اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان أن المثقف هو حَكَمُ الناس ومُبسِّط العلم. وهو إذ يُقسّم الأنشطة إلى مهنة وشغف وعطاء مجاني، لا يعتبر السياسة مهنةً للمثقف، بل يُفسّرها بوصفها شغفاً أو واجباً أخلاقياً إزاء السلطة.

"...سبق لي أن تحدثت مع مصطفى ملكيان عن علاقة المثقف بالجمهور. وله تعريفه الخاص للمثقف. فالمثقف من وجهة نظره هو من ينبغي أن يكون حَكَماً على الناس. فالمثقف لدى ملكيان له شأن مختلف عن الأكاديميين، وهو من يبسّط العلم إلى أقصى حد 'ممكن' (وليس أكثر مما ينبغي بالطبع) ويضعه في متناول الفهم العام. والمناسبة التي دفعتني للتحاور معه حول علاقة المثقفين بالسياسة (بخلاف أنه لم يتحدث كثيراً في هذا الموضوع حتى الآن) كانت نصاً كتبه 'محمد مجتهد شبستري' قبل مدة دفاعاً عن روحاني. وعندما عرضت فحوى هذه المذكرة على ملكيان، دافع تماماً عن كلام مجتهد شبستري..."
لقد تحدثتم سابقاً عن علاقة المثقفين بالجمهور. ويمكن تلخيص نقاشكم حول هذه العلاقة في محورين رئيسيين: أولهما أن على المثقفين أن يبسطوا العلوم بلغة يفهمها الناس، والآخر أن على المثقف أن يكون حَكَماً على الجمهور. لكنكم لم تفصحوا عن رأيكم كثيراً بخصوص علاقة المثقف بالسلطة. بالنظر إلى تعريفكم للمثقف، ما هي العلاقة التي ينبغي أن تقوم بين هذين الاثنين برأيكم؟ في رأيي أن النشاط السياسي وانخراط المرء في المسائل السياسية وأصحاب السلطة ورجال الدولة ومراجع السلطة السياسية في المجتمع لا يتم بشكل واحد، بل يتم بثلاثة أشكال مختلفة. ولتوضيح هذه الأشكال الثلاثة، سأشرح أولاً نقطة. أعتقد أن جميع الأنشطة التي يقوم بها الإنسان طيلة حياته، من لحظة ولادته إلى لحظة وفاته، يمكن تقسيمها في تصنيف عام إلى ثلاثة أقسام. أنشطة القسم الأول هي الأنشطة التي يقوم بها الشخص ويكتسب من خلالها دخلاً. يُطلق على مجموع هذه الأنشطة اسم الوظيفة والحرفة. الوظيفة والحرفة هما مجموع كل الأنشطة والذهاب والإياب والأقوال والأفعال التي نكتسب من خلالها دخلاً ونحصل على وجه معاشنا، وهي مهمة جداً جداً في موضعها. لأنها أولاً تؤمن ضروريات حياتنا، بمعنى أنه لولا الوظيفة والحرفة لكان استمرار الحياة، حتى من الناحية الكمية، غير ممكن بالنسبة للغالبية الساحقة من البشر. وثانياً، لكي يعيش الإنسان حياة أخلاقية، فهو بحاجة إلى الاستقلال. الشخص المنقاد والتابع والمُعتمِد لا يمكنه أن يعيش حياة أخلاقية. من الشروط الضرورية للعيش الأخلاقي هو امتلاك الاستقلال، وأحد أهم أنواع الاستقلال هو الاستقلال المالي والمادي. لكي نمتلك استقلالاً مادياً، يجب أن يكون لدينا دخل، ولكي يكون لدينا دخل، يجب أن تكون لدينا وظيفة وحرفة. إذن، فالوظيفة والحرفة مهمتان من هذه الناحية لأنهما توفران مقدمة لا مفر منها للعيش الأخلاقي أيضاً. القسم الثاني من الأنشطة هو مجموع كل الأنشطة التي نستمتع بها من أعماق قلوبنا وأرواحنا ونحب أن نعيش لكي نمارسها. أُعبّر عن أنشطة هذا القسم الثاني بـ 'الاهتمامات الشخصية'. هذه الاهتمامات الشخصية ليست مُدِرّة للدخل بأي شكل من الأشكال، بل إن معظم الدخل الذي نجنيه من الوظيفة والحرفة يُنفَق عليها. لكن لا سبيل لنا إلى تركها لأن صوتنا الداخلي يصرخ بنا أن نمارس هذه الأنشطة. قد تكون هذه الأنشطة نظم الشعر أو لعب الشطرنج أو الذهاب إلى السينما أو المسرح أو قراءة الروايات... إلخ. إذا لم نمارس هذه الاهتمامات، فإن الخلل والفراغ اللذين ينشآن في دواخلنا سيجعلاننا طوال عمرنا فريسة للحسرة والندم والأسى. وهناك قسم من الأنشطة في الحياة أُعبّر عنه بـ 'البذل المجاني'. أي أن أقوم، دون أدنى توقع للثواب أو حتى الشكر، وبالقدر الذي أستطيعه، بمساعدة أبناء جنسي. مساعدة مواطني المجتمع، ومواطني المجتمع العالمي... إلخ. هذا البذل المجاني هو بعبارة أخرى العيش الأخلاقي. نحن في العيش الأخلاقي منهمكون في البذل المجاني. هذه هي مجموع الأنشطة التي يقوم بها كل شخص في حياته. أي عمل ننشغل به هو إما من القسم الأول أو من القسم الثاني أو من القسم الثالث. وعلى هذا الأساس، أقول إن النشاط السياسي يتم بثلاثة أشكال. بالنسبة لبعض الناس، النشاط السياسي هو وظيفة وحرفة. وبالنسبة لآخرين هو من باب الاهتمامات، وبالنسبة لآخرين هو بمثابة واجب أخلاقي. هذه ثلاثة أنواع من النشاط السياسي، وثلاثة أنواع من الأشخاص يدخلون في هذا النشاط السياسي. يحتاجون إلى ثلاثة أنواع من التخطيط. هناك ثلاثة أنواع من الأهداف والغايات والمقاصد في هذه الأنواع الثلاثة من النشاط السياسي، وكل شيء من الصدر إلى الذيل مختلف. هناك أشخاص يعتبرون النشاط السياسي وظيفتهم وحرفتهم. أي أنهم في الواقع يدخلون في النشاط السياسي لكي يكون عملهم يوماً ما أن يكونوا أعضاء في حزب، وأن يترقوا في المراتب الحزبية ويصعدوا إلى أعلى فأعلى حتى يصبحوا تدريجياً من كبار وقادة ذلك الحزب أو التيار السياسي، أو يصبحوا وكيلاً أو وزيراً أو نائباً في المجلس... إلخ. هذا النشاط السياسي يشبه نشاط شخص يُعد نفسه ليصبح مهندساً أو طبيباً... إلخ. وبطبيعة الحال، يجب على هذا الفرد أن يكتسب المعارف والقدرات اللازمة لكي يتمكن من تولي هذه الوظيفة والحرفة. في اعتقادي أن المثقف، بما هو مثقف، لا يمارس نشاطاً سياسياً من هذا النمط. أي أنه لا يمارس نشاطاً سياسياً يجعله مصدراً لمعاشه أو وجهاً لاكتساب الدخل. بمعنى أن المثقف، بما هو مثقف، لا يريد أبداً أن يصبح وزيراً أو وكيلاً أو رئيس وزراء... إلخ.
یعنی شغل و حرفه اش این بود، باید دست از روشنفکری برمی داشت و باید در دانشگاه ها علم سیاست، فلسفه سیاست و… می خواند و مدارک و مدارجی را طی می کرد و به بینش یا اندیشه یا گرایش سیاسی خاصی در او متمرکز می شد. در این صورت همه چیز متفاوت با آن چیزی می شد که انتظار می رود یک روشنفکر در جامعه انجام دهد. کسانی هستند که از دسته دوم هستند و اصلانمی خواهند شغل و حرفه شان و وجه کسب درآمدشان کارهای سیاسی باشد. اما به مسائل سیاسی علقه دارند. اینها از فعالیت سیاسی لذت می برند. ولی هرگز نمی خواهند از طریق آن درآمد کسب کنند. کمااینکه شما هرگز نمی توانید از طریق رمان خواندن کسب درآمد کنید. اما همان طور که من با رمان خواندن و موسیقی شنیدن و فیلم دیدن و در طبیعت گردش کردن لذت می برم، آنها هم از فعالیت سیاسی و خواندن نوشته های سیاسی و از سروکار داشتن با رجال سیاست و قدرتمندان جامعه و بگوبگو کردن با آنها و سرک کشیدن با آنها در همه اطراف و جوانب و امور سیاسی و… لذت می برند. خیلی از دانشجویانی که در دوران دانشگاه خود به فعالیت سیاسی می پردازند از سنخ دوم هستند. نمی خواهند وکیل و وزیر شوند اما به عنوان فعالیتی که علقه های آنها را برآورده می کند به این فعالیت نگاه می کنند و آن را دوست دارند. اگر روشنفکری واقعا به مسائل سیاسی به همین معنایی که اشاره کردم یعنی از مسائل سیاسی لذت ببرد و فریاد کودک درونش این باشد که فعالیت سیاسی کن، بیندیش به فعالیت سیاسی و عمل کن به مقتضای اقتضائات سیاسی و…، در این صورت مشکلی نیست. روشنفکر می تواند این کار را انجام دهد کمااینکه ممکن است روشنفکران دیگری اصلاعلقه نداشته باشند و از صرف فعالیت سیاسی لذت نبرد. اما یک نوع فعالیت سیاسی هم داریم و آن این است که انسان از سر اخلاقی زیستن و رایگان بخشی که برای همنوعان خود قایل است، به فعالیت سیاسی روی می آورد. یعنی قایل به این است که من باید از درد و رنج همنوعان خود بکاهم و چون بخشی از درد و رنج هایی که دیگران هم می برند درد و رنجی است که از ناحیه نظام های سیاسی حاکم بر جامعه شان احیانا و کمابیش به وجود می آید و وظیفه اخلاقی خود را کاستن از درد و رنج همنوعان از قبل فعالیت های سیاسی این نوع نظام ها بداند در این صورت چاره ای جز این ندارم که خود را درگیر مسائل سیاسی بکنم. به نظر من یک روشنفکر می تواند چنین دیدگاهی داشته باشد. یعنی وظیفه سیاسی خود می داند. طبعا برای روشنفکری که می خواهد چنین کاری انجام دهد دو پیشفرض مهم وجود دارد: یکی این است که لااقل بخشی از مسائل و دردهایی که عاید انسان ها می شود، از قبل نظام سیاسی حاکم بر جامعه است و من اگر می خواهم درد و رنج ها را بکاهم چاره ای جز این ندارم که نوعی مقابله و مبارزه با این نظام سیاسی حاکم بر جامعه داشته باشم. مبارزه به صور مختلف و شدت و حدت متفاوت انجام می شود. پیشفرض دوم هم این است که مسائل سیاسی نسبت به مسائل اقتصادی و فرهنگی اولویت دارند. چون اگر اولویت نداشته باشند روشنفکر به آن امری که اولویت بیشتری دارد خواهد پرداخت نه به امری که در درجه دوم و سوم اهمیت قرار دارند. پس اگر روشنفکری به مسائل سیاسی پرداخت و این پرداخت هم از نوع سوم بود یعنی به خاطر شغل و حرفه و علقه پردازی باشد بلکه از سر اخلاقی زیستی و اخلاقی اندیشی باشد، چاره ای جز این ندارد که پیشفرض دوم را هم داشته باشد. یعنی معتقد باشد بزرگ ترین مشکل مردم از ناحیه نظام سیاسی حاکم بر جامعه بر مردم عارض می شود. اگر چنین دیدگاهی در یک روشنفکر وجود داشته باشد، شکی نیست که آن روشنفکر وظیفه اخلاقی خود می داند که مسائل سیاسی بپردازد و با نظام قدرت حاکم بر جامعه خود مواجهه داشتن امری طبیعی است و باید این کار را انجام دهد. ماحصل سخنم این است که روشنفکر از آن رو که فعالیت سیاسی را شغل و حرفه تلقی کند، به گمان من هرگز وارد مسائل سیاسی نخواهد شد. اما از آنکه یا علاقه دارد به مسائل سیاسی یا از آن رو که اقتضای اخلاقی بودن خود را یا اقتضای کاستن از درد و رنج همنوعان خود را، ورود به عرصه سیاسی می داند، وارد این عرصه می شود و باید هم همین کار را انجام دهد. این مساله در مورد همه روشنفکران به طور عام وجود دارد. اما در رابطه با خود من ثانیه ای در عمرم نه می خواستم شغل و حرفه ام را در عالم سیاست جست وجو کنم و نه علقه ای به مسائل سیاسی داشته ام. من هرگز از سروکار داشتن با رجال سیاسی و صاحبان قدرت لذت نبرده ام. برای من عالم سیاست یک عالم آزارنده است. به تعبیری که شمس در مورد سخن گفتن به کار می برد، نوعی جان کندن و نزع روح است زمانی که وارد یک بحث سیاسی می شوم یا با یک رجل سیاسی نشست و برخاست می کنم.قد يكون للرجل السياسي صفة أخرى، كأن يكون أستاذًا جامعيًا، فأرغب في مجالسته ومعاشرته من حيث كونه أستاذًا، لكني أتجنبه من حيث نشاطه السياسي. وأنا بالطبع لا أستقبح هذا التعلق. فهذا التعلق يعود إلى أمور شتى تصنع شخصية كل فرد وطبيعته. وهذا القسم الثاني لم يوجد عندي قط. أما القسم الثالث فقد كان موجودًا عندي، وإن لم يكن واسعًا وممتدًا ولا عميقًا وفي الأعماق. فأنا أحيانًا ما كنت أتناول المسائل السياسية من باب أني كنت أعتبر من واجبي الأخلاقي أن أخفف من آلام البشر ومعاناتهم، وكنت أرى أن قسطًا من هذه الآلام والمعاناة لا يخلو من صلة بالمناسبات السياسية، فكنت أتناول المسائل السياسية بقدر الضرورة وحسب الحاجة. إن قصدي، بأعمق معاني الكلمة وأوسعها، ليس أن أدخل في المسائل السياسية أبدًا، ولكن على أي حال، إذا دخلت فيها فسيكون من الباب الثالث، لا من الباب الأول ولا الثاني.
خطر في ذهني سؤالان أثناء حديثكم. الأول أنكم على ما يبدو، خلافًا لبعض المفكرين الآخرين، لا ترون الأمر السياسي واسعًا جدًا بحيث تُعرّفون سائر الأمور في إطاره، والثاني أنكم لا تعتبرون ممارسة نشاط أو فعل سياسي شرطًا لازمًا لكون المرء مثقفًا. هل هذا صحيح؟ إذا كنت أعتقد أن على المثقف أن يخفف المعاناة ويقرر الحقيقة، فإذا ما انكشفت له حقيقة -بحسب ظنه- فعليه أن يشارك الناس فيها. أو إذا كان استنتاجه أن الناس يعانون ألمًا ومعاناة، فعليه أن يخفف ألم الناس ومعاناتهم. من هذين البابين، نعم، ولكن بقدر ما يتعلق الأمر بتصوره للنظام السياسي الحاكم. أو أن تصوره هو أنه توصل إلى حقيقة سياسية يجب عليه أن يشاركها مع جميع الناس. إذا قال مثقف إنه يعتبر مقتضيات المسائل السياسية في المرتبة الثانية أو الثالثة من الأهمية، فأنا لا أقول إن مثل هذا الشخص ليس مثقفًا. لأني أقول إن مقتضى المثقف ليس بالضرورة الخوض في المسائل السياسية، ولكن إذا كان واجب المثقف الأخلاقي هو ذلك أو كانت ميوله الشخصية كذلك، فلا ضير أيضًا في أن يخوض المثقف في المسائل السياسية، حتى ولو أدى به عمله إلى أي مكان شاء. إذن فالنشاط السياسي لا يتنافى مع كون المرء مثقفًا، وليس مقتضى كونه مثقفًا هو النشاط السياسي. يمكن للفرد أن يكون مثقفًا لكنه، على سبيل المثال، يولي الثقافة أهمية تفوق السياسة، ومن هذا المنطلق لا يخوض أساسًا في المسائل السياسية طوال عمره ويحصر أنشطته فقط في الأنشطة الثقافية لإيقاظ ذهن وضمير مخاطبيه. لأنه يعتقد، مثلًا، أن عدم إيقاظ ذهن وضمير المواطنين هو علة العلل للمسائل والمشكلات والمتاعب التي نشأت في المجتمع.
أنتم، بأدلتكم الخاصة، ترفضون النزعة القومية وخصوصًا نوعها المتطرف. بالنظر إلى رأيكم المناهض للنزعة القومية وإلى أنكم تعتقدون أن الإنسان يمتلك قيمة بوصفه إنسانًا وأن هذا لا ينحصر في نطاق محدد، أين تكمن جغرافية النشاط السياسي لمثقف لديه هم سياسي من وجهة نظركم وفي إطاركم الفكري هذا؟ أعتقد أنه إذا وجد مثقف ما في نفسه، بإنصاف، هذه القدرة وهذه المعرفة على حل المشكلات وإيجاد الحلول على المستوى العالمي، فلا ينبغي له أبدًا أن يحصر نفسه في المضايق الإقليمية والمحلية والقومية والعرقية والدينية والمذهبية والسياسية... إلخ. إذا رأى أنه يمتلك حقًا تلك القدرة الذهنية والقدرة النفسية على معالجة المسائل الإنسانية، فأعتقد أنه لا ينبغي له أن يقصر نفسه على المسائل المرحلية والموضعية والمحلية. لأني أعتقد دائمًا أنه من الناحية الأخلاقية، علينا أن نوصل أقصى خير ممكن نستطيعه. إذا كان بإمكاني أن أوصل أقصى خير على المستوى العالمي، فيجب أن أوصل ذلك الخير الأقصى الممكن ولا ينبغي لي أن أحصر نفسي في نطاق أمة أو قوم أو لون بشرة أو دين أو عرق معين. ولكن بشروط. الشرط الأول هو أن يرى الفرد في نفسه هذه المعرفة وهذه القدرة. أن يرى أن لديه حقًا ما يقوله، وأن البشرية اليوم بحاجة إلى التأمل فيه أو سماعه أو قراءته. على مثل هذا المثقف أن يخطط على المستوى الكلي. أما إذا كان شخص مثلي لا يرى في نفسه هذه القدرة وهذه المعرفة، فأعتقد أيضًا أنه إذا عالج مسائل مجتمعه وأظهر وعبر عن ألم ومعاناة المواطنين وأبناء جلدته في مجتمعه، فهذا أفضل من أن يذهب إلى بلد ينوي فيه نشاطًا عالميًا ثم يكتشف بعد مدة أنه لا يمتلك المعرفة والقدرة اللازمتين.
ما كان ذريعة لهذا الحوار هو النص الذي عبّر عنه المجتهد شبستري قبل فترة حين قال إنه ينبغي، لأسباب معينة، أن تدعم الأخلاق حكومة السيد روحاني. وقد كنت أنت أيضاً قد أيّدت هذا الموقف سابقاً. اشرح لنا قليلاً أسباب وجهة نظرك هذه، وكيف يمكن تعريف شيء كهذا في إطار الأخلاق. أعتقد أن كلام السيد شبستري صحيح حين يقول إنه ينبغي لنا دعم حكومة السيد روحاني. أقول هذا لسببين. الأول أن الأنشطة التي شهدناها من هذه الحكومة حتى الآن كانت، في مجملها، ذات اتجاه إيجابي. بالطبع، ليس لدى الجميع رأي ثابت حول مدى هذا الاتجاه الإيجابي، ولست في موقع يسمح لي بأن أقول كم خُطِوَت من خطوات، لكنها في المجمل تُعتبر ذات اتجاه إيجابي. سواء من حيث مؤسسة الاقتصاد، أو مؤسسة السياسة، أو مؤسسة العلاقات والروابط الدولية، أو من حيث خلق نوع من المشاعر والعواطف الإيجابية في ذهن وضمير المواطنين الإيرانيين. أي إنهم أحيوا نوعاً من الأمل في قلوب كثير من الناس. خلقوا لدى الناس نوعاً من التفاؤل، ولو كان ضئيلاً. من هذه النواحي، حيث الأنشطة التي تمت في مجملها ذات اتجاه إيجابي، ومن ناحية أنه ينبغي لنا مقارنة هذه الحكومة بمنافسيها وخصومها لنرى ما هي الميزة التي تحصل عليها وما هي درجتها في مواجهة خصومها ومنافسيها ومعارضيها. أي إنه ينبغي في الواقع دراسة السجل المحتمل والفعلي لهذه الحكومة في مواجهة المنافسين. لذلك، أنا أيضاً، من حيث الأعمال التي أرى اتجاهها إيجابياً حتى لو لم نحرز تقدماً كبيراً في ذلك الاتجاه، ومن حيث القيمة النسبية والمقارنة التي تمتلكها هذه الحكومة وهذه الجماعة ذات النشاط السياسي قياساً إلى معارضيها، ينبغي دعمها وتأييدها. بالطبع، لا يقدم أي إنسان أخلاقي على دعم فرد أو حكومة أو جماعة دون قيد أو شرط. فهو مثلاً لا يقول إنني أدعم حكومة ما أياً كان ما تقوم به من إجراءات. هذا أمر ينبع، بتعبير القرآن، من جاهلية البشر. ففي عرب الجاهلية، إذا كنت قد ألحقت أذى وضرراً بأحد أفراد قبيلتي، لم يكن أفراد تلك القبيلة يلتفتون البتة إلى ما إذا كان هذا الضرر قد وقع بعدل أم بظلم، أو ما إذا كان من حقك أن تلحق هذا الضرر أم لا. على أي حال، لأن من لحق به الأذى والضرر كان يرتبط بقبيلتي وينتمي إليها، كانوا يأتون ويدعمونه ويدمرون معارضيهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. هذا النوع من العصبية هو نوع من العصبية الجاهلية أن أقول إنني أدعم دون قيد أو شرط. القيد والشرط اللذان يضعهما إنسان أخلاقي، ومن ضمنهم المثقف، لدعم حكومة ما هما أن يرى الاتجاه في الأنشطة إيجابياً، وأن يمنح أفضلية أخلاقية لهذه المؤسسة وهذا التنظيم وهذه الحكومة على سائر المؤسسات والتنظيمات والحكومات. وإلا، فالقول بأنني مؤيد للحكومة الفلانية وسأدعم أي سياسة تنتهجها أو أي موقف تتخذه، ليس فقط تجاه هذه الحكومة، بل لا يمكننا أن نلتزم بهذا تجاه أي فرد أو حكومة أخرى. فبحسب ماهية العمل الذي يقوم به أي فرد أو حكومة، يمكننا أن نكون داعمين أو نقف في الصف المقابل. لكن، لهذين السببين، أتفق تماماً مع كلام السيد شبستري بأنه ينبغي دعم حكومة السيد روحاني، وليس لدي أي شك في ذلك.
فيما يتعلق بتحديد حد فاصل واضح بين أولئك الذين يريدون تقديم نقد مخلص أو بنّاء وأولئك الذين يكون نقدهم هدّامًا وموجهًا نحو أهداف خاصة، كيف يمكن التصرف؟ برأيي، إن كون النقد بنّاءً أو غير بنّاء، هدّامًا أو غير هدّام، لا يتحدد إلا من خلال كونه حقًا أو باطلًا. أنا لا أعير أهمية لتقسيم النقد إلى بنّاء وهدّام أساسًا. هذه كلها ألفاظ يجب أن نصل إلى لبابها. النقد إن كان نقد حق، فهو بنّاء وسليم، وإن لم يكن حقًا، فهو هدّام وغير سليم بقدر ما هو غير حق. لا يمكننا وصف النقد بكونه بنّاءً أو هدّامًا من جهة أخرى. إذا كان النقد الذي توجهه إليّ نقد حق، فهو إذن بنّاء، وإذا كان باطلًا، فهو إذن نقد هدّام وغير سليم. لذلك، كم هو جميل أن نأتي بدلًا من بنّاء وهدّام وسليم وغير سليم وكل وصف مبهم آخر، ونستخدم هذا الوصف المحدد: هل هذا النقد حق أم باطل. عندما أقوم بفحص نقاط قوة وضعف حصيلة عمل حكومة ما، هل أنا على حق في اعتبار بعض الأنشطة نقاط قوة أو ضعف أم لا؟ بقدر ما أنا على حق، يكون نقدي سليمًا وبنّاءً، وبقدر ما أنا على باطل، يكون غير سليم وغير بنّاء. لذلك، يجب ألا نتصرف كما في مواضع أخرى حيث نستبدل الألفاظ المبهمة بالألفاظ الواضحة. النقاش هو أن كل نقد صائب هو بنّاء وسليم، وكل نقد غير صائب هو هدّام وغير سليم. ولأنه لا يمكن معرفة ما إذا كان النقد حقًا أم باطلًا قبل أن يتم توجيهه، فيجب أن نسمح بحدوث النقد. بعد ذلك، أولئك الذين يتبين أن نقدهم غير سليم وهدّام، إن كانوا أخلاقيين، ينبغي ألا يصروا على نقدهم. بعبارة أخرى، إذا كنت أنقدك من حيث مدى قربك أو بعدك عن المُثُل العليا، فهذا النقد يمكن أن يكون حقًا حقًا. ولكن إذا كنت أريد عزلك عن منصب، وإسقاطك عن الكرسي، وإجلاس نفسي على الكرسي، وبشكل عام أريد ألا تكون على هذا المقعد وهذا المنصب والمقام، فهذه ستكون نقدًا غير بنّاء وهدّامًا. النقاش يدور حول ألا يكون هناك ظلم، لا أن تقول: لا تكن أنت ظالمًا، فأنا أريد أن آتي وأظلم مكانك. النقاش ليس: لماذا تختلس أنت ويجب أن يأتي دوري؟ بل النقاش هو: يجب ألا يكون هناك اختلاس أصلًا. أولئك الذين يقولون: لا تكن أنت، فأنا أريد أن آتي وآخذ مكانك، لا يهتمون بالقيم والمُثُل العليا أساسًا. نقاشهم الوحيد هو: لماذا أنت جالس هناك وأنا هنا؟ نقاشهم هو أن علينا أن نتبادل الأماكن. النقاش هو: يجب ألا يكون هناك سجن وظلم وتعذيب وتنكيل، لا أن يقول: لماذا أنا سجين وأنت سجان ويجب أن نتبادل الأماكن. النقاش هو ألا يكون هناك سجن وظلم ونفي للحرية. للأسف، ما هو مفقود في الأوساط السياسية هو هذا النوع من النقد الذي يهمه الحق والباطل، الذي تهمه القيم والمُثُل العليا. معظم الانتقادات هي من قبيل: لماذا أنت وزير؟ أو يقولون: يجب أن أكون أنا الوزير. يقولون: لماذا أنت رئيس وزراء ورئيس جمهورية؟ يجب أن أكون أنا... النقاش ليس حول ما إذا كانت الأعمال التي تقوم بها عادلة أم ظالمة. النقاش هو أنني أريد ألا تكون أنت هناك أصلًا، بل أريد أن آخذ أنا وحزبي وتياري مكانك وحزبك وجبهتك. هذه الانتقادات غير سليمة وهدّامة. لكنني لا أقبل القول بأنه لا ينبغي النقد. أنا أقول إن القرآن الذي يطلب منا بأوكد ما يكون، ليس فقط منا نحن المسلمين، بل من اليهود والمسيحيين أيضًا، أن نتبع إبراهيم، هذا القرآن نفسه يقول إن إبراهيم كان يجادلني أنا «الله» في شأن قوم لوط. أي أن إبراهيم الذي هو أسوة وقد طُلب منا نحن المسلمين واليهود والمسيحيين أن نتأسى بأبينا وجدنا المشترك ونقتدي به، هذا القرآن نفسه ينقد ذلك الإمام بأنه كان يجادلنا (الله) ويحاورنا حول لماذا نريد إهلاك قوم لوط. إذن، عندما يُقال مثل هذا عن إبراهيم في الكتاب السماوي، فمن باب أولى يمكن اليوم أيضًا نقد السلطة. لكن يجب أن يكون النقد نقد حق، لا نقد باطل، أو بتعبيركم نقدًا بنّاءً لا نقدًا غير سليم وهدّام. أعني أن أريد أن أقول إن إبراهيم (ع) أيضًا، حينما كان يرى شيئًا منافيًا لمقتضى عقله، كان على الأقل يستفسر من الله ويسأله: لماذا فعلت هكذا أو تنوي أن تفعل هكذا؟ {الله} وليس حتى مؤسس دين ومذهب هو الذي كان إبراهيم يجادله في شأن قوم لوط. لذلك، أنا أعتقد أنه إذا كان شخص ما على كرسي السلطة يخطو نحو خير الناس وصلاحهم، فيجب دعمه، وأعتقد أيضًا أن ذلك الشخص نفسه الذي ندعمه، يجب علينا عند الضرورة وعند الحاجة أن ننقده.
النقد لا يعني العيب والتوبيخ والتقريع، بل يعني أن نذكر نقاط قوة العمل ونذكر نقاط ضعفه أيضاً. وعليه، فلا معنى لدعم بلا نقد، ولا لنقد بلا دعم، بل هما متلازمان ومتقارنان. وهذا ما قاله علي بن أبي طالب (ع) لابن عباس، بتعبير نهج البلاغة، إذ قال: حين أقوم بعمل ما، ادعمني ولكن شاركني آراءك أيضاً. أنا أعتقد، ليس فقط بشأن السيد روحاني، بل بشأن أي رجل سياسي، إذا تبيّن أنه يخطو في اتجاه خير الناس وصلاحهم، فإننا ندعمه، ولكن بما أنه لم يُقم أي دليل على أن من يخطو في اتجاه خير الناس وصلاحهم لا يرتكب أي خطأ، فنحن على أتم الاستعداد لنقده إن رأينا خطأ. أنا ناقدك لأنك لست معصوماً أبداً، وأدعمك أيضاً لأنك بقدر ما تخطو في اتجاه الحق، أي في اتجاه خير الناس وصلاحهم، فأنت بحاجة إلى الدعم، وإلا فسيقطعك أعداؤك إرباً ويلتهمونك. «… وَلَقَدْ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا…» حتى كل نبي كان له أعداء. لا يمكن استثناء جماعة والقول إن هؤلاء مستثنون فلا أعداء لهم. ليس الأمر كذلك، بل العدو موجود دائماً ويجب الوقوف في وجه أعدائه، خصوصاً حين نرى الهوة العظيمة بين أعدائه وبين العيش الأخلاقي والسلوك الأخلاقي والتصرف الأخلاقي، فلا شك في ذلك ويجب علينا دعم ذلك الشخص. وإن كنا مسلمين فقد روي لنا عن النبي: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُنَادِي يَا لَلْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ» إذا سمع أحد أن إنساناً يقول: أيها المسلمون أغيثوني، هناك من يظلمني، ولم يكترث به أحد، فذلك الذي لم يكترث ليس بمسلم. المظلوم ليس فقط من لُطم في زقاق، بل المظلوم هو أيضاً من يسعى لمتابعة برامج تتعلق بخير الناس وصلاحهم، وهناك من لا يريد له أن يتابع هذه البرامج.
الأمر السياسي، بسبب تعقيداته التي تدركونها جيدًا، مثلاً في هذا النقاش المتعلق بالأعداء، يؤدي النقد في بعض الحالات إلى استغلال الأعداء له. هنا، من الناحية الأخلاقية، هل ينبغي أن ننظر إلى النتيجة، أم أن نؤدي نقدنا بحكم الواجب، أم أن نعرّف أخلاقًا مهنية للسياسة؟ سأذكر نقطتين في الإجابة على سؤالكم. النقطة الأولى هي أنه في الغالبية الساحقة من الحالات التي سمعتها طوال حياتي، حين يقول أحدهم لا تنتقدوا لأن الأعداء سيستغلون ذلك، فإن هذا الكلام يُقال لمنع النقد من الحدوث. يتصورون عدوًا افتراضيًا، ويصورون هذا العدو بأكبر قدر ممكن من الجلال والهيبة والقوة والأبهة والمكر والخداع والدهاء، ثم يقولون لكل من يريد أن ينتقد إن لكما عدوًا مشتركًا، ولكي لا يستفيد هذا العدو المشترك، لا تنتقدنا. لذلك، لدي نوع من هيرمينوطيقا الشك وسوء الظن تجاه كل من يقول إنه لا ينبغي توجيه النقد بسبب العدو المشترك. أعتقد عمومًا، وفي الغالبية الساحقة من الحالات، أن هذا الكلام ذريعة لأحمي نفسي من نقدكم ومن خطره وأبقى في مأمن منه. بالمناسبة، أكبر فائدة يجنيها العدو هي ألا ينتقد أحدنا الآخر، وأن نتعاون معًا يدًا بيد لندمر بلدنا. لأنني إن لم أنتقد من قبلكم، فقد أسير في ألف طريق من طرق الخطأ، وإن لم تُنتقد أنت من قبلي، فقد تسير في ألف طريق من طرق الخطأ. أكبر فائدة يجنيها العدو هي عندما لا ينتقد بعضنا بعضًا. والسبب هو أنني عندما لا أنتقدك، تتضاعف إمكانية وقوعك في الخطأ، وعندما لا تنتقدني أنت، تتضاعف إمكانية وقوعي في الخطأ، ومجموع هذه الأخطاء كلها يدمر البلاد. هذا في صالح العدو، وليس عندما أنتقدك وآتي بك إلى طريق الخير والصلاح، أو العكس، عندما تنتقدني وتأتي بي إلى طريق الخير والصلاح. أي عدو هذا الذي يستفيد من سيرنا في طريق الخير والصلاح؟ لذلك، لدي نوع من هيرمينوطيقا الشك والتفسير القائم على سوء الظن تجاه كل من يقول لي لا تنتقدني بسبب العدو المشترك. أي أن هذا العدو وهمي في أغلب الحالات، وثانيًا، لأنه حتى لو افترضنا وجود عدو، فأي عدو يستفيد من أن ينتقد بعضنا بعضًا ونرغب في خير وصلاح بعضنا البعض؟ كل عدو يتضرر من نقدنا لبعضنا البعض. النقطة الثانية هي أنه بشكل عام، في الأخلاق وفي العيش الأخلاقي، إذا وقعنا بين أمر سيئ وأسوأ، فلا شك أن العقل العملي والأخلاق يطلبان منا أن نفعل السيئ لكي لا نقع في فخ الأسوأ. تسمى هذه المسألة دفع الأفسد بالفاسد. أي ادفع الأكثر فسادًا بأن تلجأ، عن اضطرار وعجز، إلى الفاسد. عندما يقع الإنسان على مفترق هذين الطريقين، ينبغي ألا يفعل ما هو أسوأ، حتى لو كان ذلك على حساب فعل الأمر السيئ. وهذا معناه أننا دائمًا، من الناحية الأخلاقية، مكلفون بأن لا نفعل، حتى بين الفاسد، ما هو أشد فسادًا. وعلى هذا الأساس أقول إنه إذا حدث نقد في مكان ما وكان ضرره أكثر من نفعه، فهذا غير مقبول على الإطلاق. بالطبع، لا يقوم أي إنسان أخلاقي بهذا النوع من النقد. لأنه من المهم أيضًا أن تكون كلفة وفائدة كل نقد مرتبطة منطقيًا ببعضها البعض. أن أقوم بنقد يحمل ١٠٠ كوانتوم من الضرر ومقابل كوانتومين فقط من النفع، فهذا غير مقبول. ولكن من الناحية التطبيقية، نادرًا ما تحدث مثل هذه المسألة. فائدة النقد دائمًا أكبر من ضرره، وكلفته أقل من فائدته.
على حد علمنا، فإن أفكاركم مثالية. أي أنكم تتصورون يوتوبيا خاصة بكم وتدافعون عن طريقة التفكير هذه. حتى أنني أتذكر أنكم ذكرتم مثال كانط مرة وقلتم إن أفكار كانط كانت يوتوبيا في وقت ما، لكنها اليوم أثّرت في سبع مؤسسات قائمة. لكن من ناحية أخرى، في الفعل السياسي أو بوصفكم مثقفاً، لا تبخلون بأصغر خطوة ترون أنها قد تؤدي إلى رفاه الناس. فمثلاً، في انتخابات الرئاسة الحادية عشرة قلتم إنكم تذهبون وتصوّتون رغم اليأس. كيف توفّقون بين هذين الأمرين؟ أي أن تكون لديكم يوتوبيا من جهة، ومن جهة أخرى في العالم العملي وفي سبيل تحسين أوضاع الناس، تتخذون حتى أصغر الخطوات في هذا الاتجاه؟ سؤال آخر: هل الشخص الذي يعرف أطر عالم منشود معرفة كاملة، لكنه في سبيل بلوغ هذا الهدف يتشبث بأي شيء ويلتجئ إليه، هل هو أخلاقي؟
قبل أن أتطرق إلى سؤالكم، بما أنكم نقلتم عني – وبحق – أنني ضربت مثال كانط، فاسمحوا لي هنا أن أدفع دَخَلاً مقدّراً، وهو أنني لا أقارن نفسي بكانط أبداً وأبداً. شتّان بيني وبين تلك القمة الشامخة في الفلسفة والحكمة وقوة التفكير وعمقه. أردت فقط أن أقول إنه لمجرد أن مشروعاً ما يبدو لكم مثالياً، فلا ينبغي أن تخافوا من مواجهته. المشاريع الكبرى التي وُجدت في التاريخ بدت في أيامها الأولى وسنواتها الأولى، بل وأحياناً قرونها الأولى، مثالية، لكنها أظهرت رويداً رويداً أنها قابلة للتحقق، ولو ببطء أو صعوبة أو مشقة بالغة. لذلك لا يخطر ببالي أبداً أن أقيس نفسي بكانط. كانط من القمم الشامخة للبشرية، ولديّ حقاً مسافة مجرّية عنه من كل ناحية، حتى من الناحية الأخلاقية فحسب. لكن إن كنتم تعتقدون أن المثالية تعني عدم الاكتراث بالواقعيات وعدم الاهتمام بها، فأنا لا أقبل أبداً أن تكون كلماتي مثالية. كلماتي ليست مثالية أبداً. بل كل ما أقوله هو أننا يجب أن نشعر بالواقع تماماً تحت أقدامنا، ولكن علينا أن نمدّ أيدينا إلى الأعلى أكثر فأكثر ما استطعنا. أنا لا أعتقد إطلاقاً أنه يمكن السير على السحاب أو على الماء. أعتقد أن أقدامنا يجب أن تكون ثابتة وراسخة على أرض الواقعيات. وبتعبير القرآن الجميل، لا ينبغي أن نلتصق بالأرض التصاقاً شديداً. السقوط على الأرض بشدة والالتصاق بها وعدم تركها، هذا أمر أعارضه بشدة. إذا استطاع أحد أن يثبت أنني لا ألتفت إلى الواقعيات في جانب ما، فعليّ أن أصحح كلامي فوراً. لأنني أعتقد حقاً أن على الإنسان أن تكون قدماه على أرض الواقعيات. أقول: القدم على الأرض، ولكن اليد أيضاً يجب أن تكون نحو السماء. ومقصدي من السماء هو سماء المُثُل. لذلك إن كان مقصدكم من المثالية أنني لا ألتفت إلى الواقعيات إطلاقاً وأسير على السحاب، ففي هذه الحالة لا يمكنني القبول. وإن استطعتم أن تشيروا إلى حالة ما، فعليّ حتماً أن أصحح تلك الحالة لأنني لم ألتفت إلى واقعية من واقعيات العالم الإنساني. لكنني أريد أن أقول إنه كما أن نسيان الواقعيات خطيئة لا تُغتفر، فإن نسيان المُثُل الأخلاقية، والمُثُل المعنوية، والمُثُل النفسية، والمُثُل الاجتماعية لا يُغتفر أيضاً. لذلك أقول: لا ننسَ أرض الواقعيات ولا سماء المُثُل. من يلتفت إلى كليهما، لا ينصرف أبداً عن أنشطة الهندسة الاجتماعية أو الأنشطة الإصلاحية خطوة بخطوة. لأنه، بتعبير ذلك المفكر، كل الطرق الطويلة جداً قد قُطعت بخطوات قصيرة قصيرة. لذلك أنا متفق معكم تماماً وأقول إن علينا ألا ننسى أبداً الإصلاحات التدريجية خطوة بخطوة، ومع علمنا بأن حكومة ما ليست مثالية، فإننا نقارنها بحكوماتها البديلة. النقطة الثالثة هي أنكم حتى لو لم ترضوا بأقل من المثال الأعلى – وهو ما لا يفعله أي إنسان واقعي بالطبع – فإن السير نحو المُثُل لا يمكن إلا بالاعتماد على القوانين الحاكمة على الوجود والطبيعة والقوانين الحاكمة على العلاقات الإنسانية. بتعبير آخر، حتى أكثر المثاليين مثالية، والذين برأيي لا يرضون بشيء غير المُثُل، حين يريدون السير نحو مُثُلهم، لا سبيل أمامهم إلا أن يخطوا الخطى مع الالتفات إلى كل القوانين الحاكمة على الوجود ككل، والحاكمة على عالم الطبيعة بشكل خاص، والحاكمة على العلاقات الإنسانية بشكل أخص. المثال الأعلى هو ما يفوق الواقع.
أما الطريق إلى المثل الأعلى فيمرّ تحديدًا عبر الواقعيات. لذلك، إذا وُجد في كلامي يومًا ما يشبه أو يكون من قبيل عدم الاهتمام بالواقعيات، فهذا من خطئي، ولكن لا يمكننا أن نحرّك إنسانًا ولو خطوة واحدة ما لم نعرف تمام المعرفة القوانين المتعلقة بتلك الخطوة.بالنظر إلى كل ما تفضلتم به من ضرورة دعم الدولة ونقدها في آنٍ معاً، وأن الحكومات البديلة القائمة خطيرة وغير أخلاقية، لدينا انتخاباتان مقبلتان. برأيكم كيف ينبغي أن يكون موقفنا؟ هل ينبغي أخلاقياً أن نتصرف بطريقة تتيح ظهور وبروز حكومات بعيدة عن الأخلاق، ولا سيما في انتخابات كمجلس الخبراء التي لم ينخرط فيها مثقفونا كثيراً؟ أنا شخصياً أعتقد أنه لم تكن هناك أي انتخابات مثالية تماماً في التاريخ. لكن ينبغي هنا أن أنتبه إلى نقطتين. الأولى أن عدم المثالية أمر نسبي، لا يدور بين النفي والإثبات والصفر والواحد، بل هو أمر ذو مراتب. لا يمكننا بحجة أن الانتخابات ليست مثالية أن نتركها. إن تركناها، ماذا سيحدث؟ إذا تركنا هذه الانتخابات نفسها، هل سيكون ذلك في صالح الناس أم لا؟ أنا أقول إن شاركنا في هذه الانتخابات التي قد لا تكون مثالية مئة بالمئة، فسيكون ذلك في صالح الناس. النقطة الثانية هي أن البعض يقول إن المستغلين، عندما نجتمع في مراكز الاقتراع، يستخدمون ازدحامنا وجموعنا وحشودنا لمصلحة أهدافهم ودوافعهم الخاصة. أقول لا شك في ذلك، لكن العالم عالم تزاحمات. من يستطيع أن يقوم بعمل لا يُستغل منه إطلاقاً؟ لا يوجد عمل في العالم إلا وعندما أقوم به يمكن لأحد أن يستغل هذا العمل الذي قمت به. لكن عندما ننتبه، نرى أن هذا الاستغلال الذي نتصوره كبيراً ومهماً، لن يكون بهذه الدرجة. لأنه يُستغل من نفس اجتماعنا لمصلحتهم، لكن من الرأي الذي يخرج من الصناديق نتيجة اجتماعنا، يستفيد الناس أكثر. لقد رأيتم في كل الانتخابات أننا كلما لم نجتمع، قل ذلك الاستغلال الذي نقول إنه يحدث من اجتماعنا، لكن بالمقابل كان الرأي الذي يخرج من الصناديق حتماً على حساب الناس. بلغة أبسط، نفس الاجتماع يُستغل من قبل أناس ليسوا بخيري الأمة، لكن الرأي الذي يخرج من الصناديق لا يمكن بالصدفة أن يُستغل من قبلهم، لأنه عادة في هذه الحالات، وبلا استثناء، يفوز بالرأي شخص لم يكن أولئك المستغلون يريدون له أن يفوز. لذا دعونا نترك فرحة عاطفية عابرة لبضعة أيام للمستغلين، ليكن هناك شخص أكثر جدارة على الأقل نائباً في المجلس أو رئيساً للجمهورية أو أي منصب آخر تكون فيه مصلحة الناس. النقطة الأخيرة هي: افترضوا أننا لا نريد إحداث تغيير سياسي عبر الانتخابات التي هي أكثر الأساليب ديمقراطية للتغيير الاجتماعي، أي أن نقاطع الانتخابات. في هذه الحال لا يوجد سوى شقين. الأول هو أننا لا نريد حصول أي تغيير وإصلاح أصلاً، وهذا يفترض ألا يكون كذلك. الشق الثاني هو أننا نريد التغيير والإصلاح لكن لا نريده عبر الأسلوب الديمقراطي للإصلاح أي الانتخابات، فنريد مثلاً انقلاباً أو ثورة أو تدخلات خارجية أو تمردات داخلية. لا شيء من هذه يفضل على الانتخابات الديمقراطية. بتعبير آخر، إما أن نكون طالبي إصلاح أو لا نكون. إن لم نكن، فلا شيء. أما إن كنا طالبي إصلاح، فلا توجد سوى طرق معدودة. إما ثورة، أو تمرد داخلي، أو تدخل خارجي، أو انقلاب، أو عبر طريق الإصلاحات البرلمانية والانتخابات. إذا لم يكن المرء معرضاً كلياً عن الإصلاح وأراد إحداث إصلاح، فمن بين هذه الطرق الخمس، أليس أفضل طريق هو أن نجري الإصلاح عبر الانتخابات؟ هل الانتخابات أفضل أم الثورة أم الانقلاب أم التدخلات الخارجية والتمردات ونزعات التشرذم الداخلية؟ ولا سيما يجب الانتباه إلى نقطة أيضاً. كل تلك الطرق البديلة غير الانتخابات، لأنها تجعل البيئة راديكالية، فإن من يأتي إلى السلطة بعد تدمير نظام سياسي يصبح هو نفسه راديكالياً، لأنه نشأ في بيئة راديكالية ومليئة بالعنف. من ينشأ في بيئة مليئة بالعنف معناه أنه كان أكثر عنفاً وأشد قسوة من كل العنفاء. لكن بالصدفة عندما تريد إحداث التغيير عبر الانتخابات، لأن البيئة ليست راديكالية، فعادة من يأتون إلى السلطة لن يكونوا أناساً راديكاليين وراديكاليين وعنيفين. آمل أن تجري كل الأمور وفق خير ومصلحة شعب بلدنا. لأنه في عالم اليوم، كل سنة تأخر عن قافلة الثقافة والحضارة العالمية تعني تأخراً بمقدار ٥٠ سنة. والسبب في ذلك هو أن التحولات التي تجري على مستوى العالم ليست فقط سريعة بل متسارعة أيضاً.
الفلسفة
الأدب
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.