اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
أي نظرية معيارية في الأخلاق تصلح للسياسة؟ يختبر حسين دباغ النزعة الواجبة والنزعة النفعية، ويرى أن تاريخ التنوير في إيران قد غفل عن التعاقدية الأخلاقية؛ وهي مقاربة تفتح الطريق أمام الديمقراطية.

أيُّ النظريات الأخلاقية المعيارية تصلح للسياسة، سؤال يشغل أذهان عموم فلاسفة الأخلاق والسياسة. في هذه المقالة القصيرة، أحاول إلقاء نظرة موجزة على النظريات الأخلاقية السائدة في فلسفة الأخلاق، وأختبر قدرتها على تحمُّل عبء السياسة. وأنا شخصياً أعتقد أن تاريخ التنوير الفكري في إيران، كما تدل التجربة، قد أغفل نظرية التعاقدية الأخلاقية.
1- الواجبية التعددية (مثل أخلاق ديفيد روس أو توماس ناغل) يمكن أن تكون نظرية مناسبة للسياسة. تنص هذه النظرية على أن هناك أولاً مبادئ أخلاقية بديهية متنوعة، وثانياً يمكننا اكتساب معرفة حدسية بها. لا شك بالطبع في أن درجة معقولية هذه النظرية تتوقف على المبادئ الأخلاقية المتعددة التي يطرحها فلاسفة هذه النظرية. يبدو أن أي قائمة بهذه المبادئ ينبغي أن تكون أولاً حساسة تجاه «احترام استقلالية البشر»: وثانياً تسعى إلى مراعاة العدالة التوزيعية-الاقتصادية والجزائية، وأخيراً تحسين رفاه البشر، خصوصاً مواطني بلدها. ما كان يسميه جون رولز بـ «الحدسية» لم يكن سوى هذه الواجبية التعددية. وقد اقترح في كتابه الشهير عام 1971، نظرية في العدالة، أن الخيارات المهمة في فلسفة السياسة هي: الحدسية (الواجبية التعددية)، والنفعية، ونظرية العقد الاجتماعي.
يُوجَّه نقد عموماً بأن التعددية في الأخلاق أشبه بقول كل شيء ولا شيء. فعندما يواجه المرء كومة من المبادئ الأخلاقية التي لا يكون الحكم النهائي فيها قطعياً، فكأنه لم يُعطَ شيئاً منذ البداية. يمكن تقديم أمور شتى في الرد، لكن ما يكفي لهذه المقالة هو أن هذا القصور أمر شائع، وتكاد تُتهم به معظم النظريات الأخلاقية المعيارية وتعاني منه.
2- أمام النفعية الأخلاقية طريق صعب لتصبح معقولة في السياسة، وذلك لسببين: الأول أنها لا تضع «الاستقلالية» بوصفها جزءاً أساسياً من رفاه البشر (أحياناً تغلب المنفعة على الاستقلالية)، والثاني أنها نظرية أحادية المستوى وأحادية الطبقة: أي ليس لديها سوى مبدأ نفعي واحد: وهو أن الفعل في موقف معين يكون أخلاقياً إذا حقق أقصى قدر من المنفعة والمصلحة في ذلك الموقف وقلل الألم والمعاناة إلى أدنى حد. أما النفعية القائمة على القواعد، على النقيض من ذلك، فهي ليست كذلك، بل متعددة الطبقات. بمعنى أنها تضع في المستوى الأول المبدأ النفعي الثابت والأحادي، ثم تُضمِّن في الطبقات التحتية المبادئ الأخلاقية المشتقة مثل العدالة والإنصاف والمساواة والرفاه والاستحقاق... إلخ. الفارق المهم هنا هو أن الفعل الأخلاقي عند النفعيين القائمين على القواعد في الموقف الأخلاقي المعين هو ذلك الذي يحقق المنفعة ويقلل الألم والمعاناة بطريقة تتحول إلى قاعدة.
يبدو ادعاء النفعيين القائل بأن أي قرار تتخذه الحكومة يجب أن يكون محضاً على أساس حسابات منافع الخيارات المختلفة، ادعاءً ساذجاً. فأولاً، مثل هذه الطريقة تستغرق وقتاً طويلاً ومكلفة جداً، وثانياً، يمكن أن تحدث أخطاء الحساب بكثرة. وثالثاً، يحتاج البشر إلى أن يكونوا قادرين على تخمين ما ستفعله الحكومة. فعمومنا نحن البشر نبدأ مشروعاً تجارياً عندما نعلم أن الحكومة، مثلاً، لن تستولي على متجرنا، أو لن تفرض علينا ضريبة باهظة دون سابق إنذار، أو لن تمنع عقودنا دون سبب، وهكذا. تقتضي العدالة أن يكون لدينا ضمان معقول من جانب الحكومة، ولن يكون لدينا مثل هذا الضمان إذا قررت الحكومة عبر حسابات المنافع، لأنه من الممكن في بعض المواقف أن تقتضي المنفعة الأكبر أن تستولي الحكومة على متجرنا وتصادره، أو تأخذ منا ضريبة طائلة، أو تغير قوانين العمل بشكل غريب، وهكذا. الأمل الوحيد الذي يمكن أن نعلقه لإضفاء المعقولية على المقاربة النفعية للسياسة هو أن نستخدم منافع الأمة لتقييم القوانين والسياسات الاقتصادية ونوع العقود مسبقاً. بعد ذلك، ينبغي أن يكون كل قرار منفصل تتخذه الحكومة متسقاً ومنسجماً مع تلك القوانين والسياسات والإطار العام الذي تم اختياره عبر التقييم النفعي.
3- التعاقدية، التي يُمكن استشفاف مضمونها من اسمها، قد صقلها في الفلسفة الأخلاقية والسياسية حتى الآن فلاسفة أمثال ديريك بارفيت، ورولز، وتلميذه تيم سكانلون، وقد جلبت معها بالطبع انتقادات عديدة. يبدو أنه في أدبيات الفلسفة الأخلاقية المعاصرة لدى التنويريين الإيرانيين، لم يُولَ اهتمام كبير لنظرية التعاقدية الأخلاقية. عموم المثقفين في ديارنا على دراية بالتعاقدية الهوبزية، ومن هذا المنطلق، ولأنهم يجدون موقف هوبز راديكالياً للغاية، فقد انصرفوا عنه. يدافع هوبز في كتابه الشهير، لوياثان، عن نظرية العقد الاجتماعي. وهو يعتقد أنه من حيث إن «البشر ذئاب بعضهم لبعض»، فإنهم لا يستحقون الديمقراطية، لذا، ينبغي للحكومة (الدولة أو الملك) أن تقرر لهم، ويتم هذا الأمر المهم عبر العقد الاجتماعي. يُعقد هذا العقد الاجتماعي بين فئتين: إحداهما بين المواطنين والدولة-الحكومة. والأخرى بين المواطنين أنفسهم، ذلك أن هوبز لم يكن يعترف بوجود ضمير أخلاقي للبشر، لكن لا ينبغي أن ننسى أنه في القرن العشرين بُذلت جهود كثيرة لإحياء التعاقدية. على سبيل المثال، أعاد جون رولز في كتابه نظرية في العدالة إحياء التعاقدية من خلال طرحه لأسلوب التوازن التأملي. ينص أسلوب التوازن التأملي على أنه رغم وجود مبادئ أخلاقية بديهية-حدسية، إلا أن هذه المبادئ يمكن أن تُجرح وتُعدل عند مواجهتها لبقية المبادئ. يمكن لهذا الأسلوب أن يساعدنا في بلوغ العدالة. بعد رولز، قام سكانلون في كتابه «ما ندين به لبعضنا البعض» عام 1981 بتعريف التعاقدية على أساس الأسباب لا «الواجب» ودفع بها قُدماً. وهو يعتقد أن المبادئ الأخلاقية يجب أن تُعرّف على أساس السبب: بمعنى أن الفعل الخاطئ عنده هو فعل تنهى عنه مبادئ معقولة ولا يستطيع أحد أن يقوض تلك المبادئ بتقديم سبب. بتعبير آخر، الفعل الخاطئ هو ما تجيزه مبادئ معقولة ثم يقوم أشخاص بتقويض هذه المبادئ بالأسباب. يرى سكانلون أن هذا التقرير للتعاقدية يمكن أن يفتح الطريق أمام الديمقراطية، لأن عنصر النقد بارز فيه.
أما ديريك بارفيت في كتابه ما يهم عام 2011 فيتحدث عن التعاقدية الكانطية ويسعى إلى ترويجها. ومع أنه يعترف بالتعاقدية من النوع السكانلوني ويُقر بصحتها، إلا أنه يحاول تطويرها. يعتقد بارفيت أن هذا التطوير يتم عبر ربط التعاقدية بالنموذج الكانطي. بمعنى أن المبادئ الأخلاقية المعقولة يجب أن تكون قابلة للتعميم الكوني وأن تصبح قواعد. هذه التعاقدية الكانطية برأي بارفيت يمكنها أن تجلب لنا العدالة والحرية.
يوجد أيضاً بعض الفلاسفة الآخرين: مثل آلان توماس (تلميذ برنارد ويليامز) في كتابه القيمة والسياق عام 2006: الذي يتحدث بدلاً من مصطلح التعاقدية عن شيء يُدعى السياقية في السياسة ويعتبرها مبررة. تعني السياقية أنه يمكن أولاً ذكر مبادئ أخلاقية متنوعة وأساسية، لكن هذه المبادئ تكتسب ألواناً مختلفة في السياقات الأخلاقية المتباينة. يمكن اعتبار التعاقدية والسياقية متشابهتين إلى حد كبير، مع فارق أن التعاقدية نظرية في الأخلاق المعيارية، بينما السياقية نقاش في الميتا-أخلاق وتندرج تحت مبحث الإبستمولوجيا الأخلاقية.
4- يمكن اعتبار نظرية الفضيلة الأخلاقية النظرية الأخرى في الأخلاق المعيارية. يصعب على الفضيلية أن تحمل عبء فلسفة السياسة على كتفيها. يعتقد الفضيليون أنه في الأخلاق، ليس الفعل والسلوك الأخلاقي بالأهمية التي تحظى بها الشخصية الأخلاقية للفرد الفاضل. من هنا يمكن القول إن إبراز عنصر «الشخصية الأخلاقية» للسياسة لا يداوي جرحاً، بل يزيده جرحاً. ذلك أن العثور على الشخصية المناسبة للسياسة هو بحد ذاته معضلة أخرى أهم، لا يمكن حلها بسهولة. من بين الذين نهضوا للدفاع عن الفضيلية في السياسة، روزاليند هيرستهاوس (تلميذة فيليبا فوت). لقد كتبت مقالات في هذا الشأن، لكنها لم تلقَ عناية من الفلاسفة الآخرين. إجمالاً، يمكن القول إن الفلاسفة الفضيلين لديهم أقوال قليلة في باب السياسة ولا يُقحمون أنفسهم في هذا الأمر، تاركين هذا الميدان لبقية النظريات الأخلاقية.
إذا كان هذا المقال القصير قد أنجز أمرين، فقد حالفه التوفيق: أولهما أن يُظهر أن النفعية وحدها لا تستطيع أن تحمل عبء السياسة الثقيل، لأن النفعية لكي تنجح تحتاج إلى الاقتران بنظريات أخلاقية أخرى مثل التعاقدية أو الواجبية. وثانيهما أن يوضح هذا المقال أن الواجبية التعددية (الحدسية الرولزية) والتعاقدية السكنلونية القائمة على الأسباب، هما بديلان جيدان للممارسة السياسية. يعتقد الكاتب أنه على الرغم من الاختلافات الظاهرية بين هاتين النظريتين (إحداهما تعددية والأخرى أحادية)، فإن كلتيهما يمكن أن تتآلفا وتصبحا من أسرة واحدة. ذلك أن كلتيهما تعززان، بشكل أو بآخر، نوعاً من السياقية في نظريتهما المعرفية. يسعى بارفيت في كتابه الرصين إلى تقديم تركيب من الواجبية الكانطية، والتعاقدية السكنلونية، والنفعية القائمة على القواعد.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.