشته، فقد ازداد مقياس الانتشار هنا لأن خاصية تأثير الفراشة (Butterfly effect) هي أن حركة فراشة لطيفة في أحد أطراف العالم تثير عاصفة في الطرف الآخر. حسناً، من الطبيعي أن تؤثر هذه المسألة على الأخلاقيات الاجتماعية، ونمط الحياة، ونمط الاستهلاك، والحساسيات والاهتمامات… إلخ. إذن فالفردانية، وفقاً للدراسات الموجودة والشواهد والمشاهدات التي تمت، آخذة في النمو إلى حد ما؛ رغم أنه يسود في إيران أيضاً ذلك الوضع التذبذبي بين «التذرر» و«التجمهر»، أي أن هؤلاء الأفراد يتحولون أحياناً إلى جمهور، فتنشأ جماعات مذعورة ومفاجئة بناءً على مواضيع اجتماعية وحوادث وأحداث، لكنها لا تكون مستقرة، وسرعان ما تعود إلى التذرر، ويسعى الأفراد إلى أن ينقذ كل منهم نفسه، وكل شخص يحافظ على ذاته. وسبب ذلك يعود إلى حد ما إلى العادات التاريخية المزمنة للإيرانيين والتي نشأت بسبب اتساع رقعة الأراضي. يبلغ مؤشر الكثافة السكانية (density) في إيران 40، أي أن مؤشر عدد السكان في الكيلومتر المربع الواحد في إيران هو 40، وهو رقم منخفض جداً؛ هناك دول أخرى مثل اليابان حيث هذا المؤشر مرتفع جداً، لذا فإن التشتت الجغرافي من جهة، والعادات التاريخية الراسخة من جهة أخرى، أوجدت الفردانية.
لقد كان لدينا تاريخ حافل بالأحداث، وهذه الأحداث المتتالية كانت تجعل كل شخص يحرص فقط على الحفاظ على نفسه بسبب انعدام الأمن السائد. ومن جهة أخرى، فإن الاستبداد والبنى السياسية التي لا تمتلك القدرة الكافية لخلق تجمعات وحوارات، أدت إلى أن يحافظ كل شخص على نفسه، كما أن عدم كفاءة الأنظمة الاجتماعية وأنظمة التوجيه، وتآكل رأس المال الاجتماعي، والثقة، والمشاركة… إلخ، يجعل الفردانية بمعناها الخاص المتمركز حول الذات مهيأة دائماً في إيران.
*هل هذه الفردانية المتمركزة حول الذات مؤثرة أيضاً في مجال الدين وطريقة مواجهة الدين؟
فراستخواه: في مسألة الدين، حدث أمر مهم آخر أيضاً، وهو ظهور الدين المؤسساتي والدولي. عندما تتشكل الدولة الدينية أو الدين الدولي، وترتبط مسألة الدين على المستوى المؤسساتي والدولي بمصالح السلطة والحقوق، فمن الطبيعي أن يتغير سلوك الناس تجاه الأمر الديني. ومثال ذلك الإحباطات والنفور الذي نشأ في المجتمع كانعكاس لارتباط الدين بالدولة. فعلى سبيل المثال، كل استياء ومشكلة اجتماعية تنتقل بشكل ما إلى مسألة الدين، لأن الدين، في قالب أيديولوجيا رسمية للدولة، يدعي إدارة البلاد وقد اختلط بالسياسات والخطوط العامة، ونتيجة لذلك فإن أي استياء وأي شكوى وتذمر اجتماعي يحمل مضموناً دينياً بالنسبة للمجتمع، لأنه يحمّل الدين مسؤولية هذه المشاكل. وفي خضم ذلك، وبما أن شرائح من الناس لا تستطيع التخلي عن الدين، فإنها تتجه نحو الإيمان والتجارب الفردية ذات الطابع الديني، لتتمكن من تلبية هواجسها الدينية من خلال ذلك.
إذا أردنا أن ندرس الأمر بلغة بول تيليش [عالم اللاهوت والفيلسوف الألماني الأصل]، ينبغي أن نقول إن الدين هو الانشغال الأقصى للإنسان؛ أي أن الإنسان لديه توترات مثل توتر الدخل، وإيجار المنزل، والبيئة الاجتماعية، والتحصيل العلمي... إلخ، وهذه التوترات تتعاظم أكثر فأكثر. التوتر الأقصى للإنسان هو مسألة النجاة والخلاص، أي أننا عندما نجتاز التوترات الموجودة أو نحلها يبقى توتر، يقول تيليش إن هناك توتراً أقصى هو مسألة الخلود والنجاة والمعنى في الحياة، مسألة السند والأمان الوجودي أو ما يطرحه برغر بـ (العقل المشرد The Homeless mind)، عقل مشرد يريد أن يكون له معنى. هذا الانشغال بالمعنى الوجودي للكلمة ملازم للإنسان، وهو موجود في تاريخ إيران بشكل قوي جداً. في ثقافة المجتمع الإيراني، يشكل الدين جزءاً من الثقافة والهوية الإيرانية؛ مع الأسف، هناك نوع من الإصرار في الجماعات والخطاب الرسمي يريد اختزال أو إرجاع الهوية والثقافة كلها إلى الدين، وهذا خطأ كبير ويكلف هذا المجتمع الكثير، ولكن كون الدين جزءاً من ثقافة الشعب الإيراني، هناك إجماع عليه إلى حد ما وفقاً لدراسات الإثنوغرافيا والأنثروبولوجيا والدراسات الاجتماعية والتاريخية. في الوقت نفسه، لا يستطيع الدين العام ودين الدولة تلبية هموم المواطنين واهتماماتهم الإنسانية الأصيلة ولا يكون مرضياً. إذن من الطبيعي أن يُحيله إلى المستوى الفردي للتدين وتجاربه الفردية؛ مثل التوكل، والنذر، والأمل، والسكينة، والغفران، والفرح. أن أستطيع بالإيمان أن أعيش تجربة الفرح أو أن أعيش تجربة الشجاعة. يعبر تيليش عن ذلك بـ (شجاعة الكينونة)، أي أن أستطيع بالإيمان أن أمتلك الجرأة اللازمة للحياة وتحمل أعبائها والأمل اللازم. هنا ينشأ نوع من «التدين الفردي» أو ربما يحدث تحول من «الدين» إلى «الإيمان» وحتى أحياناً ما هو أوسع وأعم منه أي «الروحانية». هناك تحول من «الدين العام» و«دين الدولة» إلى «الدين الخاص»، وتحول آخر من «الدين» إلى «الإيمان»، بل يمكن في هذا السياق التحول من «الدين الخاص» إلى «الدين الشخصي». في الواقع، هناك فرق بين Private religion و personal religion. أظهرت الأبحاث أنه في إيران، بالإضافة إلى خصخصة الدين والميل إلى «الدين الخاص»، هناك ميول أخرى على شكل «الدين الشخصي».
*ما الفرق بين «الدين الخاص» و«الدين الشخصي» وكيف يُعرَّفان؟
فراستخواه: «الدين الخاص» هو الدين الذي كان عليه آباؤنا وأمهاتنا قبل الثورة؛ بمفهوم أن الدين شيء بينك وبين الله، أي أن الدين كان مصدراً للحقيقة وكانت أحكام الدين وأصوله ومبادئه تحظى لديهم بالأهمية والحجية والنفوذ. كانوا يعرفون ما هي المعصية وما هي البراءة. بعض الأعمال معصية، وبعضها واجب، وماذا يعني التوكل على الله... إلخ. كانوا يعرفون هذا ولكنهم في الوقت نفسه كانوا يقولون إن هذا لا علاقة له بالسياسة والدولة، بل هو موضوع بين الإنسان والله؛ طبعاً كان ذلك الدين نفسه يمتلك الحجية الكاملة للإنسان.
أما «الدين الشخصي» فيعني أن الفرد يحب شخصياً أن يكون متديناً في أمر ما، وألا يكون متديناً في أمر آخر، أو أن يكون له فهم شخصي عن الله؛ مثلاً يقولون نحن نحب الصوم ولكن لا نحب الصلاة، هذا الدين هو «الدين الشخصي». هذا «الدين الشخصي» هو في الواقع مستوى آخر غير «الدين الخاص». إذن يُشاهد تحول من «دين الدولة» إلى «الدين الخاص» وحتى إلى «الدين الشخصي»، ومن «الدين» إلى «الإيمان»، ومن «الإيمان» إلى «العرفان» وحتى من «العرفان» إلى «الروحانية»؛ أي أنهم يريدون أن يكون الدين أقل عمومية وأكثر خصوصية، وبالتالي يقل تفكيرهم في جانبه المؤسسي. هذه الاتجاهات موجودة في المجتمع الإيراني ومفهومة وتظهر بوفرة ملموسة جداً، ويمكن أن تشكل تهديداً كبيراً من جهة ما.
*لماذا تشكل تهديداً كبيراً؟
فراستخواه: يُتحدث أحياناً عن مفهوم «نهاية المجتمع» أو «نهاية الاجتماع»، بمعنى أنه إذا ضعُفت النزعة الاجتماعية في حيز إقليمي ما بشكل مفرط، يمكن القول إن وضعاً قد نشأ، وإذا بالغنا في وصفه قليلاً، وجب أن نقول إنه «نهاية الاجتماع» بعينه، أي إن الفرد قد اكتسب من الأهمية حداً يمكن معه القول إنه لم يعد ثمة اجتماع، وإن الاجتماع الذي هو منشأ كل شيء آخذ في الزوال، وهذا يمكن أن يشكل تهديداً إقليمياً وتهديداً وطنياً لمجتمع يفقد رأس المال الاجتماعي اللازم لإقامة الاجتماع واستدامته، لأن الاجتماع هو منشأ المعايير والتعاونات في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، غير أن هذه الدعامة الاجتماعية الكبرى تتعرض للضعف في مجتمعنا.
* في الواقع، التضامن آخذ في التناقص. لقد قلتم سابقاً إن التضامنات الإيرانية ليست أخلاقية في العادة، لأنها عاطفية وانفعالية. هل الفردانية الأنانية هي العامل الذي يُوجد تضامناً عاطفياً وانفعالياً ويمنعه من بلوغ المرحلة الأخلاقية، ويبقيه، بتعبيركم، ذرياً وجماهيرياً؟
فراستخواه: قد يتحول الناس، بعواطف موسمية غير مستقرة وغير منتظمة، إلى جمهور جماهيري، لكن ينقصهم في الداخل عقلانية جمعية منتظمة، وعقلانية اجتماعية، وتنظيم اجتماعي مستدام وذكي، ويحل الاختيار الاجتماعي محل الخيارات المحدودة والموضعية للأفراد، أي أن كل فرد يريد أن يدبر معيشته. على سبيل المثال، هناك نقاش راهن حول مسألة النزعة إلى الشهادات. يتساءل كثيرون: لماذا تُلاحظ النزعة إلى الشهادات في المجتمع؟ وجوابي هو: ماذا عسى أن يفعل هؤلاء الطلاب؟ هل وضعنا سككاً ليسلك الناس دروباً أخرى؟ لم نضع سككاً أخرى. نتيجة لذلك، لا يستطيع الناس إلا أن يحافظوا على أنفسهم. فهل نريد أن نحرم البشر حتى هذا الحد من الاختيار العقلاني؟ إذا كنا نريد أن ينشأ اجتماع، وأن تكون هذه الاجتماعات اجتماعات منتجة، فإننا نحتاج إلى فعل تواصلي. من أجل أفعال تواصلية خلاقة ومنتجة وبناءة، لا بد من وضع السكك، والتيسير، وبناء القدرات، والتهيئة. لقد أمّنّا المؤسسات غير الحكومية والمنظمات الأهلية وسيّسناها، أي أننا نظرنا إليها نظرة سياسية، في حين أن المنظمات الأهلية تشكل أرضية وقدرة كبيرة لكل مجتمع. قطاعات كبيرة من اقتصاد المجتمعات الأوروبية تقوم على القطاعات التطوعية. لو ذهبتم الآن إلى كندا وراجعتم من أجل صحتكم أو علاجكم، لرأيتم أن القطاع التطوعي منافس كبير للقطاع الحكومي والقطاع الخاص على السواء. في الواقع، هناك مؤسسات تطوعية وهيئات وأفراد كثيرون يتوجهون إليكم ليساعدوكم في صحتكم بشكل تطوعي. لأنهم حددوا لأنفسهم جملة من المنافع الاجتماعية والقيمية التي يريدون من خلالها القيام بأنشطة خدمية للمجتمع بشكل تطوعي. هذه الأمور تنبع من الاجتماع وتنشأ من «الكينونة معاً»، ومن أجل هذه الكينونة معاً، ينبغي أن نخلق في المجتمع القدرات اللازمة، وأن تكون لدينا سياسات ودعم ونظرات ثقافية واجتماعية للمسائل الاجتماعية، وكذلك أن نهيئ الأرضيات المؤثرة لتشجيع كون الناس معاً.
على سبيل المثال، قمت في دراستي وبحسبة تقريبية جداً بإحصاء عدد المنظمات غير الحكومية وحسبت أعضاءها بدوام جزئي وكامل، ثم أخذت بعين الاعتبار إجمالي سكان إيران. وكانت النتيجة التي توصلت إليها أن أقل من نصف بالمئة من سكان إيران هم أعضاء بدوام جزئي أو كامل في المنظمات غير الحكومية. هذا المؤشر التشاركي والجماعي الموجود في مجتمعنا منخفض جداً. وعندما نقارن بالمجتمعات الناجحة الأخرى، نجد أن المؤشرات مختلفة جداً ومرتفعة، فنحن في الواقع قد سلبنا المجتمع الكثير من طاقاته، ودمرنا المجتمع بأوهامنا وجمودياتنا وأيديولوجياتنا. غاردنر هو عالم نظّر للذكاءات المتعددة وطرح تسعة أنواع من الذكاء للإنسان، فمثلاً أحد هذه الذكاءات هو الذكاء البينشخصي ونوع آخر هو الذكاء داخل الشخصي. الذكاءات البينشخصية مثل العواطف الاجتماعية، والتبادلات الاجتماعية، وكيفية التخطيط مع الآخرين، والعمل مع الآخرين، وبناء الفريق، والأنشطة التطوعية المشتركة، وإيصال الخير للآخرين، والاهتمام بمصالح الآخرين... إلخ. لكي يتطور الذكاء البينشخصي، يجب خلق سياقات تواصلية، الأمر الذي يستلزم الفعل التواصلي. يحتاج الفعل التواصلي إلى فضاء اجتماعي وإلى «مجال عمومي غير مقيد» حتى يتمكن البشر من التفاعل مع بعضهم البعض؛ مثلاً، أن تدير مجموعات الجوار شؤون عماراتهم. ثمة حياء في العين، فعندما يعيش البشر معاً يمكنهم أن يحبوا بعضهم البعض، وبهذا العمل نفسه ينشأ بناء الثقة وصنع المعنى، ويحدث التآزر، ومن ثم تنشأ الشبكات الاجتماعية، وكل هذه الأمور في الواقع يمكنها أن تخلق مناعات وطاقات لهذه الأرض وتحصّنها في وجه التهديدات وتمنحها إمكانية النمو والديناميكية والازدهار والتنظيم الذاتي والإدارة الذاتية. لكن أنواعاً وأشكالاً من السياسات غير المجربة، وعدم كفاءة المؤسسات الاجتماعية، وإضعاف رأس المال الاجتماعي، والنظرات السياسية للمسائل، والإشكالات الموجودة في أسلوب الحوكمة وإدارة البلاد، كلها تضافرت معاً وأضعفت للأسف الطاقات والقابليات للعمل الجماعي والأنشطة الاجتماعية والتعاون والترابط والمشاركة في إيران.
* أي أنكم تعتقدون أن المجتمع يعاني من نوع من السلبية، وللخروج من هذه السلبية يجب توفير البنى التحتية؟
فراستخواه: استخدمتم تعبيراً جميلاً. السبب هو أن مجتمعنا أُبقي صغيراً، وأُريد له القصور، ولم يُسمح له ببلوغ النضج والتأمل الذاتي والإدارة الذاتية. ما يتطلبه نمو المجتمع وكبره هو أن تقبل الحكومة أن تصغر قليلاً. الحكومة الكبيرة وغير الفاعلة هي الوجه الآخر لعملة المجتمع الصغير والعاجز. يجب أن يجد المجتمع فرصة للتمرين والمشاركة والوعي والنضج والتنظيم الذاتي. المجتمع السلبي يسعى فقط وراء فرصة لحل مشكلاته اليومية، ونتيجة لذلك تكون تجمعاته موسمية وغير مستقرة وغير منتظمة وربما غير أخلاقية، ولكي تتشكل تجمعات ذكية ومنتظمة وقاعدية ومستقرة وأخلاقية وألا تكون موسمية، يجب التمهيد لذلك والتحرك من المؤسسات والبيروقراطيات الحكومية المركزية نحو تقوية المستويات المحلية والإقليمية والمدنية ونحو تفويض الاختيار، ونتيجة لذلك تنشأ المدينة الذكية. في حين أننا نميل أكثر إلى أن يكون هناك عقل كلي يصلح كل هذه الأمور، بدلاً من أن نرغب في نمو عقلانية اجتماعية. لماذا لا نساعد ونمكن هذا النظام ليكون ذكياً بنفسه؟
كان هناك تقليد للري وتقسيم المياه في إيران، ويعتقد بعض الباحثين مثل الدكتور فرهادي أن البيروقراطيات غير الفاعلة الحديثة هي التي قضت على تقاليد العمل المشترك هذه، ولم تستطع أن تستبدلها بتقاليد جديدة وحديثة. ونتيجة لذلك، أريد أن أقول إننا لا نفتقر إلى «ذاكرة ثقافية» للعمل الجماعي، لأن المجتمع الإيراني يمتلك إلى حد ما «ذاكرة ثقافية» و«مخزوناً اجتماعياً» و«إرثاً ثقافياً» قابلاً للاستخدام من أجل نمو وقدرات العمل الاجتماعي. وفي هذا السياق، يمكن للعولمة والشبكات الافتراضية، بدلاً من أن تُعتبر مجرد تهديد لنا، أن توفر فرصة ونموذجاً جديداً لأنماط من التآلف والتواصل، والتي ينبغي برأيي ألا تحل محل تلك العلاقات الواقعية وجهاً لوجه في المجتمع.
* أي يمكننا القول إن هذا الانفعال الاجتماعي ليس ذاتياً في المجتمع الإيراني وليس جزءاً من أخلاقياته، بل هو من السمات التي فُرضت عليه ويمكن إزالتها؟ وهل يمكن القضاء على هذا الانفعال بتغيير البرامج والتخطيط؟
فراستخواه: أنا لا أؤمن بـ«الجوهر» في الثقافة الإيرانية؛ أي لا أعتقد أن المجتمع الإيراني يمتلك جينوماً ثقافياً وجوهراً ذاتياً، بل أؤمن بالتعلم الاجتماعي. يمكن للناس أن يتعلموا ويغيروا سلوكياتهم من خلال الممارسة الاجتماعية. ورغم أن هذا يستغرق وقتاً وهو طويل الأمد، إلا أنه ممكن على كل حال. توجد في طاقات هذا المجتمع وهذه الثقافة أرضيات للتعاون والأنشطة الاجتماعية، وإذا ما تمت التسهيلات اللازمة فإن هذا المجتمع يمتلك القدرة على الارتقاء من مستوى مجتمع منفعل إلى مجتمع فاعل وخلاق ومنتج. ومقتضى ذلك أن يخرج من كونه مجتمعاً فوضوياً ويتحول إلى مجتمع منتج ومنظم، مجتمع يبلغ مستوى النضج ويصبح قاعدياً، وهذا يتحقق عندما تنبثق هذه القواعد من صميم الممارسات الاجتماعية والمشاركات الاجتماعية. طبعاً ليس بالشكل السياسي. ومن المشكلات الموجودة أيضاً أن سياسات الحكومة غريبة عن سياسات حياة الناس. ينبغي أن تنبثق السياسة من الممارسة.
* هنا تبرز أهمية النخب وأدائها في التنسيق لهذه المسألة؟
فراستخواه: نعم! النخب عوامل تغيير، لكن لا بد من وجود دعم مؤسسي للنخب أيضاً؛ مثل الحرية الفكرية، والحقوق، ووجود المجال العام، والأمن، والدعم القانوني للتعبير والتفكير والتنوع وإمكانيات الحل السلمي للنزاعات. لأن تعريف النخبة واضح، ولا يمكنك القول إن النخب جميعاً تفكر بطريقة واحدة. نحن لسنا حتى مجتمعاً «منتجاً للنخب». نظامنا التعليمي لا ينتج نخباً، بل ينمّط ويطلب كائنات «متوسطة». كم تتوفر في تعليمنا وتربيتنا الأرضية لتعليم كائنات خلاقة، متمردة، رشيقة، جريئة، مبتكرة، مختلفة، مفكرة وناقدة؟! إنها تُقمع. ولهذا السبب لا يصبح مجتمعنا «منتجاً للنخب». للأسف، أنظمتنا التعليمية وحتى الأنظمة الاجتماعية، والإدارات الثقافية وبرامجنا الثقافية، كانت أقل إنتاجاً للنخب، بل تتجه بشكل خفي وظاهر نحو التوسط والتنميط؛ وهكذا تُدمر النخبة، وعندما تدمر النخبة تحدث هجرة الأدمغة أو الهجرة الداخلية، وينخفض دافع النخب للمشاركة، أو تصل النزاعات غير المحلولة إلى حد العقد والانفجارات. وفي النهاية، يبتعد الفاعلون الاجتماعيون الذين يمكنهم أن يكونوا وسيطاً لتغيير هذا المجتمع ودعمه، هذه المسائل في الواقع تسلب المجتمع أنظمة مناعته، نحن نعيش في عالم محفوف بالمخاطر، في وضع عالمي شديد الخطورة والتنافسية. من نتائج العولمة أنه يزداد تنافساً يوماً بعد يوم، وهناك نقص في الموارد وتنافس على الموارد الأحفورية وغير الأحفورية والمياه. كل هذه مواضيع المنافسات المستقبلية لهذا العالم، إضافة إلى أنواع وأشكال المخاطر التي حولت مجتمعنا إلى مجتمع خطر، أي مجتمع يعيش في خطر دائم. نحن لكي نسيطر على هذا الخطر يجب أن نرتقي بطاقات المخاطرة ومناعات هذا المجتمع، ولكي نرتقي بطاقات المناعة يجب أن تكون هناك سياسات مناسبة، وهنا تلعب المؤسسات الإعلامية دوراً كبيراً جداً في التوجه نحو هذه المسائل. ما هو موجود في مجتمعنا أننا لا نحول «المشكلات» إلى «مسألة». المشكلة تختلف عن المسألة. مشكلاتنا في المجتمع كثيرة، المشكلة هي ما تكون علاقتنا به واقعية. مثلاً، طفل يعاني من القلق، هذا القلق بالنسبة للأب مشكلة، لكن عندما يأخذ الأب الطفل إلى المستشار، يحول المستشار تلك المشكلة إلى مسألة، لأن علاقته بها لم تعد واقعية بل تصورية. للأسف، أصبح مجتمعنا مجتمعاً يعاني من مشكلات كثيرة لكنه لا يمتلك «مسائل». نحن لا نُمسأل المشكلات، ولكي نمسألها يجب أن يكون لدينا حوار اجتماعي، حوارات اجتماعية، طاقات اجتماعية، طاقات مدنية وأنشطة تطوعية لكي تتحول هذه المشكلات إلى مسائل، ثم نتوجه إلى المسائل بالبحوث والدراسات اللازمة لكي تنبثق، بمشاركة جماعية وبشكل مرضٍ، سياسات كفؤة لدعم الطاقات.
* لقد فهمت من حديثكم أن مشكلة انعدام الأمن والفوضى وعدم الاستقرار -والتي أشرتم إليها أيضاً في كتاب «ما ایرانیان» بأنها أثّرت على جزء من طباع الإيرانيين- لا تزال قائمة. إذا أردنا دراسة دور المجتمع -المجتمع الذي يُعتبر ناخراً للنخب وقد أطلق الخبراء صافرات الإنذار بشأن انحدار الأخلاق- فهو لم يكن سلبياً إلى هذا الحد من قبل، وقد بذل جهوداً لإصلاح نفسه. لديكم تعبير بأن تصوراتنا كانت دائماً أهورائية (خيّرة) ولكننا في السياقات البنيوية-الوظيفية أهريمانيون (أشرار). هذا المجتمع في مرحلة من التاريخ أراد إصلاح هذا الجانب الأهورائي والأهريماني، فقام بثورة وأراد أن ينظر إلى قضايا حياته بنظرة أهورائية ويتغلب على ثنائية النظر والعمل، ولكن بعد مرور سنوات على هذا الجهد والتجربة، ازدادت الثنائية في العمل والنظر واتسعت الفجوة بين الجانب الأهورائي والأهريماني. يُعتبر الأشخاص عديمو الأخلاق أذكياء، ويلجأ الأفراد إلى الرياء للحفاظ على مكانتهم الاجتماعية. أي أن جهد المجتمع بدلاً من تقليص ثنائية النظر والعمل أدى إلى تفاقم هذه الثنائية. ماذا حدث وماذا جرى لهذا المجتمع حتى يفكر بطريقة أهورائية ويعمل بطريقة أهريمانية، ولم يعد حتى منتجاً للنخب وتأتي جهوده بنتائج عكسية؟
فراستخواه: أعتقد أننا بحاجة إلى حكم رشيد، وتحسين الأنظمة الاجتماعية، وخلق أشكال من الدعم للمجتمع حتى يتمكن من التغلب على مشكلته. أي أننا لم نخلق قواعد مؤسسية للمجتمع، ولم نهيئ الأرضية لظهور مواهب هذا المجتمع. لقد حدث أمر استخدمت له في الفصل الجديد من الطبعة التاسعة وما بعدها من كتاب "ما ایرانیان" تعبير «الهزيمة الأخلاقية». ما أعنيه بـ«الهزيمة الأخلاقية» ليس انعدام الأخلاق في المجتمع، بل أعني أن الأخلاق كمؤسسة تتعرض للهزيمة. وفقاً للأبحاث التي أجريت، يقع الناس في مفترقات طرق الحياة بين البلاهة والفضيلة. يسألون أنفسهم: هل يجب أن نتصرف بأخلاق؟ إذا تصرفنا بأخلاق، فسيتم وصفنا بـ«الأغبياء»، أي أنهم يقفون على مفترق طرق الخيارات الشخصية والعقلانية. في هذه المفترقات، يشعر كل شخص أنه لكي ينجو من وصمة البلاهة، عليه أن يضع الفضيلة بين قوسين! "این که گویی این کنم یا آن کنم خود دلیل اختیار است ای صنم".
قراري الشخصي فيما يتعلق بالأطفال العاملين وأطفال الشوارع هو أن أفعل شيئاً من أجلهم، لكن ابني وزوجتي يقولان لي إن هؤلاء هم أنفسهم موظفون، ولديهم مدير وساعات عمل. أقول لهم: لماذا برز منطقكم هنا؟! إنهم ينظرون إلى عملي كعمل من أعمال البلاهة، أي يرونه سذاجة، لكن هذه المسألة معقدة للغاية. أي أن الحال أصبحت أنه إذا أردت القيام بعمل أخلاقي، ستقول إن المجتمع سيصفني بـ«الغبي»، وأنك لا تستخدم عقلك وتتصرف بسفاهة.
لقد نشأت أسطورة أسميها «أسطورة البنية». وهذا في اعتقادي يعني شللاً اجتماعياً. فنحن جميعاً نعزو كل شيء إلى البنى، وقد صار هذا سبباً لمغالطة كبرى في أقصى إسناد خارجي نتبناه في أفعالنا وعلاقاتنا. فبدلاً من أن نُسنِد الأمور داخلياً ونُحضر ضميرنا ومستويات وعينا العليا ونسأل أنفسنا: ما هي الحالات المختلفة لفعلي واختياري، وأيها مرغوب وأيها غير مرغوب، وما هي مسؤوليتي؟ بدلاً من هذا كله، غالباً ما نُسنِد خارجياً. نقول جميعاً إن البنى هي التي تسبب أفعالنا هذه، وفي غمرة ذلك يُنسى أن البشر يستطيعون، إلى حد ما، أن تكون لهم اختيارات أفضل وأكثر وعياً وأنفع وأكثر مرغوبية واستحساناً. لقد نشأت في المجتمع الإيراني حالياً وضعية يمكن أن نسميها التذمر الاجتماعي، بمعنى أن الناس جميعاً متذمرون، وجميعهم يسبون بعضهم بعضاً بل وحتى أنفسهم؛ أيّاً كان ما نفعله، ندّعي أن البنية هي سبب أفعالنا وهي المسؤولة عنها، وأن لا مسؤولية شخصية علينا. هذا يعني نهاية الفعل الاجتماعي، ويعني أنني لا أستطيع القيام بفعل اجتماعي حر وواعٍ وأخلاقي. ينبغي عليّ أن أحل مشكلتي بدفع الرشوة. أعلم أن الرشوة ليست آلية مستدامة لحل المشكلات الاجتماعية، لكني أعود فأقول: إن لم أدفع الرشوة، فكيف أحل مشكلتي الشخصية إذن؟ هناك معنى في ذهني مفاده أن الأنظمة الاجتماعية لا تؤدي عملي وليست ذكية؛ فبما أن النظام ليس ذكياً، فانتبه لنفسك وحافظ عليها. هذا يعني الفشل الأخلاقي. نقول إن الكذب سيئ، لكنه يبقى في السماء والكتب، ولا ينفع في الواقع العملي ولا يحل المشكلة. لقد أسميت هذا «الفشل الأخلاقي». كل إنسان في حياته معرض لخيارات أخلاقية خاطئة، وفي البشرية توجد لا أخلاقيات يمكن تقليلها بالتعليم والتربية والإصلاحات الاجتماعية، لكن هذا ليس بالغ الخطورة، بل الخطر يكمن حين تفشل الأخلاق، أي حين لا يُعتبر التصرف الأخلاقي وسيلة ناجعة للعيش.
*ما العمل في هذه المرحلة؟
فراستخواه: أعتقد أن علينا العودة إلى تعزيز مسألة الفعل الاجتماعي. العودة إلى الفعل الاجتماعي.
*أي تعزيز المنظمات غير الحكومية و...؟
فراستخواه: نعم. يجب أن نُنهي أسطورة البنية ونتجاوزها؛ مثلاً، شخص يركب سيارة أجرة وعليه أن يدفع 1500 تومان أجرة، فيعطي ورقة نقدية من فئة 2000 تومان ولا يُعيدون له باقي ماله، فيعترض لكنه يتلقى جواباً بأن أموالاً طائلة تُؤكل في المجتمع! أنت تجادل هذا السائق على خمسمئة تومان. هذا هو معنى أسطورة البنية. لأن البنى غير فعالة، إذن ينبغي على كل شخص أن يأكل حق الطرف الآخر. هذا يعني تعطيل الفعل الإنساني الواعي، ونهاية الفعل الأخلاقي، ونهاية المسؤولية الفردية والشخصية.
هانا آرنت، کتابی به نام مسؤولیت شخصی دارد که می گوید مسوولیت شخصی از بین رفته، یعنی «خود اثربخشی» کاهش پیدا کرده است. باندورا مفهومی به نام self-Efficacy یعنی «خود اثربخشی» را مطرح کرده و اینکه ما چقدر حس خوداثربخشی داریم؟ حتی وقتی در محیط های آموزش یک دانش آموزش حس خوداثر بخشی نداشته باشد، موفق نمیشود و درس نمیخواند چون به این نتیجه میرسد که کارهای او تاثیری ندارد. آلبرت باندورا میگوید باید این حس خوداثربخشی بیدار شود و به خودمان و به آگاهی و وجدان اخلاقی و نزاکت شهروندی و هوش میان فردی خودمان به عنوان یک علت نگاه کنیم. ما میتوانیم علت زندگی خودمان باشیم، ما میتوانیم یک جور دیگر نگاه کنیم. طور دیگر عمل کنیم و منشأء اثر شویم اما این «خود اثربخشی» در جامعه ی ما کاهش پیدا کرده است، در نتیجه اثربخشی نخبه هم پایین آمده است. من مفهومی به نام سندرم قفسه را برای تحقیقات به کار گرفتم. به عنوان مثال شما یک محقق هستید و میگویید تحقیق میکنم و تصورتان این است که تحقیق شما به قفسه خواهد رفت چون احساس میکنید علم در این جامعه تاثیر اجتماعی ندارد و بر اساس آن سیاستی ساخته نمی شود، مدیریت نمیشود، قانونی عوض نمیشود و اصلاحاتی صورت نمی گیرد. در نتیجه کنشگران اجتماعی احساس «خوداثر بخشی» خود را از دست داده اند. به نظر من این مساله یک بحران اجتماعی و یک مخاطره ی ملی است. هستند افرادی که درس میدهند اما بعد از مدتی کیفیت تدریس را کمتر می کنند، میگویند برای چه درس دهیم؟ این دانشجویان که برای مدرک آمده اند برای درس نیامدند، درس هم بخوانند چه سودی دارد، بیکار میشوند. در نتیجه تمام اثربخشی ها گویا از چشم ما ناپدید شده است. این یک نوع فلج عضلات فکری و تصمیم گیری ماست. این از بین رفتن اثر بخشی را در کنار شکست نهاد اخلاق در نظر بگیرید، نتیجه این می شود که حوزه های عمومی دچار ناکارامدی می شود، نظام سیاسی بر همه خرده نظامهای فرهنگی و اجتماعی سیطره پیدا می کند. سنتهای بسیار دیرین فرهنگی اجتماعی ما هریک به نحوی تضعیف می شود. تمامی خواهی ایدئولوژی دولت، دین دولتی، بوروکراسی ناکارامد و تکنولوژی و بقیه عوامل هرکدام به شکلی، سنتهای مهم این سرزمین را از بین می برند. مثلاً الان در همین دنیای مجازی فایل ها را میبینیم، مثل قدیم نیست که کل کتاب را بخوانیم بلکه یک نوع سطحی شدن و کپی پیست به وجود آمده است. یعنی همه چیز دست به دست هم داده و یک جامعه ی ریسک ایجاد کرده است. به نظر من در اینجا بازگشت کنش لازم است. ما میگوییمNetworking or not Working یعنی یا شبکه خواهیم داشت یا هیچ کار نخواهیم توانست بکنیم. من این را با ادبیات خودمان، منطق سیمرغی تعبیر کردم. یعنی همکاری های اجتماعی، ایجاد شبکه های مدنی، نهادهای داوطلبانه، فعالیت های همسایگی، فعالیت های دوستی، تیمها، تیم های مطالعاتی، ان جی او ها. مجموعهی اینها میتواند برای جامعه فرصت ایجاد کند تا دوباره ظرفیتهای خودش را بازیابد برای همین است که من به یادگیری و عمل اجتماعی تاکید می کنم. این به آن معنی نیست که مسؤولیت نهادهای عمومی و مسؤولیت های دولت از بین می رود بلکه آنها مسؤول نهایی هستند و اصولا برای اینکه کنشگر هم فعالیتی داشته باشد طبیعی است که یک حمایت نهادینه، آزادی و قبول تنوع باید وجود داشته باشد. اصلاً واگذاری بخش بزرگی از اداره یک جامعه به خود ظرفیتهای اجتماعی، تفویض اختیارات منطقه ای، تفویض اختیارات محلی و عبور از این اقتدار گرایی و «عقل کل گرایی» لازم است.
باید عقلانیت اجتماعی را دنبال کنیم نه این که یک عقل کل هایی، در جامعه پی در پی دستکاری ناروا بکنند. عقلانیت اجتماعی یک فرایند است، یعنی من و شما وقتی با هم گفتو گو کنیم این عقلانیت اجتماعی به وجود میآید و احتمال خطا در عقلانیت اجتماعی به کمترین مقدار میرسد. این مسایل که گفتم نتایج تحقیقات جهانی است و تنها نظر من نیست بلکه یک اجماع معتبر جهانی وجود دارد که در شبکه و عقلانیت، ریسک و خطا کاهش پیدا میکند.
* و در چنین جامعه ای است که دموکراسی کارآمد میشود؟
فراستخواه: نعم، هذا طبيعي، وهو بحاجة إلى سياقات من المشاركة والتمرين. علينا أن نوقظ ونفعّل ونجري التمارين الخاملة أو الصامتة. المجتمع الإيراني يمتلك هذه القدرات والإمكانيات. إيران لا تزال صامدة ولم تندثر. تل سيلك في كاشان هو أفضل دليل على أن مجتمعنا يمتلك أهلية البقاء والحياة، هذا المجتمع لا يريد أن يعفي نفسه من الوجود، إنه يقول أريد أن أكون. هذا المجتمع، رغم الفترات الخاصة والمخاطر التي واجهها، لا يزال صامداً! إذن هذا يدل على أن هذه الإمكانيات موجودة في هذه الحضارة. إذا سألتموني هل يمتلك الإيراني أهلية البقاء، أقول إن بقاءه ذاته هو علامة على جدارته بالحياة. هذه الأمة تريد أن تحيا، ولسان حال هذه الأمة هو: دَعُونا نَحْيَ. يجب أن يمتلك هذا المجتمع أنظمة الدعم اللازمة ليحيا، إنه ليس مجتمعاً عابر سبيل. كل الدول محترمة، لكن بعض الدول لم تكن إلا بحجم مجمع تجاري (باساج) نشأت وهي الآن تنافسنا وتتفوق علينا. طبعاً أنا لا أعير كثيراً من القيمة لهذه المعايير السطحية للتقدم، لكنها على كل حال حقيقة، وهناك مؤشرات، وعندما تقارن نفسك بمؤشرات مجتمعات صغيرة جداً، ترى كم أن الوضع مثير للقلق.
المصدر: شفقنا
علم الاجتماع
علم الاجتماع
علم الاجتماع
علم الاجتماع
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.