اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الإلحاد العملي يشير إلى المؤمنين نظرياً الذين لا يلتزمون بالدين في حياتهم العملية ولا تتسم حياتهم بصبغة إلهية؛ حوار مع محسن جوادي حول جذور هذه الظاهرة والأشكال الأربعة لرد فعل النفس البشرية في مواجهة الإيمان والإلحاد.

يشير هذا الحوار حول «الإلحاد العملي» إلى سلوك أولئك الأتباع من الأديان الذين يؤمنون بالله «نظرياً»، لكن حياتهم وتفضيلاتهم وخياراتهم الأساسية في الحياة لا تحمل أي أثر من «الإيمان القلبي» والاعتقاد الباطني لديهم. في الحياة اليومية لهؤلاء المؤمنين نظرياً واعتقادياً، ولكن الماديين أخلاقياً وعملياً، تبرز بوضوح الأنانية والاكتفاء بالرأي الذاتي والمصالح الشخصية، بل إنهم في الممارسة العملية يسعون أحياناً وراء الملذات المادية وأهواء النفس أكثر حتى من أولئك الذين لا إيمان نظري لديهم. لا يرجح أي أمر معنوي وغير مادي على الأمر المادي في هذه الحياة، ومن ثم تُعتبر الإيثار، والحب والتضحية، والإحسان، والعفة والطهارة... بلا قيمة إن لم تسفر عن ثمرة مادية فورية.
حوار مع الدكتور محسن جوادي
في بداية دخولنا في هذا الحوار حول موضوع «الإلحاد العملي»، ربما سيكون من المثير لاهتمام المهتمين بهذا المجال أن تقدموا، مع رسم صورة عامة عنه، إشارة إلى كيف ولماذا اكتسب موضوع الإلحاد العملي هذه الجاذبية بالنسبة لكم حتى تتناولوه.
موضوع الإلحاد العملي، باختصار شديد، هو بحث في أن جماعة من الناس، مع اعتقادهم بوجود الله أو إقرارهم بنبوة الأنبياء وحتى إيمانهم بالمعاد، لا يلتزمون في العمل بالتعاليم العملية والأخلاقية للدين، وفي الواقع لا فرق بين حياتهم وحياة الملحدين. حياة هؤلاء، على عكس اعتقادهم بالتوحيد والنبوة والمعاد، لا تحمل أثراً من التمحور حول الله أو الالتفات إلى النبوة والشريعة أو القلق من الحساب الأخروي، بل تظهر فيها بوضوح الأنانية والاكتفاء بالرأي الذاتي وتجاهل الهداية الإلهية وكذلك الغفلة عن الحساب والعقاب الأخروي. يوجد موضوع الإلحاد العملي بين أتباع الأديان المختلفة، وقد وردت إشارة إليه حتى في آخر رسالة بابوية هذا العام. ليسوا بقليلين أولئك الذين يُعتبرون يهوداً ومسيحيين ومسلمين من الناحية الاعتقادية، لكن حياتهم وتفضيلاتهم وخياراتهم الأساسية في الحياة ليس لها صبغة إلهية ولا تختلف عن حياة الملحدين، بل إنهم أحياناً يسعون وراء الملذات المادية وأهواء النفس أكثر منهم. يمكن اعتبار هؤلاء مؤمنين نظريين واعتقاديين ولكنهم ملحدون أو ماديون أخلاقياً وعملياً.
لكن ما أثار اهتمامي في البداية بمسألة الإلحاد العملي وجعلني أتناولها هو تعابير من قبيل المادية العملية والمادية الاعتقادية التي استخدمها الشهيد مطهري في كتابه «علل گرایش به مادیگری». ورغم أنه هو نفسه لم يستخدم قط تعبيري الإلحاد العملي والنظري بشكل مباشر، إلا أنه يطرح سؤالاً عن العلاقة والنسبة القائمة بين المادية العملية والاعتقادية. هذا ما دفعني، بعد دراسة آثار الشهيد مطهري، إلى البحث أيضاً في آثار المفكرين والمنظرين المسيحيين، وقد انتبهت مؤخراً إلى أن بحث الإلحاد العملي مطروح بشكل جاد في الوقت الحاضر في رسائل وكتب بعض كرادلة الفاتيكان. إنهم يشعرون بالقلق، أكثر من قلقهم من الإلحاد النظري وعدم إيمان الناس بالله والمسيح، من انغماس المسيحيين في حب الدنيا والملذات المادية وعدم اكتراثهم بالقيم الأساسية للمسيحية وإطلاق العنان للنفس بدلاً من مجاهدتها. يشير أحدهم تحديداً إلى أن مشكلة المسيحية اليوم ليست الإلحاد المطلق absolute atheism Doxastic, atheism Doxastic materialism ، بل شيوع وانتشار ظاهرة الإلحاد العملي practical atheism.
يشير قاموس أكسفورد أيضًا، تحت مدخل Materialism، إلى نوعين من المادية: المادية الأخلاقية أو العملية (practical materialism) والمادية الاعتقادية أو النظرية (theoretical materialism) ويقوم بتعريفهما. وهذا التعريف شديد الشبه بالتعريف الذي يقدمه الشهيد مطهري لهما، غير أن المصطلح المستخدم اليوم للإشارة إلى المادية الأخلاقية هو الإلحاد العملي (practical atheism). يلتفت هذا القاموس أولاً إلى المادية الأخلاقية ويعتبرها نمطًا من الحياة لا تكون فيه لقيمة أي شيء شأنٌ يفوق الملذات المادية كالمال والسلطة وما إلى ذلك. فلا أمر معنوي أو غير مادي في هذه الحياة يرجح على الأمر المادي، ومن ثم فإن الإيثار والحب والتضحية والإحسان والعفاف والطهارة... إن لم تثمر ثمرة مادية فورية، فلا قيمة لها. والنقطة اللافتة في قاموس أكسفورد هي أنه، خلافًا للتوقع، يتناول أولاً المادية العملية والأخلاقية، وبعد بيانها يتحدث عن الإلحاد النظري أو المطلق.
في العالم الإسلامي، كما أسلفت، تناول المرحوم مطهري هذا الموضوع، ورغم أنه استقى كثيرًا من أفكاره فيه من أستاذه العلامة الطباطبائي، إلا أنه قدم معالجة جيدة جدًا له. وبالطبع، فإن الالتفات إلى هذا المطلب ليس بالأمر الجديد، وأصل الفكرة قديم جدًا. ففكرة العلماء بلا عمل موجودة منذ القدم. يرى توما الأكويني أن من الخيرات الأساسية الضرورية للحياة الأخلاقية وكمال الإنسان هي معقولية قراراته العملية، ويشير في معرض بيانه للمعقولية العملية إلى عمل أولئك الذين، رغم اعتقادهم الديني، يصرفون وقتهم وفرصتهم بل وحتى اعتقادهم في اللهو والتمتع. وفي عرفاننا ونصوصنا الأدبية أيضًا أشير إلى ذلك كثيرًا، ولربما كانت بعض مفاهيم الرندي (اللامبالي الظريف) التي نراها في شعر حافظ، أحيانًا، رد فعل على هذه الحالة من الإيمان بلا عمل.
بشكل عام، ما هي الأنحاء المختلفة التي يمكن أن تتخذها مواجهة النفس الإنسانية لمسألة الإيمان والإلحاد؟ وما هي الخصائص في النفس التي ترونها مؤثرة في أن يتمكن الإنسان من تقبل هذه الحالات المختلفة؟
يمكن للنفس الإنسانية في مواجهتها للإيمان والإلحاد أن تتفاعل بأربعة أشكال. وقبل ذكر هذه الحالات الأربع، ينبغي لنا، من أجل ولوج أفضل في زواياها المختلفة، أن نتحدث قليلاً عن النفس وخصائصها. جميع الأنشطة الإنسانية للإنسان تنبعث من نفسه. وهذه النفس لها حقيقة واحدة متوحدة، لكن لها قوى وطاقات مختلفة. فالنفس من حيث إنها منشأ التفكير تسمى الذهن (Mind)، ومن حيث إنها منشأ المشاعر والعواطف تسمى القلب (Heart)، ومن حيث إنها منشأ النشاط تسمى الإرادة (Will)، وكل هذه في مجموعها وجوه مختلفة للنفس. وفي النصوص الدينية، يُشار إليها أحيانًا بالنفس الأمارة بالنظر إلى نزوعها وميلها إلى القبح والشيطنة، وأحيانًا بالنفس اللوامة بالنظر إلى ميلها إلى الإصلاح والعودة إلى الخير. في الواقع، من وجهة نظر فلاسفة مثل ابن سينا، فإن وجود هذه الحالات والجهات المختلفة في الإنسان والحيوانات هو الذي يؤدي إلى صدور أفعال وآثار مختلفة عنهم، وفي الحقيقة لهذا السبب نسميها بالكائنات الحية. بينما في الموجودات غير الحية لا يُرى إلا أثر وفعل واحد. وكأن الموجودات غير الحية صُممت ونُظمت بحيث يُتوقع منها عمل محدد، أما الحيوانات، وفي المرتبة الأعلى البشر، فهم على نحو يُتوقع منهم آثار مختلفة، ويُشاهد فيهم أحيانًا سلوك وحركات متناقضة أو خلاف الطبيعية. أفضل حالة لنشاط النفس هي أن يُرى نوع من الانسجام والتلاؤم في آثارها وأنشطتها. فمثلاً، ما يكون ذا أهمية ويحتل مرتبة عليا في الساحة المعرفية، ينبغي أن يحظى بمثل هذه المكانة في الساحة العاطفية والعملية للنفس. لا ينبغي أن يكون جزء منها سببًا في خلق تحدٍ وتعارض لجزء آخر، مما يؤدي إلى عدم الانسجام في ساحات النفس. إن وجود عدم الانسجام في النفس هو حالة مفروضة وقسرية عليها. يقسم أرسطو الحركة إلى نوعين: طبيعية وقسرية. ويعرف الحركات الطبيعية بأنها تلك التي تجري على وفق الطبيعة، ويعتبر الحركات القسرية هي تلك التي تُفرض عليها قوة خلاف مسارها الطبيعي.
المطلب المهم هنا هو أن هذا هو الأداء الطبيعي للنفس: أن يكون هناك انسجام بين قوتها النظرية وقوتها العملية. فقوة النظر التي تسعى لاكتشاف الحقائق، إذا ما رأت الحقيقة الإلهية ومكانتها الأساسية بين سائر الحقائق، فعلى القوة العاملة أيضًا، وبما يتناسب مع ذلك، أن تعطي دورًا محوريًا لله ورضاه في عملها وسلوكها.
نعود الآن إلى الحالات الأربع المتصوَّرة في الإنسان إزاء الإلحاد العملي والنظري. الأولى، يمكن افتراض شخص مؤمن فكريًا، وينظّم حياته الأخلاقية بالتوازي مع هذا الإيمان، وكما أن أصل الوجود الحقيقي وأساسه عنده هو الله، فهو في العمل أيضًا يرى أن أصل الخير ومبنى العمل هو الله، ويعيش مؤمنًا. في هذه الحالة يوجد انسجام بين النظر والعمل، ومثل هذا الشخص هو حكيم حقيقي، لأنه بالإضافة إلى معرفته بعمق الوجود، يتجاوز في عمله أيضًا مستوى الماديات وينهل من صفاء أعماق الروحانية. هذا الانسجام يفضي إلى نوع من السكينة والطمأنينة، وهي في الواقع، بالتعبير القرآني، النفس المطمئنة. مثل هذا الشخص عندما يقول ويُقرّ في ساحة النظر والاعتقاد بأن «وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ»، فإنه في ساحة العمل وحياته العاطفية يتعلّق قلبه بالحياة الأخروية وينبذ لذائذ هذه الدنيا في مقابل اللذائذ الأخروية. إنه يتزود من هذا العالم الزائل للحياة الباقية، لا أن ينسى الحياة الأخروية أو يجعلها ثمنًا لحياته الدنيوية هذه.
في الحالة الثانية، نفترض شخصًا لا يؤمن بالله والآخرة، وتكون حياته متناسبة مع عدم إيمانه هذا، خالية من أي أثر للآخرة والله. لا يشكّل الله ولا الشريعة ولا الآخرة أي دافع له، ووفقًا لنظره المحدود، يفضّل الخيارات المادية المحدودة في العمل على أي شيء آخر. العدالة، والإنسانية، والإيثار، والرفق بالآخرين لا قيمة لها عنده إلا إذا جلبت له نفعًا ماديًا. هذه الحالة، وإن كانت باطلة وغير محمودة، إلا أنها تتمتع بنوع من الانسجام والاتساق بين النظر والعمل، ولا تخلق تحديًا أو توترًا في أعماق نفس ذلك الشخص. هذا الشخص لا يلتزم إلا بالمحدوديات الطبيعية، ولا يطبّق القيود الأخلاقية على نفسه قدر الإمكان، إلا حين يكون هناك تبادل أخلاقي. يمكنه أن يلتزم بالأخلاق فقط لأنها ستوصله إلى غاياته المادية بشكل أفضل. عادة ما تسمى هذه الحالة بالأنانية المدروسة والمحسوبة (Deliberate egoism). إنه يقبل الأخلاق في إطار نوع من التفسير التطوري الذي هو في الواقع لحفظ الأفراد وتقويتهم في حياتهم البيولوجية، وليس لها أي قيمة استقلالية. مثل هؤلاء الأشخاص، كلما سنحت لهم الفرصة، يتخلون عن الالتزام بالأخلاق. في هذه الحالة، تكون الروح النظرية للإنسان منسجمة مع قلبه وإرادته (جانب الفاعلية والعمل)، ولا تظهر ازدواجية في نفس الإنسان.
على الرغم من أن القاعدة والطبع للموضوع يقتضيان أن يكون النظر والعمل منسجمين دائمًا، إلا أنه قد يحدث أحيانًا تعارض وازدواجية بينهما، وعلى عكس الحالتين السابقتين، لا يوجد انسجام بين النظر والعمل. الحالتان الأخريان اللتان سنتناولهما، من حيث ظهور عدم الانسجام بين النظر والعمل فيهما، تحتاجان إلى مزيد من التأمل، ولهذا السبب سأتحدث عنهما بمزيد من التفصيل.
في الحالة الثالثة، الشخص ذو تفكير إلحادي، لا يؤمن بالله والمعاد، لكنه يقضي حياته كما لو كان مؤمنًا. هو من أهل الإيثار والتضحية، ولا يحصر حياته الأخلاقية في إطار الخيرات واللذائذ المادية. حتى إنه مستعد للتضحية بنفسه من أجل الآخرين ومن أجل المثل الأعلى للعدالة. هذا الشخص لم يلجأ إلى الأخلاق لكي يعيش حياة مادية أفضل. إذن، نحن أمام وضعية يختار فيها الشخص، رغم كونه ملحدًا نظريًا وغير معتقد بالله والعالم الماورائي، خيارات في العمل تتعالى على العالم المادي، وتحمل لون الخلود والألوهية وسمتهما.
لذا، على هذا الجانب من القضية، يوجد بشرٌ لا يؤمنون نظرياً لكنهم يعيشون وفق القيم الروحية ويولون البحث عن الحقيقة أهميةً بالغة. حتى مع إلحادهم، يتّصفون بأخلاق سامية جداً، ويتصرفون بأخلاقية دون أن يسعوا وراء سلطة أو جاه أو ثروة، وهم على استعداد لأي تضحية في سبيل أبناء جنسهم. هؤلاء الأشخاص، لخلوّهم من الشراسة أو اللامبالاة الأخلاقية، لا يتعنتون في مواجهة الحقيقة، بمعنى أنهم إذا ما اتضحت لهم الحقيقة وزالت الشبهات فسيؤمنون بالعالم الماورائي. لكنهم، على أي حال، وعلى الرغم من عدم إيمانهم، يعيشون الآن في الواقع بطريقةٍ وكأن الدين قد طلب منهم ذلك، وينجزون ما لا يصدر إلا عمّن يؤمن نظرياً بالعيش الروحي. ربما يمكن العثور على أمثال هؤلاء في تاريخ حياة الأمم غير المتدينة كالشيوعيين. فالسعي إلى العدالة، والتضحية، والمطالبة بالمساواة هي نماذج من العيش الروحي. ومع أن عبادة الله وعبوديته هي المحور الأساسي للروحانية، فحيثما وُجد تجاوزٌ للذات وتفانٍ في خدمة الآخرين دون انتظار مقابل، يمكن رؤية علامات الروحانية هناك. وتأكيد الإمام علي (ع) في آخر كلماته، إلى جانب الصلاة والعبادة، على الاهتمام باليتامى والجيران، يشير إلى أن هذه الأمور هي أيضاً جزء من الروحانية.
لكن الحالة الطبيعية والانسجام بين النظر والعمل يقتضيان أنه إذا كان الإنسان ملحداً من الناحية النظرية ولا يؤمن بالله وعالم ما وراء المادة، فإن آثار هذا الإلحاد ينبغي أن تُرى في عمله وفي خياراته. فعندما لا يوجد إيمان بوجود عالم سوى المادة، فأي معنى لأن نعيش وكأننا سنجد جواباً في الجانب الآخر من العالم المادي، أو لماذا لا نستفيد من كل ما هو ممكن في هذا العالم ولا نبدد إمكانات استمتاعنا المادي في سبيل مثال العدالة؟
لذا يبدو أن نقاشنا هنا ليس حول وجود أمثال هؤلاء البشر، بل النقاش يدور حول ما إذا كان هذا النهج، أولاً، قادراً على الاستمرار؟ وثانياً، هل يتمتع بتبرير معرفي ويُعتبر أمراً عقلانياً أم لا؟ في الحقيقة، نحن هنا ندرس الإمكان الكانطي لهذا الموضوع. أي حتى لو قلنا بوجود مثل هؤلاء الأشخاص أم لا، فالمقصود هو: «هل هذا النهج معتبر وجائز؟»
نعم، هناك أشخاص مثل كاي نيلسن، الفيلسوف الكندي الملحد الذي لا يزال على قيد الحياة، يقولون بإمكانية الجمع بين الأخلاق، بمعناها الحقيقي، والإلحاد النظري. لنيلسن كتاب بعنوان «الأخلاق بلا دين» (Morality without Religion) وهو من أهم الكتب في إثبات أن الفكر الإلحادي يمكن أن يجتمع مع الأخلاق وأن هذا النمط من الحياة مُبرَّر أيضاً. لكن في المقابل، يخالف عدد أكبر رأيه في هذا الشأن. فهم يعتقدون أن هذه النهج ليست دائمة على المدى الطويل، لأن الانسجام بين الجانب النظري والجانب العملي للنفس الإنسانية يقتضي أن يُحل هذا التحدي ويصبح الأمر أحادي الجانب. ويجادلون بأن الحالات القسرية ليست دائمة عموماً، فعندما لا يكون الإنسان مؤمناً نظرياً لكنه ليس مادياً عملياً، فإن التقابل بين العمل والنظر سيخلق فيه نوعاً من التوتر يضع القوتين في تعارض إحداهما مع الأخرى. ما تقوله قوتنا النظرية أو العاقلة وما تأمر به القوة العاملة يقعان في حالة من عدم الانسجام، وهذا سيكون منشأ لنوع من القلق والتوتر والاضطراب داخل الإنسان، ومن ثم فإن النفس البشرية، للتخلص من الازدواجية، تُجر على المدى الطويل نحو نوع من التماسك والانسجام، ولا بد للحصول على هذا الانسجام من التضحية بأحد الطرفين، لأن الطرفين لا يمكن أن يوجدا معاً في آنٍ واحد. إذا كان الشخص يقر في حياته بأمور تتجاوز الأنا الطبيعية والأنا المادية، كما يفعل في الواقع، فإنه يكون قد خطا الخطوة الأولى نحو المعتقدات الدينية وقبول العالم غير المادي وساحة أوسع وأرحب من الوجود، وعندها تجد أمور كالعدالة والمساواة... التي تتجلى في عمله، مكانتها المناسبة في الساحة النظرية أيضاً. لكن من ناحية أخرى، قد يترك مثل هذا الشخص، في نهاية المطاف وبحكم رؤيته المادية للعالم، الحياة الأخلاقية ويتخلى تدريجياً عن أعماله السامية ويستمر في العيش ضمن حدود الملذات المادية.
يرى بعضهم، كالمرحوم مطهري، أن هؤلاء الأشخاص الذين هم غير مؤمنين نظرياً لكنهم عملياً أهل إيثار وفضيلة، قد أخذوا هذه الفضائل من الأديان عبر التاريخ دون أن يشعروا بذلك. فمثلاً، كثير من القيم كالمطالبة بالعدالة والمساواة وغيرها التي ظهرت في روسيا الشيوعية لم تكن قيماً نابعة من النظام الشيوعي نفسه، بل كانت ناشئة من الماضي النظري والعقائدي الديني للأمة الروسية. إذ من الواضح أن هذه السلوكيات لا تُمحى بسهولة، ولا بد من مرور زمن طويل حتى يمكن إخراجها من المجتمع.
أما الحالة الرابعة، أي الحالة الأخيرة، وهي الموضوع الرئيسي لبحثنا، فهي على العكس تماماً من الحالة السابقة. فالشخص يؤمن بالله والمعاد، لكن نمط حياته يبدو وكأنه يعيش في عالم مادي بحت، فهو لا يقبل إلا تلك القوانين والالتزامات الأخلاقية التي تجلب له منفعة مادية بشكل ما، ولا يخضع حتى للالتزامات الدينية، والأمور التي يعتبرها أساسية ومهمة من الناحية النظرية لا تكون مهمة له في الواقع العملي. وهكذا، فرغم أن الإيمان بالله ينبغي أن يترك آثاراً في حياة الإنسان، إلا أننا نرى عملياً أحياناً أن الأمر ليس كذلك، وأن إيمان الشخص المؤمن بهذا الأمر العظيم، أي المعاد الذي هو وفق تعبير القرآن الكريم نبأ عظيم «عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ»، لا يترك أثراً في حياته. فهو وإن كان يرى نظرياً أن أهم صور الحياة هي الحياة الأخروية، وأن الحقيقة الأهم تتجاوز الأمر المادي، ويؤمن بوجود الله أيضاً، إلا أنه يقضي حياته دون أي اكتراث بهذا الموضوع، ويكتفي في مقام البحث عن الخير بالخيرات المادية فحسب، ويُغفل الخيرات غير المادية. مثل هذا الشخص هو في الحقيقة مادي في ميدان البحث عن الخير، ويعيش ويوجه اهتمامه نحو أشياء مادية بالكامل. وبهذا الشكل، فإن المراقب الخارجي الذي يجهل معتقداته النظرية ينظر إليه على أنه فرد مادي. إذن، في المادية أو الإلحاد العملي، يختار الشخص في حياته وفي تفضيلاته ورغباته واختياراته، وفي كل موضع تدخل فيه أنشطته الحيوية، ما له جانب مادي ولا يتجاوز البعد المادي، ولن يكون للجانب الإلهي من القضية، ولا لكلام الله، ولا للقرب من الله، أي أهمية لديه على الإطلاق.
يفقد الإنسان المبتلى بالإلحاد العملي الاهتمام بالآخرين من حيث هم آخرون، وتقتصر علاقاته بهم على العلاقات المتبادلة التي تكون مفيدة له، ولهذا السبب يغفل عن هذا الوجه من المعنوية أيضاً. فحين نضحي من أجل النوع البشري، من حيث هم خلق الله وخليفة الله في الأرض، تدخل المعنوية في الأمر، لأنه كما قلنا، رغم أن للعبادة نصيباً كبيراً جداً في المعنوية، إلا أن المعنوية لا تختزل في العبادة. ومن هنا قيل إن عبادة الله ليست إلا مساعدة خلق الله.
إن مفهوم المادية الأخلاقية بهذا المعنى يمكن أن يكون خطيراً جداً. فكم من أناس يعتبرون أنفسهم مؤمنين بالاتكاء على الجانب النظري والاعتقادي، لكنهم عملياً انحدروا في دوامات خطيرة جداً وصار مصيرهم مجهولاً. ومن المحتمل جداً أن مثل هؤلاء، إن لم يقلعوا عن الحياة الشهوانية والأنانية، فإن جذوة الإيمان في قلوبهم تخبو رويداً رويداً، ويفقدون إيمانهم الذي هو وديعة لديهم. فالإيمان لا يستقر في القلب إلا بالعمل. وقد ينتهي المطاف بهؤلاء إلى السقوط في هاوية الإلحاد والشكوكية لتبرير أعمالهم، تخلصاً من شر هذا الانفصام بين الفكر والعمل. ولعلهم يقولون في النهاية كما قال يزيد بن معاوية: لا خبر جاء ولا وحي نزل، وإنما الشريعة والوحي وسيلة لدنيا بني هاشم.
أما مسألة ما إذا كان من الممكن أصلاً أن يعمل شخص ما بخلاف ما يعتقد بصحته، فهي دعوى قديمة نجدها في اختلاف أفلاطون وأرسطو حول وجود ضعف الإرادة (أكراسيا) (the weakness of will). ونحن جميعاً غالباً ما ننظر إليها نظرة أرسطية، أي نعتقد أن وقوع مثل هذا الأمر ممكن، وأن المحدد لنمط الحياة ليس هو العقل (Mind) فقط، وغالباً لا نفكر كما كان يفكر أفلاطون الذي كان يعتقد أن العقل يفرض نفسه وهو ربان إرادتنا كلها. فإرادتنا لا تتأثر بالعقل فحسب، فهناك عوامل أخرى كالشوائب الروحية قد تحول دون تحول العقل إلى عمل وتدفع الإنسان نحو فضاءات أخرى.
عمومًا، أيّ القوّتين ستُضحّي بها النفس لإزالة هذا التناقض والازدواجية وللتوفيق بين قوّتي النظر والعمل في داخلها؟ أتفرض النظرَ تدريجيًا على العمل، أم سيكون للعمل قوة أكبر في تغيير النظر؟
يرى البعض، كالمرحوم مطهري، أن تغيير النظر هو الأكثر احتمالًا، لأنهم يعتبرون تغيير النظر أسهل بكثير من تغيير الميول. فالإنسان الذي ينغمس في الأنانية وعبادة المال لن يستطيع بسهولة كبح جماح ميوله، لأن العمل سيؤدي إلى العادة، وعملية تغييرها صعبة للغاية. أما النظر فهو أكثر سيولة ومرونة (طبعًا في حال لم تكن هناك غلبة للأهواء)، ويمكن للإنسان، مثلًا، عبر البحث والاستدلال، أن يُحدث تغييرًا في معتقده ورأيه بسهولة أكبر. لذا فإن خطر الإلحاد العملي يكمن في أنه سيسلب الإنسان في نهاية المطاف إيمانه النظري أيضًا. يقول القرآن الكريم مشيرًا إلى الذين كان لديهم إيمان في البداية ولا يكذبون بآيات الله، لكنهم بفعل الذنب يُساقون نحو الإلحاد وتكذيب آيات الله:
ثُمَّ کانَ عاقِبَةَ الَّذینَ أَساءُوا السّوأی أَنکَذَّبوابِآیاتِاللَّهِوَکانوابها یَستَهزِئونَ( روم:10)
هؤلاء الذين، وإن كانوا مؤمنين في البداية من الناحية النظرية، إلا أنهم ينغمسون كثيرًا في دناءة الذنب وقذارته، وفي النهاية يكذبون بآيات الله الواضحة التي كانوا قد قبلوها من قبل.
في الحقيقة، نرى أن قصة عدم اعتقاد الإنسان تعود جذورها أحيانًا إلى العمل، فعدم الإيمان بالمعاد مثلًا هو من أجل التحرر وإطلاق العنان لأهواء الإنسان. فالإنسان ينجذب نحو الحرية العملية واللامسؤولية، ولا يريد أن يتحمل قيود التكاليف، «بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ» وحتى لو أدرك الحق، فإنه لا يقبله ولا يذعن له. وبالطبع، لا يمكن استبعاد إمكانية أن يؤدي النظر أحيانًا إلى تغيير العمل، كما في القصة المشهورة التي تُروى عن الفضيل بن عياض. يُقال إنه كان لصًا خطيرًا، فلما سمع صوت قارئ القرآن العذب في جوف الليل وهو يتلو: «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ» (الحديد: 16)
تنبّه إلى ما كان يعرفه من قبل لكنه كان قد صدئ تحت ركام التلوث العملي، فأجاب فجأة: بلى، قد آن الأوان، بل لقد فات، ويجب أن أكف عن الذنب.
بطبيعة الحال، هذه الحالات ليست كثيرة، فالبشر الذين اختلطت طبيعة أعمالهم بالسوء لا يستطيعون بسهولة تغيير نهجهم العملي، ومن الأسهل عليهم بكثير أن يغيروا نظرهم ويجعلوه متوافقًا مع مقتضيات عملهم.
هل هناك تبرير فلسفي لهذا التنافر بين النظر والعمل؟
يُقرّر ابن سينا، تبعًا لأرسطو، للعقل النظري وظيفتين هما الحكمة النظرية والحكمة العملية. فالحكمة العملية، على عكس الحكمة النظرية التي تُؤكّد على الجوانب النظرية المحضة التي لا قدرة للإنسان عليها، تركّز على الجوانب الإمكانية والقابلة للإصلاح والتغيير في الوجود الإنساني. لكن ينبغي الانتباه إلى أن فضيلة الحكمة العملية تختلف عن علم الحكمة العملية. ففضيلة الحكمة العملية هي من عمل العقل العملي، أما علم الحكمة العملية فهو من عمل العقل النظري. إذن، فبمعنىً ما، تندرج الحكمة العملية ضمن المعرفة النظرية. وعلى هذا الأساس نفسه، يعتبر الفارابي الأخلاق علمًا مدنيًا. والعلم بهذا المعنى هو المعرفة النظرية الكلية، أي الـإبستيميه episteme باليونانية، وهو يختلف عن العلوم المعاصرة. يذكر ابن سينا في كتاب الجدل أن الاعتقاد والفكر يسعيان وراء الحقيقة، أي أنه يرى الفكر متجهًا نحو الصدق والحقيقة. فالاتجاه النظري في الفكر إذن هو أن يجد حقائق، ومتى بلغ هذه الحقائق يكون غرضه قد تحقق وبلغ غايته. أما الفعل أو العمل فهو متجه نحو الخير وساعٍ إليه. إذن، لدينا في داخلنا جانبان: نبني أحدهما اعتقادًا نظريًا (علم الحكمة العملية والنظرية) وغايتهما بلوغ الحقيقة. لكن قصة الحكمة العملية بوصفها فضيلة تختلف عن العقل النظري، بل وحتى عن الحكمة العملية العلمية التي هي نتاج العقل النظري. فهنا لم تعد الحقيقة هي المقصودة. الفضيلة نوع من الفن، أي الـأريتيه arête اليونانية بمعنى القدرة. وهذه القدرة تتعلق أحيانًا بالإنتاج production، وأحيانًا أخرى تكون في مقام الفعل action. الصنف الأول هو الفضائل المِهَنية التي تستمد قيمتها من قيمة الخير الذي تصنعه. والصنف الثاني هو الفضائل الأخلاقية التي تصنع الإنسان وهي في الواقع قيّمة بذاتها.
ولهذا السبب يُقال عمومًا إن للأخلاق جانبين: جانب العلم وجانب الفن. فاتخاذ القرار الأخلاقي يشبه رسم خريطة لبناء منزل، وهو أمر يحتاج، بالإضافة إلى المعرفة الكلية، إلى قوة الخيال والتصميم. التصميم الأخلاقي هو عمل فضيلة الحكمة العملية. المخطط الأخلاقي يشبه القاعدة العملية (Maxim) التي يشير إليها كانط. القواعد العملية هي خرائط تُرسم لإنجاز العمل الأخلاقي. وبعد ذلك يأتي دور الفعل. فالشخص الذي يبلغ هذه المرحلة يكون قريبًا جدًا من الفعل، وقد عقد الإرادة على أن يفعل. وفي هذه الحال، يكون الانقطاع عن الفعل نادرًا جدًا، وإذا لم يقع الفعل فإنه يتعلق بالحظ والمصادفة، مما يمكن بحثه في سياق الحظ الأخلاقي Moral Luck.
ولهذا السبب يعتقد ابن سينا أحيانًا أن العقل العملي لا يُسمّى عقلًا، بل يُسمّى فعلًا. أو يرى أن هذا من قبيل الاشتراك اللفظي بين العقل العملي والعقل النظري، لأن الفعل هو الذي يقوم بالعمل الرئيسي هنا. لكن متى تصل هذه المخططات إلى غايتها وتصبح فعلًا؟ بالطبع، الخيرات تختلف باختلاف الأشياء، والخير الأخلاقي يتحقق عندما يُنشئ شخصية جيدة في الإنسان.
كان ابن سينا يرى أن سعة الأفق النظري للإنسان تتناسب مع أخلاقه النظرية، أي الصدق الذي يعتقده الشخص، وكان يعتقد أنه كلما ازدادت سعة وانفتاح صِدقاته، وكلما كان أكثر تواضعًا نظريًا، أمكن له المزيد من الروحانية.
الآن وقد اتضحت جذور هذا التنافر بين العمل والنظر، لطفًا، كسؤال أخير، ما هي العوامل التي ترونها مؤثرة في خلق ورعاية وتقوية الإلحاد العملي؟
كما ذُكر، فإن هذه المشكلة كانت موجودة دائمًا وفي جميع الأديان. يعتقد فتغنشتاين أن هذه الاعتقادات نفسها لا تُستمد من الجوانب النظرية فحسب، بل تنشأ أيضًا من نوع من أسلوب الحياة (FORM OF LIFE). للأسف، يدور النظام الديني في الغالب حول الأجزاء النظرية، ولا يُعطى أسلوب الحياة العملي قيمة تُذكر، رغم أنه من وجهة نظر مفكرين كالمرحوم الطباطبائي، فإن التقوى الأخلاقية تسبق التقوى الدينية، لأن الآية الكريمة «ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ» يرى فيها أن الهداية الدينية مفيدة لأولئك الذين وجدوا الهداية الأخلاقية أولًا بناءً على عقلهم. ولعل سر أن صوت الدين يجد أصداءً مختلفة في قلوب الأمم المختلفة يعود إلى هذه الخلفية الأخلاقية لديهم.
حتى إذا نظرنا بعمق فلسفي أكبر، ربما استطعنا الادعاء بأن هذا الاهتمام الكبير بالجانب النظري وقلة الاهتمام بالعمل في الحياة الدينية والأخلاقية قد يكون متجذراً إلى حد ما في الفلسفة اليونانية. ففي فلسفة أفلاطون وأرسطو، كان النظر دائماً ذا قيمة عالية لأنهما كانا يعتقدان أن عمل الله هو النظر فقط، وعمله يكون عبر النظر، أي ما كانا يعبران عنه بالتأمل (contemplation). ولأنهما كانا يعتقدان أنه لكي نحظى بحياة جيدة يجب أن نتشبه بالله، كان نموذج سعادتهما قائماً على النظر بشكل أكبر. كان أرسطو في كتبه الأولى يولي أهمية أكبر للعمل، لكنه تدريجياً في كتبه اللاحقة اعتبر العمل مجرد مقدمة للنظر. وفي النهاية، يشير أحياناً في معرض بيانه لسبب العدالة إلى أنه إذا لم توجد عدالة في المجتمع، فلن يكون هناك مجال لأن يصبح المرء فيلسوفاً، وسيضيق أمامنا مجال التدبر والتأمل؛ أي أنه يحول العمل إلى مجرد مقدمة للنظر. وإذا تقدمنا أكثر، يمكننا أن نلاحظ هذا النوع من التفكير لدى آخر حلقات هذا الفكر الفلسفي، مثلاً لدى الملا صدرا. فهو في تفسيره لآية النور يبين أن ما يبقى للإنسان هو النظر، لأن النظر جوهر، وما سواه من الأشياء كالأفعال والعدالة وغيرها هي أعراض، ولا يمكنها إلا أن تمنحك إمكانية إدراك جوهر المعرفة. لقد كانت سطوة النظر هذه دائماً من التحديات المهمة بين فلسفتنا وفقهنا، وهي شيء عارضه الفقهاء. لذلك لا ينبغي أن نغفل مقولة العمل، فهي على أي حال جزء من هوية الإنسان بحد ذاتها.
بطبيعة الحال، أولئك الذين يسلكون طريق الإلحاد العملي، كانوا أكثر من كونهم تواقين للنقاشات التبريرية والنظرية، أسارى للرغبات المادية، وقد جرتهم الماديات إلى هذه الهاوية، وربما يستخدم بعضهم فقط هذه الآليات التبريرية.
ومن العوامل الأخرى التي أراها مهمة، التعزيز الكبير للفردانية في العصر الحاضر، وهذه الفردانية يمكن أن تجلب آفات كثيرة. ليس فقط لأن الجماعية تخلق نوعاً من الضمان الأخلاقي والخارجي للإنسان، بل لأن الفردانية تحول الإنسان شيئاً فشيئاً إلى قطب عالم الوجود. أي أن المحورية التي تمنحها للإنسان تجعله لا يرى الآخر، وهذا منشأ لكثير من الرذائل ويؤدي إلى حب ذات شديد جداً. إضافة إلى ذلك، فقد جرى التأكيد كثيراً في الروايات على أنه يجب مراعاة كرامة الإنسان في ثقافة المجتمع الكبرى. فالشخص الذي يفقد كرامته قد يقدم على أي عمل. الفقر والإهانات وأوجه التمييز، كلها تعرض كرامة الإنسان للخطر، وتمتد أخطارها إلى المجتمع بأسره، ولا تدع البشر الآخرين في مأمن، وتغرق المجتمع كله في الفساد. السعادة الحقيقية ليست بهينة ولا حلوة المذاق إذا كنا نشهد تعاسة جيراننا. ولهذا السبب أعتقد أن الذين يعملون من أجل رفاه المجتمع وإزالة التمييز وما إلى ذلك، إنما يقومون في الحقيقة بأعمال دينية وروحانية وأخلاقية، ولهذا هم جديرون بالتقدير والإشادة. ومن المهم أن ننتبه إلى أنه ليس من الضروري أن تتم هذه الأعمال عبر الحكومة فقط، بل إن خلق فرص العمل وتوفير حياة خالية من الفقر للآخرين هو واجب فردي على كل شخص، ونوع من السمو الأخلاقي له.
لعل "خُلِقَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا"، لا تعني فقط أن الإنسان متسرع في أعماله، بل ربما تعني أكثر من ذلك أن الإنسان يسعى وراء الخيرات العاجلة ويريد أن يحصل على الخيرات في هذه الدنيا، ولا يستطيع أن ينتظر خيرات الآخرة. للدكتور نصر في كتابه "الدين والنظام الطبيعي" تعبير لطيف عن الأزمة البيئية، وهو يرى أن قسماً كبيراً من الأزمة البيئية يكمن في الواقع داخل الإنسان نفسه ومتجذر في حرصه وجشعه، حيث يسعى بلا مبالاة ودون أي قيد لتحصيل الخيرات المادية. وبالطبع، لو ابتعد قليلاً عن التسرع وبحث عن خيرات العالم الآخر، لربما أتيحت للآخرين أيضاً إمكانية العيش بكرامة، وبهذا الطريق يصبح المجال العملي للدعوة إلى الدين والإيمان والاعتقاد الديني بين الناس أكثر توفراً، ويصبح إيمانهم أقل عرضة للتهديد من جراء مصاعب الحياة.
لذا فإن القضاء على الإلحاد العملي ليس بالأمر اليسير. إنه يحتاج إلى نوع من التطبيب، وإلى وصف نسخة علاجية لكل شخص، لأن حياة كل إنسان تختلف عن حياة الآخر، ولا يمكن وصف نسخة واحدة للجميع. إن المبادئ العامة للأخلاق باتت واضحة للجميع تقريبًا في هذا الزمان، ولن يتقدم العمل بمجرد التركيز على تكرار هذه المبادئ العامة. بل نحتاج، كما قلنا، إلى أطباء يتأملون بدافع الشفقة في أمراض الآخرين، ويرسمون لهم خريطة الحياة الطيبة، ويساعدونهم بالطبع في تحضير الدواء وتوفير خدمات التمريض. نحتاج إلى وعاظ يتجاوزون مرتبة العلماء، ويدعون هؤلاء المرضى، بدافع الحرقة واللوعة وبنفَسهم الحار، إلى اتباع الأطباء المهرة الصادقين.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١٠ تعليق
این گفته شما چیز عجیبی است؟ در میان حیوان ها هم ایثار دیده می شود! اما ایثار در دین مرتبه و تکرر بسیار بالایی دارد و قابل قیاس با مکتبهای فکری دیگر نیست.
خسرو گلسرخی وقت محاکمه در دادگاه با اینکه الحاد داشت گفت من از خود دفاعی ندارم ومن از خلقم دفاع میکنم بیزن جزنی ودیگرانی بودند که اسطوره بودند وایثار کردند واز زندگی خویش گذشتند تا ارمانی را که برای ان میجنگیدند تحقق بخشند وخود را فدایی خلق مینامیدند بلی ایثار حتی در الحاد هم میتواند باشد اگر ارمانی وهدفی درنظر گرفته شود خلبانان زاپنی در جنگ جهانی دوم خود را به ناو جنگی میکوبیدند ودر دم کشته میشدند وخود را فدای مردم ومیهن خود میکردند انان نه مسلمان بودند ونه خدا باوریشان معلوم بود ونه بخاطر اعتقادات دینی به چنین اعمالی دست نزده بودند وقتیکه زلزله در چندین نوبت ایران را لرزاند از کشورهای مختلف خدا باور وخدا ناباور همه وهمه به کمک شتافتند کمک مالی کردند وبعضی ها با عنوان دکتر وپرستار وامدادگر از دیگر کشورها خانه وکاشانه ی خود را رها کردند وبه ایران امدند تا به زلزله زدگان یاری رسانند اینها همه نشان از ایثارگری خداناباوران وخداباوران همه باهم است نوع دوستی وانسانیت واخلاق جدای از دین وخدا دراعمال اینان نمود عینی دارد
ایشان امام حسین(ع) را الگوی خود معرفی کردند. شما حرف ایشان را با تحریفی ظریف دارید تفسیر شخصی خودتان می فرمایید.
این نظرات حاکی از این است که تفکر نویسنده متعلق به قرون وسطی است زمانیکه متکلم صرفا با ادعا کردن توقع داشت تا مخاطب ادعاهایش را بپذیرد، اینکه به همین راحتی و بدون هیچ دلیلی و صرفا با گفتن اینکه عدهای معتقدند، بگوییم الحاد و اخلاق انسجام ندارند و این رابطه پایدار نخواهد بود در این عصر مورد قبول نیست، در عصری که فیلسوفان اخلاق و معلمان اخلاق غیر دین دار در سرتاسر جهان وجود دارند اخلاق در مقام ثبوت و اثبات مستقل از دین است و حتی خود متکلمان میگویند برای اثبات دین یا حداقل برای اثبات عدل، نبوت و معاد ما چارهای نداریم مگر اینکه از حسن و قبح عقلی استفاده کنیم که توان تشخیص این حسن و قبح در همه انسانها هست و بنابر همین فرض ما میتوانیم با ملحدین بحث کنیم حال که عقل سکولار چه خداباور چه خداناباور، حسن و قبح عقلی را تشخیص میدهد، چرا ایشان میگویند بین الحاد و اخلاق انسجامی نیست؟!!! اینگونه نظرهای جزمگرایانه متعلق به قرون قبل است و جای تاسف است که مصاحبه کننده به جای به چالش کشیدن گوینده و یا حداقل پرسیدن از دلایل وی برای ادعاهایش صرفا نظرش را میپرسد، ما که نسبت به ایشان متعبد نیستیم که ایشان فقط نظر بدهند و ما قبول کنیم
مگر وجد فیلسوف ضرورتا به معنی صدق ادعاهای اوست؟
گروه دیگری هم هستند که به لحاظ نظری بدون هیچ دلیل عقلانی فقط ازنظر قلبی اعتقاد به خدا دارند ولی چون معتقدند که خلقت بیمعناست ودردنیایی پراز ظلم زندگی میکنیم وعدالتی را در جهان هستی جاری وساری نمیبینیم وادیان که مدعی حقیقت مطلق بودن وحاوی پیام الهی بودن هستند خودشان کمترین بهره از عدالت را برده اند همه وهمه دست به دست هم میدهد تا زندگی خدا محوری نداشته باشند تا دین را وزیست دینی را منشا زیست اخلاقی ندانند که حتی موجب بی اخلاقی هم بدانند اینان در زندگی شخصیشان تلاش میکنند تا خود اخلاقی زندگی کنند چون اخلاق را جدای از دین میدانند وچه بسیار از منافع شخصی خود میگذرند وایثار را تجربه میکنند چون به اسلوب اخلاقی وفادارند ولی مدام با خدای درونی وقلبی خویش درستیزند واو را وجهان پر از ظلم ورنج وبی عدالتیش را به چالش میکشند وراه عصیان برگزیدند تا داد خود را بستانند که من از این دسته هستم
این که اخلاق مستقلا می تواند وجود داشته باشد به این معنا نیست که اخلاق را از دین ضرورتا جدا کنیم. این بی دقتی است.
اگر دین را منشا بی اخلاقی می دانند پس چرا خدا را قبول دارند؟ خوب شاید بفرمایید خدا را قبول دارم ولی دین را نه. انگاه مشکل بزرگی برای موضع شما پدید می آید و آن هم ابهام حرف شماست. خدا چیست؟ آیا خدای غیر دینی قابل تبیین است؟ تعریف دین چیست؟ موضع شما نسبت به دین چیست؟ چرا؟ آیا موضع شما موجا است؟ بفرمایید.سالیان متمادی این بحث ها جریان داشته. بیان های شما نشان دهند ه غیر کلاسیک بودن، غیر آکادمیک بودن، و فردی بودن مواضع شماست. که من به آن با وجود بیشمار تناقض در آن احترام می گذارم.
تعادل در ارئه مواضع بایست در کناراخلاق دانشگاهی رعایت شود.
رفتار یک نهاد فلسفی از جمله گزینش موضوع ها نبایست همراه با جانبداری باشد. چرا همه موضوع ها یک طرفه چرا همه اگرسیو نسبت به دین و چرا خصومت و دشمنی؟