إن الوجود هو الحقيقة الأصيلة الحافة بالواقع الخارجي، وما الماهيات إلا اعتبارات ذهنية وحدود يتنزل بها الوجود في الفهم.
الملا صدرا، المشهور بصدر المتألهين، فيلسوف وحكيم إلهي من القرن الحادي عشر الهجري ومؤسس مدرسة الحكمة المتعالية؛ وهي مدرسة جمعت بين الفلسفة والعرفان والتعاليم الدينية في نسق فلسفي واحد.
صدر الدين محمد بن إبراهيم قوام الشيرازي، المشهور بالملا صدرا وصدر المتألهين، وُلد في شيراز عام 979 هـ وتوفي حوالي عام 1045 هـ. هو فيلسوف وحكيم إلهي ومؤسس مدرسة الحكمة المتعالية؛ وهي مدرسة سعت إلى الجمع بين الفلسفة المشائية والإشراقية وعرفان ابن عربي وعلم الكلام الإسلامي وتعاليم القرآن والحديث في نسق فلسفي جديد.
درس الملا صدرا في قزوين وأصفهان، وتتلمذ على كبار مثل الشيخ البهائي والمير داماد والمير فندرسكي. وبعد فترة من التدريس والمناظرة في أصفهان، ارتحل إلى كهك قم بسبب معارضة بعض علماء عصره لآرائه الفلسفية والعرفانية، وقضى هناك فترة من العزلة والرياضة والتأمل. ثم عاد لاحقاً إلى شيراز بدعوة من حكام فارس، واشتغل بالتدريس والتأليف في مدرسة خان.
الحكمة المتعالية هي أهم إنجازات الملا صدرا. فهو لم يرَ في هذه المدرسة العقلَ الفلسفي والكشفَ العرفاني والوحيَ الديني طرقاً متعارضة، بل سعى إلى توظيفها في مسار واحد لفهم الحقيقة. ولهذا، فإن فلسفته ليست مجرد بحث ذهني ومدرسي؛ بل هي نوع من السلوك الفكري والروحي.
أصالة الوجود: رأى الملا صدرا، خلافاً لبعض الفلاسفة السابقين، أن الوجود هو الحقيقة العينية الأصيلة، واعتبر الماهية أمراً اعتبارياً. وبعبارة بسيطة، ما هو موجود حقاً هو «الوجود»، أما الماهيات فهي قوالب فهمنا للموجودات.
تشكيك الوجود: الوجود في نظر الملا صدرا حقيقة واحدة، لكنها ذات شدة وضعف. فجميع الموجودات لها نصيب من الوجود، لكن هذا النصيب ليس متساوياً؛ من المرتبة الضعيفة للمادة إلى المرتبة العليا واللامتناهية للحق تعالى.
الحركة الجوهرية: هي إحدى ابتكاراته الكبرى. فقبل الملا صدرا، كانت الحركة تُعرف غالباً في الأعراض كالمكان والكم والكيف؛ لكنه قال إن جوهر الأشياء المادية هو أيضاً في حركة وصيرورة دائمة. فالعالم في نظره ليس ساكناً؛ بل هو صيرورة وتكامل بالكامل.
اتحاد العاقل والمعقول: في المعرفة، لا يبقى الإنسان والمعلوم منفصلين تماماً عن بعضهما. ففي عملية الإدراك، تتحد النفس بالصورة المعلومة، ويُحدث العلم نوعاً من الكمال الوجودي للنفس.
جسمانية الحدوث وروحانية البقاء للنفس: النفس الإنسانية في بدء نشأتها تابعة للبدن ومادية، لكنها تبلغ في مسيرتها التكاملية مرتبة روحانية ومستقلة.