كان حفل إطلاق كتاب «بيكيت وسيوران» لستيفن ماثيوز فرصةً لاستكشاف العالمين الفكري والأدبي لكاتبين عكسا في أعمالهما، على نحوين مختلفين، المعاناة والتشرّد وأزمة المعنى وهشاشة الهوية. وقد بيّن سينا بشيري ومحمد زمان زماني جمشيدي، في هذه الأمسية، كيف يمكن لانكسار اللغة والصمت والشكل الأدبي أن تصبح بنفسها جزءًا من تجربة الكارثة، من غير أن تفتح بالضرورة طريقًا نحو الأمل أو الخلاص.

خُصّصت الأمسية الثانية والثمانون من سلسلة «مدينة الفلسفة الإيرانية»، التي عُقدت يوم الخميس 16 مهر 1405، لإطلاق كتاب «بيكيت وسيوران» لمؤلفه ستيفن ماثيوز. وتحدّث فيها سينا بشيري، مترجم الكتاب، ومحمد زمان زماني جمشيدي عن وجوه الالتقاء الفكرية والأدبية بين صموئيل بيكيت، الكاتب المسرحي والروائي الإيرلندي، وإميل سيوران، الكاتب والمفكر الروماني الأصل. ولم يكن محور النقاش إثبات تأثير أحدهما في الآخر تأثيرًا مباشرًا، بل قراءة الكاتبين قراءةً موازية، فقد صاغ كلٌّ منهما، بطريقته، تجارب حياتية وهموماً فكرية متشابهة في أعماله.

جرى التأكيد في تقديم الكتاب أنّ بيكيت وسيوران يمكن أن يُقرآ معًا على ثلاثة مستويات: التجارب المعيشة وما فيها من صور شتى للتشرّد؛ والتشاؤم والشكّ وأزمة المعنى؛ وأخيرًا الشكل الأدبي بوصفه انعكاسًا للعنف والصدمة. وفي هذا الإطار، لا يعني التشابه بين الكاتبين تطابقًا تامًّا في رؤيتيهما إلى العالم، بل يتيح لنا أن نرى كيف تترسّب التجربة التاريخية والشخصية في لغة العمل الأدبي وبنيته.
وكان من المحاور المهمة في الأمسية العلاقة بين الباثوس واللوغوس؛ أي علاقة المعاناة والانفعال المعيش برغبة الفلسفة في التفسير والترتيب والبحث عن علّة لهما. وطُرح في أحد مواضع الحوار سؤال: هل يمكن تبرير الألم والشرّ بمنظومة فكرية متماسكة، أم ينبغي التسليم بأنّ بعض التجارب تستعصي على التفسيرات المنظَّمة؟ وفي القراءة المقدَّمة لسيوران وبيكيت، لا تجدي الإجابات القاطعة المواسية كثيرًا؛ فما يبقى هو مواجهة المعاناة والإصغاء إلى صوتها.
وكان التشرّد وتغيير اللغة وجهًا مشتركًا آخر تناولته الأمسية. فبيكيت، القادم من إيرلندا، وسيوران، المولود في رومانيا، عاشا كلاهما في باريس وكتبا جزءًا مهمًّا من أعمالهما بالفرنسية. واختيار لغة غير اللغة الأم لم يكن، في سياق النقاش، مجرد انتقال لغوي؛ بل عُدّ سبيلًا إلى التحرر من عادات اللغة الأولى ومسلّماتها، وبلوغ نوع من الإيجاز والحرية في الكتابة. وفي السياق نفسه، طُرحت تجربة الأرق والتجوال الليلي بوصفها جزءًا من حياة هامشية قلقة عاشها الكاتبان، وهي تجربة ترتبط بالإحساس بالاغتراب والابتعاد عن النظام القائم.
وفي جانب آخر من الأمسية، جرى الحديث عن عالم شخصيات بيكيت: شخصيات منعزلة، حبيسة غرفة أو فضاء مغلق، عاجزة أحيانًا عن الحركة، ومحرومة أحيانًا من ذاكرة متصلة تضمن هويتها. ولا تقتصر غربة هذه الشخصيات على علاقتها بالعالم الخارجي، فعلاقتها بذواتها غير مستقرة أيضًا. فالذاكرة تتقطّع، واتصال الهوية موضع تساؤل، بل لا يُعرف حتى من أين يأتي الصوت الذي يسمعه الراوي. وتُظهر هذه الحال أزمة الإنسان الحديث لا في صورة نظرية، بل في التجربة اليومية المُنهِكة لهذه الشخصيات.
ومن هنا انتقل النقاش إلى شكل الأعمال. ففي هذه القراءة، لا يُعدّ تقطّع الجمل وعدم اكتمال العبارات وتلاشي علامات الترقيم والكتابة المجزّأة والصمت مجرد خيارات أسلوبية. فشكل العمل ذاته يصير جزءًا من تجربة الكارثة: لغة لم تعد قادرة على تفسير العالم بثقة، فتنكسر من الداخل وتكشف عجزها في بنية النص. وبدل أن يكتفي الكاتب بالحديث عن الكارثة، تبدو اللغة نفسها وقد حملت آثارها على جسدها.
ولتوضيح هذه الفكرة، أُشير إلى المسرحية القصيرة «كارثة»، وهي عمل يتعرّض فيه جسد صامت لنظرات المخرج وأوامره، ويحافظ في النهاية على صمته بحركة صغيرة ونظرة مباشرة. وفي نقاش الأمسية، طُرح هذا الصمت بوصفه عنصرًا دالًّا: صمتًا لا يقع خارج العمل، بل هو جزء من طريقته في التعبير.
خُصّص فقرة الأسئلة والأجوبة لإحدى أكثر المسائل إثارةً للجدل لدى هذين الكاتبين: هل ينتهي عالم أعمالهما إلى انسداد وكارثة مطلقة، أم يمكن العثور فيه على إشارات، ولو خافتة، إلى الأمل؟ وكانت الورقة الخضراء التي تظهر على الشجرة في الفصل الثاني من مسرحية «في انتظار غودو» المثال الذي استشهد به أحد الحاضرين لطرح هذا السؤال. فهل تفتح مثل هذه التفاصيل كوّة في قلب عالم بيكيت القاتم، أم ينبغي ألّا تُحوَّل إلى علامة حاسمة على الأمل؟
وفي الجواب، جرى التشديد على أنّه لا ينبغي أن يُنتظر من الكاتب أن يتولّى مهمة بثّ الأمل أو تقديم طريق للنجاة. فبيكيت وسيوران لا يسعيان إلى مواساة المتلقي بقدر ما يحاولان أن يكشفا بلا مواربة حال الإنسان في عالم مصدوع بلا سند. ومن هذا المنظور، لا يعني الاستمرار بالضرورة أن المرء متفائل؛ فقد يكون استمرار الحياة قوةً غريزية، حتى حين لا يستطيع الفرد أن يتصوّر لها معنًى نهائيًّا أو أفقًا واضحًا. وفي المقابل، أظهر السؤال عن الورقة الخضراء أنّ أعمال بيكيت تُبقي باب التأويلات المختلفة مفتوحًا، وأنّ القارئ يظل قادرًا على أن يتجادل في وزن العلامات الصغيرة ومعناها داخل عالمه.
وكان أبرز ما بقي من هذه الأمسية في ختامها التأكيدَ على الصلة بين التجربة التاريخية وأزمة المعنى والخيارات الشكلية. ففي القراءة المطروحة، لا يقدّم بيكيت وسيوران بالضرورة وصفة للعيش، ولا يحلّان تناقضات العالم بوعد بالخلاص. وتكمن أهمية أعمالهما في أنها تتيح للمعاناة وعدم الاستقرار وعجز اللغة عن تفسير التجربة أن تقف أمام المتلقي من دون أن تُختزل في جواب بسيط. وأظهر الحوار الختامي بدوره أنّ هذا العالم القاتم، بدل أن يضع حدًّا للنقاش، يثير أسئلة جديدة عن الأمل والصمت ومعنى الاستمرار.
الفن
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم الاقتصادية
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.