ظلّ علم الاستغراب في إيران يتأرجح دومًا بين الانبهار بالغرب ومقاومته. تدرس هذه المقالة أفكار فرديد وآل أحمد وشريعتي وداوري وسروش، وتسأل: كيف يمكن تجاوز ثنائية التغريب ومعاداة الغرب، والتفكير في إمكان الحداثات المتعددة مع الحفاظ على الحساسية المناهضة للاستعمار؟ وفي هذا المسار تفتح نظرية تشارلز تيلر والتجربة الفكرية لمحمد إقبال اللاهوري أفقًا بديلًا لفهم الحداثة.

لا يتشكّل علم الاستغراب في فراغ، ولا يمكن أن ينطلق من موقع محايد خارج التاريخ. فتجربة إيران والجنوب العالمي مع الحداثة متداخلة مع الاستعمار والتبعية والاغتراب الثقافي؛ غير أنّ تاريخية علم الاستغراب لا تعني النسبية، ولا تحصّن التراث الذاتي من النقد. والسؤال المحوري في هذه المقالة هو: كيف يمكن، مع الحفاظ على الحساسية المناهضة للاستعمار والإمبريالية، تجاوز ثنائية «التغريب/معاداة الغرب»، والتفكير في الحداثة من داخل تقاليد متنوعة، دون أن نجعل للغرب ماهية ثابتة ودون محاكاته؟ تدرس هذه المقالة تاريخ علم الاستغراب في إيران المعاصرة، من فرديد وآل أحمد وشريعتي حتى السجال بين داوري وسروش. ثم تقترح، استنادًا إلى التمييز بين «التنوير الأقصوي» و«التنوير الأدنوي»، وإلى نظرية «الحداثات المتعددة» لدى تشارلز تيلر (Charles Taylor)، مقاربةً بديلة، وتحلّل رؤية محمد إقبال اللاهوري بوصفها نموذجًا لحداثة إسلامية ليست علمانية ولا تقليدية.
غالبًا ما ينطلق علم الاستغراب في إيران كما لو أنّ «الغرب» موضوع خارج عنّا، يمكن وصفه من نقطة محايدة خالية من أي حكم مسبق. ولا وجود لمثل هذه النقطة في تجربتنا التاريخية. فقد دخلنا في علاقة مع الغرب قبل أن ننظّر له: عبر الحروب والمعاهدات، والسفر والترجمة، والمدارس الحديثة، والثورة الدستورية، والتقنية والرأسمالية، والاستعمار ومناهضة الاستعمار؛ وعبر آمال ومخاوف ــ على حد تعبير حميد عنايت، الودّ والضغينة ــ تراكمت في مخيّلتنا السياسية على مدى قرنين. لم تكن إيران مستعمرة بالمعنى الكلاسيكي، لكنّ تاريخها المعاصر ارتبط بتدخل الروس والبريطانيين، والاحتلال، والامتيازات الاقتصادية، والأنظمة التابعة. ولذلك فإنّ «الغرب» في أذهاننا ليس ديكارت وكانط والجامعة وفكرة التقدم فحسب؛ بل تحضر فيه كذلك ذاكرة القوة والهيمنة والإذلال.
غير أنّ هذا التجذّر في السياق لا يفضي إلى النسبية. فتاريخية الفهم لا تعني أنّ كل حكم يتساوى مع غيره في الصدقية؛ بل ينبغي أن يجعلنا الوعي بالموقع التاريخي أكثر حساسية تجاه أحكامنا المسبقة، سواء تعلّقت بـ«ماهية الغرب» أو بـ«الذات الأصيلة». إنّ تاريخية الفهم بداية النقد لا نهايته. وعلى هذا الأساس، فإنّ علم الاستغراب ليس قائمةً بمحاسن الحضارة الغربية ومساوئها، بل هو إضاءةٌ للشروط التاريخية والمعرفية التي جرى فيها التعرّف على «الغرب» وصناعته. وتحاول هذه المقالة الانتقال من «علم الاستغراب الهوياتي» إلى «علم الاستغراب النقدي والمعياري»: من سؤال «ما الغرب في ذاته؟» إلى سؤال: ما الصور التي تتخذها الحداثة، وبأي معايير ومن داخل أي منابع نستطيع أن نقيّم منجزاتها وقوتها وتعدّدها الداخلي، وأن نشكّل صورتنا الخاصة منها؟
كان الغرب في إيران، كما في جزء كبير من العالم الإسلامي، «نموذج التقدم» و«الآخر المهدِّد» في آن واحد. ولم تقتصر هذه الازدواجية على السياسة والاقتصاد. فقد بيّن الأدب المناهض للاستعمار، من فرانتس فانون إلى إدوارد سعيد، أنّ الاستعمار يتغلغل في تصوّر الإنسان المستعمَر لنفسه وللعالم؛ ومن ثمّ فإنّ «الذات» نفسها مرتبطة منذ البداية بنظرة الآخر. وفي مثل هذا الوضع، لم يكن ما سمّاه بعض الباحثين «الانتصار المؤلم للنزعة الأصلانية» مجرد عودة إلى التراث؛ بل كان محاولةً لبناء «الذات» في مواجهة «غرب» كان موضوعًا للاقتباس والنفي معًا (Boroujerdi, 1996). ولهذا صار البحث عن «الأصالة» مفهومًا مركزيًا، ولم يعد السؤال: هل نتعلّم من الغرب أم لا؟ بل: كيف نتعلّم دون أن نذوب في الآخر؟
لا تكمن أهمية أحمد فرديد في منظومة فكرية منتظمة منشورة بقدر ما تكمن في اللغة التي وهبها لأجيال من المثقفين الإيرانيين لفهم «الغرب». فقد صاغ هو مصطلح «التغرّب»، ثم نقله آل أحمد إلى الحيّز العام. وفي روايته، لا يمثّل الغرب والحداثة موقعًا جغرافيًا، بل هما اسم «حقبة تاريخية» ونمط مخصوص من نسبة الإنسان إلى الوجود. وتأثير هايدغر جليّ: فمعضلة الغرب الحديث تقوم في أساسها على نسيان الوجود، وهيمنة الذاتية، وسيطرة العقلانية التقنية (Mirsepassi, 2017; Boroujerdi, 1996). وتكمن جاذبية هذا التصور في أنه لا يفصل الأفكار والمؤسسات الحديثة عن تاريخها.
لكنّ نقطة القوة هذه تنقلب نقطة ضعف إذا صارت نظريةً شاملة عن «ماهية الغرب». فحين يغدو «الغرب» جوهرًا واحدًا، يفقد الخلاف بين الليبرالية والفاشية، والاستعمار ونقد الاستعمار، وكانط ونيتشه، وهايدغر وبوبر طابعه الحقيقي، ويُعدّ كلّ ذلك صورًا شتى لحقيقة خفية واحدة. ومن ثمّ فإنّ إرث فرديد مزدوج: فهو يقاوم الفهم السطحي للحداثة، لكنّه يمهّد الطريق للماهوية ولتثنية «الشرق/الغرب».
وإذا كان فرديد قد طرح «التغرّب» على مستوى فلسفة التاريخ، فقد ترجمه آل أحمد إلى التجربة اليومية للمجتمع الإيراني. فالتغرّب عنده علّة مجتمعٍ لا ينتج التقنية، بل يستهلك منتجات الآخرين دون أن يملك منطق إنتاجها ولا معرفتها. ولا ينبغي اختزال نقده في الخوف من التقنية: فالمشكلة ليست في «الآلة» نفسها، بل في العلاقة السلبية بها، وفي التحوّل إلى سوق استهلاكية للآخرين. والتغرّب بهذا المعنى تشخيصٌ للتنمية غير المتوازنة والتبعية. ويمكن القول إنّ نقد آل أحمد يتحرك في سياق نقاشات العالم الثالث ونقد التبعية، لا بوصفه «عودةً رجعية إلى التراث» فحسب (Saffari, 2017).
وفي الوقت نفسه، فإنّ استخدام لغة المرض والتلوّث في وصف التغرّب له كلفة نظرية: إذ يطمس الحدّ بين نقد بنية السلطة والارتياب في كل ما هو حديث، ويُفترض «الذات» أحيانًا متماسكةً إلى حدّ يوحي بأن ثقافة أصيلة محلية تنتظر من يكتشفها، في حين أنّ التراث نفسه ثمرة التاريخ والترجمة والتعدد والصراع. ومع ذلك، فقد نطق آل أحمد بمسألة لم تكن النظريات المبسّطة للحداثة تراها: فقد يصير المجتمع حديثًا في الظاهر، ويزداد في الباطن تبعيةً وانعدامًا للثقة بنفسه.
ووضع علي شريعتي النقاش في أفق آخر. ففي الأجواء الفكرية لباريس الستينيات، وفي احتكاك بأدبيات العالم الثالث وحركات التحرر، ربط مسألة الغرب مباشرةً بالاستعمار وبناء الذات الفاعلة. وتأثير فانون فيه واضح وموثّق؛ فقد أسهم في ترجمة «معذّبو الأرض»، ونقل لغة فانون في إنهاء الاستعمار إلى مفردات شيعية. و«العودة إلى الذات» عند شريعتي، إذا فُهمت فهمًا صحيحًا، ليست عودةً آلية إلى الماضي؛ فالذات ليست جوهرًا ثابتًا، بل مصدرٌ لاستعادة القدرة على الفعل: إذ يتعيّن على المجتمع التابع أو المستعمَر، كي يقيم علاقة متكافئة بالعالم، أن يبتعد أولًا عن الصورة التي صنعها له الآخر. و«العودة» أقرب إلى إعادة بناء الذات منها إلى التراجع، وهي نهج متّجه إلى المستقبل. ويرتبط هذا المشروع بإرث إقبال: فشريعتي يحاول أن يستخرج من المصادر الإسلامية صورةً للإنسان الفاعل المسؤول الصانع للتاريخ، لا يقف سلبيًا أمام الغرب ولا أمام تراثه؛ والتراث عنده ليس مخزنًا للمحفوظات، بل مادة خام ينبغي «استخراجها وتصفيتها» كي تنتج في الوضع الجديد قوةً تحررية.
غير أنّ توترات جدّية تبقى قائمة في فكر شريعتي أيضًا. فلغته التحررية تتحدث أحيانًا عن المجتمع بوصفه جمهورًا «مغتربًا» أو محتاجًا إلى التوجيه، ونظرية «الأمة والإمامة» والديمقراطية الموجَّهة، حتى لو لم نعدّها ثيوقراطية، تواجه أزمة مشروعية في مجتمع متعدد. وهنا تتكشف إحدى المسائل المفصلية في الأدبيات المناهضة للاستعمار: حساسية شديدة تجاه العدالة والهيمنة والتحرر، وحساسية غير كافية تجاه المشروعية السياسية في ظل التعدد الأخلاقي والديني للمجتمعات الحديثة. ولا يعني هذا القصور نزع الاعتبار عن الفكر المناهض للاستعمار؛ بل على العكس، يبيّن لماذا يحتاج هذا الفكر، كي يصير نظريةً سياسية ومعيارية، إلى الحوار مع الفلسفة السياسية المعاصرة.
في عقد ۱۳۶۰ (الهجري الشمسي) اتخذ النقاش حول الغرب في إيران صورةً فلسفية أكثر تماسكًا. وكان السجال بين رضا داوري أردكاني وعبد الكريم سروش في مجلة «كيهان فرهنكي» من أجدّ تجلياته. ويبدو السجال في ظاهره حول ما إذا كان لـ«الغرب» جوهر وماهية واحدة، لكنّ وراءه تصورين مختلفين للتاريخ والمعرفة وإمكان أخذ منجزات الحداثة. فداوري، في «النفسانية وجوهر الغرب وحقيقته» و«جوهر الغرب وماهيته» و«لوازم إنكار الغرب ونتائجه»، يدافع عن فكرة أنّ الغرب لا ينبغي اختزاله في مجموعة من الأشياء والعلوم والمؤسسات المنفصلة: فالعلم الحديث والتقنية والدولة الحديثة والفلسفة نشأت كلها داخل تاريخ واحد. ويسمّي جوهر هذا التاريخ «النفسانية». ولا يقصد بهذه اللفظة أمرًا نفسيًا أو أخلاقيًا كالأنانية أو هوى النفس؛ فالنفسانية مقابلٌ لـ«الذاتية» (subjectivity)، أي النظرة التي تجعل الإنسان ذاتًا وأساسًا للمعرفة والوجود، وترى العالم موضوعًا لتمثّله وتصرّفه. لكنّ مأزق رؤية داوري يبدأ من اللحظة التي يتحوّل فيها «الارتباط التاريخي» إلى «وحدة ماهوية». فإذا عددنا كل النزاعات الداخلية في الغرب صورًا للنفسانية، فسيفسّر هذا المفهوم كل شيء، ولهذا السبب بالذات يصبح عصيًّا على التفنيد: فلا شاهد يستطيع دحضه، والمفهوم الذي لا تنقضه أي واقعة لا يفسّر شيئًا.
ومن هذه النقطة يعترض سروش على داوري. ففي «الغربيون وحسن شؤونهم وأطوارهم وقبحها» و«وجود الغرب وماهيته»، يبدو سؤاله معرفيًا: على أي دليل نفترض ماهية واحدة لظاهرة بهذا القدر من التعدد؟ ويرى أنّ الغرب قد يكون كلًّا تاريخيًا، أي مجموعة من الأجزاء المترابطة، لكنّ ذلك لا يعني أنّ ثمة «كليًّا» أو ماهية حقيقية اسمها «الغرب»؛ فوحدة الغرب اعتبارية وتاريخية، لا ماهوية. وهذا النقد بالغ الأهمية لعلم الاستغراب: فإذا لم يكن للغرب ذات واحدة، وجب تقييم كل نظرية ومؤسسة ومنجز على حدة، ولا يتطابق الأصل التاريخي للنظرية مع صحتها. غير أنّ موقف سروش نفسه، إذا انحدر إلى انتقائية بسيطة، يواجه تحديًا: فالمؤسسات ليست ظواهر مستقلة، إذ ترتبط حرية التعبير بالنظام القانوني، والجامعة بالاستقلال المؤسسي، والانتخابات بالديمقراطية والمجتمع المدني؛ ولا يمكن أن نستنتج من نقد الماهوية في شأن الغرب أنّ النقل والانتقاء بلا كلفة وبلا سياق.
وفي رأيي أنّ سجال داوري وسروش يكشف خطرين حقيقيين: يُظهر داوري خطر «نزع التاريخ عن الحداثة»، ويُظهر سروش خطر «تجويهر الغرب». لكنّ نقاشهما يظل في إطار السؤال: ما الغرب، وإلى أي حد تقبل أجزاؤه التفكيك؟ أما المقاربة البديلة التي أقترحها هنا فتحاول تغيير صياغة المسألة. فبدلًا من أن نحكم بأنّ «الغرب» متماسك في ذاته أو قابل للتجزئة، يمكن أن نسأل: ما المعايير التي نملكها لتقييم الحداثة والمنجزات الحديثة وتراثنا نفسه؟ وتنتقل المسألة من أنطولوجيا «الغرب» إلى أخلاقيات الاعتقاد والعقلانية العامة والفلسفة السياسية، ولهذا يكتسب التمييز بين التنوير الأقصوي والأدنوي أهميته.
تستحضر لفظة «التنوير» (enlightenment) عادةً صورةً موحّدة: العقلانية، والعلم الحديث، ونقد الدين، والفردانية، والعلمانية، والليبرالية. لكن خلافًا لهذا التصور، يمكن أن نميّز في أعمال كانط، أهمّ فلاسفة التنوير، بين اتجاهين مختلفين. ففي قراءة، يكون التنوير «عقيدة فلسفية شاملة»: إذ يجب على الإنسان المتنوّر أن يقبل مجموعةً محددة من المعتقدات الفلسفية والأخلاقية، بدءًا من الاستقلال الفردي بوصفه أسمى القيم، وصولًا إلى تصور معيّن للدين والحياة الطيبة، ويكاد التحديث يرادف في الغالب تجاوز الدين التاريخي والتراث. وهذا ما يسميه صموئيل فلايشاكر «التنوير الأقصوي»؛ أقصويٌّ لا من حيث مقدار العقلانية، بل من حيث اتساع الدعوى (Fleischacker, 2013).
غير أنّ في كانط، ولا سيما في مقالة «ما التنوير؟»، تصورًا آخر: فالتنوير ليس مجموعة نتائج بقدر ما هو منهج وسيرورة: الخروج من القصور الذي جلبه المرء على نفسه، والجرأة على استخدام فهمه الخاص، والبحث عن أدلة لمعتقداتنا يمكن عرضها على الحكم العام، والاستعداد لتصحيحها. والأهم من «بماذا نعتقد» هو «كيف نعتقد»؛ أي أخلاقيات الاعتقاد. وهذا هو التمييز بين التنوير بوصفه «حقبة» والتنوير بوصفه «سيرورة». فالقراءة الأقصوية تحوّل الخصائص التاريخية لأوروبا في عصر التنوير إلى معيار للعقلانية؛ أما القراءة الأدنوية فتستخلص من التاريخ نفسه قواعد مفتوحة قابلة للتعميم: الاستقلال الفكري، والمسؤولية المعرفية، وقابلية النقد، والحوار الحر، وقبول الاختلاف المعقول.
ويقوم التنوير الأدنوي على عدة مبادئ: أولًا، لا أحد معفى من مسؤولية معتقداته: فلا التراث ولا الأكثرية ولا القادة السياسيون ولا المرجعيات الدينية يستطيعون أن يحكموا عنّا، ومعنى الاستقلال الفكري أن نقدر على تقديم الدليل على معتقداتنا. ثانيًا، هو يحتاج إلى الفضاء العام: فالمعتقدات تُمتحن بملامسة نقد الآخرين وتجربتهم، وحرية الفكر والتعبير شرطان معرفيان لا قيمتان سياسيتان فحسب. ثالثًا، لا يرى التعدد الديني-الأخلاقي حادثًا مؤسفًا، بل نتيجة طبيعية لحرية العقل: إذ يمكن حتى للعقلاء حسني النية أن يصلوا إلى نتائج مختلفة بسبب اختلاف تجارب الحياة، وتقدير الشواهد، وغموض المفاهيم؛ وهو ما صاغه جون رولز تحت عنوان «واقعة التعددية المعقولة» و«أعباء الحكم» (Rawls, 1996). رابعًا، يميّز بين نقد التراث ونفيه: فالتراث الديني، كأي تراث آخر، ينبغي أن يكون عرضةً للسؤال وإعادة التأويل، لكن لا يلزم من ذلك أن التديّن الوحياني غير عقلاني في ذاته؛ فقد يستطيع تراث ديني أن يعيد تأويل حرية الضمير وكرامة الإنسان والعدالة ويصادق عليها من داخل مصادره.
ومن ثمّ، فإنّ التنوير الأدنوي ليس «علمانية مخفَّفة» ولا برنامجًا لخصخصة الدين؛ بل يطلب من الدولة والفضاء العام أن يهيّئا شروطًا تتعايش فيها العقائد الشاملة الأخلاقية-الدينية المختلفة جنبًا إلى جنب، باحترام متبادل وسلميًا، دون أن تُفرض إحداها على الآخرين بوصفها الحقيقة الرسمية.
فإذا عددنا التنوير رؤيةً أخلاقية شاملة للعالم (كما افترض ذلك تقريبًا كل المفكرين الإيرانيين والمسلمين، ومنهم من ذكرتهم أعلاه)، صارت مواجهتنا للغرب مسألةً هوياتية لا مفرّ منها: فإما أن ننضمّ إلى «معسكر التنوير» ونترك خلفنا جزءًا كبيرًا من تراثنا، وإما أن نعدّ التنوير، دفاعًا عن التراث، مشروعًا غريبًا ونرفضه. أما التنوير الأدنوي فيكسر هذه الدوغمائية، وينظر نظرةً تعددية إلى معتقدات الحداثة وقيمها. وفي هذه النظرة، لا يحمل الغرب الحديث حقيقةً واحدة، ولا هو فاسد بالكامل، بل ساحةُ تعدد ومنازعة: ففيه الدين الطبيعي، وفيه الدفاع عن الدين التاريخي التوحيدي؛ وفيه الاستعمار ونقد الاستعمار؛ وفيه العنصرية والحركات المناهضة للعنصرية؛ وفيه العلمانية المتشددة والليبرالية السياسية والنظريات ما بعد العلمانية.
التنوير الأدنوي نادر في الفكر الإيراني المعاصر، لكن له استثناءً: فأهم عناصره ظاهرة في فكر سروش المتقدّم. ولا أضع سروش المتقدّم في معسكر التنوير الأقصوي، لأنّ جزءًا مهمًّا من «القبض والبسط في الشريعة» يحمل في ذاته إمكانات التنوير الأدنوي: التمييز بين النص الديني المقدس والمعرفة الدينية، وتاريخية الفهم وجماعيته، وتغيّر التفسيرات، ونفي الوصول المباشر المعصوم إلى الحقيقة الدينية، وضرورة فضاء عام حر للنقد الديني، ونفي الاستبداد الديني. وقد مال سروش في مراحل لاحقة من حياته الفكرية، بعد أن تجاوز النقد المعرفي وفتح فضاء التأويل إلى أحكام أوسع في طبيعة الوحي والتديّن الطبيعي والشخصي، إلى صياغة أقصوية أكثر للتنوير؛ لكنّ همّي هنا ليس الحكم على مجمل مسيرته، بل الحفاظ على تلك الإمكانية الأولى نفسها: فالتنوير الديني يبلغ أقصى انسجامه مع التنوير حين يفهم التنوير نفسه فهمًا أدنويًا، ولا يحوّله إلى منظومة شاملة، ميتافيزيقية أو أخلاقية، لا أن يختزل، كما فعل سروش، ولا سيما في أعماله المتأخرة، الدينَ وحده في «الدين الأقلّي». وعلى أي حال، فإنّ مقاربتي البديلة للحداثة ليست مجرد تركيب بين داوري وسروش. فهي تأخذ من داوري الحساسية للتاريخ والسياق، ومن سروش نقد الماهوية والتأكيد على التقييم الحجاجي، لكنها تنقل السؤال الأساسي من «ماهية الغرب» إلى «الصور المتعددة للحداثة»؛ وهو تحوّل أحسنت نظريةُ تشارلز تيلر صياغته.
إنّ نظرية «الحداثات المتعددة» (multiple modernities) عند تيلر، على اختلاف مبانيها عن التنوير الأدنوي، تتحدّى الافتراضات الشائعة حول العلاقة بين الحداثة والتراث. فإذا كان التنوير الأقصوي يحاول تحويل النتائج التاريخية الخاصة بالغرب إلى معيار عام للعقلانية، فإنّ هذه النظرية تقول إنّ الحداثة ليست سيرورة واحدة محايدة عابرة للثقافات تصل إليها جميع المجتمعات في نهاية المطاف على صورة واحدة؛ فقد تشكّلت الحداثة في تاريخ وثقافة بعينهما، ويمكن أن تتخذ مواجهة الآخرين لها صورًا مختلفة. ولم يعد السؤال: هل ينبغي أن نصير «حديثين»؟ بل: ما الذي يمكن قبوله أو نقده أو إعادة صياغته، ولأي سبب، ومن داخل أي منابع تاريخية ودلالية؟
يدافع تيلر عن نظرية ثقافية في الحداثة في مقابل «النظرية اللاثقافية». ففي التصور اللاثقافي، الحداثة مجموعة من التحولات المستقلة نسبيًا عن الثقافة: التعقلن، والعلم الحديث، والتصنيع، والبيروقراطية، والعلمنة، وتراجع الدور الاجتماعي للدين. وكل ما في الأمر أنّ الغرب سلك هذا الطريق قبل غيره؛ وسيسلكه الآخرون أيضًا، إذا نحّوا العوائق التقليدية جانبًا (Taylor, 1995). أما «النظرية الثقافية في الحداثة» فلا تقبل ذلك: فالحداثة تقترن بتحوّل في فهم الإنسان لنفسه والمجتمع والخير الأخلاقي والنظام الاجتماعي، ولا يمكن فصل ما تشكّل في الغرب عن سياق نشأته ولا عدّه نموذجًا كونيًا. ومفهوم «المتخيَّل الاجتماعي» (social imaginary) عند تيلر مهم لتفسير هذه السيرورة نفسها: فالمجتمع لا يُنظَّم على أساس النظريات الفلسفية، بل على أساس التصور المشترك لدى الناس عن كيفية العيش معًا وعن العلاقات المعقولة بينهم. والحداثة ليست نقل بضع مؤسسات أو تقنيات من مجتمع إلى آخر، بل تغيّرٌ في هذا المتخيَّل نفسه وفي فهمنا لذواتنا وللمجتمع (Taylor, 2004).
وترتبط هذه النقطة بنقد تيلر لـ«سرديات الطرح» (subtraction narratives). ففي السردية الطرحية، تنتج الحداثة عن حذف الدين والخرافة والمعتقدات ما قبل الحديثة، وما يبقى بعد الحذف هو الإنسان الحديث العقلاني. ويبيّن تيلر أنّ الحداثة ليست حصيلة زوال شيء، بل هي حاملة لصور جديدة من الفهم عن الإنسان والمجتمع. و«الإنسانوية الحصرية» كذلك ليست ما تبقّى بعد حذف الدين، بل صورة تاريخية لفهم الخير والازدهار الإنساني. ويتابع تيلر في «عصر علماني» التحليل نفسه في شأن الدين، ويؤكد تغيّر «شروط الاعتقاد»: ففي العالم الحديث لم يعد الإيمان الافتراض البديهي المشترك للحياة الاجتماعية، بل صار أحد الإمكانات المتعددة. وهذا التغيّر لا يثبت العلمانية ولا يبطل الدين؛ فالمؤمن وغير المؤمن كلاهما يعيشان في فضاء تتاح فيه الإمكانات الدينية وغير الدينية (Taylor, 2007).
ومن هنا يصل نقاش تيلر إلى علاقة التراث الديني بالحداثة. ففي «حداثة كاثوليكية؟» لا يسأل كيف نرفض الحداثة كليًا أو نطابق المسيحية مع كل نتائج الحداثة، بل يسأل: هل يمكن، من داخل التراث المسيحي الكاثوليكي، إقامة علاقة انتقائية ونقدية معها؟ وهو يرى ثنائية «القبول» و«الرفض» خاطئة، لأنها تفترض أنّ الحداثة كلٌّ متماسك (Taylor, 1999). فبعض الخيرات الحديثة، مثل الإحسان العام، وكرامة الإنسان، وحقوق الإنسان، وقيمة الحياة العادية، ليست غريبة عن تاريخ المسيحية، بل لها جذور فيه. ولا ينفي هذا القول التعارضات التاريخية بين الكنيسة والتحولات الحديثة، لكنه يبيّن أنّ الحداثة لا يمكن عدّها مجرد قصة تحرر الإنسان من الدين. ومن ثمّ فإنّ نقد الحداثة ينبغي ألا يفضي إلى إنكار منجزاتها، والدفاع عن التراث ينبغي ألا يكون على حساب تجاهل التحولات والتطورات التي كشفت قيمًا إنسانية مهمة أو رسّختها مؤسسيًا.
ولا ينبغي اختزال علاقة هذه النظرية بالتنوير الأدنوي في تطابقهما. فالتنوير الأدنوي ليس فلسفة شاملة في العقلانية أو الدين أو الحياة الطيبة؛ بل يدافع عن شروط يستطيع فيها أتباع العقائد الشاملة الأخلاقية-الدينية المختلفة أن يتحمّلوا مسؤولية معتقداتهم، ويقدّموا لها الأدلة، ويعرضوها للنقد، ويعيشوا في فضاء عام مشترك. وتكمن أهمية تيلر في أنه يتخلى عن أحد الافتراضات الأساسية للتنوير الأقصوي: أنّ التحديث يعني عبور المجتمعات تراثها واقترابها من صورة واحدة للعقلانية. فإذا كانت الحداثة نفسها صورةً تاريخية وثقافية، فلن يعود ممكنًا أن نقيم بين «الحديث» و«غير الحديث» العلاقة البسيطة نفسها بين العقل والتراث أو المستقبل والماضي؛ ولهذا يستطيع التراث الديني أيضًا أن يعيد قراءة المنجزات الحديثة من داخل مصادره.
وهذه النقطة مهمة لتجاوز ثنائية التغريب ومعاداة الغرب. فإذا عددنا الغرب حاملًا لحداثة واحدة، صارت مواجهتنا له اختيارًا هوياتيًا: التغرّب أو رفض الغرب برمّته. أما إذا كان للغرب نفسه تاريخ متعدد الطبقات والتعدد، فإنّ هذه الثنائية تتغيّر من أساسها. فلا يعود السؤال: «هل نقبل الغرب أم نرفضه؟»، بل: ما الذي نجده معقولًا في التراثات المتنوعة للغرب ومنجزات الحداثة، وما الذي ينبغي نقده، وما الذي يمكن أن نفهمه من جديد في إطار مصادرنا؟
ومع ذلك، فإنّ تيلر يتكلم من داخل تراث ينتمي إلى تاريخ الغرب. وتكتسب أطروحة الحداثات المتعددة أهمية خاصة بالنسبة إلى التراثات غير الغربية وغير المسيحية: فهي أيضًا تستطيع، بدلًا من محاكاة نسخة غربية من الحداثة، أن تعيد قراءة الخيرات الأخلاقية الحديثة من داخل تراثها وتجعلها خاصة بها. والسؤال هو: هل تجوز حداثة كهذه من داخل التراث الإسلامي أيضًا، وإن جازت فما صورتها؟
يُعدّ محمد إقبال اللاهوري (۱۸۷۷–۱۹۳۸)، الشاعر والفيلسوف المسلم المعاصر، من أجدّ من أجابوا عن هذا السؤال. فلم يقبل إقبال العلمانية ولم يقبل النزعة التقليدية. ويبدو هذا الموقف متناقضًا للوهلة الأولى، إذ يُعدّ عادةً أنّ الحداثة والعلمانية وجهان لعملة واحدة؛ لكنّ إقبال يفصل بينهما، وهذا الفصل مفتاح لفهم فكره، وهو كذلك تفسير لكون رسالته في العالم الإسلامي لم تلقَ من الإصغاء ما تستحقه. فلم يكن يرى الحداثة سلعة مستوردة ولا قطيعة تامة مع الماضي؛ بل كانت جوابًا يقدّمه المجتمع تحت ضغط الأفكار الجديدة، ومعناها البسيط أن يمسك الإنسان، فردًا كان أم جماعة، بزمام أمره. ولذلك كان إقبال يفهم الحداثة لا بوصفها تكيّفًا مع القيم الغربية، بل بوصفها «اتساعًا لحرية الإنسان» (Iqbal, 2013).
لا يقطع إقبال صلته بالماضي، بل يعيد قراءته في ضوء التجربة الحديثة. فالتراث والحداثة في فكره ليسا خصمين، بل يقعان في امتداد واحد. وهو يمضي بنقد التراث من داخل التراث نفسه، ويُدخل المفاهيم القديمة في اللغة السياسية لعصره، فيحوّلها بذلك (Majeed, 2009). وشعره مفعم بصور الحركة، وقد التمس هذه الحركة في بنية الإسلام ذاتها ووجدها في مفهوم الاجتهاد: فالاجتهاد «مبدأ الحركة في بنية الإسلام»، ويرى أنّ إهماله أحد الأسباب الرئيسة لانحطاط المسلمين. ويقول في «پيام مشرق»:
چه خوش بودی اگر مرد نکویی
ز بند باستان آزاد رفتی
اگر تقلید بودی شیوه خوب
پیمبر هم ره اجداد رفتی
وكان مقصوده من الاجتهاد إعادة قراءة الأصول الأساسية للتعاليم الإسلامية في ضوء الظروف المتغيرة للحياة الحديثة، لا حذفها. وفي شأن التاريخ كان يقول إنّ العودة إلى الماضي الإسلامي لازمة، لكن لكي نوفّر للحاضر مسوّغًا معقولًا فحسب، وإنّ التعظيم الزائف للتاريخ وإحياءه الاصطناعي ليسا علاجًا لانحطاط أي أمة (Iqbal, 2013).
وكان الحدّ بين الإسلام والغرب في نظر إقبال حدًّا نفوذًا؛ حتى إنه رأى أنّ الثقافة الأوروبية، من الناحية الفكرية، امتداد لبعض أهم مراحل الثقافة الإسلامية (Iqbal, 2013). لكنه لم يكن ساذجًا: فقد رأى أنّ المسلمين يعتنون بالغرب والغرب لا يعبأ بهم، وكانت هذه الفجوة بين الاشتراكات الفكرية الممكنة وواقع الهيمنة أحد جذور معارضته للعلمانية التي كان الغرب يريد تصديرها إلى الشرق (Majeed, 2009).
كان إقبال يعدّ العلمانية في سياق الإسلام «مستحيلة» عمليًا، وكان يسوق لذلك سببين. الأول أنّ الإسلام عنده مثال أخلاقي أنتج نظامًا اجتماعيًا وله به صلة حية. فلا يمكن الإبقاء على المثال وتنحية النظام الذي هو تجسيده الجماعي، لأنّ رفض هذا النظام ينتهي في آخر المطاف إلى رفض المثال نفسه (Sevea, 2012). ومن هنا فإنّ الروحي والدنيوي في نظره ليسا مجالين منفصلين، بل واقع واحد (Iqbal, 2013).
والثاني أنّ السياسة المنفصلة عن الدين تتحول، في اعتقاده، إلى استبداد محض. و«الدين» هنا ليس حكم رجال الدين ولا مؤسسة كنسية. فإقبال يعدّ الدولة الإسلامية «إلهية» من حيث إنّ مبادئها قائمة على التوحيد فحسب، لا من حيث إنّ على رأسها نائبًا عن الله في الأرض يخفي استبداده وراء العصمة؛ ويرى الشكل الجمهوري متسقًا مع روح الإسلام، ويعدّ التوحيد، بوصفه مبدأً عمليًا، هو المساواة والإخاء والحرية ذاتها (Iqbal, 2013). والدين بهذا المعنى معيار يقيّد السلطة السياسية من الخارج. فإذا حُذف هذا المعيار لم يبقَ من السياسة سوى القوة والمصالح. ويقول إقبال أيضًا إنّ الأخلاق العالمية للمسيحية في أوروبا أخلت مكانها لأخلاقيات ودول قومية متنافسة، وصارت القومية والوطن الأساس الوحيد للوحدة السياسية، وإنّ الدول الأوروبية التي فصلت الحياة الروحية عن الدنيوية متنافرة اليوم، وتبحث عن وحدة كانت الكنيسة توفّرها يومًا ما (Sevea, 2012). ومن ثمّ فإنّ دعواه في الاستبداد هي، قبل أن تكون دفاعًا عن الحكم الديني، حجّة في ضرورة وجود حدّ أخلاقي للسلطة السياسية.
وفضلًا عن ذلك، فإنّ لحجّة إقبال الاجتماعية ضد العلمانية أهمية أيضًا: فالنظام العلماني، الذي يُخرج أجزاء من الحياة الاجتماعية من سلطة الرموز والمؤسسات الدينية، يُضعف مشروعية الهويات الدينية ويترك المسلمين في وضع بلا سند.
فماذا وضع إقبال بدلًا من العلمانية والنزعة التقليدية؟ جوابه نوع من الحداثة الإسلامية. فهو لا يساوي بين الحداثة والعلمانية؛ فالعلمانية إحدى الاستجابات الممكنة للظروف الحديثة، لا استجابتها الحتمية. وهذا التمييز نفسه يتيح له أن يريد التحديث وأن يرفض العلمانية معًا (Sevea, 2012). ولحداثته الإسلامية سمتان.
الأولى أنّ الحياة الحديثة لا ينبغي أن تنفصل عن الإيمان، بل ينبغي أن تستلهمه: فالتحديث الأكثر لا يعني بالضرورة تدينًا أقل. ويقيم إقبال هذه الصلة عبر الاجتهاد، ولما لم يكن يرى الاجتهاد الفردي كافيًا للعالم الحديث، اقترح الاجتهاد الجماعي عن طريق مجلس تشريعي (Iqbal, 2013). والثانية أنّ هذه الحداثة ينبغي أن تكون للمسلمين أنفسهم. فعلى كل أمة أن تضفي بنفسها معنى على تجربتها التاريخية، لأنّ الأفكار المستعارة لا تمنح أمةً قوة الحياة. ولهذا فإنّ حداثة إقبال ليست من نوع «الحداثة العابرة»، أي محاولة لجعل تقليد علماني يواكب الموضة ودعوة المسلمين إلى مجاراته.
ومحور هذا المشروع مفهوم «الخودي» (الذات). فقد شدّد إقبال على فرادة الفرد التي لا تُعوَّض وعلى الأصالة والمبادرة الفردية، ووضع الذات في مقابل التقليد: فكما أنّ الاجتهاد في مقابل اتّباع الأسلاف اتّباعًا أعمى، فكذلك الذات في مقابل التخلي عن الاستقلال والمبادرة للآخرين. ومن هنا ينشأ مفهوم سياسي، إذ يدعو المسلمين إلى إعادة كتابة مصيرهم بـ«المخيّلة الخلّاقة» ويمنحهم الشعور بالفاعلية السياسية. ومع ذلك فلا ينبغي عدّ الذات فردانية بالمعنى الليبرالي. فالفرد والمجتمع عند إقبال متكاملان، ولا يبلغ الفرد التعبير عن نفسه إلا في بنية الجماعة. ويقبل إقبال بعض القيم الليبرالية، كالحرية والمساواة، لكنه يفهمها في إطار التوحيد ومجتمع أخلاقي، لا على أساس فردانية قائمة بذاتها. وهذه الحرية لا تتشكل في فراغ؛ فسياقها التاريخي هو التجربة الاستعمارية للمسلمين: إذ كان إقبال يعتقد أنّ الحرية تولد من رحم القيد، وأنّ الاستعمار منح المسلمين وعيًا بالذات وشعورًا بالانبعاث؛ وكان يقول: «عاصفة المغرب جعلت المسلم مسلمًا».
غير أنّ مشروع الحداثة الإسلامية عند إقبال لم يجد قط صوتًا مسموعًا في العالم الإسلامي. ولعل أحد الأسباب الجوهرية هو التداخل ذاته بين الحداثة والعلمانية. فالحداثة تُساوى في الذهن العام بالعلمنة، والعلمنة تُعدّ في مجتمعات مسلمة كثيرة فكرة مفروضة من الغرب؛ ومن ثمّ يُقرأ الدفاع عن الحداثة على أنه لامبالاة بالدين، ويبدو الحداثيون في عيون الآخرين دعاةً للعلمانية. وهكذا يبلغ الأسماعَ بصعوبة مضمونُ رسالة إقبال الأساسية، وهي أنّ التدين والكينونة الحديثة يمكن أن يتحققا معًا. وقد يكون هناك سبب آخر اجتماعي: فهذه المقاربة أجذب للطبقة الوسطى، وهذه الطبقة في العالم المسلم ما بعد الاستعماري لم تستطع بعدُ أن تصوغ رؤيتها بوضوح أو تجد تمثيلًا لائقًا. والنتيجة أنّ الحداثة الإسلامية عالقة بين قوتين مهيمنتين: علمانية النخب السياسية المتغرّبة من جهة، والنزعة التقليدية لدى الجماعات الأصولية من جهة أخرى.
وما حال دون سماع رسالة إقبال، أي مساواة الحداثة بالعلمنة، هو ما يسميه تيلر «سردية الطرح»: إذ تعدّ الحداثة شيئًا ينكشف بتنحّي الدين والتراث عن حياة الإنسان. وفي هذه السردية، يعني التحديث نزع الدين، ويكون الجمع بين التدين والحداثة تناقضًا. وتيلر، برفضه هذه السردية، يرى الحداثة الكاثوليكية إمكانًا داخل تراث ديني، وقد تابع إقبال، قبله بسنوات، هذا الإمكان نفسه في الإسلام. لكنّ حداثته الإسلامية لا تزال بلا صياغة واضحة مقبولة. فالقوتان المهيمنتان المذكورتان، وهما في الظاهر متخاصمتان، تفكران في إطار مشترك: كلتاهما تعدّ الحداثة مساويةً لنزع الدين، ولا تختلفان إلا في تقييمها، إذ ترحّب بها إحداهما وترفضها الأخرى. وهذه هي ثنائية التغريب ومعاداة الغرب التي تسعى هذه المقالة إلى تجاوزها، وقد كان إقبال واقفًا خارج هذا الإطار. وعلّق أمله على الأجيال اللاحقة:
پس از من شعر من خوانند و دریابند و میگویند
جهانی را دگرگون کرد، یک مردِ خودآگاهی
(زبور عجم)
استنادًا إلى ما سبق، ينبغي لعلم الاستغراب أن ينتقل من اكتشاف ماهية الغرب إلى معرفة الحداثات المتعددة. فقد وضع فرديد وآل أحمد وشريعتي، كلٌّ على طريقته، إصبعه على جرح حقيقي: التبعية والاستعمار والاغتراب. لكنّ السياق التاريخي لنظرية ما لا يضمن صحتها. فحين تحوّل «الغرب» إلى ذات واحدة، بقي التغريب ومعاداة الغرب، على اختلافهما، في إطار مشترك: كلاهما يفترض مسبقًا أنّ الحداثة حزمة متماسكة إما أن تُقبل دفعة واحدة أو تُرفض دفعة واحدة. ولم يخرج سجال داوري وسروش بدوره من هذا الإطار. فأحدهما تحدّث عن الوحدة التاريخية للغرب، والآخر عن إمكان انتقاء أجزائه؛ ولم يتجاوز أيٌّ منهما هذه الثنائية تجاوزًا كاملًا ولم يبيّن كيف يمكن التفكير في الحداثة في سياق تراثات أخرى.
الغرب ليس متماسكًا. وربما كان هذا أهم درس في سجال داوري وسروش إن مضينا به خطوة أخرى: فالغرب ليس ذاتًا واحدة ولا مجموعة أجزاء مستقلة يمكن اختيار كل منها أو تركه بحرية. إنه تاريخ فكري ومؤسسي ومتعدد، أجزاؤه مترابطة، لكنّ هذه الروابط ليست ضرورية ولا ثابتة.
إنّ التنوير الأدنوي ونظرية الحداثات المتعددة، كلٌّ من طريقه، يكسران ثنائية التغريب ومعاداة الغرب هذه. فالتنوير الأدنوي يبيّن أنّ ما يمكن الدفاع عنه وتعميمه من التنوير هو الفضائل والقواعد المعرفية ــ المسؤولية عن المعتقدات، وقابلية النقد، والحوار الحر، وقبول الاختلاف المعقول ــ لا عقيدة شاملة تُقصي الدين والتراث سلفًا. وتيلر كذلك يبيّن أنّ الحداثة ليست حصيلة نزع الدين والتراث من حياة الإنسان؛ بل هي صورة تاريخية وثقافية يمكن أن تتخذ أشكالًا شتى في التراثات المختلفة. وعندئذ لا نحتاج إلى تقديس «الغرب» كي ندافع عن حرية الفكر والتعبير، وفصل السلطات، والجامعة المستقلة، والمنهج العلمي؛ فهذه، إن استحقت الدفاع، فبفضل ما يسندها من أدلة وبفضل وظيفتها، لا لأنها «غربية». وكذلك لا نضطر، كي ننتقد الاستعمار والعنصرية والرأسمالية المنفلتة، إلى اختزال تاريخ الغرب وفكره كله في ذات خبيثة.
ويبيّن إقبال أنّ هذا الإمكان ليس نظريًا محضًا. فقد فهم الحداثة بوصفها «اتساعًا لحرية الإنسان»، لا محاكاةً للغرب ولا قطيعة مع التراث، ورأى الغرب قوةً استعمارية وطرفًا للحوار في آن. وإذا أخذنا الحداثات المتعددة على محمل الجد، لم تعد ثنائية التغريب ومعاداة الغرب قدرًا محتومًا.
والتراث كذلك في هذا الأفق ليس كنزًا مقدسًا لا يتغير، ولا عائقًا ينبغي إزاحته من الطريق للدخول في الحداثة، بل هو مجموعة تاريخية من النصوص والروايات والممارسات والمؤسسات يمكن إعادة قراءتها. وقد تتنافى بعض عناصره مع الحرية والمساواة وتحتاج إلى نقد وإعادة نظر جدّيين؛ وقد توفّر عناصر أخرى منابع أخلاقية قوية للعدالة والتضامن. ويجب أن يكون النقد ذا اتجاهين. فنقد الغرب دون نقد التراث يفضي إلى نزعة أصلانية تبريرية، ونقد التراث دون نقد السلطة الإمبريالية يفضي إلى احتقار الذات والتقليد.
نتعلم من فرديد وداوري أنّ للحداثة تاريخًا، ونتعلم من سروش أنه لا ينبغي اختزال هذا التاريخ في ذات واحدة، وأنّ صحة فكرة ما لا تُستنتج من مكان ولادتها. ويذكّرنا آل أحمد وشريعتي بأنّ الاستعمار والتبعية والاغتراب وقائع جدّية، وأنّ الإنسان ما بعد الاستعماري يحتاج، كي يحضر في العالم حضورًا متكافئًا، إلى استعادة فاعليته الثقافية والهوياتية. لكنّ تجربة هذه التيارات الفكرية نفسها تبيّن أنّ «الأصالة»، إن تحوّلت إلى ذات متماسكة محصّنة من النقد، يمكن أن تصير هي نفسها مصدرًا للإقصاء والتسلّط.
وربما كان السؤال عن «الغرب» سؤالًا عنّا نحن منذ البداية. فما دمنا نفترض الغرب ذاتًا واحدة، فعلينا إما أن نقلّده وإما أن نصطدم به، وفي الحالتين نعجز عن رؤية أنفسنا: عن رؤية أنّ تراثنا أيضًا متعدد، وموضع خلاف، وغير مكتمل. وعلم الاستغراب، إذا تجاوز هذا المفترق، لم يعد يصدر حكمًا نهائيًا ولم يُلزمنا بأن نختار بين «التغريب» و«معاداة الغرب». إنه يضع على عاتقنا مهمة أكثر تواضعًا وأشدّ صعوبة: أن نتعلم ما ينبغي نقده، وما يمكن أخذه من الآخرين، وما يجب أن نعيد بناءه من جديد في تراثنا. فالحداثة ليست شيئًا يستطيع الآخرون أن يوفّروه لنا، ولا شيئًا نستطيع تجاوزه بإنكاره؛ بل علينا، في عالم اليوم المشترك، أن نبنيها بفهمنا وحكمنا، دون انهزام أمام الذات ولا اكتفاء بها. ولهذا لم يعد السؤال الأخير: ما الغرب؟ بل: ماذا نريد أن نكون، وكيف نصوغ مشروع حداثتنا؟
آل أحمد، جلال. غربزدگی. طهران: رواق، ۱۳۵۷.
داوري أردكاني، رضا. «النفسانية وجوهر الغرب وحقيقته». كيهان فرهنكي، السنة ۱، العدد ۱، فروردين ۱۳۶۳، ص ۱۳–۱۴.
داوري أردكاني، رضا. «جوهر الغرب وماهيته». كيهان فرهنكي، السنة ۱، ۱۳۶۳.
داوري أردكاني، رضا. «لوازم إنكار الغرب ونتائجه». كيهان فرهنكي، العدد ۳، خرداد ۱۳۶۳، ص ۱۸–۱۹.
سروش، عبد الكريم. «وجود الغرب وماهيته». كيهان فرهنكي، العدد ۵، مرداد ۱۳۶۳، ص ۱۹–۲۲.
سروش، عبد الكريم. «الغربيون وحسن شؤونهم وأطوارهم وقبحها». في تفرج صنع: گفتارهایی در اخلاق و صنعت و علوم انسانی. طهران: صراط.
سروش، عبد الكريم. القبض والبسط النظري في الشريعة. طهران: صراط، ۱۳۶۹.
شريعتي، علي. العودة إلى الذات، مجموعة الآثار ۴. طهران: إلهام، ۱۳۶۲.
شريعتي، علي. «الأمة والإمامة»، في علي، مجموعة الآثار ۲۶. طهران: إلهام، ۱۳۶۵.
Boroujerdi, Mehrzad. 1996. Iranian Intellectuals and the West: The Tormented Triumph of Nativism. Syracuse University Press.
Fleischacker, Samuel. 2013. What Is Enlightenment? Routledge.
Iqbal, Muhammad. 2013. The Reconstruction of Religious Thought in Islam. Edited and annotated by M. Saeed Sheikh. Introduction by Javed Majeed. Stanford University Press.
Majeed, Javed. 2009. Muhammad Iqbal: Islam, Aesthetics and Postcolonialism. Routledge.
Mirsepassi, Ali. 2017. Transnationalism in Iranian Political Thought: The Life and Times of Ahmad Fardid. Cambridge University Press.
Rawls, John. 1996. Political Liberalism. Columbia University Press.
Saffari, Siavash. 2017. Beyond Shariati: Modernity, Cosmopolitanism, and Islam in Iranian Political Thought. Cambridge University Press.
Sevea, Iqbal Singh. 2012. The Political Philosophy of Muhammad Iqbal: Islam and Nationalism in Late Colonial India. Cambridge University Press.
Taylor, Charles. 1995. “Two Theories of Modernity.” Hastings Center Report 25 (2).
Taylor, Charles. 1999. “A Catholic Modernity?” In A Catholic Modernity? Charles Taylor’s Marianist Award Lecture, ed. James L. Heft. Oxford University Press.
Taylor, Charles. 2004. Modern Social Imaginaries. Duke University Press.
Taylor, Charles. 2007. A Secular Age. Harvard University Press.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.